تحميل رواية «ساعة الانتقام» PDF
بقلم دينا اسامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ظلام دامس يعم المكان حولها، جالسة هي على الأرضية تشعر بالدماء السائلة التي تغرق يديها وملابسها. حينما فتحت عينيها التائهتين لترى ما هذا الذي يسيل حولها، فُزعت من هول الصدمة وهي تنتفض من مكانها وكأن التبسها جني. وما زاد فزعها رؤيتها لصديقها وحبيبها المدعو سمير. صرخت، لا تدري لماذا، بأنها ستقع لا محالة في هذا الفخ الذي وقعت فيه. حتى وجدت من يكتم أنفاسها من الخلف ويسير بها من هذا المكان بأقصى سرعة. ظلت تركل من يحملها ويكتم أنفاسها. جاء بمخيلتها أنه من قتل سمير ثم يريد قتلها هي الأخرى. لكنه فجأة أدخ...
رواية ساعة الانتقام الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دينا اسامة
شهقت يارا بفزع وهي تهز جسد شادي المُلقي ولم يستجيب لها حتى ارتعدت أوصالها عندما عاد سؤاله بصوته الرخيم الغليظ:
– هيا تحدثي. كيف آتيتم إلى جزيرتي ومن سمح لكما!
جالت عينيها الباكيه إلى تلك الجزيره التي تحدّث عنها، فكان مكان غريب لم ترى مثله من قبل حتى أنها شعرت بأنه ليس عالمهم وكأنهم آتو إلى عالم آخر من هيئة ذلك الشخص وملابسه الغريبة.
– يا شاادي الله يخليك قوم متسبنيش مع الراجل ده.
قالتها بصوت خافت توقعت أنه لم يصل إليه حتى أنها وجدته يردف بتهكم تحذير:
– احذري ي فتاه من غضبي الذي سيحل بكم إن لم تخبريني من أنتم وكيف آتيتم إلى هُنا!
– هو حضرتك مش عارف غير الجملتين دول تقولهم علشان توترني بيهم!
– ماااذا!
قالها ذلك الرجل بغيظ من فذلكتها وطريقتها التي لم يفهمها لترد هي، وهي تخبط رأسها ببكاء:
– يادي المصيبة.. انت كمان مش فاهمني!
ابتلعت ريقها ثواني ثم تحلت بالهدوء وهي تقول مُتسائله:
– حضرتك تطلع مين! اقصد يعني اسمك إيه!
– كيف تتحدثي معي بهذا الأسلوب السخيف ي فتاه!
مسحت جبينها الذي امتلئ بالعرق من الخوف ثم راحت تقول:
– اعتذر سيدي… ماذا تُدعي!
– انا الساحر العظيم دراكو مالفوي.
قالها بكبرياء وشموخ لكن ما زال مُنزعجًا من وجودهم دون علمه، ومن الواضح أنهم لم ينتموا لهذا العالم.
وفور ذكر هويته شعرت يارا بغثيان وهي تردد داخلها:
– سس.. س.. ساحر!
– نعم ساحر وليس كأي ساحر… بل أنا الأعظم قادرًا على تحويلك إلى حشرة صغيرة إذا أردت.
– ابوس ايدك متعملش كده ده احنا غلابة.. احنا منعرفش جينا هنا إزاي، كنا مسافرين بعربيتنا وفجأة لقينا العربية وقفت بينا هنا ومنعرفش إيه المكان ده.. مكان غريب اوي.. شكله غريب علينا.
تفحصها هي وذاك الشاب جيدًا ليقول وقتها بتساؤل:
– ما اسمائكم؟
– أنا يارا وهو شادي بس ارجوك هو تعبان ومغمي عليه… حضرتك تقدر بقوتك تفوقه!
– اتسّتخفين بقدراتي ي فتاه!
أومأت له رافضة بخوف لينظر إلى ذاك المُلقي على الأرض ثم أدار تلك العصا التي كان يحملها إليه حتى أنها برزت نورًا ساطعاً، وفور انطفاء النور…
بدأ شادي يفوق وكأنه كان نائمًا، ينظر لذاك المكان بصدمة ثم وجد يارا التي فجأه احتضنته بفرحة وهي تقول:
– الحمد لله إنك فوقت… أنا كنت خايفة يجرالي حاجة لوحدي.
ورغم صدمته بهذا المكان وذاك الرجل الضخم الذي كان يقف أمامهم يُتابعهم بشموخ، ابتسم من جملتها وهو يزيد من احتضانها يُهدئها حتى أنها ابتعدت عنه بخوف وهي تُعرفه على هذا الرجل الذي ظهر لهم ثم أنهت حديثها وهي تقول بقله حيلة:
– بيقول أنه ساحر واسمه غريب اوي ي شادي. وحتى المكان ده أغرب.. أنا مش عارفة يطلع إيه ده.
– هذا ليس عالمكم. هذه الجزيرة الجوراسية تقع في عالم موازي لعالمكم.
