سالت دموع من عيناها تختلط بمياه البحر المالحة لتغمض عيناها باستسلام مودعة تلك الحياة المأساوية التي سلبت أمانيها. وفي لحظة، كان أحدهم قفز في الماء وسبح للأسفل تجاه روح واقترب منها. امسك وجهها وربت عليها لكن لا حياة فيها. حط يده على وسطها وسبح للأعلى يخرجها. كان يحملها على ذراعيه وهو يسير على الرمال. وضعها على الأرض برفق وضغط ناحية أيسر صدرها. "روح.. روح فوقي." لم تكن تتحرك حتى أنفاسها مقطوعة.
مسك وجهها وفتح فمها ولصق شفتيه بفمها ويعطيها تنفس صناعي لكن بلا جدوى. "لا يا روح متعمليش كده." عاد ليعطيها نفسًا أقوى عن ذي قبل وسقطت دمعة من عينه لامست وجهها. ويحاول جاهداً حتى شهقت وهي تبصق المياه التي استنشقتها. "روح." سمعت ذلك الصوت فتحت عيناها بضعف. وجدت شخصًا لكن لم تكن رؤيتها واضحة. "فوقي يا حبيبتي أنا جيت.. معلش لو كنت اتأخرت عليكي." كانت تسمع صوته وكأنه يحدثها.
كلمات ذلك الشخص التي لا تفهمها لكن صوته.. صوته الذي يتردد في أذنيها كنغمة تعرفها جيدًا. بدأت غشاوة عيناها تبتعد والصور تتوضح لها شيئًا فشيئًا. حتى رأته عيناها كان حبيبها. لم تكن تصدق أنها تراه. هل ماتت وقابلته كما أرادت؟ لقد خشيت أن حتى في موتها تحرم منه. ابتسمت وعيناها تدمع وتقول بصوت هامس. "يحي." "أنا معاكي اه." إنها لا تميز بين الواقع والحلم والكابوس والخيال. لكن تشعر أن لا يزال قلبها ينبض. هل هي لا تزال حية؟
هل هذا شخصًا وتتخيله؟ هو حبيبها.. عجباً لا تريد أن ينتهي ذلك الحلم. تتمنى لو كان واقع. أغلقت عيناها وأرخت يداها مغيبة عن ما حولها. فتحت روح عينها. نظرت على سقف الأوضة التي هي فيها. نظرت حولها فكان القصر. لكن كيف؟ ومن أحضرها لهنا؟ كيف؟ شعرت بشيء ما في يدها. نظرت جانبها حتى بحلقت عيناها بصدمة وارتجف بؤبؤ عيناها وتغلغلت الدموع من بينها وهي تنظر إليه. كان هو يحي ويمسك بيدها وجالس بجانبها. "الحمد لله إنك فوقتي."
تحركت شفتاها لكن لا تستطيع النطق وكأن حبال صوتها قد تلاشت. وتسيل الدموع من عيناها بصمت. وكان ينظر إلى كل دمعة تسقط منها ويراقب تعبيراتها. "ي.. يحي." قرب منها وهو يقول. "ايه يا روحي." دق قلبها وهي تسمع صوته بلهجته التي تشتاق إليها. كررت لكن بصوت يجهش بالبكاء. "يحي." اندفعت إليه بعناق قوي فأخذها هو الآخر وعانقها. ودموع عيناه تسبقه ويضمها إليه أكثر وكأنه يريد أن يدخلها بين أضلعه وألا تخرج منها.
"مكنش حلم انتي.. انت عايش مش كده." "عايش يا حبيبتي.. قولتلك مش هسيبك." ضمها إليه ودمعة تسيل من عينه وهو يدفن وجهه في عنقها يشم رائحتها بحزن وشوق ويتنهد بارتياح لأنها عادت لأحضان. "لي تعملي فيا كده." وكان يقصد بإلقاء نفسها نحو الموت. قالت. "كنت عايزة أجلك بأي تمن." "تقومي تحاولي تموتي نفسك." "أنا كنت ميتة أصلاً." "ولو حصلك حاجة.. مكنتش هسامح نفسي." "قولتلك أنا مقدرش أعيش من غيرك."
