جلست شهد بتوتر واضح، بدا على ملامحها بعد حديث أمها، فلا تعلم حتى الآن لماذا تتجنب أهل والدها، وخاصةً خالد وأمه، منذ الصغر. هذا ما أثار دهشتها. فاقت من شرودها على صوت ريم وهي تتجادل مع خالد. تقول بصوت مرتفع قليلاً، وبه بعض الألم والخوف لاحظته: "خلاص ي خالد، قولت مش هقول حاجة! قولتلك الفيديو ده متركب ليا وأنا مش دي، وأظن أنت عارف كويس ده. وبالنسبة لمين اللي عمله، ف أنا معرفش. ممكن تهدى بقي." -وعاوزاني أصدقك ي ريم؟
ريم، إنتي مخبية إيه عننا؟ إيه اللي مخليكي خايفة تحكي؟ متخافيش ي ريم، إحنا معاكي، أنا وشهد، كلنا معاكي. حتى وحيد الله يرحمه معاكي على طول، وهو لو موجود دلوقتي كان هيعمل معاكي نفس اللي بعمله. أنا واثق." قال خالد كلماته بصدق، يرسل بعينيه طمأنينة كبيرة لريم، التي فور ذكر اسم أخيها تذكرت ذاك اليوم. وضعت يديها أعلى وجهها تجهش بالبكاء. اقتربت شهد منها تحتضنها مهدئةً إياها قائلة:
"وحيد هيفضل معانا على طول. ربنا يرحمه، وأكيد هو في مكان أحسن ي حبيبتي." أومأت لها ريم، لتقول شهد بعدم فهم: "هو فيديو إيه اللي بتتكلموا عليه؟ مش فاهمة." حكى لها خالد ما حدث، وعن تلك الرسالة التي وصلت إلى ريم كنوع من التهديد. -الفيديو ده متفبرك فعلاً، وأنا أقدر أعمل زيه بالظبط بالذكاء الاصطناعي. بس مين هيكون بيكره ريم كده علشان توصل بيه الدرجة إنه يأذيها بالطريقة دي؟
على ما أعتقد ممكن تبقى بنت وغيرانة منها ومبتحب لها الخير." نفي خالد كلامها، يقول وهو ينظر بشك لريم، التي كانت تتابعهم في صمت تام: -أنا إحساسي بيقولي إن ده شاب مش بنت، لأن من خلال طريقة الكلام في الرسالة حسيته إنه شاب. وكمان ريم تعرفه، ولا إيه رأيك ي ريم؟ نظرت ريم بالفراغ، لم تعلم بما تجيب، وخاصةً أنها الآن على وشك أن تُكشف لا محالة، وهذا ما تخشاه لأجل سلامتهم، وبالأخص سلامته هو. -ريم، إحنا بنكلمك، ردي علينا!
"مخبية إيه؟ انطقي! قالها خالد بنفاذ صبر منها، فلم يعتاد عليها هكذا، فكانت واضحة وصريحة دائماً. ماذا حدث لها ليجعلها بهذا الغموض؟ -اهدي ي خالد، كله بالراحة. أكيد ريم متوترة، بس شوية وشوية هتقولنا." قالتها شهد بهدوء كي تلطف الأجواء بينهم، لكنها فشلت عندما هبّ خالد بعصبية شديدة، يقول كلامه موجهاً لشهد: -شهد، هي شكلها مش ناوية تقولنا حاجة. خليها على راحتها، أنا مش هضغط عليها. بس كل اللي بتعمله ده هيضيعها لو فضلت ساكتة."
ثم نظر لريم، يقول بلهيب محذراً إياها: -تعرفي لو اتحطيتي في مشكلة بسبب الموضوع ده ووسختي اسم عائلة الجبالي، وجيتي حكيتي في وقت مينفعش فيه الكلام، هشرب من دمك ي ريم. أنا بحذرك ولآخر مرة هقولك، أنا موجود في أي وقت هتعوزيني فيه، لكن لو حاجة حصلت أكتر من كده والموضوع اتطور، ساعتها إنتي الجانية على روحك. إنتي فاهمة!
قال كلماته بتهور، غير آبهاً بتلك التي تنفطر بالبكاء من ألفاظه وشراسته غير المعهودة. وقبل أن يرحل من أمامها، أوقفنه تقول بتحدي وهي تمسح دموعها بثقة: -وأنا مش هحتاجك في أي حاجة ي خالد. وعمري ما هحكيلك أي حاجة بتحصل معايا. فكرتك زي وحيد أخويا، لكن للأسف مفيش غير وحيد واحد في حياتي وربنا خده مني." نظر إليها خالد بسخرية قائلاً: -ده اللي كنت عاوز أقولهولك. أنا مش وحيد، أنا خالد ابن عمك!
