تحميل رواية «ساعة الانتقام» PDF
بقلم دينا اسامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ظلام دامس يعم المكان حولها، جالسة هي على الأرضية تشعر بالدماء السائلة التي تغرق يديها وملابسها. حينما فتحت عينيها التائهتين لترى ما هذا الذي يسيل حولها، فُزعت من هول الصدمة وهي تنتفض من مكانها وكأن التبسها جني. وما زاد فزعها رؤيتها لصديقها وحبيبها المدعو سمير. صرخت، لا تدري لماذا، بأنها ستقع لا محالة في هذا الفخ الذي وقعت فيه. حتى وجدت من يكتم أنفاسها من الخلف ويسير بها من هذا المكان بأقصى سرعة. ظلت تركل من يحملها ويكتم أنفاسها. جاء بمخيلتها أنه من قتل سمير ثم يريد قتلها هي الأخرى. لكنه فجأة أدخ...
رواية ساعة الانتقام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم دينا اسامة
نظر لها بمشاعر مُختلطة، جانب منه يود احتضانها وحمايتها وجانب آخر يشمئز برؤية وجهها ويود الانتقام منها.
ركض من أمامها خوفاً عليها من ما هو عليه الآن، غير قادر أن يسيطر على مشاعره هذه المرة.
وقف جانب عموداً خارج الشاليه، ونبضات قلبه تتسارع.
يلهث بطريقة غريبة وعينيه التي تتطاير منها الشرار والحقد فقط هذه المرة.
يرجع بذاكرته لما حدث منذ خمسة أعوام.
"أيوه مبحبكككش ي فارس ارتحت!! سيبني بقي ف حالي وطلقني."
اقترب منها لا يستوعب ما تقوله، يحتضن وجهها بين يديه يقول بجنون:
"لأ ي عاليه انتي بتحبيني، انتي بس زعلانه مني بسبب غيرتك مش اكتر صح؟ متزعليش مني، صدقيني أنا بحبك انتي. آيه دي بنت رئيسي في الشغل ولسه طفلة، إزاي تفكري بالطريقة دي!!!"
نظرت له عاليا بسخرية من ما يقوله، غير مبالية تردف:
"وأنا يفرق معايا إيه! انشاالله تكون بتخوني معاها حتى. انت فاكر إني غيرت من اللي حصل!! وبعدين أنا بحييك والله، قرب منها لحد ما توقعها وخد فلوسها زي ما أنا عملت كده مع..."
لم تستطع إكمال جملتها عندما صفعها بقوة وصدمة بنفس الوقت، صائحًا:
"انتي بتقوليييي اييييه...! انتي واعية للي بتقوليلللللييييه!!!"
جذبت عاليا قميصه تقول بلهيب، تنظر له نظرات بغيضة فقط:
"أنا أول مرة أكون واعية من ساعة ما عرفتك. حب إيه اللي يأكل عيش ف الزمن ده! الزمن ده زمن الفلوس وبس وأنا اخترت الفلوس. مقدرش أعيش مع واحد زيك بعد كده ي فارس. روح ي ابن الناس فكر ف مستقبلك وأنك تكون نفسك وتنجح وأنا كذلك. أنا عملت بأصلي وواجهتك بالحقيقة وأنا ماشية ي فارس. ارجوك امضي على الورقة دي ياما لو مضتش انت حركت كده كده أنا هتجوزه."
كادت أن ترحل من أمامه غير آبهة لحالته وما يدور بذهنه، لكنه فجأة انقض عليها يخنقها بقوة وعيناه قد بدأت بالاحمرار، يقول بلهجة مجروحة وقوية:
"مش هسيبك ي عالياااا. هقتلللللك والله لاقتلك."
وبهذا الوقت كانت آيه تراقبه من بعيد، لتتجه إليه عندما وجدته يتصبب عرقاً وعروق وجهه وجسده قد بدأت بالظهور وكأنه يتشاجر مع أحد بعنف.
لتركض بخوف إليه غير مبالية لما حدث منذ قليل، تمسك ذراعيه بشدة تقول بقلق:
"فريد... فريدددد مالك!!"
فتح عينيه فجأة ليرى بهذا الوقت وجه عاليا فقط أمامه وليست آيه.
نظر لها بغضب ونار الحقد تشتعل، ينقض عليها يقوم بخنقها بجنون وتصرفات هيستيرية، يقول بلهجة مهددة:
"هقتلللللك.... هقتلللللك ي عاليا. مش هسيبككك.. لازم أموتكك بإيدي المرة دي... لازززم تموتييييي...."
كانت آيه في حالة صدمة وهي تكاد على وشك أن تفقد حياتها بهذه اللحظة.
لم تستطع مقاومته وإبعاده من تحوله لوحش كاسر أمامها.
أغلقت عينيها ببطء تستسلم لما سيحدث معها وقلت مقاومتها له، لتسقط يداها وما زال مجنوناً يخنقها.
لتأتي جيسي من الخلف تصرخ به، تبعده بخوف وصدمة تقول بصوت عالٍ كي يفيق:
"عملتتتتت اييييه ي مجنوووون...... قتلتهاااااا.... قتلت هيلانه...!!"
فاق فريد بهذا الوقت ينظر لآيه بجنون، ليجثو على ركبتيه وقد بدأت الدموع تتجمع بمقلتيه.
يقول دون وعي يحرك جسدها بقوة وهو يصرخ باسمها:
"آيييييه.... آيييييه لأ فوووقيييي.... انتي مهتموتيشششش... هتفضلييي عايشهههه.... انتييي لازززم تعيشيييي علشانييييي.... قومي واعملي فيا اللي انتي عاوزاه.... أنااا بحبكككك مش هقدر أكمل من غيررررك.... آيييييه فوقييييي..... آييييييييه....."
كاد على وشك أن يفقد عقله من ما فعله.
يحرك جسدها وكل أنش بها كي تفيقي.
يضحك بهيستيرية وكأنه فقد عقله، بينما جيسي تصنمت تنادي بأحد الأشخاص تحمل آيه من أمامه إلى المستشفى قبل فوات الأوان.
بينما فريد نهض من مكانه كالمجنون يركض خلفها إلى أن شعر بتوقف نبضات قلبه وصاعق كهربي غريب ضرب به، ليقع كالجثة، وعلى ما يبدو أنه فقد حياته!
صرخت جيسي جاثيةً على ركبتيها تحتضن رأسه تقول بصياح وبكاء:
"فااارس لااااافااااارس."
ثم أكملت بندم شديد وهي تعنف نفسها:
"أناااا السبببب... أنا السبب في كل ددددده.... أنااا انانيهههههه..... سامحني ي فارس ساااامحني."
كانت يارا تحتضن فراشها تبكي بهلع وجسدها لم يتوقف عن الارتجاف لحظة بعد ما رأته.
ليطرق أحد وقتها باب شقتها.
فزعت أكثر تتغطى بفراشها تبكي بصوت مرتفع متوقعة أنه شادي.
ليأتي صوت العم عبدالله هذه اللحظة يقول بصوت عالٍ:
"باشمهندسة يارااااا حصلللك اييييه!!"
قلق العم عبدالله كثيراً عندما لم تفتح، فرآها منذ قليل تدلف شقتها وها هو يطرق الآن لكنها لم تُجب.
كانت سوسن جواره هي وخالد تقول:
"انت متأكد إنها دخلت قدامك!!"
أما له العم عبدالله لتقول سوسن بلهجة متلهفة معتقدة أن ابنتها تجلس بهذه الشقة مع هذه المدعوة يارا:
"اكيد شهد بنتي معاها.. صح ي خالد..."
رفض العم عبدالله وقتها قائلاً:
"لأ ي حجة شهد مش معاها، دي دخلت لوحدها. شهد من ساعة ما سبتو البرج وهي مجاتش خالص."
فتحت يارا الباب بهذا الوقت بهدوء والدموع تنهمر من عينيها، لتري العم عبدالله وجانبه أناس غريبة تقول بلهجة متوترة وهي تمسح دموعها:
"خ... خير ي عمي عبدالله!"
انصدم عبدالله من حالتها ليقول مطمئناً على حالتها:
"خير ي بنتي مالك كفالله الشر..؟"
"بنتي شهد عندك صح..!"
قالتها سوسن بإندفاع وهمجية وهي تبعدها من أمامها تدلف للشقة تنادي بها بجنون، بينما كان خالد يتابع يارا التي كانت تنظر لما يحدث بخوف كبير وعلى وشك أن تفقد عقلها هي الأخرى.
ليقترب خالد بحرج قائلاً:
"أنا آسف نيابةً عنها. هي بس بنتها مختفية وده البيت اللي كانوا ساكنين فيه قبلك ف جينا نشوف لكن بعتذر عن طريقتها اتمنى تعذريها."
أومأت له يارا وهي بعالم آخر لم تهتم بما يحدث الآن.
اتجه خالد إلى سوسن بعدما تأكد من عدم وجود شهد يقول لها:
"ماما سوسن شهد مش هنا اهدي كده ويلا معايا. صاحبة الشقة برا مخضوضة اصلا من اللي بيحصل يلا بينا."
اتجهت معه سوسن ببكاء من عدم وجود ابنتها لتحتضن خالد قائلة بخوف:
"هتكون راحت فين ي بني بس."
لتتذكر أن سبب اختفائها لم يكن سوى ماهر ذلك وماهر علم مكانهم من العم عبدالله!
هذا ما فسرته لتقترب إليه بغضب كبير تقول:
"كده تعمل فيناااا كده!!! ليه قولته على مكانا هاااااا..! لييييه؟"
فهم عبدالله بما تقصده ليقول بأسف ورجاء:
"أنا آسف ي حجة سامحيني.. ماهر بيه هددني معرفتش اعمل إيه وقتها بس صدقيني هي كويسة ان شاء الله. ماهر بيه كويس رغم اللي عمله واكيد مش هيعملها حاجة."
نفت سوسن برأسها ببكاء أكثر ليهدأها خالد ويزيل دموعها.
بينما كانت يارا تتابع ما يحدث معهم.
تنظر لهم جميعاً ولم تردف بحرف إلى أن وقعت عينيها على شادي الذي كان يقترب منهم بغرابة وقد علم وقتها من هم ليقول بتحية وترحاب:
"سلام عليكم ازيكم."
رد عبدالله السلام يعرفهم عليه، بينما هو نظر لسوسن يتعجب من بكائها قائلاً:
"خير ي حجة مالك!"
حكى له عبدالله ما حدث ليفهم وقتها شادي يقول بعرض:
"أنا ممكن اعرفلكم هي فين لو تحبوا!"
تعجب خالد وسوسن وعبدالله من ما يقوله، بينما يارا تبلورت عيناها وشهقت فازعةً أكثر ترتد للخلف تقع على الأرض بخوف كبير من رؤيته، بينما هو كان لم يلاحظ وجودها حتى الآن.
كاد على وشك أن يقترب منها لكنه علم وقتها بأنها ستنهار إن اقترب ليقول وهو يغلق باب شقتها عليها:
"معلهش بنت عمتي أعصابها تعبانة شوية تعالوا معايا."
تعجب خالد قليلاً ليقول مستفهماً:
"طيب وانت هتعرف مكانها ازاي؟!!!"
ابتسم له شادي يقول:
"أنا عارف حكايتها وعارف إيه اللي هيحصل معاها. تعالوا معايا وانتو هتعرفو."
ذهبت سوسن خلفه بسرعة بينما كان خالد يتبعه ببطء وشعور غريب يرتابه تجاه هذا الشخص...!
وبالأسفل كانت يارا مصدومة وهي تنظر لكل أنش حولها بخوف كبير إلى أن صرخت فجأة ثم فقدت وعيها مكانها.
وبالأعلى كان يجلس شادي معهم يروي لهم بدايةً من هذا الكابوس وعن تنبؤه بما سيحل بالشخص عند لمسه أو لمس أشياء تخصه، لينهي قصته قائلاً بترنح من نظراتهم المبهمة:
"أنا عارف أنه صعب على عقولكم إنكم تستوعبوا اللي قولته بس دي الحقيقة وكنت بحاول اعرف مكانكم علشان أحذركم من اللي هيحصلها."
"المهم دلوقتي لو معاكم أي حاجة تخصها هاتوها أقدر اعرفلكم مكانها فين دلوقتي وحالتها."
كان العم عبدالله وخالد في قمة التعجب والصدمة من ما يقوله، فهذا بالنسبة لهم أشبه بالمستحيل أن يكون بينهم بشر مثله..!
بينما سوسن رغم تعجبها هي الأخرى من ما يقوله، لكنها كانت تشعر بأمل وأنه سيخبرها أين ابنتها لتقول بحزن وقتها:
"بس أنا مش معايا حاجة تخصها دلوقتي."
لتتابع قائلة له:
"أي حاجة زي إيه ي بني مثلا!"
"أي حاجة ي حجة تخص آنسة شهد سواء لبس اكسسوار، أي حاجة من طرفها."
بكت سوسن مجدداً بخيبة أمل ليقول خالد رغم تعجبه:
"طيب هي كانت قاعدة في الشقة اللي تحت متعرفش تعرف من خلالها مكانها؟!"
صمت شادي ثواني، فهذا الحل قد جاء إليه لكنه لم يفضل أن يرى يارا ثانيةً وإلا هذه المرة سيحدث لها شئ لا محالة.
تنحنح قليلاً ثم بعد ذلك توسلت سوسن بأن يجد حلاً ببكاء.
استسلم واتجه معهم للأسفل يطرقون الباب.
"قريبتك مش هتنزعج من وجودنا!"
قالها خالد بتعجب ليجيبه شادي وبداخله يعلم أنه السبب:
"لأ متقلقش، تفتح هي بس الأول."
شعر بخطب عندما لم يصدر رد منها.
كاد على وشك أن يفقد عقله أمامهم ويفتح الباب بقوته التي أخفى الجانب الآخر منها عليهم وهي ما اكتشفته يارا المسكينة فقط!
أبعدهم عنه قليلاً يُمثل بمهاجمة الباب كي يفتح لكنه استخدم قوته ليفتح الباب وقتها.
ترنح مكانه عندما وجدها ملقاة على الأرض فاقدةً للوعي، شفق على حالتها وحزن قلبه لأجل ما هي عليه بسببه وحده.
اقترب منها يحملها بين يديه يضعها على أحد الكراسي.
يُملس وجهها برقة عكس عادته إلى أن عاد إلى رشده عندما اردف خالد بصدمة:
"دي شكلها تعبانة."
"اطلب لها الدكتور."
"هتبقي كويسة، المهم دلوقتي دلوني على أوضتها أعمل المطلوب."
ترك يارا رغم خوفه عليها لكن من حسن حظه هذه المرة إنها لم ترى ما سيفعله الآن.
جلس على سرير شهد يتحسسه مغلقاً عينيه بتأمل، لكنه فتح عينيه بتعجب من عدم رؤيته لأي شئ هذه المرة وهذا ما أثار اندهاشه!
حاول ثانيةً ولم يرى أيضاً.
ليهتف لهم بتعجب بأنه لم يجد على رؤية أي شئ وتوقع أنه من الممكن بسبب إجهاده حدث هذا الشئ.
رأت وقتها دولابها لتفتحه مسرعة تدعي الله بأن تجد أي شئ يخص ابنتها به ولم يخيب لها الله ظنها.
وجدت خاتم لها في أحد الأركان بعيداً عن الأعين جلبته إلى شادي بلهفة قائلة:
"والنبي ي بني شوفلي هي فين بسرعة."
حمل الخاتم بين يديه متوقعاً أنه لن يرى شئ.
لكنه قد رأى وقتها بالفعل كل شئ.
فتح عينيه بعد قليل تنظر له سوسن بأمل ليقول وتعجب أكثر يزداد داخله من رؤيته الآن:
"أنا عرفت هي فين وحالتها إيه."
سوسن وخالد بلهفة:
"هي فيننننن؟"
"في المستشفى هي وماهر."
شهقت سوسن بفزع تقول:
"في المستشفى بتعمل ايييه!!!"
"عملت حادثة هي وماهر."
ترنحت سوسن مكانها برعب من أن مكروه أصاب ابنتها ليقول خالد بخوف:
"طيب اسم المستشفى إيه؟!"
جاوبه شادي وقتها لتركض سوسن من الغرفة إلى الخارج وخلفها خالد بعدما شكر شادي ومعهم أيضاً العم عبدالله الذي كان يدعي لشهد يشعر بالذنب لما حدث لها.
بينما كان شادي ما زال جالساً بإندهاش من هذا السرير اخذ يتحسسه ثانيةً لكن لم يستطع رؤية شئ.
تفحص الغرفة جيداً.
لتقع عيناه على حقائب يارا التي كانت توجد بها.
فعلم أنها تقيم بهذه الغرفة.
تذكرها وقتها ليسرع فوراً إليها يحملها يضعها أعلى الفراش يعيد ترتيب شعرها ثم سهى قليلاً ليقول بعدها بتفكير:
"هو إزاي مشفتش يارا في حلمي!!"
شعر بخطب بالأمر، فكان من المفترض رؤيتها بهذه الحالة بحلمه لكنها إلى الآن لم تأتي بحلمه ولم يستطع اختراقها!
قرب يداه فجأة يضعها أعلى وجهها يغمض عينيه يكذب ما يفكر به عقله.
لكن أيضاً لم يستطع رؤية ما تشعر أو تفكر به.
نهض من مكانه بصدمة وقد تأكد أنها ليست فتاة عادية هي الأخرى مثله لكن كيف..!
بدأ عقله بالتشويش من الاحتمالات التي يضعها ليقرر الانصراف وقتها إلى شقته بعدما اطمئن عليها يُبدل ثيابه ثم يفكر فيما حدث ف هذا اليوم!
وبالفعل كما قال شادي، فكانت شهد وماهر بالمستشفى.
كان ماهر يجلس بالخارج بالانتظار وبه إصابات بسيطة رغم كثرتها، لكن مقارنةً بحالة شهد فهو أفضل بكثير.
كان يتألم داخله ولم يستطع البوح.
يتذكر حالتها عندما جلبها إلى المستشفى وما حدث معها بسببه وبسبب هذه القضية اللعينة التي وضعت حياتها على المحك..!
خرج الدكتور وقتها وعلى ملامحه الحزن قليلاً ليُسرع ماهر قائلاً وهو يمسك قلبه بيديه كما يُقال:
"خير ي دكتور طمني، هي حالتها عاملة إيه دلوقتي!"
"هي تجاوزت الخطر الحمد لله بس-"
"بس إيه ي دكتور؟!"
قالها ماهر بقلق يراقب تقاسيم وجهه ليرد الدكتور:
"هي فقدت نظرها للأسف."
صُدم ماهر ليقع على الكرسي مترنحاً من ما سمعه يقول:
"يعني إيه!!!!"
"أنسجة القرنية عندها اتدمرت للأسف مفيش قدامها فرصة غير أنها تعمل عملية زراعة قرنية ودي برا ونادراً لما بتنجح.!"
كان ماهر بحالة صدمة.
لم يستوعب ما يقوله الدكتور، يشعر بأن هذا كابوس فقط ويتمنى أن ينهض منه بأسرع وقت.
تابع الدكتور حديثه يقول مساعداً له:
"في دكتور في كندا كويس جداً أنا على علاقة بيه لو حابب تعملهالها كنت اتواصلك معاه وتلحق تسافر علشان لازم تتعمل خلال شهر."
كان الدكتور مقدراً صدمته وصمته.
لتنقض سوسن عليه بعدما وصلت هي وخالد وهي تعنفه قائلة:
"بنتيييي فيييين عملتتتت فيهاااا إيه حرام عليككك."
شعر الدكتور بالتوتر بهذا الوقت وهو لم يستطع إخبارهم.
ليتقدم إليه خالد يقول بلهفة:
"طمني ي دكتور الله يخليك، هي عاملة ايه دلوقتي، حصلها ايييه."
"هي بقت كويسة لكن."
خالد بتعجب وقلق:
"لكن إيه ي دكتور؟!"
"هي فقدت نظرها للأسف!"
"بتقووول ايييييييه!!!"
قالها خالد بصدمة لم تقل عن ماهر وقتها، بينما صرخت سوسن وهي تضرب ماهر بيديها بقوة وقلبها كاد أن يتوقف من الصدمة.
ليهتف ماهر وقتها ولأول مرة يشعر بالذنب ويرق قلبه:
"أنا آسف.... آسف... أنا مقصدتش اعمل فيها كده، أنا حاولت أحميها..."
"مننكككك الله منككككك لله، ربنا ينتقم منك ي شيخ. حسبي الله ونعم الوكيل فيكككك، روح ربنا يوجع قلبك زي ما عملت فينا كده ولا عمرك تذوق الفرحة ف حياتك."
كانت تردد هذه الكلمات بجنون لتقع ببكاء بين يدي خالد الذي كان يقف صامتاً فقط دون وعي.
أما عن ماهر نهض من مكانه يترجل بالمستشفى وأذنيه يتردد بها دُعائِها عليه وقهرتها وأنه من تسبب في ذلك..!
ف عناده وعجرفته من فعله بها ذلك فهو المذنب الوحيد حقاً.
كان يسير يتخبط فيما حوله تائهاً لا يعلم ما الحل.
وبعد مرور بعض الوقت، كانت تجلس جيسي جانب آيه تتأسف لها بندم شديد وهي تقول:
"سامحيني بجد، أنا طلعت حد اناني اووي. أنا السبب في اللي حصلك، اتمنى تسامحيني لو تقدري."
كانت آيه تنظر لها بتعب بعدما فاقت لتقول بعدم فهم وهي في حالة صدمة من ما فعله فريد معها:
"قصدك إيه! هو ليه عمل معايا كده! مين عاليا دي اللي نادالي بيها وكان عاوز يقتلها."
توقفت آيه عن إكمال ما تود قوله بتعب لتسعل مرة وراء الأخرى وهي تغلق عينيها.
لتردف جيسي وما زالت نادمة على فعلتها الحقيرة:
"عاليا كانت زوجة فارس الله يرحمها."
صُدمت آيه محاولةً استيعاب هذه المعلومة تقول:
"مراته!! هو فارس كان متجوز!"
أومأت لها جيسي قائلة:
"فارس متجوز من ٦ سنين وعاليا ماتت بعد سنة من جوازها."
"بسببه؟!"
قالتها آيه بخوف وصدمة من أن يكون هو قاتلها لتنفي جيسي مسرعة بتوضيح:
"لأ.. بس هي خانته بعد ما اتجوزوا وسابته وراحت لعشيقها وبعدها بشهر عرفنا إنها توفت لكن منعرفش سبب موتها المفاجئ ده إيه!"
"طيب أنا معرفش عاليا، أنا مالي ومالها ليه كان عاوز يقتلني أنا وكأنه شايفها هي قدامه!! أنا مش فاهمه حاجة ي جيسي."
توترت جيسي وهي تفتح هاتفها تُريها صورة لعاليا برفقة فريد يوم زفافهم.
لتشهق آيه بفزع تقول وهي تنظر لجيسي بصدمة تضع يديها أعلى وجهها:
"إزاي ده حصلل...!!!"
"أنا آسفة بجد، أنا السبب. أنا غيرتي وأنانتي عمتني وقتها، لما الدكتور قال أنك لازم تعملي عملية تجميل، روحتله وعطيته صورة لعاليا يحاول يغير وشك ليها. أنا آسفة ي هيلانه، أنا بحب فارس من زمان اوووي وفارس طول الوقت مش شايفني. اتجوز عاليا وأنا بتقطع برغم إني حذرته منها لكن هو حبها وقتها ودلوقتي لما جاتلي الفرصة أنه يبقى معايا حبك انتي ي هيلانه...!"
"عملت كده علشان يبطل يحبك وكل ما يشوفك يفتكر خيانة عاليا لكن مكنتش اتخيل أنه يعمل كده فيكي.. أنا اسفه... اسسسفه."
بكت جيسي بشدة وهي تضع يديها أعلى وجهها بحزن لما وصلت إليه بسبب حبها الأناني.
بينما كانت آيه تتابعها بصدمة وشفقة بنفس الوقت.
لم تتخيل أن فريد كان متزوج بل وما روته جيسي عن ما فعلته هذه عاليا معه رغم حبه لها.!
شعرت لوهلة بنغزة بقلبها من فكرة إنه كان يحبها بهذه الطريقة وهل يحبها إلى الآن أيضاً رغم خيانتها؟!
لكن تذكرت اعترافه لها بالطائرة بأنه يحبها لكنها لم تدقق أو تهتم وقتها لكلامه.
لكنها الآن شعرت بشئ آخر تجاهه رغم كل هذا الغموض به..!
رواية ساعة الانتقام الفصل الثاني عشر 12 - بقلم دينا اسامة
بينما كان ماهر يترجل وهو بحالهٍ اشبه باللاوعي ليسمع صوت رجولي يهمس قائلاً:
- والله بجد حسبي الله ونعم الوكيل في دي مستشفى وف ده دكتور عديم الضمير ده.
قالها شخص ما بغضب لصديقه.
ليرد بقول:
- فيه ايه طمني مالك؟
- الدكتور طلع مُرتشي تخيل!
- ازاي مش فاهم؟!
اقترب ماهر قليلاً كي يسمع ما يدور بينهم، يريد معرفه حديثهم بفضول عكس عادته.
ليرد الآخر:
- بالصدفه سمعت واحده بتعرض عليه فلوس مُقابل أنه يكدب على اللي جاي معاها ويقوله انها عميت علشان تحسسه أنه السبب في ده تخيل!
تبلورت عينان ماهر للأمام بصدمه وعدم تصديق من ما سمعه.
شعر بأنه لم يعد قادراً عن عدم التدخل ليتجه إليهم بلهفه وكأنه يريد نفي ما قالوه وأنها أرادت إشعاره بالذنب ناحيتها!
وبدون مقدمات فتح هاتفه ليعرض لهم صوره شهد يقول بصوت جهوري مُكتتماً غيظه:
- هي دي اللي بتتكلم عنها؟؟
رد الشخص حينها رغم خوفه من هيئه ماهر ونظراته العدوانيه:
- ايوه هي دي.
- ليبلع ريقه بتلعثم وهو يكمل: هي قريبتك ولا حاجه؟؟!
كانت نيران تسري بجسده حينها وهو يضع هاتفه ف سرواله، يغمس أنامله في شعره بطريقه جعلتهم هما الأثنان في حاله توتر.
ليقول هو قبل أن يرحل من أمامهم بجمود وداخله نار الحقد والكره فقط ناحيتها هذه المره:
- حاجه زي كده.
بينما بالداخل كانت سوسن تبكي بقوه يحتضنها خالد وبداخله هو الآخر حزن وغضب كبير بعدما تأكد أن السبب ف حاله شهد لم يكن سوي ماهر.
- بنتي مش هتشوف تاني ي خالد...! بنتي عمييت!! اااه ي بنتيييي، اه ي شهد ، لييييه سبتها ي خالد تمشي معاااه لييييييه، حرام عليك انا مليش غيرهااا، ربنا ينتقم منه، حسبي الله ونعم الوكيل..
كانت سوسن تردد كلماتها بوجع وألم أم، تريد إلتهام هذا الذي يُدعي ماهر وتعليمه درساً قاسياً.
بينما كان خالد بعالمٍ آخر وهو يشعر بخطب من بدايه اليوم إلى الآن.
عقله لا يستوعب كل ما حدث بدايهً من شادي الذي قال أنه يتنبأ بالمستقبل واخبرهم مكانها إلى ما قاله الطبيب عن حاله شهد وعن هذه الفتاه التي تسكن بالشقه التي كانت تسكن بها شهد وعن حالتها عندما رأت شادي وكأنه شبح!
هذا ما لاحظه لكن تجاهل هذا الشئ، أخذ يربط كل هذه الأحداث إلى أن قرر مقابله الطبيب يستفسر منه عن حالتها وما حدث لكن علم من أحد الموظفين أنه قد رحل وحاله شهد يتابعها ممرضه حتي الصباح.
جلس خالد جوار سوسن بقلق وشعور غريب يهاجمه من هذه الفكره.
وفي الصباح الباكر فاقت يارا من ما كانت عليه أمس لتجد نفسها بغرفتها وآخر ما تتذكره أنها كانت أمام باب الشقه عندما آتوا هؤلاء الأشخاص ولا تتذكر ما حدث بعدها لكن كيف آتت لهذه الغرفه!!
توترت وهي تنظر بكل إنش بالغرفه وخوف كبيره داخلها مُتذكره حقيقه شادي وما رأته بالشركه لكن كان سؤالها الوحيد كيف يكون هذا شادي؟!!
توقعت أنه لم يكن هو وهذا يحل محله فقط رفض عقلها استيعاب هذا الأمر.
لتنهض من مكانها وهي تحتضن نفسها جيداً.
ليصدر هاتفها صوتاً غريباً فجأهً جعلها تصرخ بخوف وهي تنظر للخلف.
لتحمله ودقات قلبها تتسارع لتجد رسائل كثيره من بعض المصورين وبعض أصحابها يهنئوها بعيد ميلادها.
توسعت عيناها بإندهاش وهي تنظر بتاريخ اليوم لتجد أنه يوم ميلادها وقد نست عكس عادتها أو بالأحرى بسبب ما مرت به.
أغلقت هاتفها وهي تجلس مُجدداً تفكر بأمر الشركه وكيف تذهب بعد ما رأته.
- هو ممكن اكون كان بيتهيألي أو كنت بحلم!!؟
اخذت تحاول إقناع نفسها بأن هذا وهم علي الأغلب فقط لكن عقلها لم يستوعب بعد.
ف قررت الذهاب اليوم للتأكد من شكوكها ثم بعد ذلك ستحسم مصيرها.
اتجهت إلى المرحاض تغتسل جيداً مُحاولهً بقوه نسيان ما رأته أمس.
ثم خرجت بعدما توضأت للصلاه.
انهت صلاتها وهي تشعر براحه غريبه لتنهض شارعه ف إرتداء ثيابها.