"مكنش بإيدي كان راحة للإحساس اللي كنت بحسه.. لي سبتني المدة دي كلها.. متعرفيش اليوم كان بيعدي عليا إزاي وانت مش فيه.. لما قالولي إنك مت مصدقتش بس هما.. هما أثبتوا ده في دماغي.. أنا تعبت أوي يا يحي.. تعبت وخسرت ابننا.. أنا مكنتش جديرة بالمسؤولية ومعرفتش أحافظ عليه." "ششش." قالها وهو يمسد على شعرها ويكبح حزنه وعينه فيها دموعه. "ده مش ذنبك قدر ربنا.. حقك عليا يا حبيبتي مكنتش أقصد أسيبك ده كله لوحدك."
"لي متصلتش عليا لي قطعت التواصل معايا لي تسيبني عايشة لا عارفة إذا كنت عايش أو ميت.. لي تعمل فيا كده." "أنا آسف." "مش قابلة اعتذارك.. انت.. انت السبب.. كنت متعمد تختفي وتسيبني طول الفترة دي." تفاجأ من ما قالته. دفعته بعيدًا عنها وقالت بصراخ.
"محملاك المسئولية اللي أنا فيها.. استفدت إيه من اختفائك.. انت كده كان أحمد معاه حق بتحب تقلقنا عليك أقنعتنا بموتك عشان إيه.. لي تعمل كده.. بسببك ابني مات جوايا.. اتعذبت وصلت بيا للانتحار.. لي أنقذتني.. جايل لي دلوقتي… خلاص امشي مش عايزة أشوفك." قرب منها بحزن شديد وخدها في صدره بعناق. "أنا آسف يا حبيبتي والله ما كان بإيدي." "كذاب.. ابعد عني.. ابعد انت السبب في اللي أنا فيه."
"بس يا روح كفاية انتي متعرفيش حاجة والله ما تعمدت إن كل ده يحصل… هحكيلك كل حاجة بس أهدي.. أهدي أرجوكي انتي لسه تعبانة." حضنته رغم غضبها منه وهي تمسك به بأظافرها كي لا يبتعد. تريد إبعاده وسبه ونفره بعيدًا عنها لكن لا تستطيع. تخشي أن يكون حلماً وتفيق على واقعها وهو ليس معها. "انت السبب في اللي أنا فيه يا يحي انت مفيش حد غيرك." قالتها بغضب وهو حضناها وبتضربه بقبضتها الضعيفين.
"أنا آسف كفاياكي بقا متعيطيش ارجوك.. قلبي بيوجعني عليكي أكتر مهو واجعني." "خليه يوجعك زي ما وجعتني عمرك ما هتتخيل بشاعة الشعور اللي حسيت بيه واللي مريت بيه في الفترة دي." لم يعلق. ربت عليها وهو يمسد على شعرها ويجز على أسنانه وينظر للأعلى وكأنه ينادي ربه أن يرحمه من هذا العذاب وهذا الألم الذي يشعر به. يناديه أن يخفف عليها ويحمله العبء عنه. بدأت تهدأ لكن هدوء مريب. وأرخت يداها وقواها قد زالت. أبعدها يحي قليلاً.
بص لها كانت قد غفت من الإرهاق. بص لوشها التي مغترق في البكاء كان يؤلمه ذلك. حضنها وهو يقول. "متعرفيش خوفت عليكي إزاي أنا منمتش من يومين من خوفي ليحصلك حاجة.. سامحيني يا حبيبتي كل حاجة هتبقى بخير." أبعدها عنه وهو ينزلها على السرير برفق. رفع الغطاء عليها وقبلها برقة من رأسها. وتسيل دمعة من عينه. بص على بطنها وكأنه يتخيل ابنه الذي فقده. سمع صوت من الخارج. تنهد وتركها لتنعم بالهدوء والسكينة. خرج قابله أحمد.
