قالتها أمها بصدمة كبيرة، لكنها حاولت إخفائها قليلاً. عندما دلفت غرفتها تلملم بثيابها وبداخلها نيران تشتعل والماضي القديم الذي تركته خلفها سيتجدد عليها. لكن ما باليد حيلة، فحياة ابنتها فوق كل شيء. خرجت بعدها بعدما سمعت صوته بالخارج. تقدمت إليه بابتسامة زائفة حاولت رسمها: -إزيك يا خالد عامل إيه يا بني. -أنا الحمد لله يا ماما سوسن، إنتي إيه أخبارك؟ وحشتيني إنتي والقرَدة الصغيرة بتاعتنا.
خرجت شهد حينها تقول بشهقة من ما قاله بأنها قرَدة! -نعم يا سي الدكتور انت! معلش متعملهمش علينا عشان درست طب وكده، عرفة بقى إني خريجة تجارة وإن شاء الله هيجيلي شغل في البنك قريب وأبقى محاسبة قد الدنيا. ابتسم خالد بعدما رآها، فهي وحدها من تستطيع أن تخرجه من أي حالة يمر بها. منذ الصغر وإلى الآن لم تتغير بعد! -أخص عليك، أنا قولت كده برضه! وبعدين تقلانة علينا ليه إنتي وماما كده؟ مش بتفتكرونا إلا في المشاكل.
قالها خالد مازحاً إياهم، لكن نظرت إليه سوسن متعجبة تقول: -مشاكل! مشاكل إيه خير؟ ربنا يبعدها عنا! تنحنح خالد بعدما نظر لشهد التي لامته بعينيها وكأنها تريد قتله. فضحك بصوت عالي يقترب من شهد يضمها إليه يهتف غامزاً لها: -مهو للأسف بقى كل ما بشوف شهد بنت عمي بيبقى فيه مشاكل، ولا إيه رأيك يا قمر إنت! توسعت عينا شهد بصدمة وهي تلكذه بيديه ناهره له: -طيب أشطا كده، يلا روح بيتك بقى مش هرجع أنا.
كانت سوسن تراقبهم بصمت، تريد إبعادهم عن بعض ولا تريد اقترابهم هذا الذي سيسبب لهم الألم فيما بعد. فما فعلته كان الصواب بعد وفاة زوجها، لكن للقدر رأي آخر هو من جعلها تائهة الآن لا تعلم ما تفعله، هل هو الصواب! لكنها تؤمن بشدة بالقدر وحكمة الله من عودتهم. فاقت من شرودها على صوت خالد الذي كان ينادي بأحد كي يساعده بحمل الحقائب. وبعدما أغلقت المنزل اتجهت ناحية صاحب البرج تعطي له المفتاح وتخبره بأنها سترحل إلى منزلها القديم.
تقدمت شهد حينها تقول له: -عمي عبد الله الله يخليك لو أي حد جه هنا وسأل علينا قولهم سابوا البيت وسافروا ومتعرفش مكانهم. -دي خدمة مش هنسالك أبداً. -اطمني يا بنتي، سرك في بير. -هتوحشونا أوي، كنتوا عاملين روح للبرج. -بس ربنا يسعدكم في المكان اللي هتروحوه، مسيرنا نتقابل إن شاء الله. ابتسمت له شهد بحب وهي تودعه. وأثناء خروجها من البرج التصقت بشخص ما، الذي نظر إليها بغموض كبير.
يرى تلك الحقائب التي تخرج من البرج ومن الواضح أنهم سيرحلون. لم تعلم شهد من هو فلم تراه بهذا البرج من ذي قبل، لكنها قالت معتذرة: -أنا آسفة، ما أخدتش بالي معلش. -لأ ولا يهمك، محتاجة مساعدة! تعجبت شهد من عرضه ونظراته الغريبة، لكنها شكرته ورحلت سريعاً إلى خالد الذي كان ينتظرها. وبمجرد دخولها إلى السيارة رحلت سريعاً مختفية عن الأعين للأبد! ظل ذاك الشخص ينظر بالفراغ أمامه يعلم أنها رحلت الآن. ليخرج من شروده على
صوت العم عبد الله يقول له: -خير يا شادي بيه! محتاج حاجة؟ نظر له شادي متسائلاً: -بقولك إيه يا عم عبد الله، هما السكان اللي كانوا ماشيين دول هما راحوا فين؟ توتر العم عبد الله يقول له بناءً على طلب شهد منه: -دول سافروا يا بيه ومش هيرجعوا تاني. -إيه!! قالها شادي بألم شديد من فكرة أنه لم يراها بعد الآن! رحل من أمامه يتجه صوب شقته الذي يسكن بها بمفرده، يغلقها بحزن شديد وتحول كل شيء أمامه إلى ظلام حالك بعد بُعدها! ***
-ماهر بيه، شهد وأمها جالهم واحد غريب النهاردة ومشوا معاه. -وباين كده إنهم سابوا البيت اللي كانوا قاعدين فيه. -بس لما سألت صاحب البرج قالي إنهم سافروا ومش هيرجعوا تاني. فكان شك ماهر بمحله من هذه الفتاة المحتالة التي ترتدي قناع البراءة أمامه. فهي تعلم عن هذه الجريمة جيداً. نهض من مكانه يغلق هاتفه يلقيه أعلى المنضدة. يتذكر وجهها وطريقة حديثها وتمثيلها البارع، لكن على مين كما يقال!