وبعد وقت ليس بقليل خرجت من الشقه وهي تغلقها خلفها لتجد العم عبدالله أمامها الذي كان يطمئن علي حالتها.
لتجيبه هي بثبات رغم ارتباكها من تذكرته لها ما حدث أمس:
- الحمد لله احسن، ميرسي جداً ع سؤالك.
خرجت من البرج وهي تتجه نحو سيارتها لتوقفها فتاتين كانوا يصرخون من الصدمه وهما يقولان بصوت واحد:
- يارا رشدي!!! مش معقول، بليززززز بليززززز ممكن صوره معاكي.
التفتت يارا لهم جيداً تبتسم بفرحه وهي تلتقط هاتف إحداهم وتأخذ معهم سيلفي بطريقه عفويه ومرِحه.
بينما كان شادي يتابع هذا من بُعد لتفادي رؤيتها له.
كان يبتسم بعض الشئ بتعجب من شهرتها الواسعه الذي جهلها هو.
- بجد احنا بنحبك اوووي وكان حلمنا نتصور معاكي أو نشوفك من بعيد، انتي مش متخيله إحنا حاسين بأيه دلوقتي.
ردت عليهم يارا بسعاده عارِمه ف حب الناس لها وتأثرهم بها هذا ما يكفيها طيله حياتها وتعمل جاهدهً من أجله.
- ي بنات ي قمرات انا اللي مبسوطه بيكم والله تسلمولي.
- ممكن حضن؟!
قالتها فتاه بخجل من أن ترفض لكن قابلتها يارا بحب وهي تحتضنها بقوه وتحضتن الفتاه الأخرى.
ثم بعد ذلك رحلو وهي تستند بظهرها أعلى سيارتها بإبتسامه واسعه ليأتيها مكالمه ف اجابت على الفور.
- عيد سعيد ي فنانه وعقبال المليون ي رب.
- تسلم ي مادي متحرمش منك.
- المهم هتعملي إيه ف جلسه التصوير؟! كانت المفروض صورك نزلت النهارده ي يارا بس مش عارف اتلم عليكي من فتره.
وضعت يدها أعلى رأسها بحزن قائله:
- تخيل نسيت بجدد الموضوع ده! طيب إيه الحل ي مادي بسرعه اتصرف.
- والله الحل إنك تجيلي دلوقتي انا جاهز جداً.
- طيب مينفعش على الساعه ٥ كده؟! اصلي ورايا شغل ولسه مشفتش فستان جلسه التصوير ولا حتى كلمت سُلاف علشان الميك اب.
- متعتليش هم كل ده الفستان خليه عليا وسُلاف هكلمها انا بس انتي تيجي.
- طيب ي مادي هجيلك ع الساعه ٣ كده، انا خلاص اعتمدت عليك في كل حاجه.
- تنوري اللوكيشن ي يويو وكل سنه وانتي طيبه ومكسره الدنيا ي رب.
- حبيبي تسلم بجد وكل سنه وانت معايا وسبب ف إني اكسر الدنيا ي أحسن أخ في الدنيا.
خبط مادي أعلى رأسه يخرج تنهيده ثقيله يقول بهمس...
- ما كنا ماشيين كويس.
- بتقول حاجه!!
- بقول تسلميلي ي أجمل اخت يلا معطلكيش ومتتأخريش.
اغلقت معه وهي تركب سيارتها بِ طاقه ايجابيه تكتسبها كلما تحدثت معه.
بينما عند ملّ شادي من متابعتها كان قد اقترب منها من الخلف عندما وجدها تتحدث بالهاتف ليسمع كل شئ.
ركب سيارته هو الآخر ورحل وشعوراً غريباً سيطر عليه من طريقه حديثها مع هذا الذي يُدعي مادي.
وبإحدي مستشفيات كندا كانت آيه تجلس وبرفقتها جيسيكا التي ما زالت تعتذر لها عن ما فعلته.
ف برغم ضيق آيه من فِعلتها لكن ما كان يحزنها فريد التي رأت في عينيه حب كبير ل عاليا رغم خيانتها لكنها شعرت بأنه ما زال يحبها ولم يجدر به نسيانها.
كانت جيسي تراقب ملامحها الحزينه والباهته لتقول بخجل:
- آيه انتي كويسه؟!
نظرت لها آيه بتعجب وصدمه بنفس ذاك الوقت ترد:
- آيه !! وكمان بتتكلمي مصري!!
انتبهت جيسي لِما قالته دون قصد لتستلقط انفاسها بقوه وهي تقول:
- بصراحه كده انا في موضوع تاني عاوزه اعترفلك بيه.
توترت آيه منها كثيراً وشعرت أن ورائها الكثير والكثير لتومأ لها علامه الايجاب:
- انا اتعلمت اللغه من فتره طويله وبعرف اتكلم مصري كويس لأني قاعده في مصر من فتره، وطبعاً لما شفتك مع فارس وعرفت من كلامكم إنكم هربانين من حاجه وانتي متخفيه بأسم هيلانه وهو فريد! بس بصراحه كنت حابه اعرف ايه وراكم وليه فارس رجع كندا بعد كل ده!!! ف علشان كده مقولتش لفارس إني بعرف المصري.
كانت آيه تتابعها بصدمه لكن ما آثار تساؤلها معرفتها بأسمها الحقيقي!!
- طيب عرفتي منين إن إسمي آيه؟!!
- انا شفتك قبل كده مره ي آيه في حفله كان اللوا سليم عاملها سعت اتعرض لاغتيال ووقتها فارس انقذه وانقذك كانت الجرايد والأخبار كلها بتتكلم عنكم ف عرفتك أول ما شفتك مع فارس، لكن الغريبه ليه فارس يرجع كندا بالطريقه دي بعد كل المده دي!
آيه بعدم فهم من ما تقصده:
- مش فاهمه قصدك!! إيه المشكله في رجوعه كندا!
ارتبكت جيسي قليلاً وهي تقول:
- اصل كندا مكان تعارفه على عاليا واتجوزوا هنا وذكرياته كلها معاها هنا بس بعد اللي عملته ساب كندا وممتلكاته كلها ورجع استقر في مصر بعد ما حاولت معاه كتير يقعد لكن مقدرتش.
اعتدلت آيه في جلستها تريد معرفه الكثير عنه فهذه الفرصه المناسبه وتريد اغتنامها لتقول بتساؤل:
- طيب هو فريد ازاي عنده كل الممتلكات دي! يعني من خلال ما حكتيلي عنه وعن عاليا وأنها خانته بسبب ظروفه الماديه وف نفس الوقت اللي مش فهماه، إزاي يكون عنده الممتلكات دي ويشتغل حارس!!!
- دي معرفهاش ي آيه بصراحه لأن فارس حياته الشخصيه خط أحمر ومحدش بيعرف اللي جواه بسهوله، ف عمري ما حاولت اعرف منه لأني لو حاولت مش هاخد منه عُقاد نافع لكن كل اللي اعرفه أن فارس من أغنى أغنياء كندا حالياً والمستشفى اللي انتي قاعده فيها دي بتاعته وغيرها كتير.
كملت جيسي حديثها تقول مُتسائله:
- هو انا ممكن أسألك سؤال لو مش هضايقكك؟!
- اتفضلي.
قالتها آيه وهي تائهه بِ فريد وحقيقته الخفيه على الجميع ليست هي فقط.
- انتو هربانين من مين ولا من إيه!
ابتسمت آيه ابتسامه ساخره تردف:
- معدتش فارقه ي جيسي، الموضوع طويل اووي ومش هتقدرى تفهميه ولا تقتنعي بيه حتى.
شعرت جيسي بحزنها لتربت على يديها بحزن حقيقي تقول:
- انا معاكي في أي وقت لو احتاجتي فيه تتكلمي مع حد ي آيه واسفه بجد مره تانيه على اللي عملته فيكي.
- انا بعترف بغلطي بس صدقيني انا عملت ده علشان بحب فارس مش اكتر وعمري ما هكرهكك ولا كرهتك بالعكس انا حبيتك اوي ونفسي اوي نبقى صحاب لأني لحد الآن ملقتش الصديقه اللي كان نفسي فيها.
ابتسمت لها آيه مُتفهمه ما تقوله لتحتضنها وهي تقول:
- مش المهم تعتذريلي ي جيسي لأني كده كده كنت هحتاج العمليه وكان وشي هيتغير ف كل الحالات اللي مفروض تعتذريله فعلاً هو فريد مش أنا لأن ده اثر عليه هو بشكل كبير وانتي آذتيه من غير ما تعرفي.
وافقتها جيسي الرأي وهي تهز رأسها بندم وحزن كبير بسبب حبها الأحمق مثلها جعلت حياه شخصين ف خطر!
وعند شهد بالمستشفى كانت تمثل البكاء بإحترافيه أمام أمها وخالد عندما رأت ماهر مُتجهاً إلى الغرفه.
- يعني اا.. ايه!!. يعني انا مش هعرف اشووف تاني.. لأااا متقولوش كده والنبي..حرام عليكم.
دلف ماهر وقتها وهو يتابع الدراما الجديده التي تتقنها هذه المره وهو يقول وجانبه الدكتور الذي كان ينظر إلى الأرض بخجل من فعلته:
- حلو ده..!
ابتلعت شهد ريقها بتوتر كبير وهي ترى ملامحه ونظرات الشر التي كانت مُصوبه تجاهه.
لم يشعر خالد بنفسه إلا عندما انقض عليه يريد ضربه بقوه لكن لم يسمح له ماهر عندما تفادي ضربه.
ينظر للطبيب بغضب كبير يقول بلهجه مُخيفه:
- هتفضل واقف كتيرر كده ولا تحب افرشلك الأرض ورد علشان تتكلم!!!.
ابتلع الطبيب ريقه بتوتر قبل أن يقص لهم حقيقه فِعلته الدنيئه.
نظرت سوسن إلى إبنتها بصدمه وفرحه بنفس الوقت بأنها لم تفقد نظرها.
احتضنتها بفرحه كبيره وهي تشكر الله كثيراً.
بينما نظر خالد لها بتعجب حائر من فِعلتها هذه ولِما اضطرت أن تفعل ذلك وتورطه ف مثل هذا الشئ!
ليترك ماهر مُتجهاً صوبها رغم فرحته العارمه بأنها لم تفقد نظرها لكنه اردف يقول:
- ليه عملتي كده ي شهد؟!
كانت شهد صامته صمت تام لا تعرف بما تقول.
لكنها فجأه وجدت ماهر يتحرك أمامها بعشوائيه لتصرخ صرخه فزع وهل تتمسك بأمها جيداً وهي تتوسلها بقول:
- والنبي ي ماما خديني من هنا مش عاوزه اشوفه ولا عاوزاه يقرب مني لأااا... خلصووني منه ومن جنونه بقي.
- جنوني ده هيفضل ملاحقكك لحد ما تعترفي بكل حاج.
- مش هسيبك إلا لما القضيه دي احلها وانتي فهماني كويس ي شهد.
قالها ماهر بسخريه وعينيه التي كانت تلتمع من شده الغضب مُصوبه تجاهها.
بينما هي ابتعدت عن امها تنهض أمامه تقول بصوت عالي ونفاذ صبر:
- انت مبتفهممممشش...!! بقوووولك انا مليششش دخل في الموضوع انا معملتش حاااجه، ليه مُصر تحقق معايا في حاجه انا معملتهاش!
جذبها ماهر بشده إليه يمسك مرفقيها بقوه وهو يصرخ بها هاتفاً:
- عاارف إن ملكيش دخل وأنك مموتيش ي شهد انا ليا وجهه نظر ف الشخص اللي قدامي لكن اللي أعرفه ومتأكد منه إنك تعرفي حاجه تانيه كبيره حوالين القضيه ومخبياها وخايفه من حاجه، لكن انا معاكي!
- احكيلي مش جايز بعدها ترتاحي من اللي بتمري بيه ده وتخلصي مني وقتها زي مانتي عايزه.
نظرت بعينيه بقوه وهي ترى لهفته الواضحه كي يعلم حقيقه هذا الأمر.
شعرت لوهله بأنه يريد مساعدتها حقاً كما يقول.
لكن فوراً ابتعدت عنه قبل أن تضعف وتخضع له وهي تقول:
- انا معرفش حاجه ي ماهر بيه، ده كل اللي اقدر اقولهولك!..
- يعني كده!
قالها ماهر بغضب يراقبها ويعرف جيداً انها خائفهً من شئ ما ولا تريد الإباحه عنه تحت تهديد رُبما!!
- ما قالتلك اللي فيها اهو! ممكن تسيبها دلوقتي علشان لسه تعبانه أثر المخدر وسيبها بقي في حالها ي شيخ.
قالها خالد بغضب ونفاذ صبر.
هز ماهر رأسه علامه النفي يقول قبل أن يرحل:
- فكري تاني ي شهد واعرفي إني معاكي مش ضدك زي مانتي فاكره او حد مفهمهولك!
خرج من المستشفى بأكملها بغضب وحزن ومشاعر كثيره تتخبط داخله.
يريد حل هذه القضيه الغريبه التي ارهقته كثيراً وايضاً حمايتها من ما تهاب منه وهي لم تعي ذلك!
بينما بكندا كان فريد قد استجاب أخيراً وقد بدأ في استعاده وعيه وهو يقول بصوت اشبه للهمس:
- عاليا..
ابتسم الطبيب وهو يُسرع مُتجهاً إلى جيسي وآيه يخبرهم بإفاقته وهو يقول:
- فارس بيه بدأ يفوق.
تهلهلت اسارير وجههم وخاصهً آيه التي شعرت بفرحه عارمه ورغبه كبيره في رؤيته رغم فِعلته معها لتعزم على النهوض كي تُسرع إليه.
لكن توقفت بصدمه وقلب بدأ بالارتباك عندما قال الطبيب بتساؤل:
- مين فيكم عاليا؟!
- عاليا!!
اجابته جيسي بتوتر هي الأخرى وتعجب.
ليرد الطبيب قائلاً:
- اصل أول اسم قاله وهو بيفوق (عاليا).
- ايييه!!!
قالتها جيسي بصدمه كبيره بينما آيه كانت في حاله لا تقل صدمهً عنها.
رواية ساعة الانتقام الفصل الثالث عشر 13 - بقلم دينا اسامة
نهضت جيسي وما زالت على هذه الوضعية تقول:
- هو كويس ي دكتور طمني!؟
أجابها يقول بشك:
- هو كويس لكن أنا شاكك في أن عنده فقدان ذاكرة جزئي بس ي ريت يطلع شكي مش في محله.
ابتلعت آيه ريقها بتوتر هاتفه:
- يعني إيه؟! حضرتك ممكن توضح..
كاد أن يُجيبها لكنه ركض من مكانه فوراً عند سماعه صوتاً صائحاً يبلغه بأن أحد المرضى يكسر كل ما بالغرفة.
تبعته جيسي بخوف وقلق من أن يكون فريد، بينما حاولت آيه أن تنهض عدة مرات لكنها فشلت. أشارت لممرضة كي تساعدها وفعلت ذلك، ثم اتجهت هي الأخرى ناحية تلك الأصوات.
كان فريد وقتها يكسر كل ما بالغرفة بجنون وهو يردد فقط:
- أنا بكرهكك ي عاليا بكرهكك، هدمررررك، مش هتشوفي يوم حلو بعد اللي عملتيه فيااا.
حاول الممرضون التحكم به لكن لم يجدر بهم ذلك، فكان في مرحلة أشبه باللاوعي. اقتربت جيسي أمامه تحاول تهدئته بعدم فهم لما يفعل تقول بهدوء:
- فارس اهدي ي حبيبي مالك، إيه اللي بتعمله ده فهمني!
- يعني مش عارفه صاحبتك الخاينه عملت فيا إيه بعد اللي عملته علشانها؟!!!
قالها فريد بغضب وهو يعنف جيسي جاذباً مرفقيها بقوة إليه. قابلته بعدم فهم وتوتر من كلامه المبهم تُعيد سؤالها:
- فارس أنت كويس؟!! أنا مش فاهمه تقصد إيه.
وصلت آيه وقتها تهرول إليه بخوف وهي تحتضنه بحب وقلق تبعد عنه وهي تلمس وجهه بين يديها قائلة ببكاء:
- فريد انت كويس!؟ طمني عليك.
أما عنه فقد وصل لأشد مراحل العصبية الكفيلة بتدمير أي شيء أمامه، يُلقيها بعيداً عنه بعنف واستحقار وكأنها حشرة حمقاء. حاولت التقرب منه لتصطدم هي بالحائط بصدمة لا تقل صدمة عن جيسي التي كادت أن تجن مما يفعله ولا تفهم ماذا يفعل.
- انتي تبعدييي عنييي ي خاااينه، مش عاوز أشوفلك أثر قدامي، اخرجييي برااااا.
نهضت آيه ببكاء وهي تستند بأحد الكراسي المجاورة تحاول الاقتراب منه ثانيةً، لكنه حمل أحد الأدوات الطبية يهددها بها كي ترحل صائحاً:
- اخرجييي برااااا ي عالياااا اخرجييي صدقيني هقتلك.
شهقت آيه ببكاء وهي تبتعد عنه بخوف ترحل في صمت من حالته الغريبة ومن ما يفعله معها. أما عن جيسي فترجمت ما يحدث مع فريد. أعطوه له حقنة مهدئ، ثم بعد ذلك قال الدكتور:
- شكي طلع في محله، هو فقد جزء من ذاكرته وجزء فاكره كويس، ده الجزء اللي محفور في دماغه ومش قادر يتخطاه لحد دلوقتي.
- ي حبيبي ي فارس!..
قالتها جيسي بألم من ما وصل إليه بسببها وبسبب أنانيتها لتقول:
- يعني مفيش أمل ي دكتور أن حالته ترجع زي الأول؟!!
- للأسف دي مش بتاعتنا، دي بتاعة ربنا، بس أهم حاجة ميتعرضش للانهيار العصبي ده كتير لأنه هيأثر عليه جامد وممكن يفقد ذاكرته بالكامل بسببها، حاولوا على قد ما تقدروا تعملوا اللي عاوزه.
رد الطبيب قبل أن يرحل، لتنظر جيسي في أثره بحزن شديد وهي تجلس على الأرضية بخيبة أمل مُجهشة بالبكاء.
وصلت يارا إلى عملها وفور دخولها وجدت جميع الموظفين يحتفلون بعيد ميلادها، يصفقون لها ويهنئونها بكل حب وسعادة. فرحت بشده قائلة:
- مُتشكرة جداً ليكم بجد تسلموا.
- بغض النظر عن إن عيد ميلادك لسه بكرة لكن احنا حبينا نحتفل بيه قبل أي حد.
قالتها فتاة بابتسامة محتضناها وهي تقدم لها هدية، لتبادلها يارا الابتسامة تشكرها بحب. أخذوا يقدمون لها الهدايا في وقت دخول شادي الشركة ليقفوا جميعاً في أماكنهم خوفاً منه. بينما هي ترنحت قليلاً من رؤيته وهي ترتد للخلف لتسقط الهدايا من يديها. جلست كي تلتقطهم مُتفادية النظر إليه، لكن وجدت من يساعدها في حملهم وهو يقول قبل أن يرحل:
- كل سنة وانتي طيبة.
اكتفى بقول هذه الجملة ثم رحل في صمت حائر، بينما هي نهضت تنظر في أثره باندهاش وهي تتذكر ما رأته لكن كانت طالما تكذب عيناها بأي وسيلة.
- ده الحمد لله بجد أنها عدت على خير ومعملش مشكلة زي كل مرة.
قالتها موظفة وهي تتنهد براحة ليوافقها الجميع، بينما يارا جلست في مكتبها وهي تبدأ في عملها شارعة في إنهائه قبل الساعة الثالثة عصراً.
وفي هذا الوقت كانت ورد تحضر الطعام بشغف كبير وهي تدندن ببعض الأغاني ليأتيها صوت من الخارج ألا وهو خالد. اتجه إليها يقول وأعينه مُسلطة على غرفة ريم المغلقة:
- ماما ورد أخبارك طمنيني.
نظرت إليه بغضب بعض الشيء وهي تلومه تردف:
- أنا زعلانه منك ي خالد، مش قادرة أصدق إنك مديت إيدك على ريم وانت اللي كنت دايماً بتبعدني عنها.
- أنا مش عارف عملت كده ازاي، أنا ندمان على اللي عملته ومستعد أصلح غلطتي بأي طريقة علشان أراضيها، بس إيه الوليمة اللي بتعمليها دي؟! انتي عازمة حد ولا إيه.
- أيوه عازمة سوزان صاحبتي من زمان مشفتهاش، على العموم ريم النهاردة هترجع متأخر شوية من الجامعة لو عاوز تصالحها روح لها بعربيتك جيبها واهو منه تحس إنك زي الأول وبتحاول ترضيها.
أمأ لها خالد وهو يخرج بتعب مُتجهًا إلى شقته قاصدًا غرفته كي يستريح قليلاً قبل أن يذهب إليها.
بالجامعة كانت قد خرجت ريم وبرفقتها هنا صديقتها المقربة كي يتمشوا خارج الحرم الجامعي قبل المحاضرة الثالثة لهم.
- بقولك تعالي ناكل في أي حتة هنا علشان حقيقي دايخة ومأكلتش حاجة من بدري.
قالتها ريم بتعب، فاستجابت لها هنا بحماس ليتجهوا إلى مطعم بالقرب من جامعتهم.
جلسوا بضحك وقتها عندما وجدوا فتاة تبكي ورجل يحاول صلحها بإطعامها بطريقة مضحكة أضحكت ريم رغم حزنها لتقول هنا وقتها:
- ي رب أوعدنا من ده قريب.
ابتسمت لها ريم قائلة:
- إن شاء الله تتجوزي حد يحبك كده وتحبيه ي هنون.
- إن شاء الله وانتي كمان ي ريمو انتي تستاهلي كل خير.
- ي ستي أنا أستاهل وانتي تستاهلي بس نطلب بس الأكل علشان نلحق المحاضرة.
ابتسمت هنا وهي تطلب الطعام، بينما وهم يأكلون قالت هنا:
- قوليلي بقي مين مزعلك اليومين دول كده شكلك مش زي كل مرة.
- لأ ولا حاجة، أنا بس تعبانة اليومين دول حاسة إني مضغوطة.
- مش أكتر مني صدقيني أنا تقريباً مضغوطة من كل حتة بس برضه انتي فيكي حاجة احكيلي، انتي هتخبي عليا ي ريم؟
- صدقيني مفيش ي هنا لو فيه هقولك بدون تردد.
وبعد مرور ثلث ساعة نهضوا سوياً ثم اتجهوا إلى المرحاض وخرجوا كي يحاسبوا لتصطدم ريم بشخص لم يكن على الحسبان كما يُقال لتسقط القهوة الساخنة على يديها؛ شهقت وقتها بألم لتصرخ هنا بالرجل صائحة:
- مش تفتح انت أعمى!!!
- خلاص ي هنا محصلش حاجة أكيد ميقصدش.
كادت على وشك أن تدلف المرحاض مرةً أخرى كي تغتسل لكن توقفت عندما اردف موجهاً نظره إليها يحاول أن يتذكر من هي:
- دقيقة لو سمحتي أنا حاسس إني أعرفك..!
نظرت ريم خلفها كي تراه بتعجب، شعرت للوهلة الأولى بأنها رأته منذ ذي قبل لكن لا تتذكر. هي الأخرى أتته مكالمة هذا الوقت ليرحل فوراً حتى قبل أن يعتذر لتقول هنا بغضب:
- بني آدم عديم الذوق، يلا ي ريم بسرعة اغسلي إيدك.
ذهبت ريم خلفها وهي مع هذا الشخص الذي شعرت أنها رأته من قبل!!.
أما عن شهد كانت مُسطحة بفراشها شارده الذهن تفرك بكلتا يديها بطريقة أربكت سوسن لتهدأ من روعتها قائلة:
- اهدي ي حبيبتي انتي بخير محصلش حاجة.
لم تعير شهد لأمها أي انتباه وهي تقول بصوت داخلي:
- انتي السبب في اللي أنا فيه ده دلوقتي، لايمتى هفضل مخبية الحقيقة دي!! ماهر عمره ما هيسيبني إلا لما يعرف بس أنا مش هسمحله!!
قالت هذه الجملة بغضب وصوت مرتفع أفزع سوسن عندما رأت نظرات الغضب في عينيها التي يتطاير منها الشرر، لأول مرة ترى شهد بهذه الحالة!
- شهد طمنيني عليكي مش هتسمحي بأيه ي بنتي؟!
انتبهت شهد إليها لتمثل العياء والتعب وهي تقول:
- ماما ممكن ميه معلش هتعبك معايا.
أومأت لها سوسن بابتسامة بشوشة تخرج كي تجلب لها، بينما هي بالداخل نهضت تجاه شنطة لها مغلقة تفتحها لتُخرج منه هاتف وهي تنظر ناحية الباب ترسل لأحد ما رسالة غامضة مبهمة بعنوان:
- تصرف وخلصني من اللي حطتني فيه ماهر مش هيسيبني إلا لما يكشفنا.!
وضعته بسرعة في الشنطة تخبئها جيداً ثم اتجهت إلى الفراش وهي تجلس مُحدقة بالفراغ بتفكير وتعب حقيقي هذه المرة.
أما عن ورد كان ضيفتها المدعوة سوزان على وشك الوصول وإلى الآن لم تصل ريم. أخذت تتصل بها لكن هاتفها دائماً مغلق أو ربما هي من جعلته اليوم مغلق كي لا تصل إليها أمها، لكن لم تستسلم اتصلت بخالد الذي كان يقود سيارته متجهاً لريم تقول...
- خالد ي بني انت هتروح تجيب ريم ولا نسيت؟
- لأ أنا في الطريق ليها أهو قربت أصل.
- ربنا يباركلك ي بني عمرك ما خذلتني، بس بسرعة بقى.
أغلقت معه وقتها وبعد مرور ربع ساعة كان قد وصل إلى الحرم الجامعي يراقب من يخرج جيداً كي يراها، لكن عندما تأخر الوقت شرع بالنهوض يبحث هو عنها محاولاً الاتصال بها لكنه مغلق أيضاً.
- يعني ألاقيكي فين ي ريم بين كل الطلاب دي، ردي الله يخليكي مش وقتك.
لاحظته هنا من بعيد تقول لريم:
- خالد ابن عمك هنا أهو شكله جايلك، أيوه ي عم اللي هيروح على الجاهز كده ومش هيتمرمط في المواصلات.
نظرت إليه ريم تحاول الفرار من عينيه كي لا يراها، بينما صرخت هنا فجأة وقتها بفزع عندما رأت رصاصة مُصوبة ناحيته وهو مُنشغل. ركضت إليه بخوف وفزع انتابها وهي تبعده عن تلك الرصاصة التي أصابت السيارة لتسقط هي على الأرض تتألم، بينما هو كان في حالة صدمة من ما حدث ولا تقل عنه صدمة ريم التي علمت أن هذه الرصاصة كان هو المقصود بها وتعلم جيداً من فعل ذلك.
لتركض هي الأخرى إليه بخوف وبكاء، بينما هو ساعد هنا على الوقوف التي تأذت في يديها بشدة يقول لها:
- انتي كويسة!!
كان متوتراً من ما حدث وهو ينظر بكل انتباه لتقع عيناه على ريم التي وقعت في أحضانه مُجهشة بالبكاء:
- انت كويس!! طمني عليك.
- جيتلي ليه هنا ي خالد.
- متقلقيش أنا كويس الحمد لله، عاملة تليفونك مغلق ليه!! مكنتش حابب أدخل هنا لولا معرفتش أوصلك.
- أنا آسفة والله أنا عاملاه مغلق بسبب ماما.
كادت أن تُكمل جملتها لكنها انتبهت إلى هنا المُتأذية جوارهم، شهقت بفزع من جرحها والدماء التي كانت تلطخ ثيابها.
- هنا يلا بينا على المستشفى الجامعي فوراً انتي بتنزفي.
أومأت لها هنا بتعب وهي تجلس معهم بالسيارة شارعين بالتوجه إلى المستشفى. وعندما وصلوا، قامت إحدى الممرضات بتضميد جرحها بينما كان خالد يقف بخجل من حالتها بسببه!
يقول:
- ألف شكر ي دكتورة على اللي عملتيه كتر خيرك مش عارف لولا وجودك كان ممكن يجرالي إيه.
ابتسمت ريم تجلس جوارها تحتضنها قائلة:
- هنا انتي أجدع صديقة عرفتها في حياتي أنا بحبك اوييي مش عارفة أشكرك إزاي على إنقاذك لخالد.
- متقوليش كده ي ريم انتي لو مكاني كنتي هتعملي أكتر من كده المهم دلوقتي أن الدكتور بخير.
بادلها خالد ابتسامة امتنان قائلاً:
- تسلمي بجد ربنا يخليكي.
- بس ضروري تعرفوا مين اللي كان بيحاول يقتله وليه عشان مش ضامنة المرة الجاية أبقى موجودة بقى!
قالتها بمرح لقهقه هو، بينما هتفت ريم عازمة على تغيير مجرى الحوار:
- ممكن أصلاً الرصاصة تكون كانت مستهدفة لحد تاني وانتي شفتيها بالغلط أنها تجاه خالد.
نفت هنا ذلك وأكد على كلامها خالد هو الآخر لأن الرصاصة أصابت سيارته وكانت مُصوبة تجاهه فقط.
حمحمت ريم تقول مُتهربة:
- انتي عاملة إيه دلوقتي ي هنا..! حاسة بالجرح؟!
نفت هنا تشكرهم بحب، ف قابلوها هم بالشكر والعرفان وخاصةً خالد الذي عرض عليها أن يوصلها وبعد نقاش وافقت، تركب معهم السيارة عائدين وبداخل كل شخص منهم شعور مختلف عن الآخر...!
أما عن ماهر كان يتحدث مع أحد بالهاتف بابتسامة لأول مرة تظهر على وجهه منذ فترة يمازح شخص بقول:
- ي عم انت اللي اختفيت ولا حد سمع عنك حاجة طمني عليك.