نظر إلى الغرفة وهو يقفل الباب قال. "إيه." "والد روح هنا." أومأ له ونزل. فكان هو الذي هاتفه ليطمئنه على روح. تقدم منهم. بص له هو وعلي وسلمى وزينب وكوثر التي كانوا يبدو ينتظرونه. قال عماد. "هي فين." "اهدأ هي نايمة دلوقتي عشان تعبانة جبتلها دكتورة وعملتلها اللازم بسبب اللي حصل." "هو إيه اللي حصل انت لقيتها فين." صمت يحي قليلاً. بص له أحمد باستغراب قال. "لحد دلوقتي منعرفش." "شوفت روح فين." قال عماد.
"إيه اللي حصلها يا يحي متتكلم." "كانت هتموت نفسها." كان أحمد نازل وهو يمسك بهاتفه ويعمل مكالمة. قالت كوثر. "عملتوا إيه لقيتوها." "لا هبلغ." وقف وبص لهم قال. "المهم لو عرفتوا حاجة اتصلوا عليا وعرفوني." "ممكن تيجي هنا." قالت سلمى بتردد. "معرفتوش أي حاجة عنها من امبارح." بص لها أحمد وسكت. فهي تخفي اهتمامها لأمرها. تنهد وقال. "المهم تكون كويسة وترجع." "هي مين دي." جاءهم هذا الصوت من الخلف ولم يستطيعوا أن يستوعبوا.
نظروا إلى صاحبه وتسمروا مكانهم بصدمة تجتاح وجوههم ولا يصدقون ما تراه أعينهم. إنه يحي. كان يقف ومعه حقيبته ويبدو أنه قد عاد للتو. تقدم منهم. دمعت عين سلمى. "يح.. يحي." ركضت إليه بسرعة وهي تحتضنه بقوة وبكت بشدة. بص لها يحي وهي حضناه ابتسم ابتسامة خفيفة وبادلها العناق وهو يربت عليها بحنان. قالت كوثر بعدم تصديق. "يحي." ابتسمت زينب وقالت. "هو يا كوثر يحي." كانت سلمى بتعيط. قال يحي. "اهدأ يا سلمى مالك."
رفعت وجهها إليه ونظرت له قالت. "انت عايش صح يعني أنا مش بحلم." تعجب كثيراً من ما تقوله. وجد كوثر تقترب منه وتلمس وجهه وعينها مدمعة. "مش حلم يا سلمى يحي رجع." أخذته بعناق حاني وشوق ودموع تسيل بعينيها. لا تصدق أن ابنها قد عاد إليها. بادلها يحي العناق فلقد اشتاق لها أيضاً. نظر إلى صديقه كان بيبصله وهو مصدوم عينه مدمعة وفرحان إنه شايفه. قرب منها. ابتعدت كوثر لهم. صافحه وجذبه لصدره وهو يربت عليه.
"منك لله يا أخي وقعت قلوبنا عليك ولا عرفنالك طريق." ربت عليه يحي. أبعده وقال. "هحكيلكم بعدين بس فين روح." صمتوا وتبدلت ملامحهم. نظر إليهم وقال. "عرفت إنها عايشة معاكم.. فينها مش شايفها ليه، في جامعتها؟ قالت سلمى. "روح مش هنا، بقالها مدة بعيدة عن القصر." بص لها باستغراب شديد وقال. "بعيدة فين.. عايشة مع أبوها يعني ولا إيه." "لا في المستشفى." تفاجأ كثيراً وقال. "مستشفى إيه هي كويسة." سكتوا بصلهم باستغراب وقال بعصبية.