وللأسف وحيد ابن عمي الله يسامحه على اللي عمله فيكي. دلعك آخر دلع. مبقاش حد عارف ياخد ويدي معاكي من بعد ما مات، لكن مش هبقى زيه وأحسس عليكي في المعاملة. لأ، فوقي ي ريم."
لاحت على وجهها ابتسامة ساخرة من حديثه وكلامه الذي مزق قلبها وجعلها تشعر لأول مرة أنه ابن عمها فقط كما قال. بل وهي كانت تراه وحيد أخيها، منقذها وملجأها، لكن هي بالنسبة له ابنة عم فقط. صمتت صمت تائه، لا تعرف بما تجيبه بهذه الحالة، ففضلت أن تصمت وإلا سيصيبها شيء الآن.
لام خالد نفسه بعد ما قاله، وخاصةً عندما وجدها صامتة، تجلس على فراشها تنظر للفراغ. شعر بمدى بشاعة ما قاله، لكنه قال تلك الكلمات كي تثير انفعالها وتخبره بما في قلبها. لكنها هربت وما زالت تكتم الكثير من الأسرار داخلها. لكنه عزم أن يعلم ما تخبئه بأقصى سرعة، وهذه الطريقة الذي ستساعده.
كانت شهد تائهة بينهم، ومن بين كل هذه المشاكل التي وُضعت بها، من مشاكلها الخاصة إلى مشكلة أمها، ولا تعلم ما تخبئه، وبالأخير ريم وما تخبئه هي الأخرى. شعرت بشيء غريب وقتها، أنها ستقع ضحية هذه المشاكل في القريب العاجل. كادت أن تفقد وعيها بعدما شعرت بدوران، لكن جذبها خالد فوراً، يقول بخوف: -شهد، مالك!! إنتي كويسة؟! هبت ريم تقترب منها وتلمسها كي تطمئن، لكنها لمست يدين خالد بالمقابل، الذي نظر لها بعتاب كبير ظهر في عينيه.
ابتعدت يديها سريعاً عنه بغضب، تقول: -مالك ي شهد، حاسة بأيه؟ -أنا كويسة ي شباب، أنا بس دوخت شوية، عادي. ارتاحي إنتي ي ريم، شكلك أعصابك تعبانة. أنا هطلع الشقة دلوقتي وبكرة هنكمل كلامنا، وبالمرة تكوني فوقتي إنتي وخالد شوية." ذهبت شهد من أمامهم، فاتبعها خالد دون أن يعير ريم أي اهتمام، وهذا ما أثار غضبها، لتدب الأرض بقدميها بذعر طفولي. -شهد، إنتي كنتي عاوزة تكلميني بموضوع يخصك! تعالي نقعد عندي واحكيلي، خير."
نظرت له شهد في البداية بتوتر، لكنها عزمت أن تخرج ما في قلبها، لعله يساعدها بأي شيء. وافقت بعدها وذهبت معه. *** -خلي بالك من نفسك ي آيه، متثقيش بحد ي حبيبتي. أقرب الناس ليكي هما أعدائك وبييتمنولك الأذية. ابعدي عنهم! ردت آيه عليه بالمقابل بعدم فهم: -مش فاهمة قصدك ي سمير! مين أقرب الناس ليا دول اللي بيكرهوني! وبعدين أنا معارفي قليلة جداً، وأغلبها سطحية، واللي على علاقة بيهم كلهم واثقة فيهم!
-مش كل حاجة بتتشاف هي الحقيقة ي آيه. أنا ماشي دلوقتي، بس أوعديني إنك هتحافظي على نفسك في وسط الغابة دي! ردت آيه متعجبة من لهجته، تقترب منه، لكنها وجدته يتبخر في الهواء. هبت من نومها تنادي باسمه بخوف وهي تتصبب عرقاً: -سميررر .... سميررر لأ...
فاق فريد من نومه على صوتها وحالتها المريبة التي رآها بها، فكانت تجلس القرفصاء تضم ساعديها حول قدميها وتهز بجسدها بخوف كبير من ذاك الحلم ومن رؤيتها لسمير وملامحه المضطربة بالحلم، وكأنه كان يريد إخبارها شيئاً لكنه لم يجدر به. كانت ملامحه متعبة وكان حقاً خائفاً عليها. بكت أكثر وهي تتذكر لحظاتها معه، فهو كان أقرب شخص لها، كان الشخص الذي أحبته بصدق وهو كذلك، لكن كان حبهم الأخوي طاغياً. فعل المستحيل لأجلها ولأجل يوم زفافهم الذي أتى لكنه لم يأتي!