- أنا هنا في مصر ي ماهر نازل هقعد فترة كده أصل أخوك ناوي يتجوز واحدة مصرية أصيلة تعيش مش زي بنات برا.
- البلدي يوكل برضو ي صاحبي..!
قالها ماهر بمداعبة وضحك بينما رد عليه الآخر:
- مفيش أحلى من البنات المصريات صدقني يوم ما تفكر كده في الجواز هتفتكر كلامي ي باشا.
- خلينا نفرح بيك الأول قبل ما القطر يفوتك وبعدين فكر فيا.
قالها ماهر بضحك شديد ليرد الآخر:
- طب صدقني بقى أنا حاسس إنك اللي هتعملها الأول وهتقول مهاب قال.
رد ماهر بعجرفة زائدة يقول:
- ومين دي اللي هتقدر تخلي ماهر الطوخي يقع في حبها؟!!! مهاب ي حبيبي خليك في حالك أفضل وروح حب على نفسك أنت إحنا وقتنا مش ملكنا زي ناس.
- تصدق بالله أنا غلطان إني كلمتك، يلا سلام بلا عودة ي أخي عشان مش فاضيلك رايح أشوف عروستي.
- أيوه ي عم بسرعة كده هتموت وتتجوز وتشيل الهم بدري!! في التأني السلامة ي صاحبي، اتقل تاخد حاجة نضيفة.
- وفي العجلة الندامة كل أمثالك حفظتها يلا سلام دلوقتي.
أغلق معه مبتسماً شارعاً بقيادة سيارته وتفكيره بتلك القضية وبهذه القاتلة البريئة "شهد" ...!
رواية ساعة الانتقام الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دينا اسامة
وصلت ريم برفقة خالد إلى منزلهم وهي متذمرة، تعقد حاجبيها لا تريد الدخول. لاحظها خالد، الذي ما زال في حالة صدمة مما كان سيحدث معه لولا هنا.
"مالك مقلوب وشك ليه؟"
"أمي يا سيدي عايزة تعرفني على صاحبتها بالعافية."
"طب وإيه المشكلة في كده يا ست ريم؟"
قالها خالد بتعجب من أمرها، لترد هي على الفور:
"ماهي مش صاحبتها بس وكمان ابن صاحبتها، أنت عارف حواراتها وأنها عايزة تجوزني وخلاص، مش فاهمة أنا مسببالها إيه!"
"نعم!"
قالها بعصبية وانفعال، لتبتسم هي، تعلم جيداً أنه سينقذها مثل كل مرة.
لم تتهنَّ كثيراً على ابتسامتها عندما أتته مكالمة. ابتعد قليلاً ملبياً، وهي تتابعه وقد بدا على ملامحه التوتر والحزن. ليقترب منها قائلاً وقد نسي تماماً أمر ما قالته منذ قليل:
"ريم، اطلعي أنتي بسرعة، أنا رايح المستشفى، طالبيني."
رحل من أمامها مسرعاً، وهي تنظر في أثره بحيرة وتعجب. لأول مرة، تتجه صوب شقتها، تتنهد بقوة، تدعو بداخلها أن لا تراهم بالداخل.
ولا خيب الله لها ظناً عندما دلفت لتجد أمها تجلس أمام الطعام بحسرة، تأكل بمفردها. أخذت عيناها تجول بالشقة وبكل أنحاء بها، غير مستوعبة عدم وجودهما.
اقتربت من أمها والابتسامة تعلو وجهها قائلة:
"إيه ده، هما مشيوا ولا إيه؟"
نظرت لها أمها بحزن ترد:
"هما كانوا جوا علشان يمشوا، ربنا يديني بقى على قد تعبي النهارده في الأكل."
"إيه ده بجد، متقوليش! ده أنا كان نفسي أشوف طنط سوزان أوي."
قالتها بتمثيل وهي تكتتم الضحك بداخلها، بينما قابلتها أمها بغضب ترد:
"انتي هتقوليلي! سبحان الله الحاجة لما بتنبري فيها! مبروكة انتي أوي. يلا قومي اغسلي إيدك وتعالي اقعدي."
"طبعاً طبعاً، ربنا بيحبني."
قالتها بضحك، ثم أكملت:
"مش جعانة يا ست الكل، كملي أكلك انتي وأنا داخلة أريح شوية."
***
كانت يارا قد انتهت من عملها المرهق في ساعات قياسية، لتنهض عازمة على الرحيل.
أوقفها أحد الموظفين يقول بتعجب:
"انتي ماشية ولا إيه؟"
"آه إن شاء الله، خلصت كل شغلي."
"أصله مينفعش!"
"مينفعش إيه؟"
"الباشمهندس شادي مش بيسمح لحد الخروج قبل الساعة ٥، ولسه مجتش خمسة."
قابلته بإبهام وحيرة ترد:
"أيوه بس أنا خلصت!"
"دي قواعده بقى، ممكن تدخلي تستأذني منه الأول، أنا بس بعرفك علشان انتي لسه جديدة في الشغلانة."
رمقته بصدمة هاتفه:
"قواعد إيه؟ وشغلانة إيه اللي بتتكلم عنها دي، متبقاش شغلانة بقى! أنا ماشية، مش فاضية للكلام ده، عندي موعد مهم، سلام."
قالتها بعصبية من قوانينه الغبية مثله تماماً.
***
نظر لتلك التي ترقص أمامه وتعرض مواهبها أمام الجميع، وتتحرك بحركات مدروسة منها، تسير مع تناغم الموسيقى. ثم أعاد بصره إلى فتاة كانت تجلس بجانبه يقول والشرار يتطاير من عينيه:
"مش عارفة تتعلمي الرقص منها؟"
نظرت له بخوف واستنكار تقول:
"إيه ده؟ أنا هعمل كده!"
التفت لها بغضب كارثي يقول بأمر:
"ده أمر! وقانون! وقوانيني بتمشي على الكل، انتي فاهمة؟"
"أنا آسفة يا مدحت بيه، بس أنا أفضل الموت على إني أعمل كده."
قالتها بنبرة يعتليها الثقة رغم خوفها منه، وهي تنهض مقررة الرحيل من أمامه.
أبتسم بسخرية ولهيب في أثرها، ليشير لشخص من أعوانه بأن ينفذ، أما له الشخص ليتبعها كي يتخلص منها مثل كل مرة يأمره فيها.
نهض مدحت وقتها بشعور الانتصار الذي ينتابه كل مرة عندما يرفض أحد تلبية طلبه، وهو في حالة أشبه بالسُكر. قاد سيارته بلا وعي حتى وصل إلى قصره.
اتجاه إليه وهو يدندن بكلمات أغنية ربما. نظر لسيدة كانت تجلس بأحد الأركان حزينة. اقترب منها بابتسامة يردف:
"القمر مين مزعله وأنا أخلصك منه!"
نظرت إليه بحزن على حالته التي وصل إليها، ولم يشعر به أهله حتى. تقدمت إليه ببكاء تردف:
"انت اللي مزعلني يا بني."
"أنا يا داده!"
"أنا خايفة عليك يا مدحت من شر نفسك، اتقي الله يا بني، نهايتك هتبقى وخيمة يا مدحت."
أعطاها ظهره وقد بدا على وجهه الألم يقول:
"ومنتظر نهايتي يا داده، بس قبل نهايتي لازم أشوف كل حد آذاني تحت رجليا وأكون أنا السبب في موته."
لم يكمل كلامه عندما جاء شخص من الخارج بهمجية يصفعه بقوة، ثم بدأ بلكمه عدة مرات صائحاً:
"انت عايز توديني في داهية يا واد انت! أعمل فيك إيه! كرهتني في عيشتي! بقيت بدعي ربنا كل يوم إنه ياخدك! إيه! عايز تهدم كل اللي عزام الهواري عمله! ده أنا أدفنك حيي!"
"اهدي يا عزام بيه، خير، حصل إيه؟"
قالتها الدادة بخوف من هيئته.
"البيه الفاشل المريض قتل واحدة النهارده، قال إيه عشان منفذتلوش طلبه!"
كان مدحت مسطحاً على الأرض أثر ضرب أبيه، يقول بلهجة ساخرة:
"ي ريتها تيجي على واحدة يا عزام بيه! اسكت، مش أنا لحد دلوقتي كده قاتل حوالي ٥، ٦ كده."
قالها بسخرية، ينهض من مكانه يُطقطق رأسه بطريقة مخيفة.
نظرت إليه الدادة بألم وعدم استيعاب ما قاله وما فعله.
"ي واد أنت، أنت لولا إنك ابني كنت قتلتك من زمان وخلصت منك ومن قرفك."
"لولا ابنك! أنت بتكذب الكدبة وبتصدقها يا عزام بيه؟ أنا إيمتى كنت ابنك انت والسنيورة اللي داخلة دي!"
كانت أمه تتجه إليهم بإبهام تقول:
"إيه واقفين كده ليه؟ خير!"
"خير اللهم اجعله خير! أصل جوزك محب الموضوع أوي فيها، أي يعني لو قتل واحدة! ولا القتل حرام عليا وحلال ليه؟"
"اخررررس!"
وتصفعه صفعة قوية أعلى وجهه، لم يتأثر بها بعد، ملتقطاً ثمرة التفاح يلتهمها يقول ساخراً:
"هي دايماً الحقيقة بتوجع، أنا آسف!"
"انت مريض يا مدحت، لازم تروح مصحة، مينفعش تعيش معانا بالطريقة دي!"
"فريدة هانم، روحي شوفي جمال بيه وكملوا السهرة وسلميلي عليه كتير."
لم يعر لكلامهم أي اهتمام عندما رحل من أمامهم مُولجاً غرفته في صمت.
نظر عزام لفريدة بشك وريبة، بينما هي حاولت الإفلات من نظرات عينيه المتهمة تقول قبل أن ترحل وهي تضع الشال أعلى يديها:
"ده بني آدم مريض!"
بينما في مكان آخر، كانت يارا في جلسة التصوير، يلتقط لها مادي صوراً احترافية كعادته.
كانت الساعة العاشرة والنصف مساءً تقريباً، كانت تتطلع على صورها بعناية وهي تقول:
"مادي، بلاش الصورة دي، ملامحي مش واضحة فيها."
"اسكيب يا ستي، فيه حاجة تانية ولا كده تمام؟"
"لأ، الباقي تمام زي الفل، مش عارفة أشكرك إزاي بجد، انت أنقذتني."
ابتسم مادي قائلاً:
"مش أنا أخوك برضو زي ما بتقولي، يبقى مفيش بينا شكر!"
"أجدع وأطيب أخ، يلا أسيبك دلوقتي عشان تعبانة أوي ودايخة، أشوفك بكرة."
"طب استنى أوصلك!"
"متقلقش عليا، لو حصل حاجة هكلمك، يلا تصبح على خير."
"وإنتي من أهله."
انصرفت يارا متجهة إلى سيارتها، تقودها بسرعة الصاروخ كي تصل وتستريح قليلاً. تشعر بضباب في كل مكان أمامها، شعور ينتابها لأول مرة. جاهدت كي تصل قبل أن تفقد صوابها، وبالفعل وصلت. اتجهت إلى شقتها بتعب، تغلقها جيداً وهي تلقي بنفسها أعلى سريرها، غير قادرة على تبديل ثيابها.
وبعد مدة قصيرة، فاقت وحرارة غريبة تسري بجسدها كالنار. نهضت بألم وهي تتحسس يديها الساخنة، وكل جسدها كان كذلك. ركضت إلى المرحاض بصدمة وهي تلقي بالمياه أعلى جسدها، لعل حرارة جسدها تهدأ، لكن كانت تزيد بطريقة يصعب على العقل البشري تخيلها.
كانت تنوي الاتصال بمادي عندما اقتربت من سريرها كي تلتقط هاتفها، لكنها صدمت عندما وجدت هاتفها يطير بالهواء!
خفضت يديها ليسقط الهاتف، شهقت وقتها بفزع وهي تهز رأسها علامة النفي، تعيد ذلك مرة أخرى لتجد يديها قادرة على تحريك أي شيء بالغرفة.
خرجت من الغرفة وقد ارتسمت ملامح التوتر على ثغرها، ترفع بيديها للأعلى قاصدة حمل الكراسي، لتجدهم في الهواء دون بذل أي مجهود منها.
كانت ترتعب أكثر من نفسها وهي تعيدهم ثانيةً. اتجهت غرفتها تجلس القرفصاء بخوف في أحد الأركان، متعجبة من هذه القوة التي أتت بها.
***
"جيسيكا، أنا حياتي اتدمرت من اليوم ده! مش قادرة أعيش طبيعية زي الأول، ليه كل ده حصل فجأة ورا بعضه وكأنه عقاب ليا!"
تطلعت إليها جيسي بخجل من فعلتها التي ستظل نادمة عليها طيلة حياتها تقول:
"آية، أنا حقيقي مش عارفة أقولك إيه، أنا غلطت أوي في حقك وكنت أنانية ومفكرتش غير في نفسي، وانتي أكتر حد اتأذى. بس بوعدك إن هرجع كل حاجة زي الأول."
نظرت إليها آية بألم ترد:
"معدتش فارقة، مش هتيجي على دي! أنا حياتي اتدمرت من يوم موت سمير ومن وقتها حياتي اتشقلبت 180 درجة. تعرفي يا جيسي، أنا مش عارفة الحاجات دي كلها حصلت إزاي!"
"حاجات إيه؟"
"يوم ما هربني فريد ليوم ما جابني هنا، وشي مبقاش وشي! حياتي مبقتش حياتي! بقعد افتكر حياتي مع سمير، كنا أسعد اتنين، كنت بحبه أوي وهو كذلك لحد ما سابني لوحدي."
قابلتها بألم تردف:
"ومين ليه مصلحة بموته؟ أكيد كان ليه أعداء."
نهضت آية من مكانها تتجول بالغرفة بحيرة وبكاء:
"ده اللي عايزة أعرفه، أنا عندي إحساس إن فريد يعرف عن الموضوع ده بس مخبي عليا."
شهقت جيسي بصدمة تقول:
"تقصدي هو اللي..."
"لأ طبعاً مقصدش ده، أنا عندي إحساس إنه عارف مين اللي ليه علاقة بقتل سمير، يمكن خايف يقولي، مستني الوقت المناسب!"
جيسي بتعجب:
"آية، لو فريد كان على علم زي ما بتقولي، كان هيبلغ الشرطة بقلب جامد ومكنش هيهربك."
آية بعدم اقتناع:
"يهربني ليا ده أقرب دليل يا جيسي، تقدري توضحيلي إزاي عرف أن الجريمة هتحصل في الوقت ده بالظبط، إنه ييجي ياخدني لمكان غريب، ثم بعدين ألاقي شنطة لبسي موجودة لموضوع السفر لكندا! كل ده كان مخطط له."
اقتنعت جيسي قليلاً وهي تهز رأسها لتنهض مقابلها وهي تقول:
"طيب وإيه الحل؟"
"إني أواجهه!"
"إيه!!!"
"ده الحل، أنا مش هفضل ساكتة أكتر من كده، لازم ترجعله الذاكرة ويعرف بأسرع وقت إني آية ولازم يجاوبني على كل سؤال شاغل بالي ناحيته!"
بينما عند شهد بغرفتها، كانت تراسل شخصاً ما يطلب منها مقابلته صباح اليوم التالي.
وافقته وهي تغلق هاتفها السري تخفيه عن أعين الجميع.
لم يجدر بها النوم وهي تتقلب أعلى السرير تتذكر كل ما قاله ماهر لها إلى الآن. تشعر ببعض كلامه بالثقة والطمأنينة وأنها سينقذها بالفعل، لكن في آنٍ آخر تقلق منه وأنه لا يريد سوى حل القضية فقط.
وعند خالد بالأعلى، كان يجلس على هاتفه يرسل رسالة شكر إلى هنا بعدما بحث عن صفحتها على الفيس بوك ثم وجدها، لترد هي بعد عدة دقائق:
"مفيش شكر بينا يا دكتور، المهم إنك بخير."
"أنا كنت بسمع ريم دايماً بتتكلم عنك وعن جدعنتك لحد ما شوفتها، ربنا يبارك فيكي ويكتر من أمثالك."
ابتسمت هنا وقتها وهي بغرفتها ترد عليه، لتهبّ فجأة تترك الهاتف من يديها عندما نادى بها أخوها.
أما على الجهة الأخرى، كان ماهر يضحك بشدة وهو يتحدث مع مهاب الذي كان يقول:
"خدتني عين يا صاحبي، مكنش العشم!"
"يا أخي احمد ربنا إنك مقابلتهاش، ما يمكن مكنتش تعجبك."
"ماهر يا حبيبي، أنا شايف صورتها، زي القمر وعجبتني لولا تعب الحاجة اللي خلينا نأجل عزومتنا."
"مشكلتك يا صاحبي إني مش بثق في اختياراتك أصلاً."
مهاب بفخر وثقة وهو يقول:
"طب استنى أحولك صورتها وأنت تقيم وتعرف إن أخوك مبيقعش إلا واقف."
"حمش حمش يعني، سلام يا مهاب، تصبح على خير."
أنهى حديثه معه بتعجب من أنه سيرسل له صورة فتاة، فبأي حق صديق يستشير ويأخذ رأي صديقه بفتاة أعجبته ويعرضها للجميع!
تأفف بصمت حائر يترك هاتفه، لكن قبل أن يتركه، وبالخطأ وقعت عيناه على الصورة الذي أرسلها مهاب.
توسعت عيناه بصدمة يقول:
"مش دي اللي شوفتها في المطعم!"
أخذ ينظر لها عدة مرات يتذكر جيداً أنه رآها منذ قبل، لكن أين لم يتذكر.
رواية ساعة الانتقام الفصل الخامس عشر 15 - بقلم دينا اسامة
وقفت أمامه بإرتباك وجسدها يتصبب عرقاً من الاختبار الذي وُضعت به الآن.
لمَ قد يوضع إنسان بهذا الإحراج في حياته؟
ما الذنب الذي ارتكبته لتكون تحت تصرفه؟
فقد كان لها النعيم في البداية، ثم بعد ذلك أصبح كالجحيم.
كان يُطالعها بعصبية شديدة عندما وجدها على وشك أن تضعف وتعترف لماهر بهذه السهولة.
بعد كل هذا المجهود وكل ما فعله، تريد هذه الفتاة أن تدمره؟
شعرت بتوتر، تبتلع ريقها متفادية نظراته التي كانت كفيلة بالرد على كلامها.
لكنها ارتدت إلى الخلف فجأة وهي تصرخ عندما اقترب منها جاذبًا مرفقيها بقوة، يقول بشحيح وتضجر:
- ضعفتي؟ استسلمتي؟
- عاوزة تضيعي نفسك بالسهولة دي يا شهد؟
تراجعت شهد للخلف أكثر وهي تحاول إفلات يدها من قبضته.
بينما كانت يده تقبض على ذراعيها بحدة أكبر كلما حاولت الأفلات منهما.
أغمضت عينيها وهي تحاول أن تستجمع قوتها ليخرج صوتها بحدة في محاولة لكتم دموعها:
- كفااااية لحد كدة، أنا تعبت! صدقني تعبت.
- تعبتي من إيه؟
قالها بسخرية كبيرة لترد هي ببكاء:
- أنت مش عارف أنا تعبانة من إيه؟ مش حاسس للحظة إنك مستخدمني لعبة في إيدك علشان متكلمش و...
- علشان مصلحتك يا قطة، مش علشاني.
أنتي ناسيه ولا إيه إنك فعلاً لو اتكلمتي هتكوني أنتي القاتلة والتهمة لابساكي لابساكي.
قالها يضحك بشدة على نظراتها وخوفها الواضح.
لترجع بذاكرتها إلى قبل يوم الجريمة.
***
- دخلينيييي لييييه، عاوزه أشوفه.
- أقوله مين؟ مينفعش كده يا آنسة.
انهارت حصون شهد وقتها وهي تبعدها من طريقها، تدخل قصره بالقوة قاصدة غرفته.
وهي تفتحها بعنف وعينيها التي كان يسيل منها شلال من الدموع.
ارتعد سمير من هيئتها، انقبض قلبه.
ركض إليها بخوف حقيقي قائلاً وهو يمسح دموعها، يمسد على شعرها بحنان كي يعرف ما بها.
لكنها صدمته عندما صفعته بقوة وهي تصرخ في وجهه، تقول بإستحقار:
- أنت بني آدم مُقررررف، حقيررر، مش عارفة إزاي حبيت بني آدم غير سوي زيك!
- أنت ازاااي عملت فياااا أنا كده! ازااااي!
تحمل سمير رغم غضبه من ما تقوله في حقه، يقول بتعجب وحيرة:
- عملتت اييه ي شهد، فيه إيه مالك، جراالك ايييه؟
وقعت على الأرض وقتها تخفي وجهها بين يديها، تردد:
- لييييه لييييي.... كنت فاكرة إنك بتحبنييي فعلاً!
- للدرجادي أنا كنت رخصية في نظرك إنك تلعب بيا وترميني!
جلس مقابلها بصدمة يقول، يزيل يديها ماسحاً عبراتها يريد أن يفهم:
- شهد اهدي، إيه كل اللي بتقوليه ددده!
- أنا فعلاً بحبك ومحبتش حد قدك ي شهد!
- ليه بتقولي كده!
نظرت له بإشمئزاز تهز رأسها علامة النفي تقول:
- أنا حامل.
تبلورت عيناه للأمام بصدمة يقول بعدم استيعاب:
- أنتي بتقولي اييييه!!!
- حامل إزاي ومن مين؟
نهضت من مكانها وهي تمسك ياقة قميصه تصيح بصوت مرتفع:
- ااه ي زباااله، هتوقع من واحد حقيررر زيك إيه بس!
- وحياة بابا ما أنا سيباااك ي سميررر.
أبعد يديها بتوتر وهو يتذكر تلك الليلة السوداء التي شرب بها كثيراً وغاب عن الوعي.
وعندما فاق أخبره أحد أصدقائه أن شهد كانت معه وخرجت من الغرفة بالصباح تبكي وهي مُنهارة.
فقط لا يتذكر سوى ذلك.
نظر إليها وهو على وشك أن يفسر لها عن تلك الليلة وأنه لا يعلم ماذا حدث بينهم.
لكنه صُدم عندما وجدها تركض من أمامه بغل، تردد فقط:
- هقتلللك ي سميررر، ورحمة بابا لاقتلك.
ركض خلفها لكن لسوء حظها كان يحاول إمساكها.
لكنها تعثرت من أعلى الدرجات لتقع من أعلى لأسفل فاقدة الوعي ومعه جنينها.
صارخاً هو بهذا الوقت.
عادت شهد وهي تحاول التقاط أنفاسها.
بينما ما زال هو محاصرها ينظر لها بخبث.
دفعته بعيداً عنها ليبتعد هو بابتسامة ماكرة يقول:
- شكلك افتكرتي حاجة كده!
مسحت دموعها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.
وهي تقرر تلك المرة أنها لن تسمح له بإنقلاب الطاولة نحوها وتصبح الجانية للمرة التي لا تعلم عددها.
- أنا جيتلك علشان أخلص من الموضوع ده وعاوزه أعرفك إني هكلم ماهر بيه وهحكيله عن كل حاجة وواثقة أنه هيقدر يساعدني.
- ايااااكيي اياااكي ي شهد، أنا بحذرررك...
- أنت خايف منه ي زياد؟
تطاير الشرار من عينيه منقضاً عليها هذه المرة يصيح:
- ماهر أنانييي، افهممي ي عبيططه، ماهر عاوز يحل القضية، ميفرقش معاه انتي تتورطي ولا غيره.
- لكن يحل القضية لأنه اتعود على كده بإختصار شديد.
توترت شهد قليلاً فهذا ما شعرت به تجاهه أيضاً.
لكنها شعرت بمشاعر أخرى:
- بس أنا محستووش كدده! واثقة أنه يقدر يساعدني.
- وهو أنا مبساعدكش كده!
أنا حطيت نفسي في خطر من يوم الجريمة علشان أحميكي وتيجي تقوليلي ماهر!
- ماهر مين ده اللي يقدر يقف قصادي أنا ويعمل اللي أنا عملته!
ارتعدت شهد من هيئته.
فكلما تذكر اسم ماهر يتحول بهذه الطريقة ويرفض سيرته من الأساس.
لكن كل ما يجول داخلها: لِما زياد سيساعدها دون مقابل؟
***
- اومال فين شهد كده ي طنط؟
- خرجت والله ي حبيبتي من شوية بتقول هتقعد مع حد من صحابها.
أومأت لها ريم بقله حيلة تقول قبل أن ترحل:
- ي خسارة، ده أنا كنت كنسلت للجامعة النهارده علشان أقعد معاها.
- ولا يهمك، هرنلك عليها تستعجل وتجيلك.
هو إحنا عندنا كام ريم يعني.
ابتسمت ريم تهتف نافيه:
- شكراً ي طنط، سيبها ع راحتها وأنا خلاص أمري لله هنزل جامعتي.
بادلتها ابتسامة صافية ترد بها:
- خلاص ي حبيبتي، إن شاء الله تبقوا تقعدوا بالليل.
- أن شاء الله.
قالتها ثم نزلت لشقتها، شرعت في تبديل ثيابها لعلها تلحق محاضراتها.
وبعدما أكملت ثيابها أخذت تدق إلى خالد على استحياء تقول:
- خالد أنت فاضي؟
- ولو مش فاضي افضالك ي ست ريم.
- هو بصراحة عاوزاك توصلني الجامعة على السريع علشان اتأخرت النهارده شوية ومش هلاقي مواصلات.
- طيب اجهزي بسرعة، أنا واقف تحت بالعربية أصلاً.
أجابتها فوراً لتجيبه:
- أنا نازلة علطول.
وبعد نصف ساعة قد وصلت.
خرجت من السيارة وهي تقول له:
- خلي بالك من نفسك ي خالد.
- أنا هستناكي لحد ما تخلصي، هتخلصي على إمتى كده؟
قالها مقتلعاً نظارته الشمسية.
بينما هي شعرت بتوتر من فكرة أن مكروه سيصيبه.
تهتف نافيه:
- لأ لأ ي خالد روح أنت، أنا لسه اليوم طويل وبعدين ما بين المحاضرات بخرج أفطر أنا وهنا.
- ليه تتعطل كل ده وانت وراك شغلك، كتر خيرك لحد كده والله.
- ي ستي ولا عطله ولا حاجة.
وبعدين من هنا ورايح هشوف حد يجيبك أو هجيبك بنفسي، بعد اللي شفته إمبارح خايف يجرالك حاجة لا سمح الله.
أومأت له بعد إصراره على البقاء.
لتذهب هي إلى محاضراتها.
بينما هو خرج من الحرم الجامعي يتجول قليلاً.
وصلت ريم إلى القاعة لتجد هنا تجلس الذي أشارت لها.
اتجهت إليها تجلس بجوارها تطمئن على حالتها:
- عاملة إيه دلوقتي طمنيني.
- الحمد لله زي الفل، مش كنتي بتقولي مش هتيجي؟
ده أنا جيت علشان أسجلك المحاضرات رغم إني مكنتش ناوية أنا كمان.
لاحظت ريم الحزن يرتسم على ملامحها الباهتة لتقول متسائلة:
- خير ي هنا مالك؟
تنهدت هنا تنهيدة ثقيلة على قلبها.
تعيد ظهرها إلى الخلف ترد:
- متشغليش بالك ي ريم.
- لأ بجد لازم تقولي فيكي إيه!
اعتدلت هنا في جلستها فور قدوم الدكتورة تقول لريم كي تنتبه هي الأخرى:
- بعدين بعدين هقولك، الدكتورة جات.
***
كان شادي قد انتهى من تبديل ثيابه.
يضع عطره الخاص قبل أن ينزل قاصداً شركته.
لكنه بهذا اليوم معتاداً أن يذهب في منتصف اليوم وليس بأوله كبقية الأيام.
فكان ما يشغل باله رؤيته ليارا تذهب من عملها أمس قبل الموعد.
أزعجه هذا التصرف حتى دون استئذانه ذهبت!
اتجه إلى سيارته.
بل وما زاد صدمته رؤيته لسيارتها مازالت موجودة، أي أنها هنا ولم تذهب إلى العمل إلى الآن!
- دانتي شكلك مش هتعمري معايا ي يارا أسبوع على بعضه!
خرجت يارا وقتها من الشقة بتكاسل غريب لم تعتاد عليه.
حتى لم تلاحظ شادي الذي كان يحدق بها والشرار يتطاير من عينيه.
- ما لسه بدري ي باشمهندسة!!
تطلعت خلفها لتجده محلقاً بها.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تحاول أن تفسر له قائلة بتعب:
- ه.. هو بصراحة... أنا راحت عليا نومه آسفة بجد أول مرة أقوم متأخر بالشكل ده!
- انتي مشيتي بدري من الشركة امبارح ليه؟
- أنا خلصت شغلي بدري وكان ورايا مشوار.
- أيوه بس برضو ده ممنوع عندنا إلا بإستئذان ويا وافقت أو لأ.
حاولت التهرب من الجدال معه لأنها تعلم أنه سيقع اللوم والخطأ على عاتقها مثل كل مرة يفعل.
لتقول هي:
- طيب أروح الشركة دلوقتي ولا كده اليوم فاكس!
- لأ هتروحي وهتخلصي كل اللي هطلبه منك في وقت قياسي كمان.
علشان التعليم مش بالساهل!
قالها بسخرية وحدة يرتدي نظارته.
تاركها شارده بالفراغ.
لم تفق إلا على دوران سيارته ورحيله.
ركضت إلى سيارتها بإنهاك تتحامل على نفسها كي تقود وتصل الشركة قبل حدوث أي مشكلة أخرى.
***
- مش عاوز آكل ي داده ممكن تسيبيني وتخرجي برا شوية!
- كده ي مدحت!
- ده أنا عملالك الأكل اللي بتحبه دانت هتذو....
لم تُكمل جملتها عندما ارتطم كل ما صنعته لأجله على الأرض وتحول إلى قطع.