فهذا ماهر الطوخي الذين يطلقون عليه المخادع بذاته. فهو يعلم ماهية الكائن أمامه وبماذا يخطط وعلى ماذا ينوي. وقف أمام مرآته مبتسماً بسخرية على فعلتها الطفولية هذه التي أكدت له الكثير. فلابد من شكرها الآن، فهي أثبتت بأن لها صلة بسمير النوبي ولها علاقة بقتله! -هتروحي مني فين يا شهد! هجيبك يا غالية لحد عندي ترقعي! خرج من منزله متجهاً لسيارته يقوم بقيادتها بسرعة مهولة. يتصل بأحد من أعوانه قائلاً له:
-اعرفلي مين اللي مشيت معاه ده ومشوا على فين بسرعة، إنت فاهم. -أوامرك يا فندم. أغلق هاتفه يمسكه في قبضته يسير إلى عمله. *** حل ظلام الليل وبذلك الكوخ الغريب الذي كان تجلس به آية. شعرت بحركة غريبة أمام الكوخ، قررت أن تنهي خوفها هذا. فوقفت أمام الباب كي تفتح وترى ماذا يحدث بالخارج. لكنها تذكرت فريد عندما طلب منها أن لا تخرج منه لأي سبب كان. عادت مكانها بخيبة أمل تشعر بالخنقة في أفعالها.
فكانت فتاة حرة تفعل ما يحلو لها، لكن الآن عليها اتباع ما يقوله فريد لأجل سلامتها. جلست مكانها كي تغفو قليلاً فتشعر بإنهاك شديد. أغمضت عينيها لكنها لم تبقى على هذه الحالة. فجأة فتحتهما بصدمة عندما وجدت أفعى تتربص لها تلتوي أمامها وهي تقترب منها. صرخت آية حينها بفزع تهب واقفة من مكانها. اقتربت من الباب وعزمت على فتحه لكنه لم يُفتح! تبلورت عيناها وهي تراها على مقربة منها وهي لم تستطع فعل شيء.
صرخت بالمساعدة وقتها تنادي بفريد بخوف شديد لعله ينقذها مثل كل مرة. شعرت بأنها ستموت لا محالة عندما وجدت الأفعى أمامها مباشرةً وهي غير قادرة على الحركة. شلت أطرافها لم تستطع فعل شيء. أغلقت عينيها مستسلمة لما سيحدث معها. لكنها وجدت من يحملها من مكانها يلقي بالأفعى بعيداً عنه. تمسكت به ببكاء عندما علمت أنه فريد، منقذها الوحيد بعد أبيها. ضمه فريد إليه يقول وهو يربت على ظهرها برقة: -خلاص اهدي، إنتي بخير دلوقتي اطمني.
-أنا.. كك.. كنت هموت يا فريد! قالتها ببكاء هستيري تتمسك به أكثر وكأنه طوق نجاة بالنسبة لها. -متخافيش، أنا معاكي. -أنا آسف إني سبتك لوحدك وقفل عليكي من برا، بس صدقيني خوفت لأحسن تخرجي وده خطر عليكي، لكن معرفش إن ده هيحصل. -سامحيني. وجدها تبكي أكثر ف حملها ووضعها على فراشها يقوم بتهدئتها. يربت على شعرها الحريري المسترسل يبث بها الطمأنينة. لتقول له: -نام هنا يا فريد من فضلك متخرجش تاني. -حاضر يا آية هانم، اللي تشوفيه.