اقترب فريد بقلق، يقول: -خير ي آيه هانم، ده كان كابوس؟! هزت برأسها علامة الإيماء وهي تبكي، تقول له بألم: -شفت سمير بالحلم." -ربنا يرحمه ي رب. خير، اللهم اجعله خير." -كان بيحذرني من ناس قريبة مني وبيقولي إنهم أعدائي. ي فريد، هو قصده مين ي فريد؟! قالت كلماتها ببرآءة شديدة وهي تبكي. بدت على ملامحه الدهشة، يقول لها: -أعداء!! أعداء مين دول!! آيه هانم، إنتي متعرفيش حد. إنتي في حالك، وأكيد مش كل حلم حقيقي وليه مغزى."
-لأ، أنا حسيت إني قاعدة مع سمير. حسيت بيه، شميت ريحته! كان خايف عليا أوي ي فريد. أنا واثقة إن الحلم ده ليه مغزى، ربنا بعتهولي. بس مين القريب مني اللي بيكرهني ي فريد! قالت كلامها وهي تنظر في عيني فريد، الذي تاه في عينيها الخضراوين، ونسي كل شيء حوله. توقف الوقت حينها. ظل شارداً بها وبعينيها المنتفختين أثر البكاء، وأنفه وخدودها الحمراء. كانت أمامه كقطعة جاتوه يريد أكلها، بل وأنها أجمل قطعة جاتوه رآها بحياته.
شعرت آيه بنظراته التي تتفحصها، قلقت وتوترت وهي تبتعد عنه قليلاً، تحمحم، قائلة: -آسفة إني قومتك من النوم!
تنحنح فريد، يؤنب نفسه مجدداً على ما يصدر منه بهذه الفترة دون دراية منه، فأصبح غير قادر على الابتعاد عنها، بل يقترب أكثر وأكثر. وما أحزنه داخله أنه استغل هذا الشيء بعد وفاة سمير وبدأ بالاقتراب منها. ونسي أنه حارسها، بل أكثر، أنها لم ولن تحبه بيوم من الأيام، فحبها لسمير كان عميقاً وصعب نسيانه مهما فعل، هذا ما كان يشعر به. نهض من مكانه، يقول بحرج: -ارتاحي ي آيه هانم وكملي نومك. كان كابوس وراح لحاله."
-برضو آيه هانم تاني!! قالتها بعلامات معترضة، لكنه ابتسم ابتسامة سريعة، مردفاً: -ارتاحي ي آيه دلوقتي، علشان بصراحة أنا حجزت تذكرتين لينا علشان هنسافر بكرة." -اييييه! قالتها بصدمة وهي تعتدل في جلستها، هاتفة: -إنت بتقول إيه! وإحنا نسافر ليه؟!
-آيه هانم، إحنا ملناش قعدة هنا اليومين دول، والمكان اللي إحنا قاعدين فيه ده مبقاش آمن لينا، بل مصر كلها دلوقتي. مينفعش نقعد فيها. لو هنسافر أسبوعين برا على ما نشوف إيه اللي هيحصل في القضية، لأني مش هرتاح إلا لما تتقفل وتبقى بأمان، وفي الحالة دي ترجعي تاني." -فريد، إنت عارف إنت بتقول إيه!!!
-فريد، هما فاكرين دلوقتي إني بدبي ولسه مرجعتش، بل الأسوأ إن ده أصلاً خطر عليا. أكيد مش هيقتنعوا إن إزاي واحدة برا ومعرفتش بخبر وفاة خطيبها اللي كمان يومين هيبقى جوزها! أنا مبقتش فاهمة حاجة ي فريد. فريد، أنا خايفة منك!
مش عارفة شعوري ده صح ولا غلط، بس تصرفاتك كلها الفترة دي مش مريحاني. إنت مش فريد اللي أعرفه، وبقيت غامض ومش عارفة إنت بتفكر إزاي، وإزاي بتلاقي الحلول دي وبتفكر بطريقة مجنونة. فريد، أنا آسفة إني ضايقتك، بس ده اللي في قلبي تجاهك. بقيت خايفة منك وكل مدى كل ما بخاف أكتر! شعر فريد بنغزة في قلبه من كلامها وخوفها الواضح منه، بل وشكها فيه، بعد ما فعل المستحيل لأجلها ولأجل حياتها. أهكذا رد الجميل!