توسعت عينا شادي بصدمة وهو يقول:
– وايه اللي جابنا هنا!
– لا أدري.. لكن طالما آتيتم إلى هُنا فهذا العالم يُريد أخباركم بشيء، ولم تستطيعوا الخروج حتى إن أُذن لكم.
– يعني إيه… يعني هنفضل محبوسين هنااا! لأ مش ممكن يا شادي. تصرف ابوس ايدك.
– طيب مش حضرتك ساحر، تقدر تخرجنا من هنا بكل سهولة!
– هذا مُستحيل! … سبق واستخدمت سحري في إخراج فتاة وشاب مثلكم من هُنا وبالفعل نجحت في ذلك لكن بعد ذلك عُوقبت بالسجن لمده مائه عام.. لكن الفرق الوحيد بينكم وأنتم وهم أنهم كانوا ينتمون لهذا العالم لكنهم أرادوا أن يتحرروا ويتجولوا بالعوالم الموازية.
لم تستطع يارا إدراك أو استيعاب كل ما يقوله حتى أنها تعبت وفقدت وعيها بين يدي شادي الذي شهق بفزع يربت على وجهها كي تفيق، لكنه أعاد بصره لذاك الساحر يقول بتوسل:
– ارجوك ساعدنا.. احنا منعرفش حاجة هناا وبعدين اللي اتكلمت عنهم ده كان عالمهم وانت اتعاقبت علشان خرجتهم برا عالمهم لكن احنا ده مش عالمنا… عايزين نطلع من هنا.
– ليس في مقدرتي أن أفعل ذلك… الآن لا بُد أن تتصرفوا مثل سُكان هذه الجزيرة… سأريكم وجهتكم ثم بعد ذلك تجولوا وستعلموا بمفردكم لِما آتيتم إلى هُنا.
شعر شادي بأن هذه ستكون حياتهم لا مفّر ولن يخرجوا من تلك الجزيرة أو هذا العالم مُطلقًا.
***
بينما بعد رحيل زياد، كان يجلس ماهر بذاك المطعم بمفرده إلى أن طلب من صديقه مُهاب أن يأتي على الفور، استجاب له وقد آتى بالفعل، اتجه إليه يجلس أمامه بتعجب وهو يقول:
– مالك ي ماهر صوتك مكنش عاجبني، خير فيه حاجة في شغلك!
نظر له ماهر بمشاعر مُختلطة، جانب منه يُود أن يحكي له عن كل ما في قلبه والجانب الآخر يرفض بشموخ كعادته، لكنه بالأخير استسلم مُقررًا أن يحكي له، فهو صديقه الوحيد والذي يثق به إلى أبعد الحدود، وبعدما أكمل حديثه توقف مُتنهدًا يقول:
– طيب وشهد اللي بتتكلم عليها دي ما تحاول تهددها بأي حاجة علشان تتكلم، دي مش جديدة عليك برضو ي ماهر، الموضوع سهل أنت اللي مكبره!
ابتسم ساخرًا من صديقه ليقول:
– متهيألك ي مُهاب، مش شهد اللي حد يهددها، أنا قابلتها كذا مرة وعرفت أنها مش سهلة ومش بتخاف حتى، وفي حاجة مقوياها إيه هي مش قادر أعرف تخيل؟!!.. تخيل ماهر الطوخي بعد كل السنين والنجاح اللي حققته في مجالي ياجي عليا يوم قضية تضيع من إيدي علشان مش عارف أحبها وأمشي فيها!!!
راقبه مُهاب بتعجب وحزن قليل من ملامحه الحزينة لأول مرة، شعر بحزنه وتوتره وقلة حيلته ليقول مُحاولاً التخفيف عنه:
– متقولش كده ي ماهر أنت قد الدنيا وهتفضل قد الدنيا، لو أنت نسيت أنت مين، أنا مش ناسي ولا الداخلية كلها ناسيه مين ماهر الطوخي، أنت بس حاول معاها تاني طالما مستجابتش بالذوق يبقى أستخدم العنف صابر عليها ليه!
– مقدرش أعمل كده ده مش أسلوبي في التحقيق ي مُهاب وبعدين يوم ما حاولت فشلت بسبب اللوا جمال.
– ليه حصل إيه!
– طلع يعرف والدها، والدها كان العقيد خالد عبد الرحمن الجبالي بصراحة كان حد مهم وكويس جدًا فمنعني وقتها ومن بعدها وأنا مش عارف مالي تايه ي مُهاب تايه.
قالها ماهر يحاوط رأسه بتضجر وحيرة. لكن عندما رد مُهاب بشيء نظر له بُرهة بتفكير ثم هتف بحماس:
– أكيد ليها سكة البنت دي، شوف حد من خلاله توصلها، أنت مكبر الموضوع حبتين، وأنا معاك في أي حاجة.
– تعرف ي مُهاب كانت الفكرة دي تايهة عني اوى!
– فكرة إيه!
