كان فريد يقود السيارة وبرفقته آيه التي كانت تجلس بجانبه تلومه بالكلام فقط: -انت متأكد من الخطوة دي ي فريد؟! أبتسم فريد إليها يقول وبداخله حُب كبير: -ايه هانم ثقي فيا، وثقي أن عمري ما هخذلك ف يوم، وإن كل اللي بعمله علشان مصلحتك. قابلته آيه بهدوء تنظر جانبها وهي تقول: -تعرف أن سمير وحشني اوي! كان فرحنا بكره لولاه... توقفت وهي تحاول جاهدة أن تمنع دموعها، لكن دموعها خائنة دائماً.
كان فريد برغم حزنه عليها، لكن كان يستشيط غضباً وغيرةً من حبها لسمير. لم يعلم لِما هذه الشعور العدواني تجاه سمير رغم أنه تُوفي وكان طيبًا مع الجميع، لكن كان يحسده لحب آيه له ووفائها. تماسك مهوناً عليها بكلمات تخرج بالكاد: -ربنا يرحمه. إن شاء الله ربنا يعوضك خير، وهو أكيد ف مكان أحسن. -أنا اللي مخنوقة منه ي فريد إنه اتقتل..!
إحساس صعب أوي عليا ي فريد. يمكن انت مش هتحسه، لكن صدقني بيوجع. أوُي، اتقتل جنبي مقدرتش أعمل حاجة. فجأة اختفى من حياتي. كانت تبكي بوجع وهي تتذكر تلك الليلة التي لم تنساها أبداً. تتخيله أمامها يودعها قبل أن يرحل، لتفلت صرخة منها دون قصد وهي تقول: -سميررر..! هدأها فريد طيلة الطريق قائلاً: -أنا أكتر حد هيحس بيكي ي آيه..! قالها فريد بألم ووجع هو الآخر وكأنه يستذكر شيئاً، لتقابله آيه التي رأت الوجع ف عينيه تقول:
-أنت كمان حبيبتك ماتت! رد عليها وهو يمسح تلك الدمعة التي كادت آيه أن تراها، لكنه أبعد عينيه يقول: -حاجة زي كده. ربنا يرحم أموات المسلمين جميعاً. -ممكن أسألك سؤال؟! قالتها ببراءة والفضول يقتلها كي تعلم عنه المزيد، فمنذ عِدة سنوات وهو صامت لم يعلم أحد عما بداخله. أبتسم لها بسعادة يردف: -أكيد اتفضلي. -هو انت عمرك حبيت قبل كده؟! انتظر لحظةٍ قبل أن يجيبها وبعينيه شيئان متناقضان: -حبيت أوووي وكرهت أوووي.
لم تفهم آيه مقصدها. استدارت مُنتبهة له ولحديثه هاتفهً: -منين حبيت ومنين كرهت!! -دي حكاية طويلة أوي ي آيه هانم. بلاش أدوشك بكلامي، انتي فيكي اللي مكفيكي، الله يعينك. لمست يديه بفضول كالطفلة تقول: -لأ بليز قولي، أنا حابة إني أسمعك. نظر ليديها تائهاً. أفبحق السماء يُريد إبعادها عنه، ولكنها تتقرب؟ يُريد الأبعاد لكن يقترب أكثر! لاحظت يديها لتبعدها خجلة تقول:
-مش قصدي طبعاً أتدخل ف خصوصياتك، آسفة. بس أنا بحب الغاليين عندي أعرف عنهم كل حاجة. أعرف اللي بيحبوه واللي بيألمهم ويزعلهم، فاهمني؟! لمعت عيناه فرحاً بما قالته، فهي تعتبره غالياً بالنسبة لها، أي كان اعتبارها، ففرح بشدة بأنها تعتبره مهماً بحياتها. ليهم بقول: -الله يخليكي ي آيه هانم، تسلمي. بس بعتذر منك مش هقدر أحكي لأسبابي الشخصية، وأننا ف موقف مينفعش فيه حزن أكتر من كده. أتمنى تعذريني.
تفهمت آيه ما يقوله لتعتدل بجلستها وبداخلها فضول غريب حول حياته ومن هذه التي أحبها ثم كرهها! لكنها علمت جيداً أنه عانى كثيراً وما زال حزيناً بشأن ما حدث. وبعدما وصلا إلى المطار، توقفت آيه تقول له بخوف: -فريد هندخل إزاي؟ أكيد عارفين شكلي، أنا صوري ملت النت! جذب يديها بيديه يقول: -علشان كده لبستك اللبس ده. لبسي النضارة بقي وادخلي بثقة واتصرفي طبيعي جداً، متخافيش. أومأت له بإبتسامة صافية تذهب معه.