فقط، أخذ يكسر كل ما بالغرفة بجنون هيستيري.
نهضت من جواره بخوف وألم على حالته التي تسوء يوم بعد يوم!
- مش عااااوز اكل قوووولت مش عااااوز...
- مش عاوز اكل اكلهممم ولا اشررب شُربهم.
أخذ يكسر زجاج المرآه بيديه التي تحولت للون الأحمر القاتم.
ركضت هي إليه ببكاء وتوسل أن يصمت.
ليقع أرضاً بضعف وقد انهارت حصونه وهو يصرخ بأعلى صوته.
لعلا قلبه يهدأ قليلاً.
لكن كيف يهدأ وتلك الحروب التي تشتعل بداخله منذ زمن إلى الآن غير قادر على إخمادها....!
جلست مقابله تُمسد على شعره بحنو ورأفة تقول:
- احكيلي ي مدحت، احكيلي ي بني، كنت بتقولي كل حاجة فيك زمان، مبقتش تتكلم ليه ي بني.
- احكيلك إيه ي داده!!!
- عاوزاني أقولك إني بقيت قاتل!، قتلت!!
- أنا بقيت قاتل ي داده!
- أنا مريض، أول مرة يصدقوا في حاجة من ساعة ما شفتهم الاتنين!
- عارفة ي داده، حاولت أنتحر كتير بس كل مرة ربنا كان يبعتلي حد ينقذني فيها!
- مش فاهم إيه الحكمة والمغزى من أنه يسيب حد زيي كده!
شهقت الدادة ببكاء تضع يديها أعلى فمها من كلامه تهز رأسها بصدمة.
بينما هو لم يتحمل نظراتها ونظرات العتاب واللوم بل والاستحقار!
هذا ما كان يخشاه يوماً ما وها قد حدث!
- شوفتي ي داده إني إنسان سئ أووي، إنسان ميستحقش إنه يعيش ثانية ثانية.
- علشان كده أنا هخلصكم كلكم مني ومن شري.
نهض ماسكاً قطعة زجاج عازماً على قطع شرايينه.
لكن أوْقفته الدادة بغضب وهي تصفعه بقوة:
- كفااايه بقييي... كفااايه ذنوووب ومعاااصي.
- هتروح فين من ربنا ي بني على اللي عملته ده!!!.
- ده من أكبر الذنوب قتل النفس بغير حق، ربنا يتولاك أنا مش عارفة أقولك إيه!
- فايززه.... ي فااايزه انتي فين.
كان عزام يطلبها بالأسفل بعصبية.
لتهم هي بالرحيل فوراً قبل مجيئه هذه الغرفة.
تنظر إلى مدحت الذي وقع أرضاً في حالة صدمة غير مستوعباً أي شيء حوله هذه المرة!
***
كان يجلس منكساً رأسه في أحد أركان الغرفة في ظلام دامس.
يتذكر كيف أحبها بصدق وكيف ردت هي عليه بالمقابل!
كانت قصتهم كالرماد المتطاير الذي لم يبق منه شيء سوى الألم والحزن.
آتت جيسي ومعها الدكتور الذي كان يطمئن على حالته.
ليجدوه بهذه الوضعية والعرق يتصبب من جبينه يملأ وجهه بالكامل.
اقتربت جيسي بحزن وهي تقول:
- فارس ده وقت علاجك، قاعد عندك ليه كده!
لم يأتها منه رد.
لتعزم هي على مساعدته وإسناده كي يجلس على فراشه بسلام.
جلس هو دون رد مستجيباً يأخذ العلاج.
ثم من بعده الأكل في صمت حائر.
خرج الدكتور تاركها هي.
وهي تريد أن تتحدث في شيء.
لكن كان التوتر حليفها لا تعرف من أين تبدأ وهي تراه بهذه الحالة!
- أنا مش هعرف أقوله الحقيقة وهو كده.
- هستني لبكره وابقي أعرفه أنها آيه مش عاليا.
قالتها وهي تهز رأسها بإيماء.
تنهض خارجة تتركه في هذه الظلمة الموحشة!
غاب رونق السماء هذه الأمسية فأضحت ليلة غدراء.
وخفت تلألؤ النجوم فيها.
راحت السماء ترعد وتبرق تباعاً حتى اشتد الريح وهطلت الأمطار بغزارة.
اعتدلت في نومتها جالسة وهي تنظر إلى ستار الغرفة الذي يهتز بحركة خفيفة رغم إحكام غلقها للنافذة.
سحبت نفساً عميقاً إلى صدرها حينما شعرت برائحة المطر تداعب أنفها الدقيق.
فتتنبأ دوماً بقرب سقوط الأمطار من خلال خياشيمها الاستشعارية.
تذكرت حدث ما وقتها!
***
- عارف ي بابا أنا بقدر أحس أنها هتمطر إمتى وبقولك من قلب الحدث أنا شامة ريحة المطر!
ابتسم اللواء سليم يقول وهو يكمل وجبته:
- بتتنبأي يعني؟
- ما طلعتي موهوبة اهو في حاجة..
- الله حضرتك بتتريق!
- طب هتشوف دلوقتي أن الدنيا هتبرق وهترعد وهينزل مطر كتيرر اووي وهخرج أغني تحته كمان!..
- ي ساتر ي رب حرام عليكي عاوزه كل ده يحصل في ليلة واحدة ي مُفترية.
- المهم ابقى نامي بدري علشان مدرستك.
- جملات بتشتكي منك إنك بتغلبيها لما بتصحيكي.
- اهي الست بقي دي اللي مُفترية لأنها بتيجي تكدب عليا وتفهمني أن الساعة ٧ وبتبقى لسه ٦.
قالتها متخصرة وهي تذم شفتيها بذعر طفولي.
لينهض هو بضحك عليها يُقبلها قبل أن يرحل.
بينما بالفعل صدق توقعها ورعدت السماء وأمّطرت بغزارة.
لتصفق هي بفرحة وهي ترقص صائحة:
- مش قولتلك هتمطر!!
- ي بنت القرده!
قالها أبوها ليأتيه اتصال مهم ينتظره.
غادر من أمامها ثم عاد بعد قليل كي يتحدث معها بشيء.
لكن وجد باب القصر مفتوحاً وتوقع خروجها لأنه يعلم عندما تمطر تخرج متناسية كل شيء خلفها.
كانت هي تركض بجنينة القصر وهي تغني بصوت عالٍ اعتادت الأزهار على سماعه من آن لآخر.
اصطدمت بشخص غريب لأول مرة تراه ينظر لها بتعجب على حالتها يقول:
- إيه موقفك في المطرة الصعبة دي، أنتي شكلك إيه بنت اللواء سليم اللي حكالي عنها صح؟
نظرت له آية بغضب واكتراث ترد:
- أيوه أنا إيه، أنت مين بقى؟
- أنا فريد!
- تطلع مين ي سي فريد؟
قالتها آية بتساؤل مترقبة رده.
ليجيبها:
- أنا حارس اللواء سليم الشخصي.
- هو بابا حياته معرضة للخطر؟!!
قالتها آية بخوف تنظر في عينيه السمراء اللامعة.
ليرد هو فوراً بنفي:
- لأ ي حبيبتي بابا بخير بس دي علشان ظروف شغله أنتي عارفه.
- حبيبتك؟!!
قالتها بصدمة تكمل بغضب:
- إيه الألفاظ دي! ممكن تحاسب على كلامك من فضلك!
ابتسم فريد يضحك على طريقتها وخجلها.
ليرد متسائلاً:
- أنتي عندك بقي كام سنة؟
- 17 ويلا سلام مينفعش أقف معاك أكتر من كده.
قالتها وهي تركض من أمامه.
بينما هو ترنح قليلاً فهي تبدو في عمر العشر سنوات لذا كان يداعبها قليلاً.
اقترب منه وقتها اللواء سليم يرحب به بود قائلاً:
- أهلاً بيك ي فريد ي بني، من هنا ورايح ده بيتك.
- الله يخليك ي سليم بيه ده من ذوقك، إن شاء الله أكون عند حسن ظن حضرتك.
- تعالي أما أعرفك على آيه وأوريك مكانك.
ابتسم فريد وقتها لا إرادياً عندما تذكرها.
رواية ساعة الانتقام الفصل السادس عشر 16 - بقلم دينا اسامة
حاولت التحرك لتجد يدها مقيدة بحبل مربوط بحديد قوي بالأرض. نظرت حولها تحاول تجميع تركيزها بالمكان الذي هي به. ثوانٍ معدودة وقد استوعبت أنها مخطوفة!
أخذت تصيح وتصرخ لعل أحد ينجدها مما هي عليه. فآخر ما تتذكره أنها كانت تتحدث مع فريد بالهاتف، ثم بعد ذلك لم تعِ أي شيء.
"فيه حد هناااا، ارجوووكم أنا مخطوفة حد يساعدني."
"اكتبي يابني آدمة مش عارفين ننام منك!"
أتتها صوت من الخارج لتحاول هي الاقتراب بذلك الحبل التي بالكاد استطاعت جره، تقول متسائلة:
"انتو مين وعاوزين مني إيه؟!!! خاطفيني لييييه انطقوووا!"
"هنكون خاطفينك ليه يعني؟! علشان نرزق من وراكي بقرشين يابنت الراجل الطيب."
قالها شخص بسماجة لتجيبه هي وقد فهمت لِمَ تم خطفها الآن، تردف بسماجة أكثر:
"تعرفوا موضوع الخطف ده بقى بلدي أوي وموضته قدمت! انتوا المبلغ اللي كنتوا عاوزينه كنت هكتبلكم شيك بيه أو اللي تحبوه، لكن خطفي هيسبب لكم مشاكل كتير اسمعوا مني."
"آخرررسي خاااالص يابنت عمل ما نشوف هنعمل معاكي إيه، الواحد مش جايله نوم في اليوم الهباب ده!"
"مهو طبيعي حضرتك هيجيلك نوم إزاي وأنت خاطف! طبيعي قاعد بتفكر هتعمل معايا إيه وافرض هربت وطلعت أنت من المولد بلا حمص وتعبك راح على الفاضي هتعمل إيه صح كده؟!"
قالتها بسخرية منهم لأنها تعلم وعلى يقين أن فريد سيأتي وينقذها مثل كل مرة وكأن شيئًا لم يكن! لكنه تأخر هذه المرة قليلاً، لذا قررت مراوغتهم حتى يأتي!
جلست مكانها مرة ثانية بخوف وهي تلاحظ أنها غرفة كبيرة ينصفها طاولة مصنوعة من الجبس ومن الأطراف أرائك بشكل دائري مصنوعة أيضاً من الجبس، ولكن يغطيها قطعاً من السجاد المقصوص ليناسب عرض الأريكة تلك. فقد شعرت إنها بمنزل ما وليست بمكان مهجور مثل كل مرة اُخطفت به.
وفجأة وجدت الباب يُفتح، يتجه إليها رجلان يفكون تقييدها، يخرجون بها إلى بهو القصر التي خطفت به! أخذت تجول بعينيها به فكان شديد الجمال حقاً، لكنها تعجبت أكثر من ذلك وهي تكاد أن تردف بعدم فهم، لكنها وجدت من يجلس أمام مائدة كبيرة كموائد الممالك يأكل بطريقة أرعبتها وهو يقول بلهجة ساخرة:
"إيه رأيك في قصري الفاخر ده؟! شكله عجبك."
"مين حضرتك؟!!"
"محترمة زي أبوك يابنت، تعجبيني!"
قالها ذاك الرجل الفظ بضحك، ينهض مقابلها يكمل:
"متخافيش أنا صاحب الوالد، هو بس شوية خلافات ما بينا هنحلها ودي كده وتمشي معاه يوزة، بس هو ييجي بس لأحسن أتأخر وأنا مستعجل!"
قالها وهو يعمر مسدسه بغل وكراهية تخرج من عينيه، لكنها ابتسمت بخبث بصمت حائر، تقول داخلها:
"فاكر إن بابا هيجيله هنا! ده شكله بيحلم!.. أنت فين يا فريد بقي...!"
نظر لها الرجل بغيظ من ثقتها وثباتها الانفعالي، فاقترب منها عازماً على إخافتها هذه المرة بمسدسه، لكنه توقف بفرحة عارمة عندما سمع صوت أراد سماعه منذ أعوام وها قد سنحت له الفرصة!
"ابعددد عن بنتي يارفت أنا هنا اهو."
"بابا؟!!"
قالتها آية بصدمة من وجوده في مثل هذا المكان الذي يمثل خطر عليه وعدم وجود فريد معه!
"بابا إيه جابك هنا وفين فريد؟!!"
رفعت بسماجة:
"صاحبي اللي واحشني، يجدع الواحد مشافكش من عشر سنين ليك وحشة والله!"
"أنا قدامك أهو يارفت وجاي آخد بنتي زي ما طلبت، على الله تطلع راجل وتصدق وميهبش منك حاجة كده ولا كده!"
"اخص عليك ياسيلم! أنا يارجل؟!؟ مكنش العشم ياصاحبي، طيب أنا هطلع أجدع منك وأقولك بنتك في الحفظ والصون أهو خدها في حضنك."
ركضت إليه آية تعانقه بقوة وكأنه آخر عناق تودعه به!
"بابا حبيبي إيه جابك، وفين فريد مش ظاهر ليه؟!"
"اطمني ياحبيبتي أنا موجود وفريد ر..."
لم يُكمل جملته عندما صاح رفعت فجأة بقول:
"سلللليم!.."
نظر له سليم بتعجب حتى تلقى رصاصة في صدره فوراً وهو يُكمل:
"الحمد لله إني شفتك قبل يومك يارجال."
كان ينظر له رفعت متلذذاً من رؤيته وسط بركة من الدماء وابنته التي كانت تصرخ بشكل هستيري جعله في قمة سعادته، يتركهم هو ورجالته.
"باباااا لاااااا.... باباااااا...... لااااا قوووم يابابا... أنت هتعيييش مش هتموتتت،... مش هتموتتت يابابا... الله يخليككك قوووم... ليييي جيييت... لييييي يابابا."
آتى فريد في هذه اللحظة وهو مصاباً بيديه وكدمات غريبة كانت تغطي وجهه وجسده، ينظر بصدمة إلى اللواء سليم، راكضاً إليه بهلع يقول:
"سللليم بييييه حصل اييييه!!... متقلقش أنا هطلب الإسعاف."
قالها فريد هو الآخر بشكل هستيري محاولاً العثور على هاتفه لكن لم يجده، لكن آتى صوته ينادي بفريد الذي اقترب منه وهو على وشك البكاء:
"فريد يابني أنا... اعتبرتك زي ابني اللي مجبتوش ووثقت فيك وكنت قد الثقة علشان كده أنا مطمن ومش خايف طول ما آية معاك، متسيبهاش في أي أزمة خليك معاها.. اوعدني يافريد إنك هتحميها وهتفضل معاها."
"سليم بيه متقولش كده ارجوووك... أنت هتعيييش، الإسعاف جاااي."
"اوعدنيي يافريد، مفيش قدامي وقت خليك مع بنتي للنهاية، متسيبهاش في محنتها وأنا بركاتي دايماً هتبقي معاكم."
قالها سليم وقد رحل عن هذا العالم القاسي وقد رحلت الإنسانية والوفاء بعده.
"بابا!"
قالتها آية بهدوء غريب وهي تحرك جسده قليلاً غير مستوعبة أنه رحل، تنظر لجسده أمامها دون حركة أو رمشة عين حتى!
وبعد قليل جاءت سيارة الإسعاف يحملونه وآية ما زالت تجلس مكانها في صمت وهي تنظر بالفراغ. اقترب فريد إليها ولا يعلم ماذا يفعل معها فكيف سيتحدث معها وهي بهذه الحالة!
جلس مقابلها بخوف عليها من هذا الصمت الذي قبل العاصفة كما يقال:
"آية هانم.. أنا عارف إنك مصدومة ومقدر اللي أنتي فيه، أنا مصدوم زيي زيك ومش قادر أصدق اللي حصل بس علشان خاطري بصيلي واتكلمي!"
نظرت إليه بغضب كبير وهي تلقي باللوم عليه وتسبه بأبشع الألفاظ:
"اااانتتت السبب..... كننننت فيييين لما بابا جه هنا، لازمتتتك اييييه انت."
نظر لها بصدمة من نظرات عينيها المتهمين الذي آلمته كثيراً، يحاول أن يرد مبرراً سبب غيابه لكنها لم تعط له أي فرصة وهي تبعده بقوة عنها تضربه بصدره، تركض من أمامه ببكاء تمزق قلبه عليه!
ركض خلفها بخوف يمنعها من الرحيل بمفردها، يضمها نحوه وهو يمسد على شعرها بألم من صوت بكائها المقهور، يحاول تهدئتها بكافة الطرق حتى شعر بجسدها يتثاقل فوق جسده، فعبس باستغراب وهو يبعدها عنه ليجدها تُغمض عينيها بتعب وهي تفقد وعيها، جعلها تستلقي والفزع احتل كيانه، حاول إيفاقتها:
"آيه، آيه فتحي عينك وبُصيلي."
لم تستجب له، أخذ ينظر حوله بجنون، يحملها بسرعة رغم إصاباته يذهب بها من هذا المكان.
صرخت آية وقتها وهي تنهض من فراشها على صوت أذان الفجر، قامت مولجة إلى المرحاض كي تتوضأ ثم فرشت مصليتها على الأرض. سالت دموعها بغزارة على وجنتيها وهي في حالة من الانهيار الكامل، فما كان منها إلا أن سكنت بين يدي الله تتضرع إليه. خارت قواها فسجدت وطال السجود وبصوت وَهِن شرعت تدعي وتشتكيه بثها وحزنها الذي يتعمق في قلبها كل ليلة وأثره الذي لا يُمحى ولا يهدأ، سقطت عبرة ملتهبة من عينيها وارتطمت بالأرض وراحت تقول بصوت هامس مكلومٍ بعد أن فرغت من صلاتها...
"ولا تيأسوا من روح اللهِ."
ابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم أكملت:
"صدق الله العظيم."
نهضت وهي تحمل مصليتها، متجهة إلى شرفة غرفتها تستنشق بعض نسمات الليل العطرة، وهي تتأمل سطوع القمر بوجهٍ شاحب حزين تستذكر فريد وحالته وما حدث معه عند رؤيتها. لمست وجهها فهذا الوجه جاء ومعه الهم لها، فمنذ تلك العملية وهي لا ترى فريد ولا يحدثها من الأساس، لا يطيق رؤيتها حتى!
شعرت بوحدة شديدة، فكان كل شيء لها بعد رحيل والدها وفقدان سمير، عاودت نظرها للسماء بألم شارعة بالدعاء:
"ي رب أنا مبقتش قادرة استحمل اللي بمر بيه ده! ده كتير عليا أوي، ساعدني وساعده أنه يتجاوز اللي هو فيه ويرجع فريد بتاع زمان اللي مبيطيقش الهوا يلمسني!"
اتجهت لسريرها شارعة بالنوم وهي تتقلب بعدم ارتياح.
لحظات وبدأت أشعة الشمس الذهبية تخترق غرفتها، مما أزعجها ذلك فدَلفت للداخل بعد أن أغلقت النافذة وشرعت في ارتداء ملابس الخروج استعداداً للذهاب للجامعة.
اتجهت لتقف أمام المرآة تمشط شعرها الغجري أولاً، حررته فوصل لبعد خصرها بقليل مما جعلها تبتسم برضا وفخر بطوله وكثافته، لطالما أحبت الاعتناء بنفسها وجسدها وخاصةً شعرها الذي إذا رآه أي أحد من العائلة ردد:
"بسم الله ما شاء الله."
خرجت من وصلة الغزل هذه على صوت هاتفها، فكانت ريم من ترن لترد هي، وهي تحمل أشياءها بسرعة غير منتبهة إلى شعرها المنسدل خلفها:
"أنا نازلة ياريم معلش آخرتك معايا."
"يستي انزلي بسرعة بس علشان خالد هيوصلنا في طريقه."
هنا بعدم استيعاب:
"خالد مين؟!!"
شاورت لها ريم من بعيد كي تتجه إليهم وما زالت هنا بصدمة من وجود خالد، اقتربت منهم تلقي الصباح بينما هو نظر لها بإنبهار من جمالها الصارخ وشعرها الذي يزيدها جمالاً. لا يعلم كيف يفكر بذلك! فمنذ رؤيتها وهو يرى كل شيء مختلف حوله وكأنه كان يرى بمنطق والآن بمنطق آخر، حتى ريم الذي كان يدعي بحبها شعر فجأة أن هذا كان وهم، فهي ابنته عمته ليست أكثر من ذلك! وبخ نفسه كثيراً من تفكيره الأحمق والطائش متفادياً النظر إليها.
جلست هي بالخلف بخجل وهي تهندم نفسها حتى وقعت يديها أعلى شعرها المنسدل لتشهق بصوت مرتفع قليلاً، نظرت إليها ريم بتعجب قائلة:
"خير في إيه؟!"
"أخص عليك ياريم كده متقوليليش إن ناسيه لم شعري؟!"
"معرفش والله إنك متعرفيش، افتكر إنك مجددة تسريحته مش أكتر."
"مينفعش أروح الجامعة كده معلش ممكن يادكتور خالد ترجعني البيت؟!"
ريم بعدم فهم:
"إيه يابنتي عادي حصل خير!"
هنا وهي على وشك البكاء:
"معلش بس مش هينفع، ده أكرم كان يموتني لو شافني كده، لو هأخركم نزلوني هنا وأنا هتصرف."
عقدت ريم حاجبيها تقول لخالد:
"معلش يارجل رجعها تاني بسرعة."
كان خالد يتابعها من المرآة يرى جيداً كم هي متوترة وهي على وشك البكاء ولا يعلم من هذا أكرم الذي تخفْ منه بهذه الطريقة.
أعادها سريعاً، تنزل هي بشكر متجهة إلى البرج التي تسكن به خفية وهي تتلفت حولها حتى وقع بصرها على أكرم الذي كان يقترب بسيارته بطريقة أفزعتها، فعلِمت بحدوث مشكلة كبيرة عندما اقترب منها بصدمة وغضب كارثي يهتف بصوت مرتفع:
"ايييه اللي انتي عملاااه في نفسك ددده!!"
سحبت هي نفسًا عميقاً ويديها متشابكتان ببعضهما تضغط عليهما وهي تقول بخوف:
"أنت فاهم غلط ي أكرم والله، أنا حتى كنت راجعة علشانلمه وأظبطه صدقني!"
"أنتي تخرسي خالص فاهمه!"
وقع بصره على ريم التي كانت تجلس هي وخالد بالسيارة منتظرين هنا يتابعون ما يحدث من بعيد.
"هو مين أكرم ده؟!"
قالها خالد بتساؤل وهو يرى كيف يوبخها وكم هي خائفة منه دون داعي لترد هي قائلة:
"ده أخوها بس صعب أوي في المعاملة، ربنا يعين هنا عليه..!"
وجدت أكرم فجأة جانبها ينظر لها بغضب واستحقار، بينما خلفه هنا التي كانت تبكي وتتوسله ألا يتلفظ بأي شيء خارج، لكن لم يعيرها أي اهتمام عندما قال بسخرية:
"انتي بقي ريم!!"
أومأت له ريم بعفوية وابتسامة بسيطة ترتسم على ملامحها، ليهتف هو بطريقة أفزعتها:
"ابعدي عن اختي خالص، مشوفكش ماشيه معاها انتي فاهمه؟!"
"ي أكرم اهدي عيب كده ميصحش."
قالتها هنا ببكاء وخجل من ما يقوله أمام أعز صديقة لها، لا تعلم لِمَ يكرهها!
"اسكتي انتي ويلا على فوق مفيش جامعة ومشوفكيش معاها تاني."
ثم نظر لخالد الذي كان يجلس يستشيط غضباً من هذا الأحمق وقد برزت عروقه بشكل مخيف ليتحدث هو قبله بحدة:
"انت بتكلمها كده ليه؟!!"
أنت ملكش كلام معاها يا أخينا أنت.
أكرم بغضب وهو يعاود بصره إلى هنا التي كانت على وشك الإغماء من ما يحدث يقول:
- انتي كمان مكتفيتيش بست ريم وشايفالك شوفه تانية!
- ما تحاسب على كلامك يا جدع أنت، أنا ساكت من بدري وعامل خاطر لدكتورة هنا، غير كده هزعلك!
ريم وهي تحاول تهدأته:
- خالد اهدي من فضلك.
- أكرم ميصحش كده، أنت اتجننت!
قالتها هنا دون مقدمات ولم تشعر إلا بصفعة مدوية تلقتها وهي تنظر له بصدمة، فهذه أول مرة يرفع يديه عليها بل وأمام الجميع!
كشر خالد عن أنيابه وهو يخرج من سيارته بغضب مقترباً إليه محاولاً ضربه على ما فعله، لكن وقفت ريم أمامه عائقاً تقول بخوف حقيقي من هذه الدراما التي تحدث دون سبب:
- بلاش يا خالد ارجوك بلااش.
- أنتي مش شايفة المجنون ده بيعمل إيه؟
قالها خالد بغضب.
بينما نظر له أكرم بسخط وغيظ محاولاً الاقتراب، لكن تدخلت هنا وهي تقول بصوت ضعيف مهزوز:
- كفاية!
قالتها ثم وقعت مغشياً عليها أمام أعين خالد الذي صُدم، وريم التي صرخت باسمها محاولة لمسها، لكن منعها أكرم وهو يحمل أخته يقول مرة ثانية بتحذير:
- متقربيش منها، أنا بحذرك!
ذهب بها مسرعاً إلى شقتهم.
بينما ريم انفجرت بالبكاء تقع على ركبتيها بصدمة من ما حدث وهي تخفي وجهها بألم. حاول خالد تهدأتها محتضناً إياها، يمسد على شعرها بحنان قائلاً بهدوء عكس ما بداخله من نيران تشتعل:
- اهدي يا ريم، معلش حقك عليا، ولا كأن حاجة حصلت، وبعدين ده واحد مجنون هتاخديله على كلام!
كان ماهر صدفةً يركض جوارهم، فكان يقيم بهذه المنطقة وكل صباح باكر معتاد على هذه الرياضة قبل ذهابه إلى عمله، ليرى خالد الذي علم هويته على الفور. أما عن ريم التي كانت تبكي في أحضانه، الذي رآها مسبقاً بالمطعم ولا يعلم أين رآها منذ قبل، لكنه تذكر وقتها عندما ذهب من أجل رؤية شهد، فكان خالد يتشاجر مع هذه الفتاة بوحشية، بالإضافة أنها نفس تلك الفتاة التي تحدث عنها "مهاب" صديقه.
اقترب منهم يقول بهدوء:
- صباح الخير!
نظر له خالد ثم رد متأففاً:
- يااه ده أنا كنت نسيتك!
ابتسم ماهر بسخرية وهو يتابع:
- بس أنا منستكمش!
لمحته ريم وقتها وهي تتذكره، فقد رأته منذ يومين بالمطعم لكن لا تعلم هويته.
خرج ماهر من شروده على صوت بكائها المقهور، فتنهد ناظراً نحوها وهو يهمس بثقلٍ:
- خير حصل إيه؟
احتدت ملامح خالد ينهض ومعه ريم التي كانت تمسح دموعها بشكل عشوائي وهو يقول:
- يا عم أنت مالك ومالنا! أما حاجة غريبة قوي.
- مبوجهلكش كلام أنت! وبعدين أنت ليك معايا ماضي قذر، بلاش يبقى أقذر من كده!
قالها ماهر يزفر بحنق. ثم تابع كلامه موجهاً إليها:
- هو زعلك تاني ولا إيه؟
- اللهم طولك يا روح!
قالها خالد بنفاذ صبر ثم أكمل:
- يا جدع أبعد عننا!
- مقدرش!
قالها ماهر بسخرية وابتسامة خبيثة ترتسم على ثغره ليُكمل:
- دانتو حبايبي مقدرش أبعد مرة واحدة كده.
لينظر إلى ريم التي كانت تتابعه بابهام وهي ترى تصرفاته ولا تعلم حتى الآن من هو يقول:
- ولا إيه رأيك يا آنسة.
ابتعد خالد بها عندما رآه مقترباً منها يقول بغضب تملكه يتجه بها إلى السيارة يشير إليه بتحذير:
- اياك تقرب مننا أنت فاهم!
- وصل بس رسالتي دي لشهد وهي هتفهم.
قالها ماهر بضحك وهو يرحل من أمامهم بغضب مدفون ليأتي له اتصال مهم كان ينتظره ف رد، ثم بعد قليل قال:
- مليزمنيش الكلام ده، قصر سمير النوبي لازم ادخله بالليل واشوفه بنفسي، مفيش حاجة اسمها مقفول بأمر من عيلته! ثم بعدين عيلته إزاي وزياد كان بيقول أنه مقطوع من شجرة!
قالها ماهر متوقفاً بتعجب ليرد الآخر:
- المعلومات اللي عرفتها أنه كان ليه عمة عايشة في دبي ورجعت من فترة ومتحفظة على كل ممتلكاته وقصره كمان.
- مش معايا الكلام ده، أعمل اللي بقولك عليه أنت وسيب الباقي عليا.
قالها ماهر بحيرة لكن ببصيص أمل من هذا الخيط الذي سيمسكه وسيعلم بالتأكيد من هو قاتل سمير النوبي المتخفي!
***
كان فريد يستند على الحائط بشرود حتى فاق عندما تذكر اللوا سليم وأنه من المفترض رجوعه مصر، فرك شعره متنهداً بثقلٍ وهو يتذكر آيه في هذا الوقت!
طرقت جيسي الباب وقتها وكانت معها آيه التي فضلت الوقوف بالخارج ومتابعة كل ما يحدث لتقترب منه بفرحة عندما وجدته بخير تقول:
- حمد الله ع سلامتك.
- الله يسلمك!