– فاكر البنت اللي كنت أنت وطنط معزومين عندهم اللي عجبتك ي مُهاب؟
– آه تقصد ريم بنت طنط ورد؟
– أيوه هي دي بعينها.
– طيب ودي إيه علاقتها بشهد!
قالها مُهاب بتعجب ليرد ماهر على الناحية الأخرى:
– بنت عمها وحاليًا هما قاعدين مع بعض في نفس العمارة يعني سهل اوي نوصلها من خلالها.
– من خلالها إزاي؟ تقصد إيه!
– مش البنت دي كانت عجباك وعاوز تخطبها؟ حاول تعجّل بالموضوع ده الله يكرمك دنيا وآخره وتبقى عملت معايا الواجب واكتر.
– أيوه بس.
قالها مُهاب بحيرة وتردد ليرد ماهر بعدم فهم:
– بس إيه؟!..
– اصل انا بصراحة يعني بقيت مش ميّال ليها، قابلت واحدة امبارح عجبتني.
– نعم ي اخويااا…!
قالها ماهر بصدمة ليرد هو:
– مش عارف والله بس انا كل ما بشوف بنت بتعجبني عن اللي قبلها معرفش ده إسمه إيه!
– ده إسمه قلة أدب وفراغة عين ي مُهزء. أنت صاحبي أنت!
– ماهر مش بهزر معاك بجد، انا فعلاً عندي مشكلة، ده مش حب لأني كل ما بشوف بنت بتعجبني، مش عارف اكون أسرة بسبب الشعور اللي جوايا ده.. خايف اتجوز ويحصل مشاكل بعدين بينا ونطلق بسببي.. عارف انا بقيت متأكد إني مينفعش اتجوز اصلاً مين هيقدر يستحمل العادة دي فيا!
راقب ماهر ملامحه بحزن وقلة حيلة فهو يعلم صديقه جيدًا وأن بالفعل هذه عادة به منذ الصغر لذا رد:
– بص انا بصراحة مش عارف أقولك إيه في مشكلتك دي بس كل اللي هقدر أقولهولك أن لسه أنت كده محبتش وحد لمس قلبك، نصيبك لسه مجاش ومتستعجلش لسه العمر قدامك… حاول تشغل نفسك بأي حاجة عقبال ما تلاقي شريكة حياتك.
انتهى من حديثه مُبتسمًا ليرد مُهاب بتعجب من حديث ماهر:
– تعرف ي ماهر إيه اللي مخليني أعزب لحد دلوقتي!
– إيه ي حيلتها؟!
– إنك صاحبي..!
قالها مُهاب مُنفجرًا من الضحك على هيئة ماهر التي تبدلت عيونه للون الأحمر ينظر له بعصبية وغضب يلكمه في وجهه:
– ي أخي الواحد كان مُشتاق إنه يضربك ضرب من اللي قلبك يحبه.
– ي جدع اتهد بقي… على ايمتى والاقي واحدة تهدّك علشان استريح.
– معاش ولا كان، ده بُعدك.
– خلينا بس في موضوع ريم انت تقصد إيه من كلامك؟
أعاد جسده إلى الخلف مُستندًا على الكرسي يقول بعمق:
– تروح أنت والحاجة تقعدوا معاهم وابدأ في مشروع الخطوبة ومن هنا أنا أعرف أصل لشهد.
– هتعرف إزاي! ي جدع انا مش فاهم منك حاجة!
– أنت تتفق معاهم وتروح أنت والحاجة وتاخدني معاك في اليوم ده ومن هنا هتبدأ القصة.
– واخدني معايا بمناسبة إيه لا مؤاخذة!
– بمناسبة إني أخوك في الرضاعة!
انت هتستعبط فوّوق كدده… صديقك الصدوق اللي مش بتعرف تخطو أي خطوة من غيره… ودي حقيقة مش هتكدب فيها وسيب الموضوع عليا، ها رأيك إيه!
– رأيي إني اتبري منك ومن دماغك ي ماهر… أنت ناوي ع إيه!
قالها بحيرة من أمر صديقه عندما يبدأ في وضع الخطط ليبتسم ساخرًا، حاملاً كوبًا من المياه يقول قبل أن يرتشف منها:
– كل خير ي صاحبي.
***
بينما كانت شهد تتجول بشقة عمها حتى تصل ريم. فهي حقًا خائفة بعدما علمت بشأن وجود أجهزة تصنت بشقتها وخوفها الأكبر أن تكون مُرشقة بكل العمارة. شعرت بخوف وظلت تُعنف نفسها على كل ما فعلته وكذبها كل مرة. تمنت لو تُخبر أحد بكل الحقيقة وما تعلمه، لكن هذا زياد يقف عائق كل مرة!
انقبض قلبها واخذت ترتعش عندما سمعت صوت خالد الذي كان يراقبها منذ أن أتت وهي بهذه الحالة حتى أنها لم تلاحظه بتاتًا:
– مالك ي شهد؟.. متوترة من إيه!