كيف تشك به وهو يعرض حياته للخطر لأجلها وغير آبهاً بحياته. كل ما يريده حمايتها وأن يبقى منقذها دائماً، لكنها بهذا الكلام جعلته يشعر بأنه غريب. أبعدت المسافات فجأة. جعلته متوتراً. بداخله نيران تشتعل قهراً، لكنه تفادى كل ذلك وهو يبتعد عنها، يهم بالخروج من ذلك الكوخ كي يلتقط أنفاسه.
حزنت آيه من أجله كثيراً، لكنها قالت كل ما في قلبها، كل ما تشعر به كي يجيبها أو يبرئ نفسه من اتهام عقلها اللعين، هكذا وصفته، لتزفر وقتها بضيق، مقررة الخروج خلفه كي تعتذر عن ما صدر منها. ذهبت خلفه، واضعة وشاحاً أعلى كتفيها، تتجول حول ذلك الكوخ وهي تنادي به: -فريد... فريد، إنت فين!؟ شهقت بفزع عندما استدارت ووجدته خلفها، ينظر لها بعتاب واضح. -خضتني ي فريد! كنت فين؟
تماسك فريد هذه المرة، وقرر معاملتها برسمية مثل قبل، قائلاً بلهجة زائفة: -كنت بشم هوا شوية، ولا حضرتك عاوزة تشاركيني فيه برضو؟ نظرت له بتعجب من كلامه الذي بدا لها قاسياً، لتقترب معتذرة: -فريد، أنا مكنتش أقصد أجرحك. أنا بس قلت اللي حاسة بيه! مش إنت قولتلي مش شرط كل اللي بنحسه يطلع صح؟! ليه أخدت كلامي بجد وزعلت؟ ابتسم ابتسامة جانبية سخيفة، لاحظتها آيه، وكأنه يستهزأ من كلامها، يقول واضعاً يديه خلف ظهره بلهجة قوية:
-آيه هانم، أنا مزعلتش من كلامك لإني عارف حالتك، وطبيعي تحسي بالشعور ده حتى لو بأقرب الناس ليكي! مش ده كان كلام سمير بيه برضو ليكي في الحلم، واللي قومتي تطبقيه عليا؟! -فريد، بتقول إيه!!! -أنا مقصدش حاجة بكلامي! فريد، إنت الوحيد اللي وثقت فيه بعد بابا الله يرحمه، وإن كان كلامي ضايقك ف أنا آسفة." نظر إليها متعجباً، يردف: -وليه واثقة فيا أوي كده ي آيه هانم؟! -علشان بابا كان بيثق فيك وكان دايماً بيلجألك في مشاكله!
-بس كده! قالها فريد يريد معرفة شيء آخر. فأجابته بقول: -وعلشان برضو إنت دايماً معايا وبتعمل المستحيل علشان أبقى كويسة و... أوقفها فريد مبتسماً لها، يقول: -طيب الدنيا بردت، ممكن تدخلي علشان متبرديش." -فريد.! خرج اسمه من شفتيها بترنيمة أعذب من عندلة العنادل، وكأنها سحابة من نغم، أومضت فأضاءت مصابيح الهوى بين أضلعه، ليجيبها بتعابير متسائلة زائغة: -نعم." -أنا آسفة.!
قالتها ببساطة، وكأنها طفلة ارتكبت خطأ فادح وتريد السماح. ارتبك فريد، ينظر لها وبداخله يعنف نفسه ألف مرة لقلبه الذي لم يتحكم به ولو لدقيقة واحدة أمامها. ليجيبها بسرعة، مغيراً مجرى الحديث: -محصلش حاجة! يلا تعالي ادخلي."