لكنهم توقفوا عندما أوقفته فتاة تقول له من الخلف بلغة فرنسية: -فارس!! مش معقول! رد عليها فريد بإبتسامة كبيرة محتضنها يقول بنفس تلك اللغة، فكان حقاً يجيها: -جيسيكا!! إيه الصدفة الجميلة دي. أخبارك عاملة إيه. -أنا بخير بعد ما شفتك. ليك وحشة بجدايا. مش ناوي ترجع كندا بقي؟! رد عليها بنفس هذه الإبتسامة العريضة التي أثارت غضب آيه: -عاوز أقولك أن كمان عشر دقايق أهو وأرجع كندا تاني.
-صرخت جيسيكا بفرحة وهي تتعلق برقبته وكأنها حبيبته! لاحظ فريد آيه التي كانت تتابعهم ف صمت تام بملامح جامدة، ليقول: -نسيت أعرفك، دي تبقي هيلانة صاحبتي رايحة معايا كندا. غمزت له جيسي قائلة بمرح: -اووه! حبيبتك يعني! بس زي القمر، برافو عليك عرفت تختار. مفيش مقارنة بينها وبين عاليه خالص. توتر فريد من ذكر اسم عاليه أمامه وأمام آيه، لكنه هدأ بعدما علم أنها لم تفهم هذه اللغة من الأساس، ليغير الموضوع قائلاً: -يلا بينا ي آيه.
لتوقفه جيسي قائلة: -حيلك حيلك، واخدها وسايبني. أنا علفكرة كنت بمصر شهر وراجعة تاني كندا بنفس طيارتك. أبتسم فريد لها يأخذهم الاثنين معه إلى الطائرة. جلس فريد على أحد الكراسي وكان بجانبه كرسي فارغ، فأشار لآيه بالجلوس. كادت على وشك أن تجلس، لكن جلست جيسي بدلاً منها تقول باللغة الفرنسية: -آسفة آسفة ي هيلانة. أنا مش هعرف أقعد لوحدي لأني بخاف من الطيارات، فـ هضطر أقعد جنب فارس.
ابتلع فريد ريقه ولم يعلم ماذا يفعل، فـ نظر لآيه الواقفة التي كانت تنظر لهم بغرابة، ليقول لها باللغة المصرية كي يفهمها ما قالته جيسي: -هي بتقول أنها بتخاف من الطيارات، فـ هتضطر تقعد جنبي. أومأت له آيه غير مباليةً، تجلس بأحد الكراسي الذي كانت توجد بالمنتصف جانبه. كان فريد يتابعها وهي تجلس. كان ينظر أمامه وخلفه خائفاً عليها بشدة، ليقول موجهاً كلامه لجيسي: -جيسي هفضل قاعد جنبك لحد لما تهدي، وابقى أروح لهيلانة.
ابتسمت له قائلة: -تمام ي فارس. وبعدما أقلعت الطائرة، كانت جيسيكا تحتضن فريد بشدة وهي تبكي، ليهدئها برقة وهو يمسد على شعره. رأته آيه التي كانت تجلس هي الأخرى بتوتر من هذا الإقلاع، فهي تخشاه هي الأخرى، لكنها لم تخبر فريد بهذا. رآها فريد وهي تغمض عينيها بخوف واضح، فكانت تضع يدها على قلبها واليد الأخرى تتمسك بزوايا الكرسي. ابتعد عن جيسي فجأة يقول: -اطمني خلاص بقيتي ف أمان.