قالها بتعجب ثم أكمل:
- جيسي أنا لازم أرجع مصر حالاً، هتنزلي معايا ولا هتفضلي هنا؟
- مصر؟
قالتها جيسي بعدم فهم وهي تعاود بصرها نحو آيه التي لم تفهم هي الأخرى مقصده.
- مينفعش أسيب اللوا سليم كل الوقت ده، لازم أنزل، أنا كنت جاي لهدف والحمد لله إني اكتشفت حقيقتها وخرجت من حياتي.
استوعبت جيسي وآيه ما قاله بسبب فقدانه جزء من ذاكرته لترد جيسي تومئ برأسها علامة الإيجاب تنصرف من أمامه وهي تشير لآيه بالدخول.
تتنهدت آيه بتوتر وهي تقترب خطوة وتبتعد بضع خطوات بتردد، لاحظها فريد الذي احمر وجهه وبرزت عروق وجهه من رؤية وجهها ثانيةً، أما هي قررت التحلي بالشجاعة قليلاً مقتربة بخطوات ثابتة كي تخبره الحقيقة لكن قبل ذلك تريد معرفة شئ ما!
توقفت بشهقة مرتفعة وتوسعت حدقتها بصدمة عندما لمحته يقترب نحوها بغضب وكأنه يريد قتلها.
جذب مرفقيها بقوة يقول بشحيح وتضجر:
- انتييي لسه ممشيتيش من هنا!!! إيه عاوزاني أخلص عليكي؟
- مش همشي أما أتكلم معاك!
قالتها آيه بهدوء وهي تنظر بعينيه التي رأت بها لهيب الانتقام وشرارة غريبة تجاهها.
- مفيش كلام بيناا، اخرجيي برا حياتي وبرا الأوضة، كفاية لحد كده روحي للي معاه فلوس، أنا آه لسه في بداية حياتي وعلى قدي بس مش خاين ولا رخيص زيك.
كانت آيه تجاريه رغماً عنها حتى تعرف أكثر عن علاقته بهذه عاليا وما سبب الخلاف والخيانه تلك.
اقتربت وهي تلمس يديه بحنان قائلة بصوت ناعم:
- بس أنا بحبك وأنا مش خاينة زي مانت مفكر!
أبعد يديها بقوة بعيداً عنه، يرفع إصبعه بوجهها محذراً إياها:
- اياكي تفكري تلمسيني يا عاليا.
- بس أنا لازم أتكلم معاك! لازم أفسرلك أنا ليه عملت كده وإيه هي وجه نظري!
ابتسم بسخرية ممزوجة بألم صائحاً:
- وجه نظرك!! هي الخيانة بقي ليها تفسير ووجه نظر اليومين دول!! غريبة أوووي!
اقتربت آيه إليه قاصدة استفزازه تقول:
- يعني أنت عمرك ما خنتني حتى ولو بالكلام؟
نظر إليها بغيظ من بجاحتها يقول ساخراً على حالته ووفائه لها كل هذه السنوات يهتف:
- تعرفي أنا طلعت أغبى بني آدم في الدنيا! كنت دايماً بحس بمشاعر تجاه آيه بنت اللوا سليم وكنت أكذب نفسي وأحاول أبعد عنها بأي طريقة علشان ما أضعفش وأخونك حتى ولو بنظرة!
كل ده علشان كنتي على ذمتي مقبلتش إني أخونك، رغم إني بعد ما اتجوزتك اكتشفت أن آيه كانت حبي الحقيقي وأنتي كنتي مجرد نزوة وإعجاب مش أكتر من كده! فضلت عايش في الصراع ده وف الآخر تقومي تخونيني أنتي!!! دي جزاااتي؟!!!
صُعقت آيه من ما سمعته، فكان قلبها يدق بعنفوان ويرفرف بنفس الوقت، لكنها كانت تكذب أذنيها تحاول استجوابه أكثر كي تتأكد من صدق مشاعره وأنه لا يقول هذا الكلام كي يضايق عاليا فقط!
- وليه طالما بتحبها أوي كده اتجوزتني أنا وخلتني على ذمتك لحد دلوقتي؟
- كنت عاوزة حارس أبوها يروح يقولها أنا بحبك وعاوزك!! آيه مش من توبي، بعيدة أوي عليا وصعبة المنال، ده غير فرق السن اللي بينا، حكايتي كلها معاها مكنتش راكبة، استسلمت وبعدت لحد ما قابلتك، أعجبت بأخلاقك وذكائك وطلبتك للجواز ودي كانت الوسيلة اللي كنت لازم أعملها علشان أنسي آيه بيها، آيه كانت تستاهل حد أحسن مني! بس كنت لازم أعرف أن هيجي يوم وتعملي كده وتطلعي خاينة وندلة وبتاعة فلوس.
- بس دلوقتي بقي ليك فرصة إنك تروح تعبر عن حبك لِ ست آيه بقيت متحرر من العلاقة زي ما كنت بتتمني.
اقترب منها فريد بغضب يقبض بيديه على ذراعيها بقوة أكبر كلما حاولت الأفلات منهما يقول بصوت أجش:
- حسك عينك تذكري اسمها على لسانك الوسخ ده! وتاخدي بعضك وتمشي من قدامي لأحسن أموتك ومش هتردد لحظة.
خرج صوتها بحدة في محاولة لكتم دموعها تقول بألم وهي تنظر بعينيه:
كفاية يا فريد أنت بتوجعني!
توقف فريد وقد شعر بشئ غريب نحوها، ف عاليا لم تناد له مطلقاً باسم فريد، لطالما كانت تكره هذا الاسم!
رأى الدموع تتجمع في مقلتيها، أراد إزالتهم وأن تكفى عن البكاء، لا يعلم لماذا ينظر لها بمشاعر مختلطة، بينما هي وجدته يجول بنظره حولها الحيرة تملي وجهه، اقتربت وهي تضع وجهه بين كفيها بحنان تقول بثبات:
- فريد أنا آيه مش عاليا!
شرد قليلاً بها ينظر بعينيها بقوة ثم أبعدها فجأة ينظر إلى الناحية الأخرى بغضب صائحاً:
- عالياا اخرجيي بقييي بلاااش أفلام من أفلامك الهابطة حفظتهاا.
- أنا مبهزرش ي فريد أنا آيه سليم! آيه اللي أول مرة شفتها في جنينة القصر والدنيا بتمطر وقعدت تستجوبك، آيه اللي حبيتها من وهي عندها 17 سنة..
نظر إليها بصدمة متذكراً تلك اللحظة وهو يمسك رأسه بقوة يشعر بدوار غريب، اقتربت هي أكثر تكمل:
- آيه اللي أبوها وهو على فراشه الموت خلاك توعده إنك عمرك ما هتسيبها وهتفضل معاها وتحميها!
آيه اللي كل مرة كنت بتبقى منقذها وملجأها، صدقني أنا آيه ي فريد..!
- بب.. بس كفااايه... كفااايه...
قالها فريد بألم واضعاً يديه على رأسه وقد شعر بصداع غريب محاولاً مسك أي شئ أمامه، يرى ضباب فقط أمامه.
شهقت آيه بفزع وخوف تنادي به وتنادي بالطبيب حتى سقط فريد بين يديها فاقداً وعيه وهي تصرخ فقط...!
***
وبشركة شادي كانت يارا قد انتهت من عملها في وقت قياسي كأمس بناءً على رغبته كعقاباً له.
لملمت أشياءها بتعب فمنذ تلك الليلة ولم
رواية ساعة الانتقام الفصل السابع عشر 17 - بقلم دينا اسامة
رفعت عينيها تسأله في صمت: "ماذا تقول؟"
حرك جفنيه بتوتر حينما لمس واقع صدمتها القوية، يقول:
"بقول هروح أشوف عمتي، هو ممنوع ولا إيه؟!"
هزت رأسها علامة النفي، هاتفه:
"لأ لأ، مفيش الكلام ده، ده أنت تنور."
قالتها وراء قلبها، فهي قررت الذهاب لأمها كي لا تتوتر من وجوده وتستريح، لكن من الواضح أنه لن يتركها بعد الآن.
ذهبت من أمامه، لكن استوقفها يقول:
"استني، أمشي معايا ي يارا، عاوزك."
أشارت لنفسها بتعجب وإبهام، ليرد هو بنفس ذاك التعجب من تغير ملامحها:
"آه، عاوز أكلمك بخصوص شغلك ومحتواي الخاص، بس انتظريني ساعة كده."
أومأت له بتوتر، تجلس بعيداً عن مكتبه الخاص على أحد الكراسي تتفحص هاتفها.
بينما هو كان يرمقها بنظراتٍ مطولة، لاحظتها هي لتشعر بالخجل. أدرك هو حينها مُنتبهاً لعمله مرةً أخرى.
وبعدما أكمل عمله، نهض مُهندماً نفسه حاملاً هاتفه، ينظر ليارا التي كانت سرحت في نومها العميق. ابتسم لا إرادياً، يقترب منها بضع خطوات بهدوء عازماً على إيقاظها، لكنه وجد وجهها يتصبب عرقاً، فكانت تتحرك من مكانها وكأنها تصارع شيئاً ما داخل حلمها. اقترب أكثر بخوف ليجدها فجأة انتفضت صائحة:
"مامااااا..."
"كان كابوس، وعدي إهدي."
قالها شادي قاصداً تهدئتها بعدما وجدها ترتعش واغرورقت عيناها بالدموع، لتنهض هي بصدمة من ما رأته تقول داخلها بعدم فهم:
"مين الست دي وازاي قولتلها ماما؟!"
مسحت دموعها وهي بعالم آخر، يُحدثها شادي غير مُنتبهه له.
لمس يديها، لكنه فجأة ارتد للخلف، لتبتلع هي ريقها بصعوبة من ما حدث عندما لمسها، بينما هو تبلورت عيناه للأمام بصدمة، فظنونه قد تأكدت بأنها ليست فتاة عادية كالبشر.
ابتعدت هي للخلف بخوف منه ومن حالتها التي لا تعلم كيف أتت بكل هذه القوة من العدم. اقترب منها مُتسائلاً:
"أنتي كويسة؟!"
قالها محاولاً تخطي ما حدث منذ قليل، لكنها أومأت نافيه ببكاء، تخرج من مكتبه وهي تترك الشركة بأقصى سرعة. اتبعها فوراً يجدها تنزل السلالم مُتفادية ركوب المصعد. نزل به كي يلحقها، لكنه لم يراها ولم يوجد لها أثر. ظل يجول بنظره يميناً ويساراً، لكن وكأنها قد تبخرت.
***
"حرام عليك ي أكرم تعمل كده في أختك!!"
"ماما متحسسنيش بالذنب، وهي أكيد شوية وهتُفوق."
قالها أكرم بتوتر، يُمسد على شعرها، بينما أمه راحت تعنفه بالكلام أكثر:
"مش فاهمة أنت مالك ومال صاحبتها، هما أصحاب في بعض ي أخي إيه دخلك؟!"
"دخلى؟ ريم اللي سيرتها على كل لسان مينفعش تبقى قريبة من أختي، كله إلا صحبة السوء، ولا أنتي مش فارق معاك بنتك؟!"
"ي بني ريم كويسة صدقني، أنا عارفاها وقابلتها وأنت عارف إن بعرف الشخص كويس، هي مش من النوع اللي أنت فاهمه عنها."
هز رأسه مُعترضاً، يقول بلغة صارمة:
"أنا أكتر حد فاهمها وعارف أسلوبها، اخرجي أنتي برا الموضوع ي ماما وسيبيهالي هنا."
ضربت الأم كفاً فوق الآخر، تقول وهي ترحل:
"أنا هشوف أبوك، لازم يكلمك ويتصرف معاك."
بينما عندما وصل خالد بـ ريم إلى المنزل، ولج بها إلى شقة شهد بعدما أخبرته ريم بأنها تريد الجلوس معها.
"ادخلوا ي حبايبي، شهد وصلت."
قالتها سوسن بترحيب وفرحة داخلها بأنها ستجد أحد يجلس مع ابنتها المُتغيرة منذ تلك الحادثة.
بينما كانت شهد بالداخل تمسح عبراتها المتساقطة فوق صفحات وجهها، وجذبت أنفاس متتالية بعدما شعرت باختناق حاد بصدرها عندما تذكرت زياد وقسوته بالحديث معها هذه المرة.
أخذت تهدأ من روعتها وهي تحاول أن تظهر طبيعية أمامهم كي لا يسألوا بأي شيء. خرجت إليهم بابتسامة صافية تُرحب بهم بحب، قائلة:
"أخيراً الواحد شافكم."
"كنتي وحشاني خالص ي شهد، قولت أجي أسهر معاكي ونحكي."
قالتها ريم بحماس رغم ما حدث لها منذ قليل، لكنها عزمت على نسيان هذا الشيء.
تعجب خالد من صمودها إلى الآن، وهو يعلم جيداً أنها عندما ترحل إلى غرفتها تنفجر بالبكاء بمفردها ولا يشعر بها أحد سوى غرفتها.
قرر الرحيل وقتها كي يتركهم بحريتهم وحديثهم.
"طيب لسه بدري ي خالد خليك قاعد معانا شوية؟"
"معلش ي بنات كملوا كلامكم وأنا هروح أريح، مصدع شوية."
قالها خالد بتعب إلى حد ما، يحاول محو ما حدث منذ قليل من ذاكرته.
مسكت حينها شهد منديل ورقي فوراً وجففت عينيها، محاولة تهدئة نفسها قبل أن تلمحها ريم، لكن لاحظت ذلك ريم التي اقتربت جالسة جوارها، تقول بتعجب:
"مالك ي شهد؟ طمنيني عليكي..!"
"أنا! أنا زي الفل، أنتي إيه أخبارك؟"
قالتها شهد بتوتر واضح بدا على ملامحها.
"أنتي مخبية حاجة ي شهد! فيكي إيه قوليلي."
نهضت وقتها تفرك كلتا يديها بتوتر، تُعطيها ظهرها، هاتفه:
"مخبية!! هكون مخبية إيه يعني ي ريم؟"
"وإيه الدموع اللي شفتها دي؟!"
"أبداً، دي حاجة دخلت في عينيا!"
لم تقتنع ريم بكلامها، فهي تشعر بعدم الصدق في حديثها. تنهض مُقابلها، تقول:
"شهد أنا بنت عمك، يعني ستر وغطا على بعض، قوليلي فيكي إيه ووعد إني هقدر أساعدك في مشكلتك."
كادت أن تتحدث وتقول كل ما في قلبها، لكنها تذكرت زياد وتهديده لها كلما أرادت الإفصاح عن الحقيقة، لذا غيرت مجرى حديثها بعملية وصرامة، تتحدث بموضوع آخر:
"انتي كنتي ناوية تحكيلي عن موضوع وحيد، وإن متت موته ربنا ومكملتيش بسبب اللي حصل. هقوم أعمل فنجانين قهوة وندخل أوضتي تحكيلي."
توترت ريم قليلاً، فهذا السر تخبأه منذ عدة سنوات. كادت أن ترد وقتها، لكن تركتها شهد مُتجهة إلى المطبخ، تتركها في حالة أشبه باللاوعي.
***
"وبكندا."
فرق فريد جفنيه بصعوبة، تتحرك عدستيه تشمل آيه في نظرات قوية محاولاً النهوض. نظرت إليه آيه في قلق من رد فعله تجاهها هذه المرة، لكنها وجدته يقول بهدوء مُتسائلاً:
"النهاردة كام في الشهر؟"
"٣."
قالتها آيه بتوتر من نظراته التي لا تعلم مغزاها، وهل ما زال فاقداً لذاكرته. لاحظها هو ليقول مُطمئناً إياها:
"متقلقيش ي آيه، أنا كويس."
توسعت عيناها بفرحة شديدة وهي تسمعه يتلفظ باسمها. دون مقدمات جذبت يديه بين يديها، تقول مُبتسمة تتابعه:
"انت رجعتلك الذاكرة، يعني انت فاكرني ي فريد؟!"
"اهي كلمة فريد دي اللي خلتني أعرفك!"
ابتسمت آيه بعدم فهم، ليقول هو:
"علشان انتي البنت الوحيدة اللي بتناديني بـ فريد و..."
لم يكُمل جملته عندما وجدها في أحضانه مُتشبثة به كالطفلة، تقول بفرحة:
"أنا فرحانة أوي ي فريد، أنت متعرفش أنا كان هيجرالي إيه وأنت مش فاكرني وبتعاملني معاملة وحشة أوي، كان ممكن يجرالي حاجة لو مفتكرتنيش ورجعت فريد بتاع زمان."
لم يستطع وقتها السيطرة على مشاعره المتأججة، وظهرت ابتسامته كوضوح الشمس، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة في أي وقت، عندما حاوطها بين يديه يقول بصوت عاشق:
"بعد الشر عليكي، متقوليش كده."
أبعدها عنه مُبتسماً أكثر كالأحمق، يرى أمامه وجه آيه الحقيقي، يدقق بأصغر تفصيلة بها. ما الجديد الذي طرق عليها؟ سوى أنها أصبحت أكثر أنوثة وجمالاً ورقة، داعبت قلبه في حنين لذكريات ماضيه، تمسك بها رافضاً دفنها في بئر النسيان كمعظم ذكرياته.
فمرت ذكرى لقائهما الأول في ومضة سريعة، جذبته لأفضل أيام حياته.
فاق من شروده على صوتها الخافت وهي تنظر في عينيه، تقول:
"أنا بحبك."
نظر في الفراغ نظرة مُطولة وطالت تلك النظرة ومعها الصمت، لتُكمل هي في شغف:
"أنا عرفت إنك بتحبني زي ما بحبك!"
رفع حاجبيه معاً بتعجب، ينظر لها في صمت غير مُستوعباً ما قالته.
"أنت لسه معترفلي بحبك وأنك كمان حبيتك قبل عالية واتجوزتها علشان تبعد عني."
قالتها آيه بسعادة بأنها حبه الحقيقي، مثلما شعرت بحبه تجاهها طيلة هذه السنوات.
"بس أنا عمري ما حبيتك ي آيه هانم! عالية كانت حبي الحقيقي اللي بحاول أدفنه وأتخلص منه لحد دلوقتي ومش عارف."
كانت كلماته حادة تتسم بالقسوة، حيث بددت من سعادتها وأصابها تشوش من حدة كلماته، فأهتزت ملامحها إلى صدمة تلقتها وهي تترك يديه مُبتعدة قليلاً عنه، تقول بصوت خافت وضعيف:
"يعني إيه! يعني كان كل كلامك ليا كذب علشان تضايق عالية بس!"
كان يراقب تعبيرات وجهها وصدمتها في قلق وتوتر، مُحاولاً إكمال ما يريد أن تسمعه:
"آيه هانم، أنا عاوزك تفهمي إني حارسك وبس! وده شيء واجب عليا لأني وعدت اللوا سليم وعمري ما هخلف في وعدي."
قالها وهو يضغط فوق أسنانه، فخرجت حروفه مُثقلة وكأن عقله يرفض ما تفوه به، لتؤكد هي ذلك بجمود مُحاولة الصمود أمامه، تقول وهي تنهض من أمامه بهدوء مُحاولة إخفاء دموعها:
"معاك حق آيه هانم! كده أحسن فعلاً، بما إنك حارسي ف أنا بأمرك إنك ترجع معايا مصر بكرة، أو لو عايز تقعد في ممتلكاتك هنا معنديش أدنى مشكلة، هرجع أنا."
نظر لها في حيرة امتزجت بلمحة حزينة، تخرج تنهيدة مُثقلة من فمه، هاتِفاً:
"اللي تشوفيه ي آيه هانم، هحاول أخلص كل الإجراءات ونرجع."
رمقته بغضب قبل أن ترحل وداخلها بركان على وشك الثوران، تغلق خلفها الباب بقوة.
أغمض عينيه بألم مُحاولاً التقاط أنفاسه المتفاوتة، ليفتحهما بشرود ولا يعلم ما فعله هو الصواب أم لا. حاول النهوض من مكانه عازماً على الدلوف إلى المرحاض، ليجد حلقاً مُعلقاً بقميصه. حمله بين يديه وهو يعلم جيداً أنه يخص آيه، بل هذا الحلق المفضل لها منذ أن كانت طفلة، ابتسم ابتسامة صغيرة باهتة مُحتفظاً به.
***
وصلت يارا إلى شقتها بتوتر، تحاول إغلاق الباب خلفها، لكنها وجدته يعيق ذلك وهو يدلف غالقاً الباب خلفه.
التفتت يارا خلفها برعب وهي ترى هيئته الحقيقية المخيفة، تعثرت قدماها لتسقط أرضاً بهلع، تقول وسط شهقات بكائها وخوفها الواضح:
"انت... انت مش شا... شادي صح؟!"
كانت تردد هذه الجملة باعتراض وعقلها لا يستوعب ما تراه، بينما هو ابتسم بخبث يحاول الاقتراب منها، لتهب واقفة تضع يديها عائقاً أمامه، وهي تقول بصوت مرتفع تجلّي به الثقة رغم خوفها:
"ابعد عني... ابعد متقربش، أنا عرفت حقيقتك، انت مش هتعرف تلمسني، انت فاهم."
رمقها شادي بتعجب وصمت حائر أزعجها، لتعيد هي كلامها وقتها بقول وهي ترفع يدها أمام عينيه تقول بجرأة تحلت بها وهي تبتسم ساخرة:
"أظن دلوقتي عرفت أنت ليه مش عارف تلمسني ولا تأذيني."
بينما هو فُزع من هول الصدمة وهو يرى تلك الإسورة بيديها التي كانت تلمع بمجرد انزعاجها أو عصبيتها، لينظر لها بحيرة وتلعثم، فقد عجز لسانه عن قول شيء هذه المرة، فاكتفى يقول:
"كنت حاسس إنك مش إنسانة طبيعية زي البشر!"
حاولت تهدئة نفسها ولا تعلم لمَ كل هذه العصبية، بل وتلك الإسورة التي كانت ترتديها منذ أن كانت طفلة ومُتعلقة بها، كيف أضاءت فجأة الآن. هذه الأحداث جعلتها تجلس أرضاً ببكاء وهي تقول:
"أنا مش عارفة إيه اللي بيحصلي ده، مش فاهمة حاجة ي شادي، مش عارفة أعمل إيه، بقيت خايفة من نفسي ومن اللي حواليا."
اقترب شادي منها، يوقفها أمامه، يزيل دموعها وهو يقول:
"إهدي ي يارا علشان نفكر، أنا كنت زيك كده من فترة لما القوة دي ظهرت عليا، بس زي ما تقولي كده اعتادت عليها ومحدش يعرف عنها حاجة غيرك."
"أيوه بس أنا كنت لسه من يومين عادية ومكنش فيا أي حاجة، من إمبارح وأنا بيظهر عليا الحاجات دي، مش عارفة أفكر حتى."
صمت شادي ثواني ناظراً بالفراغ، ليعاود بصره إليها قائلاً بتساؤل:
"انتي كان عيد ميلادك إمبارح صح؟"
أومأت له بتعجب، ليُكمل:
"كملتي الكام سنة؟"
"25."
صُدم وقتها ولا يعلم كيف يحدث ذلك، لترد هي بعدم فهم من تساؤلاته:
"أنا مش فاهمة حاجة!"
"أنا كمان ظهرت عليا القوة يوم ما كملت الـ 25!"
نظرت إليه بصدمة أكبر وخوف حقيقي، مُردفة:
"طيب المفروض نعمل إيه ي شادي؟"
"مفيش غير حل واحد."
"إيه هو؟"
"عمتي الوحيدة اللي ممكن تعرف إيه القوة اللي عندنا دي."
"ماما!"
قالتها يارا بتعجب، ترد بالمقابل:
"متوقعش ماما تبقى عارفة حاجة، لو كانت تعرف حاجة زي دي كانت بلّغتنا من زمان."
"أنا متأكد من اللي بقوله، هي الوحيدة اللي تقدر تساعدنا وتعرفنا إحنا مين!"
قالها شادي بثقة مُحاولاً تهدئتها كلما رآها تبكي، ليُكمل:
"جهزي شنطتك وأنا هروح أجهز شنطتي وبكرة بإذن الله نروح لعمتي."
"أنت رايح فين؟!"
قالتها يارا بخوف من بقائها بمفردها ولا تعلم ماذا ستفعل أو ما سيحدث معها.
استشف خوفها الواضح، يقول مازحاً:
"وبعدين انتي خايفة ليه! ده المفروض أنا أخاف منك."
ضربته في صدره، تقول ببكاء وهي تشعر بحرارة غريبة تسري بجسدها:
"مبهزرش ي شادي، أنا خايفة وتعبانة أوي."
اقترب منها يلمس وجهها ليجده كالنار المُشتعلة. قلق أكثر عليها، يقول وهو يُجلسها في غرفتها:
"هروح أجيب كمادات من الصيدلية وراجع، خليكي هنا."
مسكت يديه تهز رأسها بالنفي بألا يتركها. خفق قلبه لأول مرة مُستجيباً لها، يدق بأحد ما كي يطلبه.
***
كانت تجلس ريم في غرفة شهد تفكر في شيء كي تقوله وتتهرب من الحديث بهذا الموضوع. نهضت من مكانها وهي تترجل يميناً ويساراً بأرجاء الغرفة بتوتر حتى وصلت رسالة بهاتف شهد. اقتربت ريم كي تحمله مُعتقده أنه هاتفها، لتجد رسالة واتساب من شاب ما. أدارت الهاتف وقد علمت أنه هاتف شهد. قرأت الرسالة التي كانت تقول:
"كنت واثق إنه ليكي علاقة بـ سمير النوبي، ودلوقتي بقيت واثق أكتر."
لم تفهم أي شيء، لتنظر لصورة البروفايل لتجده نفس ذاك الشخص الذي قابلته في الصباح "ماهر الطوخي".
"هو مين ده وإيه علاقته بشهد؟!"
وقع الهاتف من يديها أعلى السرير عندما وجدت هاتف يرن بالغرفة ولا تعلم مصدره.
وبدون شعور منها، أخذت تبحث بالغرفة باهتمام كي تجده، حتى وجدته بالفعل. كان هاتف لا تعلم لِما ينتمي! وكان المتصل يُدعى زياد.
انتهت المكالمة وما زالت ريم تنظر في الهاتف بتعجب، لتجد شخص يرسل رسائل على الواتساب أيضاً. قرأت الرسائل دون أن تفتح الواتساب لأن هذا الهاتف كان له كلمة سر، فكانت الرسائل كالآتي:
"أنا سمعت كل حاجة دارت بينك وبين بنت عمك، حسك عينك يطلع منك حرف ليها، انتي عارفة كويس أنا ممكن أعمل إيه لو اتكلمتي."
أغلقت الهاتف مُسرعة تضعه مكانه وهي تجلس مُعتدلة في جلستها بصدمة من هذه الرسائل وأن شهد متورطة في شيء ما!
بينما كان ماهر بمنزله يجلس بالشرفة مُتفحصاً تلك السلسلة التي رآها بقصر سمير النوبي الذي دلفه مُتخفياً، وهو يعلم جيداً أن كل ما منعه لا يريده أن يعلم تلك الحقيقة التي تربط شهد بالميلياردير سمير النوبي.
كانت هذه السلسلة بها صورة لشهد من الداخل. وجدها بعدما بحث بكل القصر ولم يجد به أي دليل، لكنه قبل أن يرحل وجد طرف هذه السلسلة يظهر أسفل أحد الكراسي، فَعلم وقتها أن أحد آخر قبله دلف وأخفى كل شيء يساعده في حل تلك الجريمة، لكن لسوء حظه لم ينتبه لتلك السلسلة التي ستساعده كثيراً، وهو على يقين أن هذه القضية على وشك أن تُحل على يديه كما اعتاد.
نهض من مكانه مُبتسماً بفخر، يضع يديه خلف ظهره، يقول بثقة:
"وقعتي ي شهد ولا حد سمّي عليكي."
رواية ساعة الانتقام الفصل الثامن عشر 18 - بقلم دينا اسامة
كان قد حل المساء واقتربت ساعات الليل. كانت تجلس بغرفتها ممسكة بهاتفها بيديها والابتسامة تعلو شفتيها، مفتوحة على صورة لها برفقة فريد. فعلى الأغلب، هذه الصورة الوحيدة التي تجمعها به.
وفي ظل صخب ذكرياتها، تلألأت ذكرى جميلة تحتفظ بها في أعماق قلبها، ترفض التخلي عنها. تتذكر دقات قلبها العنيفة حينها، كيف كانت تتطرق تأهباً لحديثه الصادم والمزلزل لكيانها.
راحت تتذكر هذا اليوم جيداً.
تألقت في اختيار ثيابها واهتمت كثيراً بمظهرها، وخاصةً ملامحها التي قضت الليل بأكمله في العناية ببشرتها كي تبدو صافية بقدر ما تشعر به الآن من سعادة مميزة. تحركت كالفراشة بفستان نبيذي اللون أمام المرآة، برضا تام بعدما انتهت من تجهيز نفسها.
فكان اليوم احتفال كبير بمنزلها بمناسبة عيد ميلادها العشرين. وكان أيضاً احتفال مهم للوا سليم، أراد أن يعقده منذ فترة، لكنه قرر أن يتم في هذا اليوم المميز، حيث مجيء ابنته على هذه الحياة.
بينما كان فريد يتجول بحديقة القصر مراقباً الوضع، يضع سماعات بلوتوثية في أذنيه، يتحرك بخطى ثابتة. توقف برهة مكانه عندما سمع أحد المدعوين بالحفل يبارك لسمير النوبي على شيء أثار غضبه وغيرته.
"والله أحلى خبر يا سمير بيه إنك هتناسب اللوا سليم."
ابتسم سمير بود، يقابله قائلاً: "حبيبي تسلم، عقبالك."
أخذ فريد يكذب أذنيه مما سمعه ليخيب ظنه عندما أتى شخص آخر يقول: "ألف مليون مبروك على الخطوبة مقدماً يا سمير بيه، وآيه هانم هتبقى محظوظة بحد زيك."