تقدمت أمامه بسعادة طفيفة، راضية عن اعتذارها، إلى أن تعثرت قدماه، لتقع بين يديه بشهقة مرتفعة، وهي تمسك ياقة قميصه بشدة. للحظة، شعر ببعض السعادة لوجودها على مقربة منه، ولا أحد يفصل بينهما. تنبش بأظافر جمالها الرقيقة أرضاً مجهولة في باطنه لم يكتشفها من قبل، فأنعكس لؤلؤ الحب داخل مقلتيه، وأصبحت مشاعره مرئية. لكنه لم يعلم لمَ عند التقرب منها يشعر بذنب كبير، وكأنه ارتكب جريمة ما. أهذا خوفاً من حقيقة مشاعره وحبه العميق؟
أم خوفاً من المقبل عليه! حملها بين يديها عندما وجدها تتألم وانتفخت قدمها، ليُسرع بها إلى الكوخ. *** كان شادي بهذا الوقت عائداً من عمله في منتصف الليل. وجد العم عبدالله أمامه، فسنتحت له الفرصة ليقترب منه متسائلاً: -عم عبدالله، إزيك." -في نعمة ي شادي بيه." -دايماً ي رب ي عم عبدالله. ممكن خدمة ي عم عبدالله." -إنت تؤمر ي شادي بيه." -ميؤمرش عليك ظالم ي عم عبدالله. هو بالنسبة للسكان اللي عزلو، متعرفش مكانهم فين دلوقتي؟
توتر العم عبدالله، يجيبه بسرعة: -أبداً ي شادي بيه، اللي أعرفه إنهم سافروا ومش هيرجعوا تاني." شعر شادي بتوتره وتلعثمه بالجواب، شك به، ليقترب منه قاصداً لمس يديه. أغمض عينيه فجأة ليسمع ما يدور داخل العم عبدالله، وأنه على علم بمكانهم، وأنه يُخفي هذا الشيء. فتح عينيه مبتعداً عنه، مبتسماً قبل أن يذهب من أمامه، قائلاً: -طيب، متشكر ي عم عبدالله."
اندهش العم عبدالله قليلاً من فعلته هذه، لكنه لم يأخذ بباله ورحل هو الآخر. بينما اتجه شادي إلى شقته، يفتحها، وبداخله يريد معرفة سبب عدم إخبار العم عبدالله له بمكانها، رغم معرفته! أهذا طلبها؟! شعر بشيء غريب على وشك الحدوث، لذا قرر الضغط على العم عبدالله كي يجيبه بمعلومات أكثر. ***
انتهت شهد حديثها مع خالد، الذي كان مصدوماً مما تقوله. كانت شهد ترتشف بعض القهوة التي أحضرتها ناهد لهم. وضع خالد يديه أعلى خديه، منتظراً المزيد، لكنها فاجأته ببرودها حينما وضعت فنجان القهوة فارغاً، تقول له: -بعد اللي قولتهولك ده، تقدر تفهمني؟ هل دي صدف؟ وهل أنا مش مقصودة منها ي خالد! خالد، في ناس عاوزة توقعني أنا وآيه في بعض، بس مش عارفة إيه الاستفادة من ده بجد!! رد خالد بالمقابل: -ناس!
إنتي مش قولتي فيه شخص غامض متعرفيش هو مين، وده اللي بيعمل كل ده؟! قامت شهد تترجل يميناً ويساراً بتوتر، قائلة: -على ما أعتقد ي خالد، مش حد واحد بس. أنا حاسة إن فيه كذا حد بيكره آيه وبيحاولوا يأذوها، وكانوا عاوزين يستغلوني بحكم إني أقرب حد ليها! رد خالد، محللاً الكلام الذي قالته بعناية وتركيز: -طيب، وبالنسبة لفريد اللي بتتكلمي عليه ده! ردت شهد بعدم فهم: -ماله! وقف خالد مقابلها، يقول بتعجب:
-يعني من خلال كلامك، وإنه بعتلك الرسالة بيقولك فيها تنفذي اللي يقولك عليه، وإنتي نفذتي كلامه فعلاً، ولما الشرطة جاتلك قولتي لهم إنها بدبي. إنتي واثقة أوي بفريد لدرجة إنك تنفذي اللي بيقوله! وتكوني عارفة إن صاحبتك معاه، وده شيء يضرها ومش من مصلحتها إنها تختفي فجأة بعد وفاة خطيبها. إنتي مش حاسة إن الموضوع كله على بعضه غلط؟! ما زالت شهد لم تفهم ما يعنيه، لتقول مستفهمة: -وضح أكتر ي خالد! مش فاهمة عاوز تقول إيه؟!
-يعني دور فريد كله على بعضه في الليلة دي غلط في غلط. أنا حاسس إن وراه حاجة كبيرة، وإنه السبب في قتل سمير." ردت شهد نافية لكلامه: -أكيد لأ ي خالد، بتقول إيه!! فريد أكتر واحد بيحميها، واستحالة يعمل كده! وبعدين هو إيه علاقته بسمير أصلاً؟ هو كان في اتجاه، وسمير في اتجاه تاني خالص." -برضو مش مستريحله ي شهد. إزاي في نفس وقت الجريمة بالسرعة دي أخدها وخباها وعرف يعملها إقامة مزورة في دبي فجأة!