– حرام عليك ي خالد مغيرتش عادة إنك تخضني كل مرة كده!
– عفكرة أنا هنا من بدري وانتي ولا دارية بيا، اهدي كده واقعدي فهميني مالك.
– صدقني مفيش.. هو بس كل المشكلة حلمت حلم مش أحسن حاجة.
تنهد بعدم اقتناع لكنه لم يريد أن يضغط عليها، ليتسطح أعلى أحد الكراسي بحيرة لاحظتها شهد التي اقتربت تجلس أمامه وهي تقول بتعجب:
– أنت اللي مالك!
– شهد كنت عاوز اتكلم معاكي شوية… أنتي اكتر حد هيفهمني.
تسرب القلق داخلها من لهجته ثم أومأت على الفور وهي تقول:
– أكيد طبعًا ي خالد، هقوم اعملنا شاي.
منعها خالد يقول:
– مش عاوز اتكلم معاكي هنا، برا أفضل، أنا هنزل استناك في العربية عقبال ما تجهزي نفسك.
قالها ثم رحل من أمامها تنظر له بإندهاش من ما يود قوله.
استأذنت من أمها التي كانت تجلس جوار ورد لترد هي:
– طيب متتأخروش علشان عاوزة اتكلم معاكي شوية.
أومأت لها ثم اتجهت إلى شقتهم ترتدي على السريع، وبعدما انتهت، سارت إليه تركب جواره ليصل بها إلى أحد الكافيهات، جلسوا سويًا بعدما طلبوا فنجانين من القهوة لتبدأ هي الحديث وقتها بعدما لاحظت تردده:
– ها ي خالد انا سمعاك… شكلك مش مريحني. طمني من فضلك.
احتسى بعضًا من القهوة يحاوطها بين يديه وهو يقول وما زال مترددًا في لهجته:
– بصي ي شهد أنا مش هخبي عليك حاجة.. أنا طول عمري بعتبرك زي أختي ومصدر ثقة واكتر حد بيفهمني من غير ما أتكلم فعلشان كده حبيت أحكيلك عن حاجة شاغلة بالي وأشوف رأيك.
أومأت له بتوتر أكثر ليحكي هو وقتها وهي تسمع بأذن صاغية:
– أنا من زمان أوي وأنا حاسس بشعور غريب تجاه ريم، عارفه شعور اللي هو خايفة على حد أوي وبتغيري عليه وعايزاه دايماً جنبك، طول عمري بحس بالإحساس ده وكنت بقنع نفسي أن ده ما هو إلا اهتمام وأنها بالنسبالي زي اختي لكن أنا لحد قريب وأنا حاسس بالمشاعر دي تجاهها بس من ساعة ما قابلت صديقة ليها اسمها هنا ومشاعري دي اختفت ليها وحسيت أنها عادي وبقيت مش بركز معاها زي الأول في الرايحة والجاية وحاليًا بقيت أكنّ المشاعر دي لهنا حاسس إني عاوز أشوفها اتكلم معاها أكتر، حتى لما شفت أخوها بيضربها قدامي مسكت نفسي بالعافية وكان هاين عليا أمسكه أديله علقة موت بس منعت نفسي، أنا مش فاهم ده تفسيره إيه؟!.. أنا كده بحب مين فيهم.. أنا حاسس إني بحب الاتنين!.. رغم إني مقابلتش هنا غير مرتين تلاته لكن حاسس إني أعرفها من زمان..!
– مفيش حاجة اسمها كده ي خالد، مفيش حاجة اسمها تحب اتنين، ممكن يكون خوفك وغيرتك على ريم ما هو إلا حب أخوي أنت فهمته غلط طالما الشعور ده اختفى بعد ما شفت صاحبتها.
قالتها ريم بتفمعن بعد سماع ما قاله تنظر له بحيرة من أمره ليرد هو بنفس تلك الحيرة:
– طيب ما ممكن تكون هنا نزوة في حياتي ومجرد إعجاب!
– أنت عارف أنت حبيتها ليه او اعجبت بيها لي؟
أومأ بالرفض لتقول هي:
– يبقى ده الحب ي خالد، أصدق حب إنك تحب حد ومتعرفش أنت حبيته ليه، والأيام الجاية هتبين مين فعلاً حبك الحقيقي فيهم.
– ياريتني كنت واخد الأمور ببساطة زيك ي شهد.
ابتسمت بسخرية وبداخلها خلافات ونزاعات لا تُعد تدفنها فقط لا تعلم متى ستتحدث وتخبر الجميع بكل ما يشغل بالها لكنها تشعر بأن ذلك قريبًا جدًا.