-ممكن بلاش هانم دي تاني! قالتها آية بعصبية تريد صفعه الآن فهذه الكلمة تثير بها الاشمئزاز. -مش فاهم قصدك إيه! -يعني قولي يا آية، ممكن! وأنا اللي بأمرك أهو تقولي يا آية عشان هانم دي مبحبهاش. ابتسم فريد بخفة يقول: -حاضر يا آية هانم.. قصدي يا آية! أومأت له آية لتطلب منه وقتها أن ينام. ابتسم فريد يقول لها بحب: -نامي إنتي وبعد ما أطمن إنك نمتي هنام أنا كمان. نظرت له بقلق، فَعَلِم مصدر قلقها ليقول لها:
-مش هخرج وأسيبك، متقلقيش، هفضل معاكي هنا. ابتسمت له قبل أن تنام. ابتسم لها هو الآخر وعندما علم بأنها غفت في نوم عميق اقترب منها يجثو على ركبتيه. يعيد خصلاتها التي تعيق رؤيته لوجهه الملائكي. ظل مساهياً بها يردف من بين شروده: -ببعد عنك أكبر وقت عشان مأضعفش يا آية! إنتي مصدر ضعفي. -أنا عمري ما كنت ضعيف كده. -عمر ما حسيت بالشعور ده إلا معاكِ. -معرفش اللي بعمله ده صح ولا لأ، لكن اللي أعرفه إني لازم أفضل معاكي.
-لازم أحميكي من أي حاجة حواليا حتى من نفسي. امتلأت عيناه بالدموع ليهب واقفاً يبعد نظره عنها ينظر بالفراغ محاولاً السيطرة على مشاعره الدفينة الذي ظل يكتتمها بداخله. لكن إلى متى سيخفي هذا الحب الكبير الذي أخفاه منذ عدة سنوات! فتحت آية عينيها بصدمة من ما سمعته. فسمعت كل ما قاله فريد لها. كان قلبها يدق بعنفوان شديد.
تنظر له ببلاهة، لكنها أغمضت عينيها فوراً عندما نظر إليها ليقترب يجلس على الأرض جوارها عازماً أن يغفو جوارها. كانت آية تشعر بشعور غريب نحوه هذه المرة! شعرت بنغزة بقلبها لا تعلم سببها، لكنها قررت تجاهل ما سمعته أفضل لها وله هو أيضاً. *** كان شخص ما يتقلب على فراشه وكأنه يقاوم شيئاً شنيعاً يحدث له. فكان نائماً ولا بد أنه يحلم الآن من علامات وجهه والعرق الغزير الذي كان يملأ جبهته.
فكان يرى شخصاً ما لم يعلم هويته يخنق فتاة بشدة. وعندما أتت فتاة أخرى خلفه لم يعلم من هي خنقها أيضاً وكأنه يتلذذ بتعذيبهما. لكن ما صدمه أن كانت من بين تلك الفتاتين شهد! كان يخنقها بشدة وكأنه يريد إخفاء سر تعرفه هي وحدها. لذلك قرر التخلص منها. وعندما أتت فتاة كي تنقذها حاول التخلص منها هي الأخرى. ليهب فزعاً من ذاك الكابوس المخيف ينادي باسم شهد. ثم نظر ليديه وكأنه يعلم أن شيئاً سيظهر على يديه.
وجد كلمة "خطر" ظهرت على كفه يديه. ثم اختفت سريعاً وكأنه معتاد أن تظهر مثل هذه الكلمات على يديه. وقف من مكانه يفرك بشعره ووجهه يتصبب عرقاً. كان قلقاً بشدة من ذلك الحلم الذي يأتيه للمرة الأولى. لكن كيف أن تأتي شهد بمنامه دون إنذار! تذكر عندما التصق بها قبل أن ترحل من البرج. فلهذا السبب حلم بها ورأى حالتها النفسية وما سيحدث. فكان خائفاً حقاً. فهو يعلم جيداً أن أحلامه حقيقة مئة بالمئة.
لأن وحده من يعلم هوية نفسه ويعلم من هو! لذا قرر الوصول إليها بأسرع وقت قبل أن يصيبها شيء. *** كانت تبكي بشدة وهي تحمل هاتفها تحاول أن تتصل بأخيها. تهرول خارج المنزل تجري بها الرياح. لكنها توقفت عندما أرسل لها شخص فيديو كي يريها ماذا سيحدث لأخيها الآن. كانت تقف تتابع الهاتف ببلاهة إلى أن صرخت بشدة عندما وجدت سيارة تدفع أخاها. ليسقط غريقاً بالدماء. أخذت تجري إلى ذلك المكان وهي تصرخ باسمه: -وحيددد... وحيددد!