ثم رحل من جانبها متجهاً لآيه التي ما زالت تجلس مغمضة العيون، ليطلب من تلك السيدة التي كانت تجلس بجانبها أن تجلس هي بجوار جيسي، فوافقت ليجلس هو يقول لها بقلق: -انتي بتخافي من الطيارات؟ فتحت عينيها تنظر لتجده جوارها بدل تلك السيدة، لتقول له: -متخافش، أنا مش زي جيسيكا. قالتها بجمود قليلاً، ليلاحظ وجهها الذي تبدل للون الأحمر بطريقة أقللته، ليقول بخوف: -إيه هانم انتي وشك احمرّ أووي. ردت عليه بسذاجة طفلة قائلة:
-طبيعي عشان لما بخاف وبتوتر بيحصل معايا كده! انفجر ضاحكاً يقول وسط شهقات ضحكه: -يعني خايفة؟! ابتلعت ريقها بتوتر وهي تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها تقول: -مش هتفرق كتير بقي. المهم انت إيه جابك جنبي هنا وخلاك تسيب جيسيكا لوحدها؟ -أنا جاي معاكي انتي مش مع جيسي، انتي دلوقتي مهمتي إني أحميكي وأفضل معاكي. ابتسمت آيه لاهتمامه الصادق تقول له بشكر: -شكراً جداً إنك معايا ي فريد. أبتسم لها مردفاً: -ده واجبي. *** يعني إيه ي ماهر!!!
انت أول مرة حاجة تفلت منك كده! فين ماهر بتاع زمان. ماهر حينها وبداخله نيران: -ي فندم صدقني بعمل اللي عليا، وإن شاء الله قريب جداً هتسمع أخبار تفرحك وهتقول ماهر قال. -أما أشوف ي ماهر ثقتك دي هتودينا لفين. انت عارف إن الجريمة دي بالذات لازم ملفها يتقفل. فيه شوشرة وقلق ولازم المجرم يتعرف بأسرع وقت. وافقه ماهر الرأي قائلاً: -معاك حق ي فندم، لازم يتقفل. وأنا مش هسيبه إلا لما يتقفل، ده وعد مني.
رحل هذا الشخص من أمامه ليجلس ماهر واضعاً قدماً فوق الأخرى ينظر بالفراغ وبداخله غضب كبير بسبب تلك الجريمة التي لم يكتشف عنها أي شيء حتى الآن. لا يعلم لِما كل هذا الغموض، فقد أقسم أن تلك الجريمة خلفها شخص ذكي لم يترك خلفه أي شيء يلوّشه! فاق من شروده على صوت زياد الذي دلف منذ بضعة دقائق يقول: -ماهر أنا واقف هنا من ساعة! انت مش معايا خالص. وقف ماهر يرتشف بعض الماء لعله يهدأ قليلاً يردف:
-قضية سمير النوبي دي فيها ألف حكاية وكلها ألغاز وشفرات! تعرف ي زياد أنا عمري ما حسيت بالعجز ده إلا دلوقتي! -حيلك حيلك ي ماهر! بقي ده ماهر اللي أعرفه! انت عمرك ما استسلمت ودايماً بتحل كل الألغاز، مش هتيجي على دي بقي! أوقفه ماهر يقول بِحدة ولهجة مخيفة: -الاستسلام ده مش ف قاموسي! صدقني القاتل ده هخليه يركع تحت رجلي وهخليه يموت كل يوم، مش هرحمه ي زياد صدقني. هدأه زياد من تهوره، فـ يعلم بشاعة ما يفعله صديقه حينما يغضب:
-أهدي ي ماهر، كله بالهداوة، وإن شاء الله أنا واثق إنك قدها. -معرفتش اللي اسمها شهد دي راحت على أنهو زفت مكان! -لسه ي ماهر، بس عاملين تحرياتنا وهنعرف نوصلها. -مش لسه هستنى تحريات. أنا هروح المكان اللي كانت ساكنه فيه وأعرف من صاحب البرج. أجابه زياد: -وتفتكر مسألناش! قالنا ميعرفش مكانها وأنها سافرت وهتستقر بره. أبتسم ساخراً من تصديقها لهذه الحيلة السخيفة: -وتفتكر شهد هانم هتسيب حاجة وراها تلوّشها!
تعرف ي زياد أنا شفت ف عيني البنت دي الخوف والقلق طول ما كنت قاعد معاها، بس كانت بتحاول تظهر طبيعية. أنا واثق أنها تعرف حاجة ومخبية. -يعني قصدك أنها ممكن تكون اللي قتلته؟! صمت ماهر لحظةٍ قبل أن يجيبه. فـ إحساسه يخبره بأنها بريئة، لكنها تخفي شيئاً فقط، لكن عقله كان المهيمن الذي كان يفترض أسوأ الأشياء... -مقلتش كده، بس ممكن! كل حاجة بقت جايزة ف القضية دي!