"ساكتين ليه ما تتكلم." حس بوجع وظهر على وجهه معالم الألم بسبب عصبيته ومسك دماغه. بص له بقلق. "مالك يا يحي أنت كويس." تنهد وهو يقول. "روح.. انجزوا قولوا ماله." تنهدت كوثر وقالت. "لما سافرت اكتشفنا إن روح حامل." لمعت عيناه لسماع ذلك. قال. "حامل." حسوا بحزن لما شافوه فرح. لكن لم تكمل فرحته حتى أخبروه بكل شيء قد مروا به في غيابه.
كيف حل الحزن عليهم بسبب موته واختفائه وكيف أثر الحزن على حال روح إلى أن خسرت طفلها وخسرت نفسها كالأن وباتت في حالة مزرية. وكانت في المستشفى للعناية بها لأنها كانت تشكل خطراً على نفسها. كان بيحكوله وهو مش مستوعب ما مرت به ومصدوم وعينه مدمعة وعقله يكاد ينفجر من كثرة هذه الأحداث. "كل ده يحصل في غيابي." سكتوا بصلهم واردف بغضب.
"أرجع ألاقي ابني مات ومراتي في المستشفى هي دي اللي أنا سبتها لكم عشان تخلو بالكم منها في غيابي.. تقول لها إني مت وأنا لسه عايش." قال أحمد بأنفعال. "وانت كنت فين.. سايبنا المدة دي كلها وبتخدعنا بموتك لي.. إحنا دورنا عليك وكأنك اختفيت من على الأرض.. المستشفى وعرفنا العملية منجحتش والمده في حياتك وكانت خلصت… كل حاجة كانت بتشير إنك ميت يا يحي."
"وحتى لو عرفت حاجة زي دي لي تقولها وانت عارف إنها حامل وده هيأثر عليها.. كنت أكذب عليها أي مفيش مخ."
"أكذب عليها اه على أساس إن الحقيقة فلقت بمجرد بس مكنش في خبر عليك كانت تسألني.. بتتكلم عادي عشان مشفتش كام مرة سألت عليك ده كانت كل يوم تسألني عنك اتصلت ولا لا اخبار العملية عايش فين بيعمل إيه.. مكنتش بعرف أرد عليها وأنا عايز أديها إجابتها بس أنا حتى مش عارف.. روح كانت مستنية أي خبر عنك.. فكرك كنا إحنا هنعرف وهي لا.. بالعكس كانت هتعرف أول واحدة هي أصلاً كانت قلقانة عليك ويحصاها مضاعفات بسبب قلقها.. أنا مكنتش عارف ألاقيها منين ولا منين، بدور عليك من هنا وشركتك وشغلك بحاول أمشيهم مراتك وابنك وأختك.. أنا كنت بحاول على قد ما أقدر أكون مع الكل ومقصرش."
ابتسم يحي. فصمت أحمد واستغرب من ابتسامة. "ابني!! قالها بسخرية إلى ما قاله. ليردف بحزن. "هو فين ابني ده." قربت كوثر منه بحزن وقالت. "معلش يا يحي ربنا هيعوضك." "يعوضني إزاي.. ده كان آخر أمل ليها إنها تكون أم، الرحم بتاعها اتضر بسبب موت.. يعني مش هتحمل تاني.. عانت كتير وفي الآخر تكون لوحدها في المستشفى." قالت سلمى. "انت مشفتش روح كانت عاملة إزاي، إحنا كنا خايفين عليها." غصب يحي وقال.
"خايفين عليها من مين كان المفروض تكون معاكم مش تتخلوا عنها." تعجب أحمد فهو لا يزال معاه ولن يتركها قال. "بس إحنا متخليناش عنها." قاطعه بغضب وهو يقول. "بس بقا هات زفت عنوان المستشفى دي بسرعة." صمت أحمد قليلاً وعم الهدوء. تعجب يحي وقال. "إيه متعرفش هي فين كمان." "عارف." "وساكت لي." "لا معدتش هناك يا يحي.. روح هربت." بص له يحي بصدمة وقال. "انت قلت إيه.. هربت إزاي يعني."