***
عاد فريد من الخارج بعد عدة ساعات حتى تهدأ قليلاً ويتحدث معها، دلف يخطو بهدوء ينظر بكل الغرفة لكن لم يجدها، انقبض قلبه وهو يترجل إلى المرحاض حتى وقع بصره عليها جانب السرير فاقدة الوعي وما زالت بملابسها المُمزقة بسببه، ركض إليها وقلبه يعتصر خوفًا يجثو على ركبتيه مُحاولاً إيفاقتها التي باتت بالفشل، أسرع بإحضار كوب ماء لينثره على وجهها، ثم أحضر زجاجة عطره الخاص وقربها من أنفها، وبعد دقائق من محاولة إيفاقتها، فاقت وهي تهذي بهذه الكلمات التي مزقت قلبه:
"ياريت كنت موتت… ياريت كنت موتت في الطيارة…"
ضمها إلى صدره يلتقط أنفاسه، يقول بنبرة صوت عاطفية، حنونة صادقة هذه المرة:
"أنا بحبك"
– ليه أنا؟
قالتها آيه بعدم وعي وهي تظن بأنه ليس إلا حلم جميل لم يتحقق.
– لأنِك أنا.
– من امتى؟
تنفس بعمق وهو يقترب منها رغمًا عنه، كما لو أنه يشعر بقوة ما أو جاذبية في عينيها الغزاليه، تشبه المغناطيس تجعله يتيه فيها دون وعي.
"لا أعلم، ولكني أحببتُك وحسم الأمر"
ساد الصمت لدقائق، ليعلو صوت أنفاسه المضطربة بعد اعترافاته، وكأنه يحاول استيعاب ما باح به للتو، بينما آيه كانت تنظر له بعدم وعي حتى وقعت بين يديه ثانيًا مُبتسمة، حملها بين يديه بهلع بعدما ستر جسدها ببعض الملابس يقف يترجل أمامها بتوتر لا يعلم ماذا يفعل حتى شرد قليلاً يعود بذاكرته إلى الوراء:
فلاش باك
– استحالة آكل حاجة النهارده ي بابا بعد اللي عملته، أنت زعلتني منك اووي!.. أنت ضربتني ي بابا!
– ي بنتي حرام عليكي انتي مأكلتيش حاجة من الصبح بلاش تعاقبيني بالطريقة دي، أنا اهو قدامك اعملي ما بدالك بس كُلي وريحيني.
– أنا مصدومة فيك ومش قادرة اتخيل إنك تعمل فيا حاجة زي كده.. تجبرني إني اتخطب لشخص معرفوش ولا بحبه كل ده ليييه هااا؟!… علشان شغلك؟! في داهية الشغل لكن ليه تعمل فيا كده!
– سمير هيحافظ عليكي وحد مهم وهترتاحي معاه ي آيه أنا أدري، أنا ابوكي وأكتر حد عارف مصلحتك فين.
– يعني مش مصلحتك أنت؟!.. عاوز تفهمني إنك مش مستفيد من الخطوبة دي؟!
قالتها ساخرة وهي تبعد بصرها عنه بألم تحاول كبت دموعها التي ملأت وجهها.
– هيطلعولك الأكل ي آيه كُلي علشان خاطري الأول وبعدين نتكلم.
قالها مُتفاديًا الرد عليها حتى رحل ثم بعد دقائق جلب لها خادم القصر طعامها الخاص يقول بإحترام:
– آيه هانم سليم بيه منبه عليا إنك تاكلي ومنزلش إلا لما تاكلي قدامي.
– خد الأكل معاك لأني مش هدخل حاجة في بطني النهارده وياريت تسيبني لوحدي.
– طيب لو قولتلك علشان خاطري!
آتها صوت فريد من الخلف الذي كان يتابع هذه الأحداث بهدوء لتنظر هي إليه وهي تقول بثبات:
– قولت مش هااكل يعني مش هاكل.
اقترب منها بعدما شاور لذلك الخادم بأن يرحل لتبعد هي وجهها عنه تقول بعصبية:
– فريد سيبني دلوقتي مش عاوزة أشوف حد ولا أتكلم.
– اهدي ي آيه هانم، الموضوع بسيط متعقدهوش.
– ما طبيعي حضرتك تقول كده مانت شغال عنده مين يشهد للعروسة..!
قالتها بلهجة ساخرة ثم اقتربت من تسريحتها وهي تجلس تبدأ في نزع مجوهراتها التي كانت ترتديها ثم حملت ذاك العقد المرصع بالالماس الذي جلبه أبيها إليها حتى ألقته بعنف ثم بعد ذلك أشاحت كل ما يوجد على تسريحتها بانهيار صائحة:
– اخرج براا ي فريد… ارجوك اخرج دلوقتي مبحبش حد يشوفني بالحالة دي.
اقترب منها بصدمة من ما فعلته وتهورها ليقول بهدوء:
– آيه هانم بلاش تكبري الموضوع، أنتي من شوية كنتي مُتفهمة الوضع، جرالك إيه تاني!
– جرالي اللي جرالي.. أنت مااالك أنت هااا… أنت تطلع مين….!
– مطلعش حد ي ستي بس اللي بتعمليه ده غلط وجنان.
– لو مطلعتش دلوقتي هوريك الجنان اللي على أصوله… اخررررج.