رحل من أمامه مرتديًا تلك النظارة وبداخله إصرار كبير على مقابلة هذه الفتاة والاستفهام منها. *** -ممكن أعرف انت ليه قولت لجيسيكا إنّي صاحبتك واسمي هيلانة؟! وليه نادتلك بفارس؟! نظر لها فريد بصدمة من معرفتها ما كان يدور بينه وبينها ليقول بلهجة قلقة: -انتي عرفتي تترجمي اللي بنقوله!! وضعت يديها حول صدرها تقول بثقة: -أها، بعرف ف الفرنش جداً. إيه كنت فاكرني واقفة هبلة مش عارفة انتوا بتقولوا إيه؟
-لأ لأ سمح الله مقلتش كده. أنا بس معرفش إنك بتعرفي الفرنسية. -امم! طيب أديك عرفت! مجاوبتنيش عن سؤالي برضو! فرك يديه قبل أن يجيبها بقول: -جيسي كنديه وأنا أعرفها من خمس سنين، وبالنسبة لاسم فارس ده فـ ده اسمي الحقيقي، يعني فـ البطاقة اسمي فارس بس معروف بفريد. أومأت له آيه ليُكمل قائلاً: -وبالنسبة لهيلانة فـ أنا حاجزلك بـ باسبور مزور بـ اسم تاني علشان تعرفي تخرجي من مصر وتعرفي تعيشي الفترة دي بكندا بهوية تانية بكل سهولة!
اندهشت آيه قليلاً من سرعته، فـ فعل كل شيء، لكنها لم تهتم لتقول متسائلة بخجل: -هي مين عاليه اللي صاحبتك اتكلمت عليها؟! ابتلعت غصة مريرة بحلقها عندما وجدته صامت تائه بعد ما قالته، لتقول معتذرة: -معلش آسفة! أنا عارفة إنّي مليش حق أسألك. بعتذر منك. أجابها بهدوء وصمت بعد ذلك لم تتوقعه: -ولا يهمك، حصل خير. كانت تتوقع بعد ذلك أن يجيبها أو يخبرها أي شيء، لكنها وجدته صامت ينظر بالفراغ شارداً.
وبذلك البرج التي كانت تسكن به شهد وأمها، كان ماهر أمامه يتفحصه بعناية، ثم بعد ذلك انتزع نظارته ليضعها فوق رأسه متجهاً إلى العم عبد الله. وبمجرد أن رآه العم عبد الله هبّ من مكانه يقول بترحيب: -ماهر بيه آنست وشرفت. همس ماهر بين أسنانه بسخرية: -ياريت الجملة تثبت! ليقول مسرعًا: -الله يخليك ي عم عبد الله، كنت عاوزك ف موضوع كده على جنب. أبتسم له العم عبد الله يقول: -انت تؤمر ي ماهر بيه.
أبتسم ماهر يضع كلتا يديه ف سرواله قائلاً بلهجة صامدة واثقة: -عم عبد الله أنا ظابط ومبحبش اللف والدوران كتير، وانت عارف اظن، فتجاوبني بكل صراحة على اللي هقوله، يا أما هيبقي ليا تصرف تاني معاك، أتمنى ملجألوش. ابتلع ريقه بتوتر غير قادر على السيطرة على قدميه بعد ما قاله ماهر، فـ هيئته كفيلة بزعزعة ثقة أي شخص، ليقول بلهجة متذبذبة: -خير ي ماهر بيه. -خير إن شاء الله. شهد وأمها مشيو على فين؟
قالها ماهر منتظراً رده بأسرع وقت لأنه واثقًا بأنه يعلم أين ذهبت. -شهد مين! -لأ شكلنا بدأنا بقي، وده مبحبوش. عم عبد الله أنا عاوز رد صريح ومختصر علشان أسيبك ف حالك، لأن صدقني لازم تقولي هي فين بالذوق أو بالعافية، وآسف إنّي بتكلم معاك كده، بس دي طبيعة شغلي اللي فرضها عليا. -هو انت عاوز منها إيه ي باشا خير!