باين أوي إن متخططله ي شهد. هو كان عارف إن سمير هيتقتل بالوقت ده واستغل الفرصة وهرب بآيه. لو مكنش هو يعني القاتل! رفضت شهد كلامه بثقة تامة، قائلة:
-استحالة ي خالد. فريد كان معايا الوقت ده، وفجأة سمعنا صوت صراخ آيه والنور انطفى فجأة، وبعدها روحت أنا وهو المكان ولقينا سمير مقتول وآيه مغمى عليها لحسن الحظ. ما أظن إن القاتل كان عاوز يقتلهم الاتنين، بس ملحقش من صراخها. وبعدين فريد خلاني أمشي من هناك وقالي إنه هينقذها وهيبلغني أول بأول باللي هيحصل، وده فعلاً حصل. أخدها وكان على تواصل معايا وبيبلغني أخبارها أول بأول." -هو برضو اللي خلاكي ترجعي هنا وتسيبي المكان هناك؟!
قالها خالد متعجباً، غير مقتنع بأي ما تقوله شهد، يشعر بخطب في الموضوع. -أيوه، بلغني إني لازم أختفي فترة زي ما هو اختفى هو وآيه، علشان إحنا على علاقة بيها وكان هيتحقق معانا." رد خالد بسخرية كبيرة من كلامها غير المنضبط: -وإيه المشكلة لو كان اتحقق معاكم ي شهد!! خفتوا من إيه؟ مش إنتو ملكوش علاقة بالجريمة، يبقى ليه اخترتوا إنكم تهربوا وتسمحوا للشرطة تشك فيكم؟
-أنا معرفش حاجة ي خالد، معرفش. أنا خوفت من بعد اللي شوفته. خفت يتحقق معايا حتى لو دقيقة. إنت عارف إني بخاف منهم ومن شكلهم وهيئتهم وبكرههم. أنا مليش علاقة بالجريمة ولا حتى فريد. فريد عمل كده علشان ينقذ آيه، لأنها كانت هتدخل في حوارات كتير أوي لو فضلت موجودة وقت الجريمة." قالت كلامها ببكاء عندما تتذكر تلك الليلة، فتريد محو هذه الليلة من ذاكرتها بأي طريقة ممكنة. -طيب، وليه فريد يعمل كل ده!
هيستفاد إيه من إنقاذه ليها وإنه يدخل نفسه في مشاكل هو في غنى عنها؟! قال خالد كلماته بتحقيق، فكانت هيئته وطريقة كلامه وتحقيقه مع شهد بكل حرف قالته، يبدو لها وكأنه ظابط. وجدها توترت، تفرك بكلتا يديها، فعلم مصدر خوفها، ليوقف عن تحقيقه السخيف هذا. اقترب منها محتضناً إياها، قائلاً وهو يمسد على شعرها بحنو بالغ:
-آسف ي شهد، مقصدش أخوفك. أنا بس حسيت إني عاوز أعرف أكتر عنهم وأعرف كل تفصيلة. المهم إنك بخير دلوقتي وهتفضلي بخير." ابتسمت شهد وهي تزيد من احتضانه، ليقول لها: -تعرفي إني بعتبرك أختي اللي أمي مجبتهاش! تعجبت شهد قليلاً، ليقول لها: -أصل وأنا طفل كان نفسي أوي الحجة تجيبلي أخت بنت، بس الحمد لله إنك موجودة. إنتي أحسن أخت في العالم." ابتسمت شهد وهي تقول بصوت مرتفع، دلفت على أثره سوسن: -وإنت أحسن أخ في العالم."
لم تفهم سوسن بما كانوا يتسامرون كل هذه الفترة، لكنها قررت التحدث، قائلة بصوت متوتر: -مش يلا ي شهد علشان الوقت اتأخر ي حبيبتي، وخالد شكله تعبان. سيبيه ينام، وراه عيادته." هزت شهد رأسها علامة الإيماء، قائلة لخالد: -طيب ي دكتور، أسيبك دلوقتي علشان شغلك. تصبح على خير." ابتسم لها قائلاً: -وإنتي من أهل الخير. لينا قاعدة تانية زي دي هااا.."
أومأت له بحب وهي ترحل مع أمها، التي كانت تلعن نفسها داخلها لأنها وافقت على مجيئهم هذا الحي ثانيةً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!