"خرجت من المستشفى ومحدش.. يعرف طريقها ده تاني يوم ليها وهي برا." وقع هذا على يحي كخبر صادم. قال. "يعني برا البيت بقالها يومين." كمل بغضب. "وانتو بتعملوا إيه بتقول إنك كنت مخلي بالك عليها وقاعد هنا ولا على بالك ولا أبوها.. انتوا عايزين تشلوني." "لا أنا كنت لسه خارج رايح لهم، إحنا بندور عليها والله." "أنا لسه هستناكم لما تدوروا وأنا هلقيها بنفسي." خرج يحي. نادتة سلمى لكنه لم يرد على أحد فهو لا يستمع سوى لنفسه.
فتلك حبيبته ولا يعلم أين ممكن أن تكون وبأي حاله. سيركب عربيته بص لعجلة القيادة وكأنه متردد. يقود وكأن شيئاً ما به يخشي حدوثه وهو إنه لا يزال مريض. لكن تنهد وقاد لا مبالياً بنفسه. خرج تلفونه وهو بيسوق وعمل مكالمة. "إيه يا يحي عاش من سمع صوتك." "عايزك في خدمة." "طب تعالى انت عارف مكاني." قفل معاه وأقام مكالمة أخرى. كان عماد مع علي. رن تلفونه شاف علطول لأنه ممكن أن يكون متعلق بابنته. بس لما شاف الرقم تفاجأ كثيراً.
قال علي. "مين." "ده رقم يحي." قال علي بدهشة. "يحي.. طب رد ممكن يكون تلفونه مع حد وفي حاجة جديدة." أومأ له وبالفعل رد. لكن قبل أن يتكلم سابقه صوت يحي وهو يقول. "المستشفى اللي روح كانت فيها اسمها إيه." اتسعت حدقتا عيناه بصدمة لسماع صوته وهو لا يصدق حتى كلماته تلاشت. "انت.. إزاي." "بسرعة يا عمي مش وقت صدمة أنا عايش المهم هات سجل الكاميرات اللي في المستشفى إلى هناك خلال فترة قعاد روح فيها وهبعتلك عنوان تعال عليه."
وأنهى مكالمته على ذلك. بص على إلى عماد وقال. "في حاجة يا خالي." "يحي.. يحي عايش." أومأ عماد وهو مصدوم. فهل كل ما مروا به ومعاناة ابنته كانت محض سخرية منه. تذكرها فقال. "روح." وصل يحي المكان الذي يقصده. نزل وكان أمام قسم شرطة. دخل وتوجه لمكتب. دخل لينظر إليه رجل في الأربعين. قرب منه وصافحه قال. "عامل إيه بقالي كتير مشفتكش آخر مرة لما وصتني على الواد صاحب الصورة اللي نزلتلك مع البت اللي هي.." تنهد يحي وهو يقول.
"مش وقته." "مالك.. إيه الخدمة اللي انت عايزني فيها صحيح." "انت اللي مسؤول عن كاميرات المنطقة دي." "مش أنا بس أعرفك أوصلك ليهم." "طب تمام يلا." "إلى تشوفه." وفعلاً خد جاكت وخرج معه. قابل عماد وعلي وكانوا لسا واصلين. بص له بصدمة من رؤيته فهو بالفعل على قيد الحياة إنهم لم يتخيلوا. لم يبالي يحي من صدمتهم فهو على عجلة من امره. "جبت السجل." أومأ له وأداله كرت. خده يحي وركب مشي.
فتبعوه ووصل يحي إلى مكان وكان وحدة مسؤول المراقبة الخاصة بالمنطقة ومعرفة ما يحدث فيها. بص ليحي. تقدم منهم الرجل سلموا عليه. أخبرهم بما يريده يحي وكان متابعاً أي لقطات قبل يومان. استغربوا من طلبه بس نفذوا ما يريده وأحضروا له السجل في هذا اليوم والشوارع إلى مفهاش كاميرا. كلم أصحاب المحلات في هذا الحي وخدز سجل الكاميرات المطلة على الشارع. كانوا يفعلون ما يريده يحي. حيث حل الليل وأحضروا ما يريده.