قالها العم عبد الله بخوف حقيقي عليها، فهو يعلم من هي وطبيعتها النقية وأمها وأبيها، رآها تكبر أمامه، لم يصدر منها أي شيء خارج، فهي طيبة القلب. -تعجبني كده ي عم عبد الله، بس سؤالك ده ملوش رد. هي فين بقى؟! قالها ماهر بغطرسة ورسمية يضع يديه حول خصره منتظراً رده وبداخله نيران تشتعل. -صدقني ي ماهر بيه، دي شهد دي غلبانة أوي هي وأمها وأبوها سيادة العقيد الله يرحمه. رفع ماهر أحد حاجبيه وقد بدأت عروق وجهه تظهر استعداداً
لرد فعله الهمجي: -فيه إيه ي عم عبد الله، ده شغلي ولا شغلك! أعتقد أنا بسأل سؤال يترد عليه مش أكتر. توتر العم عبد الله من كلامه متذكراً وعده لشهد، لكن ماذا سيفعل بهذا الكائن الشرس الذي كان يتربص له بعينيه ولم يتركه، ليعتذر داخله قبل أن يجيب. أخبره بمكانها وعن كل شيء يعلمه عنها، ثم بعد ذلك نظر لماهر الذي وضع نظارته ثانياً وقد شفي غليله ليقول:
-الله يخليك ي باشا، ما تعمل فيها حاجة، دي غلبانة ويتيمة الأب وعمرها ما عملت حاجة غلط. تنهد ماهر يجيبه بهدوء: -عم عبد الله أنت مهمتك كده مخلصتش معايا، عارف ليه؟ لأن لو روحت المكان ده وملقتهاش تعرف هيحصلك إيه! فـ حط ده في اعتبارك أوي. وآه حاجة كمان، لو رنيت عليها وعرفتها إني عرفت مكانها، ساعتها هعرف لأنك متراقب من اللحظة دي، فـ خاف على نفسك ي رجال ي طيب. ابتسم له ابتسامة سمجة قبل أن يرحل.
وعندما اتجه صوب سيارته، التصق بشادي ليتركه فوراً بصمت يرحل من هذا المكان، يشعر بأنه على وشك حل هذا اللغز. دلف شادي إلى البرج ليري العم عبد الله أمامه يجلس بتوتر واضح، ليقول شادي: -صباح الخير ي عم عبد الله. -صباح النور ي شادي بيه. قالها ينظر إلى الأرض بحزن واضح. -مالك ي عم عبد الله خير! قالها شادي مستفهماً ليرد: -أبداً ي شادي بيه، شوية صداع مش أكتر. -الف سلامة عليك.
قالها شادي، ثم بعد ذلك دلف شقته مندهشاً من العم عبد الله وتوتره الواضح، لكنه تفادى ذلك سريعاً، فـ كان لديه عمل كثير هذا اليوم، ليجلس أعلى حاسوبه يعمل به. *** -تعرفي ي شهد أنا مش مضايقة من الفيديو اللي اتنشرلي قد ما مضايقة من اللي عمله. -ومتضايقيش من الفيديو ليه ي ريم!! الفيديو مخل جداً ومحدش يستحمل إنه يتعمل فيه كده! قالتها شهد متعجبة من هدوء ريم. لتبتسم ريم بسخرية قائلة: -أنا اتعمل فيا كتير أوي ي شهد!
مش هتيجي على حتة فيديو معروف إنه متفبرك في زماننا ده! ردت شهد بإقتضاب: -مستغرباكي بصراحة. يعني أنا لو كنت مكانك كان ممكن يجرالي حاجة، سبحانه إنه مصبرك كده! نهضت ريم تترجل أمامها تقول بخيبة أمل: -شهد أنا مريت بحاجات محدش يقدر يستحملها أو يعيشها. كان بيجي عليا أوقات وبحاول أنتحر. مش عارفة ليه ربنا عامل فيا كده! نهضت شهد مقابلةً تقول بإستجواب: -تنتحري إيه ي عبيطة متقوليش كده! وبعدين ليه كاتمة ف نفسك ومش بتحكي؟!
خالد معاكي طول الوقت، دي فرصة متتعوضش ي ريم إنك تلاقي حد قريب منك تشكيله همك. صدقيني لو شاورتي عقلك تاني هتحكي لخالد بعدها، انتي بس هدي نفسك واحنا معاكي بكل حاجة. -ي شهد مقدرش أحكيله، مقدرش!! -طيب ليييه؟!!!! قالتها شهد بتعجب لترد ريم بنبرة خائفة: -هيتأذي ي شهد، وأنا مش عاوزاه يتأذي! سبق ووحيد عرف، كان حصل إيه لما عرف! سابني بعدها لوحدي. لم تفهم شهد ماذا تعنيه، لتقول مستفهمة: -أنا مش فاهمة انتي بتقولي إيه ي ريم!