شلّت قدماه وتوقفت أنفاسه. عقله رافضاً ما سمعه. ظل على هذه الوضعية عدة دقائق، ثم فاق من واقع صدمته على صوت رنين هاتفه. نظر بحزن شديد، ولم تكن سوى آيه.
لم يجدر على الرد وقتها، لكنها كعادتها تصرفت بجنون وأخذت تدق به كل دقيقة. وبعدما ملّ، قرر الذهاب إليها بنفسه كي يعلم ماذا تريد منه، وبداخله معتقداً أنها تعلم بشأن هذه الخطوبة.
تقدم إلى غرفتها يدق بابها إلى أن تسمح له بالدخول.
"ايوه ادخل."
دلف فريد ونيران الغيرة تشتعل في صدره، وتلك الكلمات تتردد في أذنيه. نظر لها بإنبهار وهي تعرض فستانها له، تقول وسط شهقات ضحكاتها العالية، فهذه هي أول مرة يراها بهذه السعادة. أحقاً هذه السعادة لأجل خطوبتها اليوم!
عزم ألا يعكر مزاجها حتى وإن كان ذلك يشعره بالإحباط. ابتسم ابتسامة عاشق قائلاً:
"فستانك جميل زيك يا آيه هانم."
"يااه! أول مرة تقول كلام حلو يا فريد."
قالتها بسعادة وخجل، تنظر له برهة ثم تبعد نظرها. ابتسم هو بألم، يخرج من سرواله علبة بها هدية، ثم قدمها لها بحب، يهتف:
"كل سنة وأنتي طيبة يا آيه هانم، وإن شاء الله سنينك الجاية كلها تبقي بصحة وعافية."
التقطت هذه العلبة، تفتحها بشغف لترى خاتماً بسيطاً جميلاً، حملته بحب بين يديها وهي تنظر له تقول بصوت خافت:
"وأنت طيب وبخير دايماً يا فريد."
لتكمل بخجل: "ممكن طلب؟!"
أومأ لها بصمت، لتقول هي بمرح:
"ممكن تلبسهولي؟!"
ابتلع ريقه بتوتر من طلبها الغريب. ظل متردداً، لكنه عندما وجد ابتسامتها، حمل منها الخاتم يلبسها إياه في مشهد لم تنساه آيه مطلقاً. وبعدما انتهى، كاد على وشك الخروج من أجل عمله، لكنها استوقفته بتوتر وهي تفرك كلتا يديها، تنظر بالأرض، تضم شفتيها على بعضهما تحاول إخراج الكلمات بشكل منسق، ولكن للحظة همست داخلها: "تباً للكلمات المنسقة وتباً للمشاعر المرتبة، ومرحباً بكل ما هو عشوائي!"
وعند ذلك الحد، أردفت بنبرة غير متزنة، لا تحمل الثبات بتاتاً:
"فريد، أنا كنت عاوزة أعترفلك بحاجة كده."
"اتفضلي يا آيه هانم."
قالها بحيرة من تصرفاتها هذه الليلة.
"هو... بصراحة... أنا... أنا ب..."
توقفت عندما أتاه اتصال مفاجئ ليرحل من أمامها مسرعاً قبل أن يودعها حتى!
"بقي كده يا فريد! بقي أنا بقالي أسبوع بحاول أمرن نفسي على الجملة دي، وفي الآخر تبوظلي كل حاجة."
جلست أعلى سريرها بحزن وتذمر بعدما رحل.
بينما بغرفة اللوا سليم الشخصية، كان يقف أمام سمير النوبي الذي كان يقول:
"طيب، كان المفروض فريد يعرف على الأقل إنها خطوبة مزيفة."
"مكنش ينفع يا سمير. فريد قريب من آيه أوي، وكان ممكن يعترف لها بحاجة زي دي."
"طيب، وآيه المشكلة يا سليم بيه؟! آيه عنيدة جداً، وكنت لازم تهيئها لحاجة زي كده."
"آيه بنتي لازم تبقى متأكدة إن دي خطوبة بحق وحقيقي الفترة دي. أنا عارف آيه بنتي كويس، ولو عرفت الخطة بتاعتنا احتمال كبير تفشل، وأنا ده مستحيل أرضى بيه."
تنهد سمير بحيرة وحزن هو الآخر داخل قلبه لأن هذا الخبر سيؤلم حبيبته، لكنه عزم على مساعدته، فاللوا سليم له أفضال كثيرة عليه، وهذا واجبه.
"اللي تشوفه يا سليم بيه، مش يلا بينا علشان الحفلة على وشك إنها تبدأ."
ابتسم اللوا سليم وهم يرحلون من الغرفة متجهين إلى حديقة القصر، ترحاباً للجميع.
أشار اللوا سليم وقتها لفريد بجلب آيه وحراستها جيداً. أومأ له فريد باستجابة سريعة، يتجه داخل القصر ثانيةً قاصداً غرفتها.
كان باب غرفتها على مصراعيه، وكانت هي بالمقدمة تلتقط عدة صور لها بأوضاع أضحكته رغمًا عنه.
"آيه هانم، الحفلة هتبدأ، سليم بيه بعتني علشان أجيبك."
زفرت آيه بحنق طفولي من كلامه الجدي معها، تقول:
"فريد، ممكن تتكلم معايا عادي، بلاش هانم دي، ممكن! الألقاب دي بتقفلني من الشخص."
"أنا اتعودت على كده، ومتهيألي إني معرفش أناديلك إلا كده، اعذريني."
قالها فريد محاولاً الثبات والصمود أمام عينيها وطريقتها، ليجزم على حديثه مرة ثانية، لتطلب هي منه طلباً مفاجئاً:
"طيب، قبل ما ننزل، ممكن ناخد صورة."
قالتها بعفوية متوقعة أن يلبيه مثل كل مرة، لكنه صدمها برفضه التام بعنف:
"لأ، مهقدرش. ممكن ننزل علشان اتأخرنا."
"مهتقدرش؟!"
"آيه هانم، بلاش الطريقة دي أرجوكي. خلي بينا حد بعد كده أفضل علشان محدش فينا يتعب."
قالها فريد وقلبه يتمزق، ينظر بالفراغ غير قادر على النظر إليها.
اقتربت إليه بتعجب وصدمة تقول:
"إنت بتعاملني كده ليه يا فريد؟! كل ده علشان طلبت نتصور صورة؟!"
أغمض عينيه يقول بعدما أخرج تنهيدة مثقلة:
"المشكلة مش في الصورة... المشكلة إن..."
توقف محاولاً تهدئة نفسه، يقول وقد ارتسم قناع الجدية:
"ممكن ننزل! دي حرية شخصية وأنا مش عاوز أظن واضح."
امتلأت عينيها بالدموع وهي تتراجع إلى الخلف، تعطيه ظهرها، تمسح دموعها الغزيرة وهي تقول:
"تمام، انزل أنت وأنا جايه وراك."
"مينفعش، لازم تنزلي معايا. ده طلب سليم بيه."
زفرت بقوة تعكس ما بداخلها من ضيق وتضجر، تهندم نفسها وهي ترحل من الغرفة أمامه دون أن تجيبه أو تعطيه أي اهتمام.
بينما هو، رغم حزنه وتعنيفه لذاته على ما صدر منه بحقها وجعلها تبكي في يوم مثل هذا، لكن شعر أن هذا الحل الوحيد كي ينساها!
اتجهت آيه إلى الحفل وسط تصفيق الجميع بحرارة. ابتسمت لهم جميعاً ابتسامة باهتة عكس ما كانت عليه منذ قليل، وبسببه هو وحده!
"كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبة بابا."
"وحضرتك طيب يا حبيبي، كل ده علشاني أنا! مكنش ليه لزوم تتعب نفسك يا حبيبي."
احتضنها سليم بحب، يردف:
"أنا كلي ليكي يا بنت قلبي. هو أنا عندي كام آيه! ده انتي بنتي الوحيدة اللي جيتي مليتي عليا الدنيا."
"الله الله على الكلام، متحرمش منك يا أغلى حد في الدنيا."
اقترب سمير يقول بتهنئة وهو يقدم لها هدية فخمة كثيراً:
"كل سنة وأنتي طيبة يا آنسة آيه، عقبال مليون سنة، دي حاجة بسيطة، أتمنى إنها تعجبك."
"ميرسي جداً يا سمير بيه."
فقد بدأت الحفلة، وابتعدت آيه مقتربة من بعض أصدقائها، تحتضن صديقتها المقربة "شهد".
"أحلى هابي بيرث داي لأجمل أيوشه."
"حبيبتي يا شهد، ربنا يخليكي ليا."
"هو ده فريد اللي كلمتيني عنه؟!"
تعجبت آيه تنظر في اتجاه نظر شهد لتجد فريد خلفها ببضع خطوات فقط، وكأنه يحاوطها من جميع الجهات. لترد بتعجب، تنظر مجدداً لشهد:
"آه، هو سي فريد."
ابتسمت شهد تقول:
"إيه ضايقك في حاجة ولا إيه؟!"
زفرت في ضيق ترد:
"لأ، مفيش. دقيقة يا شهد ورجعالك، انتظريني."
اتجهت ناحية الأوبن بوفيه تطلب وجبة لأنها لم تأكل أي شيء منذ الصباح. أخذت الوجبة بين يديها لتجده خلفها عائقاً، يقول بصوت رخيم:
"آيه هانم، ممنوع تاكلي إلا لما تقطعي التورتة."
"إنت بتقول إيه؟! أنا جعانة، وبعدين إيه العلاقة؟"
"كل الحضور زيك ومنتظرين جنابك تقطعي التورتة وبعدين ياكلوا."
نظرت له بغيظ ترد بطريقة أزعجته قليلاً:
"إنت داير ورايا ليه كده! ممكن تسيبني في حالي النهارده، على الأقل عاوزه آخد حريتي."
حمل منها وجبة الأكل بعنف، يعيدها ويطلب منهم ألا يعطوها أي شيء إلا مع الجميع.
"افندم!!"
"اتفضلي عند صحابك، مينفعش توقفي هنا كتير."
فقد فاض بها من تحكماته وكلماته القاسية الذي يتفوه بها، ولا يعلم كم هي تتألم بداخلها. تقول في غضب وهي تشير بإصبعها أمامه:
"إنت مين علشان تكلمني كده هااا؟! أنا هعمل اللي أنا عايزاه، إنت ملكش كلام معايا، إنت فاهم!!"
تحركت من أمامه بعدما رمى عليها نظرات حانقة، مكتظماً غيظه.
أشار لها والدها كي تأتي جانبه ليتم قطع تورتة عيد ميلادها. اقتربت منه وما زالت غاضبة، تنظر له من حين لآخر بغضب.
بدأت في قطع قوالب التورتة بهدوء، وسط احتفال عظيم وتصفيق حار يدوي المكان بعدما انتهت.
نظر سليم وقتها لسمير، الذي أومأ له متنهداً بقوة بعدما لاحظ وجود "شهد" التي كانت تنظر له بحب من حين لآخر. لا يعلم ماذا ستكون ردة فعلها بعد ما يحدث، لكنه يعلم جيداً كم ستتألم وتنجرح بسببه.
توقفت الموسيقى بأمر من اللوا سليم. فقد علم فريد وقتها ماذا سيتم، لذا قرر الابتعاد. فرؤيته لهذا الشيء معه سيتحطم قلبه، لكن لم يهنئه اللوا سليم على ذلك، أشار إليه كي يأتي ويقف جواره.
كانت تقف آيه جوار والدها، تطالع فريد الذي يرهق قلبها بحبه. فقد قاومت وسامته كثيراً، التي جذبت أنظارها وأنظار فتيات الحفل. فتى أحلامهن التي تتوفر به كل الصفات، بدايةً من ملامحه الرجولية الخشنة، وطوله الفارع وتناسق جسده.
أما عنه، وجدته يتمعن النظر بها بطريقة غريبة. خجلت من نظراته، تنظر للأرض وهي تضغط فوق يد والدها وهي تجاهد مشاعرها الثائرة بفعل نظراته التي كانت تشملها في هدوء، آثار دهشتها. لأول مرة تتجرأ نظراته وتتجول فوق ملامحها بهذا الشكل المخجل. هل هذه النظرات ندم وتعويض عن ما بدر منه هذه الليلة تجاهها!
فكان يتفحص كل شبر بها، مقتنعاً أنه لن يحظى بهذه النظرات بعد هذه الليلة.
"ودلوقتي أقدر أقولكم إن ميعاد حفلتنا الأهم بدأ، وأقدر أقولكم عن مفاجأة الحفلة."
ابتسمت آيه وهي تصفق مثلما يفعل الجميع، ولا تعلم عن أي مفاجأة أبيها يتحدث.
"وهي خطوبة رجل الأعمال الكبير سمير النوبي على بنتي آيه."
صفّر الجميع بحماس وسرور عقب انتهاء حديثه. أما عن آيه، اختلت توازنها وهي تتمسك بأبيها بعد ما سمعته، تقول بصوت خافت:
"إيه اللي بتقوله ده! خطوبة مين!"
اقترب سمير يقف جوارها كي لا تفعل أي شيء خاطئ. يجذب يديها بين يديه بطريقة جعلت فريد ينظر الناحية الأخرى، مغمضاً عينيه وقلبه على وشك التوقف.
وكانت شهد صدمتها لا تقل عن آيه، بعدما ترنحت تنظر فقط لسمير الذي كان يرتدي قناع السعادة بهذه الخطوبة.
أشاحت يديها بعيداً عنه بقوة تقول بصدمة وقد ارتفع صوتها قليلاً:
"خطوبة مين يا بابا!! إنت إزاي تاخد قرار زي ده من غير ما ترجعلي!!"
نظر فريد لها بإبهام هو الآخر من عدم معرفتها، يتابع واقع صدمتها، بينما كان سليم يتفادى الرد، مشيراً إلى تشغيل الموسيقى مرة أخرى كي لا يسمع أحد صوتها.
"آيه يا حبيبتي، اعملي اللي بقولك عليه ده لمصلحتك، أرجوكي متبوظيش حاجة."
قالها اللوا سليم يهدأ من روعتها، لكنها لم تستجب. هزت رأسها بالنفي تقول مبتعدة:
"أنا مش موافقة على الكلام ده، لأ مستحيل أوافق يا بابا."
"علشان خاطري يا آيه، لازم تتم خطوبتكم النهارده، وبعدين هفهمك."
"لأ يا بابا، أرجوك متضغطش عليا في حاجة زي دي، مقدرش."
"يا آنسة آيه، والدك معاه حق، هو..."
لم يُكمل جملته عندما أوقفته بيديها تقول بغضب:
"من فضلك متتكلمش، لازم تتصرفوا وتنفوا الكلام اللي قلتوه ده، وإلا هتصرف."
كان فريد يتابعهم كالابله وهو يرى كم كانت آيه في حالة صدمة وريبة، وما زال أبيها مصمماً على رأيه، لكنه يعلم جيداً أن يوجد شيء آخر يخفيه عنه، فلم يجبر آيه من قبل على أي شيء، لذا لم يفهم لماذا لم يخبره مثل كل مرة!
فعندما وجدت سمير يفتتح علبة بها خاتم مرصع بالألماس، ركضت من أمامهم إلى داخل القصر ببكاء.
نظر سليم إلى الحاضرين جميعاً بصدمة من فعل ابنته العنيدة. هدأ قليلاً عندما شعر أن أحد لم يلاحظها بسبب انشغالهم بالأوبن بوفيه.
"فريد، أنت الوحيد اللي تقدر تقنعها إنها ترجع عن اللي في دماغها، أرجوك يا فريد، ادخلها وهاتها."
"متوقعش ي سليم بيه، آيه هانم عنيدة جداً، مقدرش أجبرها على حاجة هي رافضاه."
"خطوبتها من سمير لازم تتم الليلة، اتصرف."
قالها سليم بغضب لأول مرة، بينما فريد تبادلت ملامحه للتعجب والحيرة من أمره، وما زال يقف مكانه لا يستطيع أن يجبرها على هذا الشيء.
أمره سليم كي يأتي خلفه داخل القصر، وبالفعل اتجهوا سوياً إليها، بينما سمير وقع نظره على شهد المصدومة التي كانت تتراجع إلى الخلف وترى فقط خيانته. ركض إليها عندما وجدها على وشك الإغماء، يحملها بين يديه بصدمة محاولاً إيفاقتها.
بينما بالداخل، صاح سليم بآيه التي كانت تتجه إلى الطابق العلوي، يقول بأمر:
"انزلي عندي يا آيه فوراً."
"مش هنفذ اللي حضرتك عاوزه، بلاش كده أرجوك."
أكمل بلهجة صارمة:
"قولتلك انزلي عندي."
نزلت آيه تقف أمامه بتحدٍ اتضح من عينيها، وكأنها تخبره باستحالة حدوث هذا الشيء.
"إنتي ظبطي نفسك واطلعي لوحدك برا علشان الليلة تعدي على خير، إنتي فاهمه؟!"
عقدت ذراعيها أمام صدرها تقول بتحدٍ واضح تجلى من صوتها:
"لأ يا بابا، مش هطلع، ولو حضرتك فاكر إنك ممكن تجبرني على حاجة زي دي، ف حضرتك غلطان لأن..."
لم تُكمل حديثها عندما هوت صفعة أعلى وجهها، لتسقط بين يدي فريد الذي نظر لسليم بصدمة من ما فعله. فهذه المرة الأولى التي يضرب ابنته أو يوبخها.
"سليم بيه، اهدي، كل شيء بالهدوء."
قالها فريد ممسداً على ظهرها بحنوٍ وهي تختنق من كثرة البكاء. أما عن سليم، رحل من أمامه رافضاً الجدال كثيراً، يقول قبل أن يرحل:
"هاتها معاك ي فريد، دقيقتين والاقيها برا."
"اهدي ي آيه هانم من فضلك، حقك عليا أنا، اللوا سليم مكنش يقصد."
ابتعدت عنه تنظر في عينيه باتهام تقول:
"كنت عارف ومقولتليش يا فريد! إنت اتغيرت أوي، بقيت قاسي معايا و..."
وضع يده أعلى شفتيها كي لا تُكمل وتتهمه بأشياء لم يفعلها في مخيلته حتى، يقول بدفاع عن نفسه:
"صدقيني، أنا عرفت زيي زيك النهارده بالليل وأنا بأمن على الحراسة، وافتكر إنك عارفه."
بكت أكثر وهي تخفي وجهها من تحول أجمل يوم في حياتها إلى تعس يوم في غمضة عين، لتنظر لفريد بتعجب عندما قال:
"آيه هانم، أرجوكي اطلعي معايا، أنا واثق إن في حاجة اللوا سليم مخبيها. لولا كده مكنش عمل اللي عمله، وإنتي عارفه، سليم بيه بحكم شغله أكيد في حاجة أرغمته إنه يعمل كده. وبعدين متزعليش، دي خطوبة مش جواز، المهم دلوقتي امسحي دموعك وظبطي نفسك وتعالي نطلع قبل ما الحضور يلاحظ."
"مش هطلع في حتة ي فريد."
قالتها بعناد طفولي وهي تهز رأسها، بينما هو جذب يديها بين يديه محاولاً إرضائها بأي وسيلة، ليلتقط هاتفه يفتح الكاميرا قائلاً:
"مش إنتي كنتي عاوزانا نتصور! يلا يا ستي، أنا موافق."
أخذ يتصور معها عدة صور بعشوائية. أما عنها، فقد ابتسمت كثيراً بالقرب منه. يحاول إرضائها بكل الطرق وبطريقته الخاصة وحنانه، نجح في إقناعها ليأخذها إلى الخارج معه، تكتم توترها الزائد وتجاهد نفسها كي تخفي نظرة الإعجاب تلك.
وبعد مرور ساعتين، كانت قد غفت آيه مكانها على هذه الذكرى وبيدها هاتفها. حتى أنها لم تشعر لحركات خفيفة أسفل فراشها. ظهر نصف رأس في بداية الأمر من أسفل السرير. تراقب الوضع العام بعيون ثاقبة، كانت تظهر خلف قناع أسود يغطي به وجهه. وعندما اطمأن، خرج بجسده كاملاً في حذر شديد، وطل على آيه النائمة بثيابها الداخلية. أخذ يجول بعينيه من أعلاها لأسفلها، يقول بصوت خافت يسمعه هو فقط:
"والله حرام القمر ده يموت، بس أعمل إيه، ده شغلي اللي بسترزق منه."
تحرك ببطء اتجاه الدولاب الخاص بها، وبدأ في محاولة فتح الخزانة كما كان يفعل قبل دخولها المفاجئ. حقاً، لم يبذل جهداً هكذا من قبل. لقد كان يراقبها منذ فترة، وعندما سنحت له الفرصة، فقد بدأ بعمله.
بدأ في تنفيذ خطوات السرقة، ثم بعد ذلك يتخلص منها كما طُلب منه.
ورغم عنه، سقطت أداته في الأرض، عندما شدد عليها بقوة في فتح الخزانة، فأصدرت صوتاً عالياً. جعل آيه تستيقظ سريعاً تنظر أمامها مباشرةً. وعندما لاح لها ظل رجل في وسط الظلام، صرخت بأعلى صوتها وانتفضت كمن مسه جن. تركت ركض صوب الباب، قبضت فوق المقبض تفتحه بسرعة وصوت أنفاسها يكاد يختفي من شدة الرعب الذي تعيشه الآن.
قبض هو فوق يديها يجذبها من الخلف إليه بعدما أغلق الباب ثانيةً، يقول بصوت خافت:
"شششش! مسمعش صوتك، متحاولش تهربي لأنك كده كده ميتة."
ضربته في بطنه بخوف تحاول الابتعاد، لكنه لف شعرها بين يديه، يقول بفحيح كالأفعى:
"إنتي عارفة إن تمن موتك ٢ مليون جنيه!"
نظرت له بصدمة وهي على وشك الإغماء، بينما هو ابتسم ساخراً، يكمل:
"آه والله زي ما بقولك كده، شوفتي إنتي غالية قد إيه! اهدي، متخافيش، وبوعدك هبقى موتك سهل، متحسيش بيه."
صرخت أكثر تستنجد بجميع من بالفندق، لكنه قد بدأ بالفعل في التنفيذ عندما ألقاها أعلى السرير، يقوم بخنقها بقوة والشرار يتطاير من عينيه.
حاولت إبعاده بكل قوتها وهي تركله بقدميها بقوة، ثم نهضت ناحية الباب تفتحه، ولحسن حظها، وجدت أحد أفراد الأمن بهذا الدور، لتصرخ باللغة الفرنسية كي يساعدها.
رآها ذاك الشخص يركض صوبها، بينما ذاك الملثم أعادها إليه يخنقها بكل قوته كي يتخلص منها ثم يرحل. كاد على وشك أن يُزهق روحها بين يديه، لكنه وقع أرضاً عندما ضربه أحد من الخلف بكل قوته، ينظر له بغضب كارثي.
شعرت آيه وقتها بوجود فريد وهي تتطلع أمامها، لكن رؤيتها مشوشة، لا ترى بوضوح من هذا الشخص، حتى سقطت أعلى السرير ثانيةً بتعب.
وبالفعل، لم يكن سوى فريد الذي بدأ بضرب هذا الملثم بأشد الطرق قسوة، فكان على وشك الموت بين يديه، ولم يتركه فريد حتى يلتقط أنفاسه، حتى أتت جيسي بصدمة من الخارج تبعد فريد عنه، صائحة:
"هيموت في إيدك ي فارس، ابعد عنه."
أبعدته عنه بالقوة، متجهين إلى آيه التي ما زالت تلتقط أنفاسها ببكاء وصدمة، ليلتقطها هو بين يديه بخوف وقلب يعلو ويهبط من فكرة أن شيئاً كان سيصيبها لولا وصوله في الوقت المناسب.
بينما كان مدحت ممسكاً بقوة من شعرها الذي كان ما زال طويلاً يصل بالتحديد لمنتصف ظهرها، يجذبها خلفه نحو غرفة تقيم بها، لأنها رأت بها كل أنواع العذاب الذي لم تشهده بحياتها ولا حتى بخيالها. أمسكها من يديها ووضعها بقوة ضد الفراش، يربطهما في حديد الفراش. ثم سحب حزامه الجلدي من بنطاله، وهي تبكي وتتوسله بارتجاف:
"بالله عليك ارحمني، أبوس على إيدك ورجلك متعملش حاجة، أنا جسمي كله واجعني من آخر مرة ضربتني فيها، بالله عليك سيبني في حالي بقي يا مدحت، كفاية، كفاية بقي بالله عليك."
ابتسم "مدحت" بشر وخبث، كشيطان متجسد في هيئة إنسان. شكله كان مخيف بحقٍ، يحمل بداخله كل أنواع الحقد والانتقام، العداء والكراهية لكل شيء وأي شيء. فشخص مثله لا يعلم معنى الحب أو العطف، لا يعرف كيف يحب بالأساس. هذا بداخله نقطة سوداء تكبر يوماً بعد يوم، ثم ستملئه ليموت بشرة ذلك!
تحدث من بين أسنانه ببغض وتهكم:
"إنتي مبتسمعيش الكلام يا ندي وبتعصبيني، يبقى لازم تتربى يا حبيبتي، التربية حلوة برضو."
كان يبرم الحزام على يده ممسكاً به بإحكام، وهو بأول ضربة فوق جسدها، لتصرخ بأعلى صوتها، صرخة دوت بأرجاء هذا المنزل، خرجت من حنجرتها المتألمة من صراخها كل ليلة على هذا الوضع.
ألقى الحزام من بين يديه بعصبية شديدة عندما أتاه صوتها الضعيف وهي تقول:
"أنا بكرهكك..."
لينادي بأحد أعوانه كي يُلقيها من هذا البيت. نفذ أمره، ثم أتى له يردف بتعجب:
"مدحت بيه، إنت ليه معذب نفسك معاها كده، ما تخلص عليها بدل اللي بتعمله ده كل يوم."
"أبغى أقولكم أسف، أخس عليكم وعلى أشكالكم يا شوية مرضى🙂!"
اكتفى مدحت ناظراً له بغموض وريبة تثير كل من حوله، ثم أخذ جاكته ورحل من هذا المنزل بسيارته، يُخرج سيجاره كي يُخرج بها كل ما بداخله.
بينما على الجانب الآخر، عندما قد انتهت شهد من تحضير بعض السندوتشات السريعة لها ولريم، ولجت إلى الغرفة تُغلقها خلفها جيداً، تجلس جانب ريم وهي
رواية ساعة الانتقام الفصل التاسع عشر 19 - بقلم دينا اسامة
لم يعلم شادي كم مرّ عليه من الوقت قبل أن يستسلم للنعاس الذي غلبه فسقطت رأسه فوق رأس يارا التي كانت تستغرق بالنوم.
صرخت يارا عندما رأت جسد شادي مُمدد على الأرض وجرح غائر في كتفه ينزف بغزاره وواحد من ثيران "المسك" الضخمه واقفه على مقربه منه يستعد لأستكمال هجومه الضاري عليه، حاولت بكل قوتها إبعاده عنه بعدما تأكدت من فقدان شادي للوعي بسبب ارتطام رأسه بأحد الصخور المُدببه وما أن رآها هذا الكائن المتوحش حتى خرّ راكعاً أمامها على قوائمه بشكل اثار تعجبها.
تقدمت نحو شادي والقلق يساورها، ثم انحنت على عقبيها تضع كفها المُرتعش فوق رأسه تبكي وهي تقول:
- ريحان هل أنت بخير ي عزيزي،ارجوك انهض أشعر بالذنب لأنني السبب.
انتفضت يارا من فرشتها بصراخ قاومته بأن تقوست على نفسها وراحت تضع جبهتها علي ساقيها وظلت تصرخ بإنهيار ونبره جنونيه ثم صاحت بهيستيريه:
- لااااا.... لاااا... مين دووول...!
انتفض شادي فزعًا ينظر لهيئتها وما هي عليه يقول بنبره يعتليها القلق:
- مالك ي يارا خير؟!
مالت نحوه ببكاء تضمه إلى صدرها في عناق كبير حار، بادلها العناق دون إنتظار أو تردد منه، فرفع رأسه غير قادراً على مقاومه ذلك الشعور الذي انتابه فجأه عندما احاط جسدها الصغير بين ذراعيه يقول بنبره لا تحمل الثبات بتاتًا:
- اهدي ي يارا طمنيني.
- انا شفتك في الحلم ي شادي.
قالتها ثم اكملت بكاءً، استشعر شادي التوتر والخوف البادي على ملامحها ونبرتها فاحتوي كفيها بين راحتيه قائلاً:
- اهدي وفهميني فيه إيه.
شرعت في قص له ما رأته ثم انهت بخوف تقول:
- كنت أنت واسمك ريحان وانا كمان كنت موجوده وكان شكلنا غريب اوي كأننا في مكان زي جزيره أو عالم تاني، حتى لبسنا ي شادي وكلامنا كان غريب، انا خايفه اوي، مش عارفه ليه بيحصل معايا كده.
- اهدي ي يارا ده كابوس مش أكتر، طبيعي تشوفي الأحلام دي وانتي في الحاله دي.
- شادي أنت مش مصدقني!
قالتها يارا وما زال التوتر والقلق يسيطر عليها بينما شادي لا يستطيع أن يُكذبها، ف كل شئ جايز في حياتهم هذه لكنه أراد أن يهدأها ليس إلا!
- يارا متخافيش إحنا في الموال ده سوا، نامي دلوقتي وبكره انا واثق إننا هنوصل لكل حاجه عاوزين نعرفها، حاولي تهدي نفسك وانا هقوم اعملك كوبايه لمون.
***
ابتعدت آيه عنه وبداخلها ألف شعور متناقض، ما بين الاشتياق والنفور، الغضب والفرح، رفعت بصرها إليه ترى ملامح الخوف والقلق تسيطر عليه لكنها لم تهتم لذلك حينما تذكرت ما قاله لها لتقول بلهجه حاده وثابته عكس ما كانت عليه منذ قليل:
- ممكن تسيبوني شويه لوحدي، وآه ي فريد قبل ما تطلع، بكره اكون في مصر.!