فقام بتشغيل كل شيء في الحاسوب التي أمامه وجلس وهو يتابع أي حركة وعيناه معلقة على كثير من الشاشات. حيث مر الوقت وكانت عيناه لا تزال مبحلقة في الشاشات. وصل منتصف لحد الفجر والجميع قد غفى على نفسه من الجلوس ويحي مستيقظ في تلك الغرفة ولم يمل ولم يأتيه غفلة. أن عقله حائراً مشغول بها وأين ممكن أن تكون. لا يريد أن يسرع أي لقطة فتمر من أمامه وهو لم يراها. طلع الصباح وجدوه لا يزال مستيقظ. سألوه أن كان قد رأى شيئاً لكنه نفى.
فهو يرى لقطات يوم كامل. لكن قبل أن يتحدث كانت عيناه التقطت روح. لم يصدق إنه رآها. كانت تسير. نظر إليها ولحالتها وهو متشوق إليها. لكن احمرت عيناه وهي تدمع وهو يرى حالتها وتضم ذراعيها وتخفض رأسها وشعرها مبعثر. حتى لا ترتدي حجابها ولا تنتعل حذاء. حيث كانت تسير وخطواتها ثقيلة وتتعرج من الأشياء التي تتدهس فوقها. لكن لا تتألم كأنها مغيبة. كل هذا لاحظه وهو يراها وقلبه يؤلمه كثيراً.
جمع قبضته وعروقه بارزة وعيناه تجحظان ويشعر بغصة في حلقه. بص له أحمد وكانوا حزينين لرؤيتها أيضاً. لكن يحي التي كانت الصدمة لأنه عاد ورآها هكذا وهو تركها مشرقة. وجوده يتابع ويتمالك ويرى الشوارع الأخرى التي سلكتها. مر وقت وكان يرى عنوان كل ما تمر به حتى انقطعت ولم يعد يراها. قال علي. "راحت فين." كانوا مستغربين. قال يحي. "الشارع اللي جاي الطريق العام نهايته أبعد من تحددها كاميرا مراقبة عشان كده فيه بوليس مرور."
رفع وجهه وهو يكمل. "يعني ممكن يكونوا شافوها." وما أن أنهى جملته وذهب على الفور. نزل من المبنى ركب سيارته وغادر دون أن يستمع لأحد. وصل لذلك المكان وشاف بوليس زي ما كان في معلوماته. سأله عن روح فسألوه عن مواصفاتها فوصفها لهم. لكنهم بدا على وجههم الجهل. "ممكن تكون عدت من هنا أصلاً." "إزاي." "في طريق مباشر غير ده عشان زي ما انت فاهم اللجان وكده." "فين الطريق ده." "هتلاقيه في وشك على ايدك الشمال."
أومأ له يحي ومشي سريعاً وذهب لطريق وهو ينظر من النافذة. يتمنى أن يراها. وفي منتصف الطريق توقف بسيارته دفعة واحدة حين رأى شيئاً. فتح باب ونزل واتقدم وجد وشاح ملقى على الأرض. انحنى والتقطه ولما بص فيه تذكر روح. فكان هذا الوشاح حول عنقها. أسرع وركب سيارته وانطلق بها. حين علم أنه على الطريق الصحيح. "أرجوكي ياروح استنيني أنا جايلك." كان يمسك وشاحها بقبضته وهو مشتاق لها وقلبه ينبض خوفاً عليها.
حتى ظهر على الطريق الجانبي له شاطئ لا يعلم شيئاً ما أراده أن ينظر نحوه. وبالفعل غير مساره وتوجه هناك. لكن الصدمة كانت حين اقترب ورآها عند البحر. انحرف عن طريقه وهو ينطلق بسيارته إليها وانصدم حين وجدها تلقي نفسها في عمق البحر. "رووووح." لو كان يحي قد تأخر عنها لكانت روح فارقت الحياة بالفعل. قعد عماد وهو مصدوم والخوف يتملكه وعينه مدمعة على بنته. "روح." لم يكن مصدق ما ابنته حاولت تعمله. بص ليحي قال بحنق.