توقفت قدماها عندما وجدت حشداً من الناس متجمعين حول أحد ملقى أثر حادثة. كانت تتقدم بضع خطوات وتتراجعها أيضاً. لم تقتنع أن هذا أخيها إلى الآن. ظنت أن هذه مزحة ولم يفعل معه ذلك الحقير شيئاً. لكن عندما أبعد رجل تلك ورقة الشجر التي كانت تعيق رؤية وجهه كي يرى ملامح وجهه. صرخت ريم بفزع وهي تضع يديها على وجهها تجري إليه تهزه بشدة تدعوه بأن يفيق والا يتركها بهذه الطريقة! -وووحيددد... وووحيد لأ قوووم.. قوووم متعملش فيا كددده.
-إنت بتمثل صح! قوووم يا وحيد! وجدت من يشير لها من بعيد ويرسل لها قبلة بالهواء. فلم يكن سوى ذاك الشخص الذي قتله. صرخت أكثر بحرقة وهي تهزه كي يفيق لكن دون جدوى. لتلتهب ريم فازعة من نومها تنادي به وتهلوس ببعض الكلمات الغريبة: -اا.. أنا السبب.. أنا السبب في موتك يا وحيد... لااااااا... وحيدددد.. تقدمت إليها أمها بهلع تجلس أمامها رغم عصبيتها وما فعلته معها، لكنها شعرت بالقلق عليها: -مالك يا ريم؟!
ده كان كابوس من كوابيسك صح؟ أومأت لها ريم بصمت. وبعد قليل دلف خالد إليها الغرفة وخلفه شهد التي جرت إليها تحضنها: -وحشتينييي يا ريمووواخص عليكي كده متسأليش عليا! احتضنتها ريم بفرحة عكس ما كانت عليه منذ قليل: -شهد إنتي هنا! مش مصدقة حاسة إني بحلم. نظرت لتجد سوسن تنظر لها بحب ف قامت من مكانها بتعب تقول: -ماما سوسن وحشتينيي! احتضنتها سوسن تقول لها بحب: -وإنتي أكتررر يا حبيبتي. -أخبارك إيه طمنيني.
-أنا بخير الحمد لله طول ما إنتوا بخير. اقتربت شهد منها تلف يديها على ذراعها تقول بمزاح: -خدي الكبيرة بقيمش إحنا نوينا نستقر هنا زي زمان. صرخت ريم بفرحة وهي تحتضنهم ثانيةً. ابتسم خالد لرؤيته لها فرحة بهذا الحد، فكان يعلم مجيء شهد سيغير الكثير بمجرى حياتهم سواء هو أو هي..! جلست سوسن هي وورد برفقة ناهد بينما تحدث خالد بهذا الوقت قائلاً: -اقعدولي إنتو الاتنين بمشاكلكم دي.
لوت شهد فمها وهي تجلس جانب ريم التي توترت كثيراً لأنها تعلم جيداً أن خالد لن يتركها الآن إلا أن عَلِم كل شيء وهذا ما تخشاه كثيراً. فسبق وعلم شخص بهذا الموضوع وتركها ورحل..! لا تريد أن تفقد أحد آخر بحياتها. ففراق أخيها وحيد ليس هين عليها. إلى الآن تشعر بالذنب ترى دمائه ملطخة يديها، فهي السبب في موته بهذه الطريقة! عندما كانت شهد على وشك أن تتحدث بشيء نادت أمها بها لتتجه إليها قائلة: -خير يا ماما.
-مش قولتيلي لما نوصل هنا هتبلغيني بكل حاجة. -يلا بينا على شقتنا فوق وتحكيلي الحكاية. قالتها سوسن بجدية واضحة، بينما هدأت شهد من روعتها تقول لها: -اهدي يا ماما هقولك كل حاجة والله بس مش دلوقتي. -سيبيني أقعد مع ولاد عمي مشفتهمش من زمان، عاوزين نتكلم مع بعض شوية. لوت سوسن فمها لتقول لها: -طيب أنا هسبقكك على فوق وتحصيني متتأخريش إنتي فاهمة. -حاضر يا ماما حاضر.
قالتها شهد بتعب من أمها ومن تصرفاتها الغريبة مع أقارب أبيها، فلم تعلم لماذا هذا التجنب من ناحيتها تجاههم! التصقت بخالد الذي كان يتابع شرودها يقول: -احم آسف قطعت عليكي اللحظة الرومانسية العظيمة دي. -إني آسف! ابتسمت شهد بمرح تركله بمعدته قائلة: -هتفضل طول عمرك تضايقني كده! مش هترحم منك يا بني! -لأ.
قالها خالد بثقة تامة يغمز لها لتتنهد هي بخيبة أمل من حالته عندما يراها فيحب مضايقتها وإزعاجها كثيراً منذ الصغر وإلى الآن لم يتغير شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!