طال النظر إليها بعدم فهم لِما تفعله حتى وجدها تكسر كل ما في غرفتها بتهور حتى أنها كانت تؤذي نفسها فقدمها قد انغرست بالزجاج المكسور وبدأ الدماء يسيل وهي لا تعي ذلك، ينظر هو بصدمة من حالتها الجنونية التي لم يشهدها من قبل، اقترب بضع خطوات إليها كي يحملها من ذلك المكان بعدما وجد قدميها المصابة لكنها منعته بالقوة بعد أن لكمته في صدره بعنف أصدر عنه تآوه بسيط لكنه زفر بقوة يحاول السيطرة عليها، فكانت تتملص منه وهي تصرخ وكأنه يريد قتلها، لا تريد رؤيته هو أو غيره حتى توقفت عن ما تفعله بعدما صفعها بقوة جعلتها ترتمي أعلى فراشها.
– اهدييي بلاش جنون بقي..!
أنهى صفعته بهذه الكلمة التي لم تعيها هي بعد فعله الشنعية بحقها، فكيف تجرأت على رفع يديها أمامها بهذه السهولة وبأي حق؟
كان داخلها شعلة تلتهب وتود قتله هذه المرة لكن حدث عكس ذلك عندما بدأت تبكي بصوت مرتفع، ابتلع تلك الغصة المرة بحلقه بعدما شعر ببشاعة ما فعله ولا يوجد له أي حق بضربها أو لمسها حتى، تيبست قدماه يراقب حالتها بوجه مصدوم، كان يتمنى وقتها أن تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن يفعل ذلك بها.
لم يفق من شروده وتأنيبه لنفسه إلا عندما وجدها تمسك زجاجة جانبها ثم ألقتها عليه بقوة دون تفكير.. فاصابت جسده ووقعت على الأرض فصارت قطع زجاجية صغيرة.. لكنه لم يشعر بالألم نظرًا لصلابة وضخامة جسده.
– اهدي ي آيه هانم.. أنا مُتأسف جدًا… حقيقي معرفش ازاي عملت كده بلاش تأذي نفسك أكتر من كده.
انفجرت آيه صارخة ببكاء:
– أنا بكرهكك… أنت تطلع مييين علشان ترفع إيدك عليااا هااا!
قالت جملتها تلك ثم هرولت راكضة من أمامه إلى أحد الغرف ثم أغلقتها ورائها وظلت تشهق بنحيب وصل لآذانه.. فهرول ورائها خوفًا من أن تؤذي نفسها.
طرق الباب بخفة مُردفًا بهدوء:
– آيه هانم افتحي الباب.. ارجوكِ عاوزة اتكلم معاكي.
– انت مبتفهمش بقوولك ابعد عني بقاااا.. غووور من هنااا.
أرخى فريد جبهته على الباب ثم هتف بنبرة حزينة:
– مش همشي ي آيه هانم… مش همشي غير لما تبطلي عياط.
كورت آيه قبضة يدها لتضرب الباب بقوة وهي تصرخ:
– انت مالك.. غوور من هنااا.. متبقاش زي اللازقة كده.. امشي بقاااا… أنا بكرهكك خلي عندك دم وامشي بدل ما اموت نفسي.
تنهد فريد بعمق ثم همس بضعف وخوف:
– هعمل كل اللي قولتي عليه بس بالله عليكِ تهدي ومتعمليش حاجة في نفسك..
ساد الصمت لدقائق.. فتسرب الخوف داخله.
طرق على الباب بخفة وهو يهتف بخوف:
– آيه… آيه هانم!
زاد خوف فريد فطرق بقوة هاتفًا بهلع:
– آيه هاانم افتحييي البااااب… عشااان خاطري افتحي الباااب… والله العظيم اوعدك مش هتشوفي وشي تااني بس افتحي البااب… آيه هاانم..!
كاد أن يدفع بجسده تجاه الباب كي يفتحه بالقوة..
ولكنه فوجئ به، يُفتح ببطء فاتسعت عينيه وشهق بدهشة شديدة من هول ما رأى.
وجدها قد غابت عن الوعي بطريقة أرعبته، لم يستطع السيطرة على نفسه أكثر، ركض إليها مُحاولاً إيفاقتها بخوف حقيقي، كان يختنق وقلبه يعتصر قلقًا بسبب فعلته، وجد سليم يصيح بصوت مرتفع وهو يضم آيه إليه:
– فررريد.. ااانت عملللت إإيه!
لا يعلم كيف يخبره بأنه ضربها وتطاول عليها!..ظل مكانه ثابتًا ينظر لها فقط حتى وجد سليم يحمل ابنته وهو يقول قبل أن يرحل بلغة جامدة لم يسمعها من قبل:
– فررريد أنا مسافر وهاخد آيه معايا لمدة شهر… تقدر دلوقتي تشوفلك مكان تاني الفترة دي عقبال ما أرجع.