"انت.. أيوه انت السبب لو كنت خسرت بنتي ما كنت هرحمك وهخليك تحصله." لم يكن يظهر على يحي سوى الصمت. قال علي. "اهدأ يا خالي مننساش إنه هو اللي رجعها." "بعد إيه أنا بنتي اتحرمت من الأمومة بسببه." لم يعلق يحي. بص له. أكمل عماد. "رجع بعد أما زيف موته.. مكملتش تمثليتك لي.. استفدت إيه باختفائك ده." كان منفعل. بص له يحي تلك المرة وقال بصوت مبحوح. "أنا مقدر خوفك عليها بس أنا فيا اللي مكفيني بالله عليك سيبني في حالي."
بحّة صوته كانت تشير إلى حزنه وكأنه يمنع نفسه من البكاء. "سيبك مكفاكش اللي حصلها من وراك واللي كان لسه هيحصلها." تنهد وهو يقول. "انتو مش فاهمين حاجة بتحطوا اللوم عليا وأنا مقصدتش كل ده يحصل." قالت كوثر. "متفهمنا يا يحي إحنا مبنحملكش مسؤولية اللي حصل انت أكتر واحد بتحب روح وخفت عليها أكتر مننا بس لي تبعد المدة دي." صمت يحي. كان عماد لسه هيتكلم سمعوا صوت من الأوضاع. علموا أن روح أفاقت. دخلو.
بص عماد على ابنته وهي تستعيد وعيها. قرب منها بحزن وحضنها. "روح.. انتي كويسة يا حبيبتي." لم ترد لكن حزنت من خوف والدها. يبدو أنه عرف. "كده توقعت قلبي عليكى لي تعملي كده عايزة تسبيني." "أنا آسفة." "أنا اللي آسف متزعليش مني عشان سبتك هناك ومشيت، المهم إنك كويسة." صمتت قليلاً ثم قالت. "بابا." "نعم." "عايزة أمشي من هنا." تفاجأ الجميع من طلبها. لكن عماد لم يتردد وقال. "حاضر يلا." "أي وتمشي على فين ده بيتها." "معدتش بيتي."
بص له بحزن من اللي بتقوله. سندها عماد. وقف يحي أمامه ببرود وقال. "روح مش هتخرج من هنا." بص له عماد بشدة وقال. "جرا إيه يا يحي انت هتمنعني آخد بنتي ولا إيه." "بنتك اللي هي مراتى وليا حق عليها وإنها متسبش بيت جوزها." "البت مش عايزة تقعد هنا هو بالعافية." بص يحي لروح. قرب منها قال. "روح معقول مش عايزة تشوفيني.. بعد أما رجعتلك عايزة تبعدي عني." "روح قولي انتي عايزة تمشي." لا تزال في صمتها. بص لهم وقال.
"معقول تفكروني اختفيت عشان أظهر لكم إني مت وأرجع ولا كأن حاجة حصلت.. أنا مختفيتش عشان أعمل كده.. طب وهستفاد إيه." مسك أيدها. بصلها في عينيها وقال. "وحياتك عندي ما كان في إيدي أنا عمري ما أعمل فيكي كده." كبت دموعها وهي تتفادى النظر إليه. "طول الفترة دي مختفيتش من فراغ أنا كنت فعلاً غايب… أنا كنت بموت وفي أي لحظة خبر موتي كان هيبقا مؤكد للكل مش ليكم." بصوا له بشدة واستغراب شديد وهما مش مستوعبين اللي بيقوله.
صمت قليلاً وهو يخفض عيناها ويقول. "أنا متعافتش بالكامل أصلاً." بصوا له بصدمة ليجدوه يكمل. "أنا لسه مريض."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!