مال فريد نحوها ولم يعير لكلامها أي إهتمام عندما جلس يهتف مُتسائلاً:
- آيه هانم مش هطلع إلا لما تحكيلي الكلب ده دخل عندك ازاي.
قالها وهو يعاود بصره تجاهه لكن لم يراه فكأنه تبخر، انتفض من مكانه بصدمه صائحاً:
- راااح فينننن!!!...
ثم أكمل بعصبيه يصيح بكل من بالفندق من عاملين يأمرهم بإيجاده بأسرع وقت، أما عن آيه كانت تشعر بالخوف أكثر وأكثر بعد ما ترددت كلمات هذا المُلثم في اذنيها، من يريد قتلها ولِما؟! لم تشعر بجسدها إلا عندما لمس فريد يديها يقول بلهجه آمره هذه المره:
- آيه هانم قومي معايا فوراً مينفعش تقعدي لوحدك ثانيه تاني.
اشاحت يديه بعيدًا عنها تقول برفض رغم خوفها الواضح:
- لأ شكرًا كتر خيرك لحد كده، انا اقدر اخد بالي من نفسي كويس.
كانت جيسي تتابعهم وهي لا تفهم ماذا يدور بينهم لتقول:
- أسمعي كلام فارس ي آيه، حياتك اكيد مُعرضه للخطر.
- أنا مش عاوزه اكون مُجبره على حاجه، وأنت ي فريد نفذ اللي بقولك عليه وسيبوني لوحدي.
قالتها بِعناد وغضب منه تشير بإصبعها تجاهه بينما هو أشار لها بعينيه بأن تزيل إصبعها، ففعلت ذلك بتوترٍ من نظراته الحاده التي كادت أن تحرقها من شده الشرر الذي يخرج منها وهدر بوجهها بتوعدٍ يقول:
- كلمتي مش هتتعاد تاني ي آيه هانم قومي معايا بالذوء بدل ما استخدم معاكي العنف!
اغرورقت عينيها بالدموع من لهجته ونظراته، وظلت ثابته على موقفها بعنادٍ واضح:
- بس أنت اللي شغال عندي مش العكس!
- ده كان زمان أيام اللوا سليم الله يرحمه، لكن دلوقتي انتي المفروض اللي تنفذي كل حاجه بقولهالك بدون نقاش.
قالها قاصداً إيغاظتها بينما هي أصرت بعنادٍ تنهض ناحيه الباب تقول بتحدي:
- والله انا مش هتحرك منها، عاوز أنت تفضل موجود هنا اهلاً سهلاً، مش عاوز اهلاً سهلاً برضو.
زفر بضيق مُتجهاً إليها، يقبض على مرفقيها بقوه جعلتها تتألم بصوت واضح، نظرت له بتعجب من قسوته هذه الأيام وكأنه قد تحول بعد فقدان أبيها ثم سمير، فمن حين لآخر تكتشف به صفات لم تراها به من ذي قبل، شعرت بالاحباط والحزن بينما هو ترك يديها مُعنفاً ذاته، يفرك خصلات شعره بقوه يقرص عليها حتى يقوم بتخدير الألم الذي أصابه بعد رؤيته لدموعها المكبوته وما تتعرض له.
- خلاص ي فارس اقعد معاها هنا وانا نازله اشوف الوضع.
قالتها جيسي ثم بعد ذلك تركتهم تشتعل حرب النظرات بينهم.
اتجهت آيه تجلس على فرشتها تتركه يراقبها في صمت، تشعر بإنتصار من بقائه معها هذه الليله برغبتها هي لكن لم تطول هذه اللحظه الحماسيه عندما رأته يخرج من الغرفه في صمت يغلقها خلفه لكنه يعزم على فعل شئ، شهقت بصدمه من تصرفه وعدم اهتمامه بالأمر وتركها بمفردها بعد ما حدثاخذت تجول بنظرها بالغرفه تجلد ذاتها على عنادها الذي سيتسبب لها بكثير من الرعب هذه الليله:
- هعمل إيه دلوقتي!
قالتها بخوف وتضجر ثم أكملت:
- وهو ما صدق سابني ومشى.
لوت فمها بسخريه وغيظ من فِعلته هذه لتنهض كي تجلب كأس من المياه، شعرت بحركه غريبه تنظر خلفها في حركه سريعه لكن لم يوجد أحد تنفست الصعداء وهي تُكمل في طريقها، حتى وجدت خيال شخص خلفها، شلت أطراف جسدها وهي ترتعش لا تعلم ماذا ستفعل الآن، أخذت كأس الماء بين يديها الذي كان ينسكب نظرًا لتوترها ثم القت به على ذلك المُلثم الذي فور رؤيته صرخت ثانيهً من وجوده، تذكرت فريد وما قاله، اخذت تعنف ذاتها بسبب عنادها الذي سيُغرقها الآن.
ركضت صوب الباب تصرخ لكنه التقطها بين يديها يحاول إيذائها بأي طريقه ممكنه لتصرخ هي بقول:
- انتت عاوز منييي ايييه...! صدقني لو علي ال٢ مليون جنيه انا مستعده اديهوملك لكن متأذنيش ارجوك.
كان يُنصت لكلامها بتمعن وكأنه يريدها ألا تتوقف عن الحديث، اوقعته ارضًا بعدما لاحظت هدوئه وشروده ثم ركضت لكنه جذب قدميها إليه في حركه سريعه كادت أن تتأذي بسببها لكنه تفاداها هو لتقع بين يديهبكت أكثر تتخيل أنه سيقتلها بأبشع الطرق ولا مفر لها الآن، نظرت له بصدمه وتعجب في آنٍ واحد عندما وجدت يديه تزيل دموعها، نظرت في عينيه جيدًا على مقربه منه لتشهق فازعه وهي تزيل ذاك الماسك الذي كان يرتديه وهي تقول:
- فريد!!
عقد فريد ذراعيه أمام صدره ووقف يطالعها مفكرًا كيف يمكنها الوقوف بكل هذا الخضوع والتوتر بعد أن كانت تلقيه بكلماتها السامه، لاحظ حركه جسدها المرتبكه كلما طال الوقت وازدادت حده الصمت بينهما.
كاد يبتسم حين احمرت وجنتيها المحرجه فلابد أنها تستعيد كل ما قالته وتفوهت به، رغمًا عنه اقترب منها يحتوي كفيها بين يديه يقول بهدوء:
- كنتي هتتصرفي إزاي لو كان هو رجع فعلاً!
- عادي يعني كنت هفضل اضربه لحد ما اهرب!
قالتها بتوتر وهي تتفادي النظر إليه ليُعدل رأسها كي تراه يردف:
- آيه هانم الحاجات اللي زي دي مفهاش عِناد، الموقف اللي انا مثلتهولك ده كان ممكن يحصلك جدًا تاني، انا معملتش كده علشان اخوفك، علشان اعرفك أنه ممكن يجرالك حاجه بعد الشر في أي وقت ف ارجوكي حاولي تيجي علي نفسك وتيجي معايا.
همس أمام شفتاها مجددًا وقد تقلصت المسافه بينهما:
- ها موافقه؟!
رفعت عيناها تقابل خاصته في شوق داعب أوتار قلبها، لقد اشتاقت لرؤيه الحب والخوف بعينيه للشعور به من خلال مشاعره، حتى وإن كانت صامته لن يهم.. كل ما يكفيها الشعور بحبه.
إما هو فثارت أحاسيسه وطالبته بالاقتراب منها كي ينعم بدفئها وما هي إلا ثواني وقبل رأسها بشوق وعشق أشعل قلوبهما ثم احتضنها بقوه يُمسد شعرها بقلق وخوف يقول:
- آيه هانم أنا مقدرش اشوف الخطر بيقرب منك واسكت، انتي مسؤله مني ومهمتي حمايتك حتى لو ده كلفني حياتي، انتي غاليه عندي أوي ومسمحش لأي حاجه تأذيكي.
دق قلبها بعنف حينما تعلقت بعنقه وكأنه الهدى لفؤادها.. وعقلها يردد" وقد اكتفيت بك حبيب ورضيت بنظره الحب التي تغمرني بها فتنقلني إلى عالم به سحر خاص أكون به الأميره وأنت الفارس.
- فريد تعرف إني بحبك اويي ومش متخيله حياتي من غيرك! متبعدش عني تاني ولو ثانيه من فضلك.
فتح عينيه بصدمه من ما فعله دون شعور ليبعد فجأه وكأنه قد ارتكب شيءً شنيع يقول بتنحنح:
- أنا آسف على اللي عملته، مكنتش أقصد.. انا بس حبيت احسسك بالأمان.
راقبت حركاته بإندهاش وريبه فكلما اقتربا أو اعترفت له بما في قلبها ابتعد هكذا وكأنه يرفض حبها!
- فريد أنت معملتش حاجه غلط!
حمحم في حرج ينظر لها وهو يقول وقد تبدلت ملامح وجهه:
- اقعدي وفهميني كان عاوز منك وقالك إيه بالظبط.
لوت فمها بإمتعاض طفولي تقول:
- هيكون كان عاوز إيه! واحد كان بيخنقني هيكون عاوز يحييني مثلاً..!
اجلسها ثم جلس أمامها يقول بثبات:
- احكيلي ي آيه هانم عن كل الكلام اللي قاله.
- كان عاوز يقتلني بطلب من حد وهيديلوا ٢ مليون، مين اللي هيكون عاوز يموتني ي فريد؟؟
قالتها بتوتر ليرد هو:
- كملي وبعدين.
- وكمان كان بيحاول يفتح دولابي اللي فيه كل مجوهراتي، معرفش عرف مكانها إزاي وكان عاوز يسرقهم لولا صحيت من نومي وشفته بالشكل ده وحاولت استنجد بكل اللي في الفندق علشان حد ينقذني منه وبعدين انت جيت...
قالتها ثم نفت سريعًا تردف:
- لأ فيه واحد شافني لما فتحت الباب واستنجدت بيه وكان جايلي بس بعدين لقيتك أنت اللي انقذتني.!
ضيق فريد ما بين حاجبيه بتعجب ثم قال:
- واحد مين؟
- معرفوش ده من بتوع الأمن أو اللي شغالين هنا بالفندق ي فريد، مش المهم ده، انا بفكر أنه شافني وعرف أن في مشكله وكان جاي، المفروض كان هو اللي ينقذني لكن لما فوقت استغربت لما لقيتك انت.
شعر فريد بِ ريبه من حديثها يقول:
- متأكده؟!
امآت له في ثقه بينما هو شعر بشئ غريب يحدث بفندقه ليقول بتوجي لها:
- آيه هانم لمى حاجتك بسرعه هنخرج برا الفندق ده عمل ما اشوف إيه اللي بيحصل ومين اللي ليه مصلحه ف موتك.
نظرت له بتعجب وهي تقول:
- مش ده الفندق بتاعك برضو ي فريد؟! يعني المفروض يبقى اكتر مكان آمن لينا!
- لأ ي آيه هانم، بعد اللي قولتيه واللي حصل معاكي كده هو هيبقي اكتر مكان عليه العين فلازم فورًا نمشي من هنا وبوعدك إني هعرف مين اللي حاول يقتلك وإيه مصلحته، بس قبل كل ده هوريكي كل عمال الفندق وتتعرفي على الشخص اللي بتقولي عليه ده.
امآت له آيه بإبتسامه مُصطنعه خلف خوفها من القادم.
***
صباح اليوم التالي
بينما كان ماهر في عمله، اتجه إلى غرفه اللواء جمال عندما أرسل له في أمر طارئ،ترجل بهدوء وثقه وهو يجلس بقول:
- انا عارف إنك باعتلي بخصوص القضيه بس حبيت أطمن حضرتك واعرفك إني مسكت طرف خيط الجريمه ومش هيهدالي بال إلا لما احلها واعرف مين القاتل الحقيقي.
نظر له اللوا جمال يحمحم بتعجب وهو يقول:
- انا آه بعتلك بخصوص القضيه بس علشان اعرفك أنها اتنقلت لزياد وهو دلوقتي المسؤل عنها ي ماهر.
انتفض ماهر من مكانه بصدمه يقول بلهجه عنيفه:
- بتقول ايييه!!! حضرتك واعي للي بتقوله ده!!
- اقعد ي ماهر واهدي، انت عملت اللي عليك، كفايه لحد كده وزياد هيهتم بالباقي، القرار ده نُفذ ي ماهر يعني مش لسه باخد رأيك، انا بس حبيت اعرفك قبل ما اسافر، ف ابسط ي سيدي مفيش حاجه هتشغل دماغك تاني.
- وزياد وافق على الكلام ده!!
قالها ماهر بِحده وغضب ليرد الآخر:
- سواء وافق أو موافقش ده قرار لا رجعه فيه، بلاش عصبيه زياده ي ماهر انت عملت اللي عليك، ايوه موصلتش لحاجه بس مش مشكله، زياد موجود هيكم..
قاطعه ماهر يستقيم في وقفته يقول بثقه:
- بس انا وصلت!
- وصلت لأيه!؟
قالها اللوا جمال بتعجب ليقترب ماهر يقف أمامه بتحدي:
- حاجه مش جديده عليا كنت عارفها بس محبتش اخد أي خطوه واتصرف بتهور لكن لما اتأكدت انا هتهور وهتهور جامد ي جمال بيه.
راقب اللوا جمال نظرات الغيظ والغل داخل عينيه ليرد بعدم فهم:
- مش فاهم ي ماهر، انا وقتي مش ملكي ولازم امشي دلوقتي ممكن تتكلم بوضوح أكتر من كده.
ابتسم ماهر بعدما حك أنفه يقول:
- الأسم ثلاثي : شهد خالد الجبالي
- السن : 24 سنه
- المهنه : حاصله على بكالوريوس تجاره ولسه قاعده عواطليه مش لاقيه شغل.
ندخل في المهم بقي، إنها علي علاقه بسمير النوبي وليها يد في قتله.
- اسكت خالص ي ماهر، انت بتقول ايييه!
- كلامي مش عاجبك ولا إيه ي جمال بيه؟! ارجوك العاطفه والحنان الابوي ده نرميه على جنب علشان نعرف نشتغل.
- اخرس، حسك عينك تجيب سيرتها في حاجه، بلاش غرور السلطه وأنك عاوز تحل انت لغز القضيه يخليك تتهم أي حد بدون أي دليل.
ابتسم ماهر بسخريه يُلقى بتلك القلاده أعلى مكتبه، واضعاً يديه في سرواله ينظر له قائلاً:
- اتفضل شوف السلسله دي.
كظم غيظه عندما جذبها بين يديه يحاول فتحها حتى وجد صوره شهد لكنه نظر ثانيهً إلى ماهر الذي كان ينظر له بسخريه بينما اردف بتعجب وعدم فهم:
- مالها السلسله!
- في داهيه السلسله! ،ركز علي اللي جوه السلسله، تقدر بقي تقولي انا لقيت فين السلسله العظيمه دي؟!!
في قصر سمير النوبي، لك انت تتخيل كده؟!
توسعت عينان اللوا جمال بصدمه وعدم تصديق يقول:
- انت بتقول أي كلام ي ماهر، ارجوك كفايه لحد كده وبلاش تتعب نفسك على الفاضي.
- واضح إنك مش مصدقني، أو مش عاوز تصدقني؟!
قالها ماهر بشك ناحيته بدايهً من حديثه ونقل القضيه إلى زياد، يتجول حوله مُحاولاً إرباكه وتشتيته لكنه وجده يُلقي تلك القلاده بعيداً وهو يحمل بعض الأوراق يقول قبل أن يرحل:
- احتفظ بدليلك لنفسك ي ماهر وسيب زياد ياخد فرصته وبلاش تتدخل.
- مقدرش ي جمال بيه اعذرني، أنت عارف ماهر الطوخي كويس وعارف أنه لو مسك حاجه مش هيعرف يخرج منها إلا وهو كسبان.
زفر بحنق يردد:
- دي قضيه زياد ي ماهر، خاف على شغلك وبلاش شغل العيال الصغيره دي اللي مش هتجبلك غير الوش.
- حتى لو بقت قضيته، مش مشكلتي ي جمال بيه، انا كل اللي أعرفه أن مفتاح القضيه بقي في أيدي ومش هسلمه لغيري ومحدش هيحله غيري انا!
قالها ماهر بغضب يرحل من أمامه بعدما التقط القلاده بين يديه وبداخله نيران تشتعل، ركب سيارته ثم قادها إلى منزله ثانيهً.
دلف شقته بصمت حائر ثم اتجه إلى المرحاض وبدأ في خلع ثيابه والحنق يتملك من وجهه ف بدا محمرًا للغايه وجسده يتشنج مع نزول قطرات المياه، ف قرر الاسترخاء قليلاً لذا التفت نحو ستاره صغيره مُعلقه حول حوض الاستحمام واغلقها عليه مع صعود البخار، اغمض عينيه وانشغل عقله في كيفيه إظهار حقيقه "شهد" وكيفيه كشف خداعها وعلاقتها بسمير النوبي التي نفتها منذ ذي قبل لكنه منذ البدايه وهو يعلم جيدًا أن خلفها شئ.
وبعد قليل حمل هاتفه يتصل بأحد ما ثم اغلقه وبعد ذلك ارتدي ثيابه والتقط مفتاح سيارته ثم رحل في غضب
***
يقولون في الرحلات فلتصحبك السلامه، وها أنا برحله لا أعلم متى سأصل سالمًا، متى ستصل رحلتي على أرضها التي ستنبع بما تشتهيه نفسي، وتحبه ذاتي أم إنها ستظل عالقة في السماء بلا هبوط، بلا نجاه!.
بدأت آشعه الشمس الذهبيه تخترق غرفتها، مما ازعجها ذلك فدلفت للداخل بعد أن اغلقت النافذه، وشرعت في ارتداء ملابس الخروج استعدادًا للذهاب للجامعه تترك شهد علي سريرها تغطو في نوم عميقٍ
وبعدما انهت خرجت من الغرفه بحذر تقابل والدتها التي كانت تقرأ اذكار الصباح ثم التفتت لها تقول:
- صباح الخير ي ريم، إيه نازله الجامعه النهارده؟!
اقتربت ريم تقبل رأسها وهي تقول:
- ايوه ي حبيبتي، المهم شهد لسه نايمه جوه سيبيها نايمه لأحسن دي منمتش من إمبارح وابقي طمني ماما سوسن فوق إنها عندك.
امآت لها الأم لتتركها متجهه إلى جامعتها اليوم كي ترى هنا فقط وإلا لم تذهب.
وبعدما وصلت للحرم الجامعي وجدت هاتفها يدق ولم تكن سوي هنا التي قالت عندما ردت:
- ريم انا في المطعم، المحاضره اتلغت بتاعه النهارده وهتنزلنا اون لاين، مستنياكي متتأخريش.
اغلقت معها ريم وهي تخرج من الحرم الجامعي تركب تاكسي متجهه إلى ذاك مطعمهم المُفضل وبعدما وصلت، اخذت تجول بعينيها بالمكان حتى وجدتها على طاوله بعيده عن الأعين، اقتربت منها وهي تُلقي الصباح كعادتها:
- صباح الفل ي هنون ي قمر، عامله إيه دلوقتي.
ابتسمت لها بخفوت وخجل من فِعلته أخيها لترد:
- صباح النور ي ريم، انتي اللي عامله إيه.
- انا زي الفل متقلقيش المهم انتى، انا نازله علشانك بجد النهارده.
نظرت لها هنا بخجل وحزن وهي تقول بأسف:
- ريم أنا مكسوفه منك اوي، مش عارفه اقولك إيه!.. كل اللي اقدر اقولهولك إني آسفه على اللي عمله أكرم، حقك عليا وي ريت توصل اسفي لدكتور خالد لأني بجد اتحرجت منه جدًا.
- متتأسفيش ي هنا انا فاهماكي ومتقلقيش انا اتفهمت اللي عمله وخلاص مش زعلانه، المهم بس أنه ميكتشفش إننا بنتقابل علشان ميعملكش مشكله.
قالتها ثم ابتسمت بحب لتبادلها هنا نفس الابتسامه وهي تقول:
- حقيقي انا محظوظه بيكي ي ريم، مش عارفه اقولك إيه.
- متقوليش حاجه وبعدين ي ستي بلاش نكد بقي، انا هعزمك النهارده على بيتزا إيطالي تجنن علشان تدعيلي دعوات حلوه كده.
قالتها ريم ثم بعد ذلك طلبت علبتين ذاك حجم متوسط ومعهم مشروبهم الخاص.
- تعرفي ي هنا، انا المطعم ده بيخليني في عالم تاني بجد، بحس بأمان وراحه غريبه فيه، نفسي اشيله كده واحطه جنب بيتي بجد.
انهت جملتها بضحك وهي تأكل لتضحك هنا هي الأخرى على منظرها، اتجه إليهم جارسون في هذا الوقت يقول:
- بعد إذنكم ممكن تغيروا مكانكم لترابيزه تانيه علشان دي خاصه ب ماهر بيه الطوخي ومش عاوزين مشاكل.
نظرت له ريم بتذمر وهي تقول:
- وإيه الفرق ما بين الترابيزه دي وغيرها؟! حضرتك إحنا مش مطولين هناكل ونمشي ورانا محاضرات.
- أيوه ي فندم بس دي بأسمه ومحدش بيتجرأ يقعد عليها غيره.
- ولما بأسمه سمحتوا لينا بالقعده لي من الأول؟!
- حضرتك أنا معرفش غير أنكم لازم تغيروا مكانكم قبل ما يصل.
- خلاص ي ريم يلا بينا مفيش مشكله.
- لأ مش هقوم ي هنا اقعدي، هخلص اكلي وبعدها هنسبلكم المطعم كله مش الترابيزه بس.
- حضرتك أنا مقدر أنكم بتيجوا المطعم علطول وانتو فوق راسنا، وانا مش طالب منكم حاجه غير أنكم تغيروا مكانكم مش أكتر.
- طيب تمام ولا يهمك هنقوم حالاً.
قالتها هنا وهي تمسك يد ريم التي تيبست مكانها بغضب على عكس عادتها ترفض ترك هذه الطاوله.
تقدم ماهر في ذلك الوقت إلى طاولته المُفضله تلك البعيده عن الأعين لكنه توقف مكانه عندما وجد نفس تلك الفتاه تجلس بها بِعناد ترفض التخلي عنها، لاحظه الجارسون ليتقدم إليه بصدمه وهو يقول مُعتذرًا:
- ماهر بيه انا آسف، انا قاعد بحاول معاهم لكن هما مش راضيين بالذوء، هطلبلهم الأمن حالاً.
شهقت ريم وقتها بعدما رأته فعلِمت وقتها من يكون هو بعدما اخبرتها شهد الأمس بكل شئ ثم حاولت أن تظهر طبيعيه تقول بثبات وثقه:
- اطلبهم، عمل ما ييجوا اكون خلصت وجبتي بالمره، اقعدي ي هنا.
نظرت لها هنا بصدمه من تصرفاتها الغير معهوده لكنها جلست ثانيهً بتعجب تنظر لها فقط بينما ماهر تحدث حينها ينظر في عينيها فقط:
- لأ متطلبش حد انا هتصرف، أمشي أنت.
نظر لها بتمعن يُراقب عنادها وجرئتها أمامه ليجلس هو جانبهم يقتلع نظارته وهو يقول واضعًا ساق فوق الأخرى:
- وأنا معنديش مشكله تفضلوا قاعدين لحد ما تخلصوا.
ثم صفق بيديه كي يجلبوا له مشروبه الذي عندما غضب أو تعكر صفو مزاجه آتي إلى هُنا على طاولته الخاصه بينما ريم تنهدت بضيق من طريقته لكنها حاولت جاهده أن تبدو طبيعيه وهي تأكل ثم تنتهي وترحل مثل ما قالت بينما هو تعجب من كونها ما زالت تجلس بعد ما فعلهتوقع أن تنهض وترحل لكنه وجدها تجلس بثقه أكثر وكأنها لا تراه من الأساس، ابتسم مُتعجباً يقول بصوت خافت:
- هقول إيه مانتي بنت عمك شهد!
سمعت ما قاله لتنظر له بترّقب تردف:
- افندم خير!
- كله خير ي آنسه ريم، المهم إيه أخبارك انتي وبقيه العيله.
كانت هنا تتابعهم بعدم فهم وهي تقول:
- انتو تعرفوا بعض؟!
كادت أن ترد بالنفي لكنه منعها عندما قال بسخريه:
- عز المعرفه.
- هنا حاولي تخلصي علشان نمشي معندناش وقت
قالتها قاصدهً إهمال وجوده بينما هو كان يبتسم في اثرها أكثر عندما تتحدث أو تردف بأي كلمه لا يعلم لِما لكنه يشعر بالمُتعه عند رؤيتها أو التحدث، لاحظت نظراته التي كانت متعلقه بهاوقف الطعام في حلقها اخذت تشهق غير قادره على التنفس ليعطيها كأس المياه بصدمه وهو يقول:
- على مهلك محدش بيجري وراك..!
نهضت فورًا بعدما شربت وهي تقول:
- يلا بينا ي هنا.
قالتها بفرحه بأنها فعلت ما قالته لكنها لم تدوم هذه الفرحه كثيراً عندما وجدت شخص من بعيد يتجه إليهم وكأنه كان يقصدها هي، لم تشعر بقدميها التي خانتها ووقعت أعلى الكرسي مرًه ثانيه وهي تبتلع ريقها بصدمه وقلبها يعلو ويهبط.
نظر لها ماهر بتعجب من تغيرها وخوفها البادي على ملامحها ليقول:
- خير ي آنسه ريم أنتي كويسه؟!
آتي ذاك الشخص مُقتربًا وهو يقول بخبث بعدما وجد ريم موجهاً حديثه إلى ماهر:
- ماهر بيه منور الدنيا، عمل ما قالولي إنك هنا قولت لازم اجي بنفسي أسلم عليك.
نهض ماهر يحتضنه مُرحباً به وهو يقول:
- عامل إيه ي مدحت واحشني اوي.
بينما كانت ريم علي وشك فقدان وعيها من ما تراه أمامها.
رواية ساعة الانتقام الفصل العشرون 20 - بقلم دينا اسامة
علمت هنا هويته جيدًا لتحاول تهدئته. ريم تسطحت مكانها بصدمة ولم تتحرك. حتى لاحظ ذلك ماهر، الذي نظر لها بإبهام، يتابع ملامحها المرتبكة والقلق والانكماش الذي تمكّن منها فجأة.
"قرايبك دول؟!" قالها مدحت بخبث وحيرة.
ليرد ماهر: "حاجة زي كده."
"ريم إحنا اتأخرنا على محاضرتنا، يلا بينا." قالتها هنا وهي تسندها، تحاول بقدر الإمكان أن تُبعدها عنه قبل أن تنهار. وبالفعل نجحت في ذلك عندما نهضت ريم تحمل شنطتها وهي ترحل في صمت. حائرًا يراقبها ماهر وهي ترحل بشكل عشوائي، وبداخله يعلم جيدًا أن بها شيئًا. نظر لمدحت بترقب يقول: "أنت تعرفهم؟!"
ابتسم مدحت يجلس جانبه وهو يقول: "وأنا هعرفهم منين؟! المهم طمني عليك أخبارك."
جلس ماهر هو الآخر يقول، وبداخله يشعر أن ما يقوله ليس بالحقيقة: "أنا في نعمة الحمد لله، طمني أنت عليك وعلى عزام بيه."
نظر مدحت جانبًا مُشمئزًا من ذكر اسمه، لكنه تنهد بقوة قبل أن يقول: "زي الفل بيسلم عليك."
تحولت ملامح ماهر تدريجيًا عندما رأى زياد يتجه إليهم.
زفر بقوة وهو يقول بترحيب زائف: "أهلاً يا زياد بيه."
جلس زياد بتعجب و شك من تلقيه اتصال منه بعدما علم بشأن توليه لهذه القضية. فيعلم جيدًا أن ماهر سيفعل المستحيل من أجلها. "خير يا ماهر قلقتني على الصبح."
راقب مدحت الوضع ونظرات ماهر الغامضة، ليُحمحم، ينهض من مكانه وهو يقول: "طيب أنا أستأذن يا ماهر بيه، سعيد إني شفتك النهارده، فرصة سعيدة يا زياد بيه."
صافحه ماهر بابتسامة بشوشة. بينما عندما رحل، نظر لزياد الذي كان يجلس بارتباك حاول جاهدًا إخفاءه. "تشرب إيه الأول يا زياد."
"أي حاجة بس طمني مالك." قالها زياد بمكر.
ليرد ماهر بنفس ذاك المكر: "مبروك عليك القضية الجديدة، فرحتلك يا شيخ، أهم حاجة اشتغل عليها بكل طاقتك وأنا موجود في أي وقت تحتاجني فيه. مش عارف ليه حاسس إنك هتعرفلنا مين القاتل وده يبقى أكبر إنجاز ويتحسبلك يا زياد."
نظر له زياد بعدم ارتياح من لهجته وكلامه الذي يعلمه جيدًا. لم يستسلم ماهر بهذه السهولة، فهو يخطط لشيء أكبر.
أراد مراوغته بسذاجة يقول: "بجد فرحان يا ماهر؟! يعني مش زعلان إنها اتبعتتلي؟!"
ابتسم ماهر بخبث وهو يشرب من مشروبه الخاص قبل أن يردف: "إحنا الاتنين واحد يا زياد، وأنت كنت معايا فيها من البداية وأنا بإذن الله مش هسيبك ومعاك في أي وقت، ابدأ أنت بس."
قابله زياد بابتسامة مُصطنعة يرد: "بيني وبينك أنا قلقت من الموضوع، قولت ماهر بجلالة قدره معرفش يصل لحاجة، أنا بقى هعرف!"
حك أنفه مُقهقهاً: "ما سمعتش المثل اللي بيقول: يوضع سره في أضعف خلقه!"
اشتعل زياد غيظاً من لهجته الساخرة وطريقته، ليرد كاظمًا غيظه: "تقصد أنا أضعف خلقه؟!"