قالها ثم رحل من أمامه بخوف عليها بينما وقع هذا الخبر عليه كالصاعقة بأنه لن يراها بعد الآن ويرحل من هذا القصر الذي تعلق به كثيرًا! كيف يتركها هذه المدة وهي تشعر بالغضب والحنق منه بعد فعله!
مرت ليلتان عليه وقلبه حزين، يريد رؤيتها لكنها ترفض ذلك.. ترفض حتى رؤيته قبل سفرها!.
وبعدما سافرت… لم يجد أي ضرورة لوجوده بالقرب من هذا القصر.. حتى حمل حقائبه وتواصل مع صديقته التي تُدعى جيسيكا كنديه الأصل لكنها تقيم في مصر مُنذ مدة حتى بالصدفة وجدها تقترح عليه أن يُسافر معها كندا هذا الشهر، وافق على الفور دون تفكير فهذا كان حلاً كي ينسى آيه قليلاً ولم يعلم أن هذا ما فعله ما يسبب آلام له في الوضع الحالي.
عاد من تلك الذكريات، يبتسم ساخرًا وما زال يقف أمامها وهو يقول بألم:
– تعرفي لو مكنتيش سافرتي في اليوم ده وبعدتي عن عيوني.. مكنتش هعرف عاليا من الأساس ولا كنت فكرت اتجوزها.
– أيوه انتي السبب… انتي السبب ي آيه، بعدتي عني من غير حتى ما تقابليني ولو لثانية اعتذرلك عن اللي عملته… حالتي بقت اسوأ بعد ما سافرتي، مقدرتش أعيش في مكان يفكرني بيكي ويفكرني إنك حب مستحيل بالنسبالي، كان نفسي الظروف كانت تبقى وقتها أحسن من كده ومكنتش هتردد لحظة إني أعترفلك بحبي ومن وانتي عندك 17 سنة… كتمت حبي ومعاه قفلت قلبي بعدك ويوم ما اتجوزت عاليا كان بسببك علشان ابدأ حياة جديدة وأنسيكي واتوقعت كده إني مش هشوفك ولا حتى هرجع لشغلي تاني مع سليم بيه لكن عدى أقل من شهر وطلبني وعرفت أنكم رجعتوا.. حاولت أرفض كتير لكن هو كان مُصر وجابلي طيارة مخصوص تاني يوم جوازي من عاليا نزلت بيها مصر ومن اليوم ده وأنا حاسس بمشاعر متلخبطة ما بينكم… ما بين حبي ليكي وأني خلاص بقيت لواحدة تانية حتى لو مش قادر أحبها بس واجبها عليا اني أحافظ عليها ومخونهاش حتى لو بالنظر، بعدت عنك، عاملتك بكل قسوة علشان أنساكي أكتر وطلعت أنا العبيط، كل ما كنت بجرحك أو بأذيكي بكلمة.. كنت بموت من جوايا وحُبك بيزيد في قلبي أكتر وطلعت عبيط أكتر لما اتجوزت واحدة خاينة زيها حافظت عليها واحترمتها وحاولت أعاملها بكل حُب ومودة وف الآخر تخوني وتهين رجولتي!… مبحبش سيرتها ولا اسمها ولا شكلها قدامي مجرد إني بفتكرها بيصعب عليا نفسي وبستحقر نفسي اوي ي آيه…. مكنتش لسه تعافيت ولقيتك قصاد عيوني البنت اللي حبيتها فجأة وشها اتحول لأكتر حد كرهته في حياتي!
تعرفي ي آيه يوم ما سألتيني أنت حبيت قبل كده! ورديت عليكي وقتها وقولتلك إني حبيت اووي وكرهتت اوووي..!
كنت أقصدك بحُبي! أنا حبيتك اوييي وكرهت عاليا اويي.
مشفتش أبشع من قدري ي آيه، يوم ما أخلص منها أشوف وشها كل يوم قصادي تاني، أنا خايف عليكي من شر نفسي مبقتش قادر أفرق بينكم.. خايف أخسرك تاني… لتاني مرة عاليا العائق ما بينا حتى ولو بوشها.. مش قادر أشوف وشها عليكي… بقيت عاجز ومقروف من نفسي اوي.
كان يُحدثها وكأنها أمامه تسمعه وتنصت له جيدًا لكن ما كان يُريحه أنها لم تسمع عن ما تفوه به، اقترب منها يزيل تلك الخصلة عن وجهها يتخيل فقط وجه آيه الحقيقي مُبتسمًا بحب وحنان مُتحسسًا وجهها الصغير بين يده حتى فجأة نهض من مكانه بعدما رأى وجه عاليا، أدار وجهه، يُحاوط رأسه بين يديه وداخله شعوران مُتناقضان كلما رآها… لا يعلم إلى أي مدة سيظل هكذا يحاول تعنيفها وتجاهلها حتى أنه حاول أكثر من مرة أن يؤذيها ولم يعي ذلك.. شعر بخوف حقيقي عليها من أن يفقدها بسبب جنونه كل مرة.