فركت ريم يديها بخوف من ذكر هذا الحديث، تأخذ نفس عميق قبل أن تجيبها قائلة: -وحيد مات مقتول ي شهد. توسعت عينا شهد صدمةً لتهزها قائلة: -بتقولي إييه!!! انتي واعية للي بتقوليه! -صدقيني أنا مش عارفة أنا قولتلك إزاي بالسهولة دي! أنا خبيت الموضوع ده سنين بسبب خوفي عليهم هنا، وبالأخص خالد وفادي.
كانت شهد مصدومة حقاً من ما تقوله ريم، لتحاول أن تستفهم أكثر، لكن لسوء الحظ دلف خالد قبل أن يطرق الباب، يدلف موجهاً نظره لريم التي ترنحت مكانها، تجلس أعلى السرير فـ خانتها قدماها من شدة الخوف. تقرب منها وقبل أن يردف بأي حرف، هوت صفعة أعلى وجهها بغضب كبير ولهيب. فزعت شهد على أثرها صائحة: -خااالد! *** كانت آيه جالسة تتذكر هذا اليوم وما حدث به بحياتها إلى الآن، فلم تتخيل أن كل هذا سيحدث. سيُقتل حبيبها!
ثم تهرب خوفاً من القبض عليها إلى أن تضطر للسفر وإخفاء هويتها. شعرت بخزي كبير بحياتها. لم تتهنى بسعادة بحياتها ولو للحظةٍ. كل من تحبه يتركها ويذهب وتظل وحيدة، لكن الآن ليس لها أحد بعد وفاة سمير. تنهدت ثواني لتفلت نظرة منها إلى فريد الذي كان يحمل هاتفه وكأنه يراسل أحد. نظرت للجهة الأخرى تهمس داخلها: -خايفة أخسرك انت كمان ي فريد! انت آخر حد أعرفه وموجود ف حياتي! شعرت بنعاس شديد لتأخذ غفوة بجانبه.
وبمجرد أن انتهى من ما كان عليه، نظر لها ليجدها قد غفت بجواره. ظل مساهياً بها بعض الوقت، إلى أن انقلب كل شيء. فقد صدر صوت يقول بأنهم ف حاجة إلى هبوط اضطراري فوراً بسبب تلف الأنظمة الهيدروليكية، لذا من المفترض الهبوط فوق سطح الماء لأسباب قسرية. وفي هذه الحالة إما أن تتعرض الطائرة للغرق أو الإصابة بأضرار لا يمكن أن تُحل.
وبمجرد أن سمعها فريد، كانت عيناه تقع على آيه، دق قلبه بعنف. شعر بخوف كبير يحيطه. يريد أن يحتضنها، يأخذها بين يديه مُكلبشاً بها. ظل يهز برأسه علامة النفي بأن لن يحدث معها شيء. بدأ ركاب الطائرة بالصياح والصراخ والاستنجاد فور معرفة هذا الخبر.
فاقت آيه من نومها بفزع على صياح الركاب حولها. معظمهم يبكي ويحتضنون بعضهم البعض. لم تفهم ماذا يحدث، لتنظر لفريد الذي كان يتابعها وعيناه قد امتلأت بالدموع، ينظر بخوف أن يفقده. مجرد التفكير بهذا يجن عقله! -فريد فيه إيه، طمني ليه كل الناس بتعيط كده؟! سقطت دمعة من عينيه قبل أن تقترب إحدى يداه تلمس وجهها ليقول وقد شعر أن هذه النهاية حتمًا، لكنه قرر أن يقول هذه الكلمة، فلم تسنح له هذه الفرصة ربما: -آيه أنا بحبك.
وفور انتهاء جملته احتضنها بشدة يغرسها بين ضلوعه، وهي ما زالت تائهه لا تفقه أي شيء، إلى أن هبطت الطائرة بشكل عمودي مخيف، ومن الواضح أن الطيار لم يستطع التحكم بها. صرخت آيه حينها فزعة وقد علمت وقتها سبب بكائهم. ظل فريد محتضنها بشدة. يريد الموت معها وبجانبها. هبطت داخل الماء بقوة إلى أن اصطدمت ببعض الأحجار، ثم بعد قليل انفجرت الطائرة لِيهب النيران بكل إنش!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!