"تشرب إيه صحيح؟!" قالها ماهر مُحاولاً تلطيف الأجواء.
بينما اردف زياد بغضب: "ماهر انت جايبني هنا تسخر مني؟!! أنا مش فاهمك ولا فاهم طريقتك!"
"اخص عليك! مكنش العشم يا صاحبي. روّق كده ده أنا مبسوط بالخبر من كل قلبي وكمان عازمك النهارده أبسط."
أخذ زياد ينظر له بغيظ وضيق، وبداخله يحمل كل الكره والحقد تجاهه.
***
دعني أرحب بكَ عزيزي هُنا حيث الغابات البشرية، التي لا حاجة لوجود الحيوانات المفترسة بها، يكفي وجودك رفقة إنسان قاتل، بلا قلب أو شفقة..
هذه هي الحياة الآن، شئت أم أبيت فأنت بداخل غابة من بها ينهب بغيره.
"عاوزني في إيه يا سمير تاني! إيه جاي تقولي سقطي الطفل! من غير ما تقول أنا استحالة كنت أشيل طفل في بطني منك بعد اللي عملته، اطمن يا سمير بيه أنا سقطت الطفل."
"بتقولييي إيه!! انتي اتجننتتتي!!! إزاي تعملي كده من غير ما ترجعيلي!! هاا ردي عليااا." قالها سمير بعصبية جاذبًا مرفقيها بقوة.
تبعده عنها بتضجر وغضب وهي تقول: "بلاااش تمثيل.. كفااايه كدب لحد كده، إيه فاكرني عبيطة ولسه هصدقك بعد اللي عملته فيا!"
تنهد سمير بألم مُحاولاً استرجاع أحداث هذا اليوم وما حدث بينهم، لكنه لم يتذكر أي شيء. اقترب منها يحاول الاستفسار وهو يقول: "شهد ارجوكي حاولي تفتكري أي حاجة من اليوم ده، أنا مش فاكر أي حاجة تقريبًا! أنا استحالة أعمل فيكي أي حاجة وحشة حتى لو كنت مُغيب صدقيني."
شعرت شهد بخزي والدموع تتجمع في عينيها بعدما شعرت في كلامه بإتهام، لتقول بألم وحزن: "تقصد إيه!"
علم ما فهمته وتطرق إلى عقلها، لذا حاول أن يهدأها بثبات بعدما وجد الدموع بعينيها التائهتين: "متفهميش كلامي غلط أنا مقصدش طبعًا حاجة بس أنا تايه من اللي بيحصل ومن اللي عملتيه ده."
مسحت دموعها الخائنة دائمًا وهي تقول قبل أن ترحل: "سمير بيه أنا آه نزلت ابني اللي هو منك، بس ده مش معناه إني استسلمت للي عملته وعاوز تتهرب منه وتشيلني الموضوع، صدقني مش ههنيك على حياتك ولو اضطرني الموضوع إني اقتلك مش هتردد."
كان يتابعها بصدمة من ما تفوهت به وملامحها التي كانت تبدو وتنوي على الشر: "تقتليني!!"
كانت تنظر للجانب الآخر لا تود رؤية وجهه حتى لا تضعف، لتركض من أمامه دون رد. يتابعها هو بصدمة من ما قالته وتحولها أمامه، فهذه لم تكن شهد الذي عشقها وما زال يفعل!
وصلت إلى الخارج واتجهت إلى سيارة يقودها شخص تشمئز هي من وجوده. جلست رفقته وهي تقول: "أنا قولتلُه إني سقطت."
خلع نظارته الشمسية في غضب وهو يقول: "بتقولييي إيه!!"
"زياد أنا سمعت كلامك وقولتله إني حامل منه وهو صدق، بس أنا مقدرتش أكمل التمثيلية دي، مقدرتش أكذب عليه لحد كده."
"وانتي كده مكدبتيش عليه لتاني مرة وفهمتيه إنك قتلتي ابنك بإيدك وهو مكنش موجود من الأساس!!" قالها زياد بعنف وضيق من فعلتها دون استشارته.
"اهو اللي حصل وبعدين مقدرش أشوفه كده يا زياد، أنا بحبه!"
قهقه هو على الجانب الآخر يقول ساخرًا: "بتحبيه!!! وهو الراجل مقصرش قام خطب صاحبتك وكلها شهر ويتجوزوا، هتتبسطي انتي أما يتجوزها قدامك وتتأكدي أنه لا بيحبك ولا غيره!"
"قولتلك دي كلها خطة وخطوبة شكلية، كفااايه بقييي."
"انتي مصدقة نفسك؟!!.. ولما واثقة كده إنها خطوبة أي كلام، روّحتي قولتيلو إنك حامل ليه ها؟! خفتي لأحسن يروح منك."
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تقول: "زياد ممكن أفهم أنت إيه مصلحتك من اللي بتعمله معايا؟!!!"
نظر زياد جانبًا يقول بتمثيل: "انتي صاحبتي يا شهد وعامل عليكي، مقدرش أشوف حد بيضحك عليكي."
"صاحبتك منين! بلاش كدب على بعض، ده أنا أعرفك من كام يوم." قالتها شهد بعدم اقتناع وهي على وشك أن ترد، لكنه فتح هاتفه وهو يريها شيئًا ما قائلاً بمكر: "شوفي كده الخبر الحصري ده، زواج رجل الأعمال سمير النوبي وابنه اللواء سليم دويدار، سمير بيه قالك على الخبر ده ولا لسه؟!"
نظرت للهاتف بألم وصورة آية برفقته بعدما علمت بشأن زواجهم بعد شهر واحد. ليُكمل زياد مكره وهو يقول: "هو ده النسب اللي يشرف!"
"تقصد إيه؟!" قالتها شهد وهي على وشك البكاء.
ليزيل هو تلك الدمعة التي سقطت رغمًا عنها هاتفًا: "بلاش دموع دلوقتي! الموضوع باين يا شهد، سليم وسمير مستفيدين من بعض واكيد دي صفقة ما بينهم يعني الجواز هيبقى بشكل رسمي، اللوا سليم عمره ما هيفوت سمير النوبي من ايده وكذلك سمير ميقدرش يستغني عن سلطة سليم، وانتي لسه مش مصدقاني، أنا بحاول أساعدك يا شهد انتي زي أختي ولو أختي حصل فيها حاجة زي كده عمري ما كنت هسيبها ولا هسيبه."
قالها زياد بغل وكراهية تجاه ذاك الشخص التي لم تفهمها شهد حتى الآن.
***
استيقظت من نومها مُتحركة نحو المرحاض تغسل وجهها وعقلها مُغيب من ما تتذكره هذه الأيام. خرجت من المرحاض بل من الغرفة بأكملها بعدما علمت بذهاب ريم إلى الجامعة، لتجد ورد تجلس برفقة أمها يتحاكون. اقتربت منهم وهي تلقي تحية الصباح، تجلس جوارهم بتعب.
"إيه يا حبيبتي مالك."
"صداع يا ماما رهيببب."
"استني هشوفلك مسكن ولا حاجة." نهضت ورد وقتها كي تجلب لها ذاك المسكن، بينما هي كانت شارده الذهن تفكر فقط فيما حدث وما يحدث وماذا سيحدث!
***
"إيه بتفكري تدخلي ولا لأ؟!"
أومأت في صمت. بينما هو دلف تلك الغرفة وتركها وحدها. ابتلعت لعابها بتوتر وهمست لنفسها مُتسائلة في قلق: "هو ناوي على إيه؟!"
لم تعطي لنفسها فرصة للتفكير أكثر ودلفت الغرفة تضع حقائبها جانبًا، ثم توجهت للشرفة تفتحها على مصراعيها. دخلت وهي تنظر لأسفل تحاول استنشاق الهواء الهليل. فشعرت بالدوران الطفيف، وعادت رهبة خوفها من المرتفعات تسيطر عليها، لذا عادت للخلف خطوة حتى اصطدمت بـ فريد الذي يراقبها.
لتقول هي مُتسائلة: "فريد أنت مش مصدقني إن الشخص اللي وريتهوني هو ده اللي شفته واستنجدت بيه؟!"
"آية هانم ممكن يكون اختلط عليكي الأمر لأنهم بالإدارة تحت قالوا إنه واخد إجازة من أسبوع وماجاش من وقتها!"
"صدقني يا فريد فيه حاجة غلط وحياة بابا أنا شفته وكان جاي ينقذني بس بعدين اختفى!"
"المهم دلوقتي إنك في أمان، إيه رأيك في الأوضة هتعرفي تنامي هنا؟"
ابتلعت ريقها لأنها لا تفضل الأماكن التي تقع بالمرتفعات هكذا، لكن ما باليد حيلة، لذا أومأت باستلام رغم توترها: "الأوضة جميلة حبيتها أوي."
رفع هو حاجبه الأيسر مُستنكراً حديثها، فهو يعلم تمام العلم أنها تكذب عليه حتى وإن لم تنطق بذلك، فيكفيه رجفة كفها ورفرفة أهدابها. لذا زفر هو الآخر مُستسلماً يقول بنبرة هادئة: "طيب تقدري ترتاحي دلوقتي."
"هو انت رايح فين؟!" قالتها بخوف وهي تراقب ملامحه.
ليرد مُبتسماً بخبث: "إيه خايفة؟!"
تداعت نظراتها محاولة استجماع شتات نفسها والكلمات تنزلق وتهرب منها، فلا تجد ما تجيب به سوى صمتاً مُطبقاً فوق صدرها وخوف يطل من عينيها، ليتوسله ألا يتركها وحيدة بهذه الغرفة.
"متقلقيش هو أصلاً مفيش غير الأوضة دي متاحة، فهضطر أشاركك فيها لأني مقدرش أسيبك لوحدك." قالها وهو يجلس على أحد الكراسي مُستندًا عليه يتنهد بقوة، وبداخله صراع من كل شيء يحدث حوله. شعر بـ خطب في فندقه وأن شيئًا يدور وراء ظهره بعد ما قالته آية ورؤيتها لهذا الشخص.
اقتربت آية تقف أمامه بتوتر وهي تقول: "طيب هو مفيش غير سرير واحد، أنت هتنام فين؟!"
استقام في وقفته ثم أمسكها من كتفيها لتقف أمامه مباشرةً قائلاً: "متشغليش بالك بيا، أنا هنام في أي حتة، أنا عارف إنه مينفعش أشاركك في نفس الأوضة بس إنتي عارفة الظروف وكلها كام يوم ونرجع مصر تاني."
أومأت له مُبتسمة بهدوء تترجل من أمامه، لكنها توقفت وهي تعيد بصرها إليه، تبتلع ريقها قبل أن تقول: "فريد هو أنت جبتني هنا فعلاً لأنك خايف عليا وعاوز تحميني؟!"
طال صمته وهي تحدق به، تحاول البحث داخل عينيه الغامضة عن شعاع حبه، لكنها وجدت ملامح جامدة وخالية من أي شيء، حتى جعلتها تشعر بالوحدة والحزن.
"آية هانم أيوه خايف عليكي وواجبي أحميكي." ابتسمت لحظيًا من جملته، لكن اختفت ابتسامتها سريعًا عندما أكمل: "سليم بيه وعدته إني هفضل أحميكي وأساندك وأنا مقدرش أخلف بوعدي."
"فيك الخير." قالتها بحزن وهي تبتعد، تقترب من حقائبها كي تخرج بعض ثيابها من أجل الاستحمام.
بينما هو لم يشعر بنفسه إلا وهو يقول: "طيب أنا نازل أجيب بعض الحاجات الناقصة اللي هنحتاجها، خلي بالك من نفسك وخلي تليفونك جنبك."
أومأت له بعدم اهتمام وهي تدلف للمرحاض، لتجده يعيق طريقها ونظراته تتفحصها يهتف بثبات: "خدي تليفونك معاكي."
"نعم!" قالتها تنظر له بسخرية.
بينما هو تابع بجدية: "مبهزرش أسمعي الكلام."
"ولو مسمعتش؟!" قالتها بتحدي وضيق من جديته ورسميته معها في الحديث. أرادت إثارة غيظه. علم هو مخططها وما في نيتها نحوه، لكنه حزم الأمر وقال بهمجية دون شعور: "آية هانم بلاش شغل الأطفال ده، أنا عارف إنك بتبقي قاصدة تخليني أخرج عن شعوري وعاوزة تجريني في الكلام بلاش الطريقة دي علشان هتتعبي على الفاضي!"
"تقصد إني مدلوقة عليك!" قالتها بسخرية مقصودة ثم أكملت: "وأنا هدلق عليك ليه؟!!.. أنت مجرد حارس يعني شفاف بالنسبالي يا فريد، أنا فين وانت فين!.. ثم بعدين تعالي هنا ابقى روح شوف نفسك في المراية بتبقى عامل إزاي ساعتها بتشوفني!"
للمرة الثانية على التوالي في نفس اليوم يرفع معدل احتراق الدم في جسده كما احتراق الوقود في السيارة. فهل ستستمر تلك الحرب العاطفية بينهما؟
رفع فريد سبابته في وجهها ينطق محذراً لها: "احفظي كلامك يا آية وخليكي فاكرة إن صبري ليه حدود وأنتي اتخطيتي كل الحدود معايا وتجاوزك ده مش هستحمله كتير."
"آية هانم." قالتها آية بلهجة أنثوية ساحرة وبداخلها تنوي أن تفضح مشاعره المكبوتة نحوها، لكنها لا تعلم أنها ستُلقي بنفسها إلى التهلكة.
اقتربت منه ترفع يدها وهي تتحسس وجهه بحنان. تنفس فريد بقوة ثم قبض على يدها بشدة دون وعي منه حتى آلمتها قبضته، فرمقته بحيرة. أما فريد لم يهتم لنظراتها التي أصابته كالسهام في قلبه، ولكنه تظاهر باللامبالاة حتى لا ينجرف أكثر من ذلك ويطيح بها وبنفسه للتهلكة.
حرر فريد يدها من حوله ثم أبعدها بقوة حتى ظنت أنه يُلقي بها غير مُكترثًا.
حاولا ألا ينظر إليها ويغوص بمقلتيها، ولكن عيناه تمردت، فألقى عليها نظرة سريعة ثم أشاح ببصره ليقول بصوت غاضب: "أنتي واعية للي بتهببيه دلوقتي؟!... أنتي عاوزة إيه بالظبط؟!"
صمتت آية للحظات تتأمله بدهشة لم تضع ببالها أن المقابلة ستكون هكذا!، لم تصدق أن رد فعله ستكون هجومية وحادة لها.
إذن هو لم يحبها، هو بالفعل كما قال سابقًا أن عليا هي حبه الحقيقي وأنه مجرد حارس لها.
قالت آية بهدوء بعد أن مسحت دموعها بظهر يدها: "مكنتش أعرف إنك هتعاملني كده... أنا عملت كده علشان أتأكد من حبك ليا علشان قلت إنك بتحبني..!" قصدت آية من جملتها الأخيرة أن تستشعر مشاعره تجاهها.
فأجابها فريد باستشاطة وغضب: "سبق وقولتلك أن عليا حبي الحقيقي دي الحقيقة اللي انتي مش قادرة تصدقيها يا آية هانم وده مش ذنبي، أنا بقوم بواجبي تجاهك متفهميش اهتمامي بيكي غلط."
"عينيك بتقول غير كده!" قالتها آية بوجع أثر كلامه الجامد.
ليصرخ هو في وجهها مُتخطيًا كل الحواجز: "انتي مبتفهميييش!!!... جرااالك إيييه...!"
ابتلعت ريقها برعب من هيئته، وما هي إلا لحظات واستجمعت شجاعتها، لأنها تدرك جيداً أنه مهما صرخ ومهما فعل لن يؤذيها. "أيؤذي المُحب حبيبه!"
انتهزت فرصة استطاعتها جعله يضعف أمام أنوثتها وعينيها الساحرة، لتصرخ بعناد قاصدة استفزازه: "لو كلامك صح احلف بحياتي إنك عمرك ما حبتني وأنك بتحبها." قالتها وهي تضع يده أعلى رأسها لتجد عينيه تحولت للون الأحمر الدموي وهو يجذب مرفقيها بقوة آلمتها وهو يقول دون وعي: "انتييي طماااعه ي عاليااا... انا بكرهككك... انتي عاوزه منيي إيه تانييي كفايه خيانتك... جايييه لييييه... امشييي ابعدي عنييي.... مش عاوز اشوف وشك..."
كانت آية تتابعه بصدمة وهي تبكي خوفًا من ما سيفعله معها مثلما فعل قبل، لذا حاولت أن تفلت منه بقوة كي تهرب من عينيه التي كانت لا تبشر بالخير، لكنها فجأة وجدت نفسها أُلقت على الحائط بقوة، مُنقضاً هو عليها بنظرات شهوانية غريبة لم تفهمها هي.
"كنتي بتضايقي لما أقرب منك أو المسك صح، كنتي بتأرفي مني علشان فقير.....! ودلوقتي لما عرفتي إني بقيت غني ومعايا فلوس تشتريكي انتي وأهلك إذا كان ليكي أهل يا خاينة... دلوقتي بقى أنا هعرفك مين فريد الجداوي اللي قدرتي تخونيه وتبعيه بالطريقة دي."
صرخت آية به كي يفيق من تلك الحالة التي تنتابه مرارًا منذ أن تغير وجهها، تمنت في هذه اللحظة لو أنها ماتت بتلك الطائرة ولم تُوضع بهذا الموقف: "فريد اهددي ارجووك أنا آية.... الله يخليك أبعد... أنا السبب.. مكنش ينفع أضايقك بكلامي."
وجدت ملابسها تتمزق بوحشية، لم يكن هذا فريد أمامها، فلم يكن سوى وحش كاسر أراد الانقضاض على فريسته. حاولت أن تُلملم أطراف ثيابها وهي تبكي بتوسل ألا يفعل ذلك.
"فريد فوووق... أنا آية الله يخليك متعملش فيا حاجة وحشة... فريددد." قالتها بصراخ وهي تصفعه بقوة عدة مرات كي يفوق حتى وقع أرضًا، بينما هي تراجعت للخلف وهي تحتمي بفرش السرير كي يستر جسدها.
تصلب هو مكانه يتأملها بصدمة وعدم تصديق من ما فعله معها، حاول النهوض وعقله يرفض ما فعله معها بوحشية، كيف مزق ملابسها وكاد على وشك أن ينتهك عرضها بهذه السهولة...!
حاول استجماع شتات نفسه ثم بدأ يهلوس بالحديث، يترجل يمينًا ويسارًا أمامها وهي تكاد أن تفقد وعيها من هول الصدمة، حتى صرخت بقوتها به كي يخرج من تلك الغرفة ولا يريها وجهه.
لم يتحمل رؤيته لها بهذا الضعف والتعب بسببه، اقترب مُحاولاً تهدأتها بعدما وجد جسدها يتشنج وهي تبتعد بفزع منه. ثوانٍ قليلة وابتعد بعينين باكيتين وهي تصرخ بهستيرية كي يخرج، ركض من الغرفة قبل أن تفعل شيئاً بنفسها. ثم جلس خلف الباب من الخارج، يلوي شعره بعنف ينظر بالفراغ بصدمة وعدم وعي من بشاعة ما فعله معها لمجرد رؤيته لوجه هذه الفتاة الحقيرة.
بينما بالداخل وقعت آية أرضاً تجهش ببكاء أخرجت به كل الأوجاع التي مرت بها.. تبكي وتبكي فقط.. تحاوط نفسها بيدها وكأنها تستمد الدفء التي افتقدته فجأة، تشعر بخواء يقتل روحها.. وخوف يداهم عقلها بشراسة، لم تعرف ما الخطوة القادمة، ولم تحاول التنبؤ بمستقبلها المجهول بعدما تغير وجهها بالكامل، بل حياتها وكُنيتها لم يعودوا مثلما كانوا... تركت نفسها للأيام حتى وإن كانت مليئة بعواصف تسحق هيكل تماسكها...!
***
إن كان الانتقام سيريح صدرك من العذاب فانتَقم، وإن كان الابتعاد عن الأذى سيجعلك تتعافى فابتعد، ولكن لا تؤذي شخصاً أنت لن تتحمل منه دعوة قد تصيبك وتنهي أجلك!
نهض زياد متحركًا من الفراش نحو المرحاض يغسل وجهه، ولكن عقله اليوم مُغيب بمكانٍ بعيد لا يعلم أين هو، يشعر كأنه مُقيد ومُلقى في الظلام، يشعر بدوارٍ شديدٍ يجتاح رأسه. خرج مُستندًا على الحائط ليصادف خروجه حركتها من المطبخ ورأته بهذا الشكل. اقتربت سريعاً نحوه وهي تسانده في وقفته: "مالك يا زياد انت كويس؟.."
أومأ لها رغم تعبه البادي على ملامحه بعد رجوعه من مقابلة ماهر: "أنا كويس يا تُقى، انتي واقفة في المطبخ بتعملي إيه؟!"
"بحضر الأكل، كفاية بقى دليفري لحد كده الواحد معدته باظت."
ابتسم يأخذها بين أحضانه بخوف كبير وهو يقول: "ربنا يخليكي ليا يا أحسن أخت في الدنيا."
نظرت له بحب لطالما رأت الحب والحنية عليها منذ الصغر، فهو أفضل أخ رأته، تعتبره أمها وأبوها وكل شيء في حياتها. شعرت بأنه يريد الحديث معها لذا حمحمت بقول: "انت عاوز تقولي حاجة صح؟!"
"بصراحة أيوه بس خايفك تزعلي." قالها بتردد يراقب نظراتها.
لترد هي بالمقابل: "لو الموضوع مستاهل زعل فهزعل آه، لكن زعلت أو مزعلتش في الحالتين هتقولي."
"أنا عاوزك تسيبي شغلك وتقعدي في البيت، انتي الحمد لله مش محتاجة حاجة وموفرلك كل حاجة وأي حاجة بتطلبيها وهتطلبيها بلبيها لك، فإيه لازمة الشغل؟!"
توسعت عيناها بصدمة لتردف بضيق: "زياد أنت سبق وكلمتني في الموضوع وأنا رفضت، أيوه الحمد لله انتي موفرلي كل حاجة، بس أنا مش بشتغل عشان الفلوس قد ما بشتغل عشان شهادتي ودراستي ومجهودي طول السنين دي في الهندسة عشان أنجح في حياتي وأبقى مستقلة مش عشان أقعد في البيت يا زياد."
"يا تُقى أنا خايف عليكي." قالها زياد بخوف حقيقي من أن يمسها أي ضرر ولم يستطع إنقاذها وفقدها!
"يا حبيبي خايف عليا من إيه بس، أهدي أنت بس وتعالى أنا محضّرة لك شوية أكل إنما إيه."
جذب يديها بحنان وهو يقول: "خايف أخسرك وتبعدي عني زي عليا!"
تعكّر مزاجها فور ذكر اسمها لتقول وهي تتنهد بقله حيلة: "زياد أنا مش صغيرة عشان تقارني بعليا! عليا كانت تستاهل اللي يجرالها، ربنا يرحمها.. الميت ميجوزش عليه إلا الرحمة."
"حرام عليكي دي أختك.. لي بتتكلمي عليها كده."
"علشان أنا مش زيها ولا عمري هبقى زيها يا زياد.. عليا كانت إنسانة طماعة وأنانية.. خانت جوزها بسبب طمعها في الفلوس وجرت ورا واحد وهي ست متجوزة وفي الآخر سابها ولا سأل فيها... ده كان عقابها وارجوك متفكرنيش بيها تاني.. مش عاوزة افتكر الماضي."
"ليه بتسميهااا خيااانة هااا؟!! عليا حبت الشخص ده وبلغت جوزها بالحقيقة يعني مخدعتوش، ثم بعدين لو هو فعلاً كان بيحبها كان سامحها لما راحتله وقعدت تتوسله أنها ترجعله وطردها وفي الآخر انتحرت بسببه ي تُقى!... هو السبب في موتها."
"انت مصدق نفسك ومصدق اللي بتقوله؟!!.. دي أقل حاجة كان ممكن يعملها بعد اللي عملته فيه عليا بعد ما ضاعت منها الفلوس اللي كانت طول عمرها بتحلم بيها وعايشة عشانها وعرفت في النهاية إنها متحبتش ولا حد قبلها بعيوبها إلا فريد وفي الآخر عاوزة يرحب بيها ويرجعها على ذمته بعد خيانتها!!!"
"انتي مع اختك ولا معاه!"
"أنا مع الحق يا زياد وانت عارفه كويس وبتكابر ومُصر تطلع فارس قاتل أختك وتدمره، انسي عليا وانسى موضوعها وابدأ صفحة جديدة."
"أنا مش هيهدالي بال إلا لما أدمر كل اللي كان سبب ولو بسيط في موتها يا تُقى.. أنا وعدتها وهي بتتكفن إني هجبلها حقها منهم كلهم وأنا قد وعدي ليها." قالها زياد بحقد وغل يتذكرهم واحدًا تلو الآخر.
بينما هي صاحت به بضيق وعدم تصديق من الحقد التي تملّك منه وأعماه عن الحق: "ده انت خلاص اتجننت رسمي...! علياااا انتحرت محدش موتها افهم بقيييي ي أخي، بلاش الحقد والغل اللي ماليك تجاه الناس بدون سبب."
قالتها تُقي مُنفجرة من تصرفات أخيها هذه الأيام وهي تشعر بغرابة وكأنه يُخفي عنها الكثير. ثم رحلت من أمامه في غضب، بينما هو كان أشد غضباً كلما تذكرها، فكانت هي أخته المفضلة التي طالما راعاها واهتم بها كأبيها، ثم فجأة يفقدها بهذه السهولة، لذا منذ ذلك اليوم وبداخله الانتقام يتولد تجاه كل من مسها بضرر يتوعد لهم جميعاً.
***
حملت شنطتها الخاصة ثم نزلت بأمر منه. ثم جاء خلفها بشنطتها التي تحمل بها ملابسها ليقول بمرح مُحاولاً تخفيف توترها: "كل ده لبس ليومين تلاتة؟!... إيه ناوية تكملي قعدة عند عمتي..!"
ابتسمت يارا ترد بمرح أكثر: "عاوزة أقولك دول مش هيكفوني اليومين تلاته اللي بتتريق عليهم دول!"
"- ليه بتعملي إيه في اللبس!"
"- بلبسه فوق بعضه.!" قالتها بضحك على هيئته.
ثم أكملت: "يلا بينا دلوقتي قبل الليل."
أومأ لها ثم قاد سيارته وهي بجانبه تتفحص هاتفها كل خمس دقائق بتوتر. ليلاحظ هو ذلك.
"مالك متوترة ليه؟!"
"الساعة 7 من ساعة ما ركبنا يا شادي ومش راضية تتغير!"
"وايه اللي موترك عادي يعني! أكيد في مشكلة في تليفونك."
أومأت بالرفض وهي تقول: "لأ فيه حاجة غلط، قبل 6 كان تمام من ساعة ما جت 7 وهي واقفة، ممكن تشوف الساعة كام في فونك معلش."
أومأ لها بتعجب حائر يحمل هاتفه ثم نظر لها يحاول كتم توتره هو الآخر ليقول بإندهاش: "الساعة 7."
"ازااي ده!! أول ما ركبنا العربية كانت 7 يا شادي صدقني..! واحنا ماشيين بقالنا ساعة في العربية شادي أنا خايفة أوي فيه حاجة غلط، حاسة بخطر وأن حاجة هتحصل." قالتها يارا وهي تبكي.
ثم شهقت بفزع أكثر وهي تنظر للخارج من شباك السيارة لتجد مكان غريب يقود به.. مكان لا تعلم أين يوجد على الخريطة.
"شااادي بص كده."
نظر شادي حوله بصدمة من هذا المكان ثم قال وهو يحاول إيقاف سيارته مُتوقعاً أنه قد أخطأ بالطريق، لكن وجد سيارته تسير ولم يستطع التحكم بها وكأن أحد آخر يقودها. رأت ذلك يارا لتصرخ وهي تحاول فتح باب السيارة ولم تنجح في ذلك: "أنا قولتك ي شااادي فيه حاجة غلط... فيه حاجة هتحصلنااا ي شادي أنا خاايفه اوووي."
ف شادي رغم خوفه الواضح هو الآخر لأن هذا لم يحدث معه من قبل، فهذه أول مرة يتعرض لهذه الأحداث. جذب يدها التي كانت تتحرك عشوائياً نتيجةً لخوفها يقول بهدوء عكس ما بداخله: "متخافيش أنا معاكي... شش اهدي كفاية عياط."
قالها ثم أُغلقت عيناه فجأة وبدأ يرى أشياء غريبة وأُناس.. صورة مُشوشة لم يتعرف عليهم. صرخت يارا به مُعتقدة بأنه قد غفى لتصطدم به وهو يقول: "متخافيش أنا مش نايم.. فيه حاجة بشوفها بس مش عارف مين دول."
"مين دول إيه!!... بتشوف مين...! أنت بتقووول إيه ي شادي.. أنا مش فاهمة حاجة..!" قالتها بإنهيار وهي ترى ذاك المكان المليء بالأشجار ومُحاط بالمياه من جميع الاتجاهات حتى توقفت السيارة فجأة ليُفتح باب السيارة ثم وقع شادي أعلى حجر ضخم كان يوجد على مقربة منهم.
صرخت يارا بفزع وهي لا تعلم ما هذا الذي يحدث حتى لم تشعر بنفسها إلا وهي تخرج تركض إليه تجثو على ركبتيها تحاول إيقاظه ببكاءٍ: "شادي فووق حرام عليك.. متسبنيش لوحدي هنا... شااادي." قالتها برعب وهي تجول بنظرها بهذا المكان الذي يشبه الجزيرة ولم يوجد بها أي شخص سوي هم، حتى انتفضت من مكانها بفزع عندما وجدت رجلاً مسن يقف أمامها ويحمل عصاه تُضيء في يديه وهو يقول بصوت أجش ورخيم: "من أنتم وكيف آتيتُم إلى هُنا...!!"