***
في ذلك الوقت كانت تُقي في غرفتها تتصفح ايميلها الخاص لتجد رسالة من الشركة التي تعمل بها فيها تنبيه للمهندسين الجُدد، فتحتها تُقي فوجدت أنه يجب على المهندسين والمهندسات الجُدد في الشركة التوجه إلى الغردقة للبدء بتخطيط مشروع عمراني جديد عبارة عن قرية سياحية.
تنهدت في نفسها بتوتر وهي لا تعلم كيف تُخبر أو تقنع أخيها بهذا الموضوع.
– ي رب أنا ما صدقت خلصت مشروع الدور التاني من المبنى الزفت ده علشان يطلعلي مشروع تاني محتاج سفر ونوم برا البيت..!
وجدت زياد وقتها يدق بابها حتى سمحت له بالدخول وهي تعتدل في جلستها تُحاول أن تتحلى بالصبر والهدوء كي تخبره.
جلس أمامها بعدما شعر بأنها تريد قول شئ من ملامح وجهها المضطربة:
– مالك وشك أصفر ليه كده!
– هو بصراحة أنا عاوزة اكلمك في موضوع بس بليز متمنعنيش زي كل مرة وسيبني أكمل كلامي للاخر.
عَلِم وقتها ما تود قوله لذا حاول أن يعيق حديثها بأي طريقة لكنه فشل عندما تحدثت بحماس عن ذاك المشروع وتلك الفرصة التي تود أن تثبت نفسها بها ثم أنهت وهي تقول بخوف من أن يرفض مثل كل مرة:
– صدقني ي زياد المشروع ده هيفرق معايا ومحتاجاه في بدايتي علشان أقدر أثبت نفسي متخافش عليا كذا زميلة ليا رايحين كلنا هنبقى سوا.
توقعت رفضه عندما رآته صامتًا ينظر بالفراغ بتفكير حتى مالت رأسها للأسفل بحزن ولم تشعر به إلا عندما وجدته احتضن كف يدها بين يديه بإبتسامة صافية يقول:
– وأنا موافق ي تأتأ ي قمر.
– احلف كده!
قالتها وهي تنظر له بصدمة من رد فعله حتى أومأ لها بضحك لتحتضنه وهي تقول بحفاوه:
– ربنا يخليك ليا ي أحسن أخ في العالم بحبكككك اويييييي.
ضمها إليه بحب، يربت أعلى شعرها بحنان وهو يقول:
– وأنا بحبك أكتر.
وافقها لكن بداخله يُرتب لفعل شئ كي يحميها بهذه السفرية، فلن يتركها بمفردها بهذه السهولة.
***
بينما قد حلّ الليل بشكل فعلي، كان يركض أكرم قاصدًا تلك الحديقة التي كانت بالقرب من منزله، كان يضع سماعات الأذن يستمع لبعض الموسيقى الهادئة، رغم سماعه للأغاني خاصةً القديمة، إلا أنه يحرص على الصلاة.. وليس معنى أنه ينتظم في الفروض أنه مُتدين!
الصلاة واجبة ومفروضة على كل مسلم ولا علاقة لها بالدين.
ظل يجوب الحديقة ركضًا وبعد ساعة شعر بالتعب فجلس على أحد المقاعد الخشبية يشرب المياه في تلك اللحظة التي رفع رأسه ليشرب، وقع بصره على فتاتان تجلسان تحت شجرة ظلها مُمتد وعدة كتب أمامهم، يبدو أنهم منهمكون في المذاكرة بجد.. ما لفت انتباهه تلك الفتاة التي كانت تضحك بصوت مسموع وصل لآذانه وهي تضع كفًا فوق الآخر… حتى وجد شاب مُتجه إليهم مُحاولاً مُضايقتهم وارتفعت أصواتهم، تابع ذلك من بعيد حتى وجد تلك الفتاة تصفعه بقوة ترفع سبابتها أمامه وكأنها تحذره من شئ.
تنهد هو من حال الفتيات هذه الأيام… يفعلون ما يحلو لهم ثم يقعون باللوم على الشباب وهم من يثيرون فتنتهم وغوثهم.!
ثم رحل بعد ذلك إلى منزله قاصدًا غرفة هنا يطرقها بخفة ثم بعد ذلك ولج بإبتهاج وهو يقول:
– الجميل عامل إيه دلوقتي.
ابتسمت له رغم انزعاجها من ما فعله مع ريم ولم يُراعيها هي حتى ثم قالت:
– الحمد لله، إيه كنت في النادي النهارده ولا إيه؟
– آه زي كل يوم المهم عاوز أقولك ع خبر حلو.
نظرت له بحماس واهتمام تقول:
– إيه هو!
– طالع الغردقة كمان يومين.. مشروع مهم اووي اووي ي هنا أنا والمهندسين الجُدد وأنا طبعًا رئيس المشروع ده هبقى معاهم خطوة بخطوة، إيه رأيك تيجي معايا تغيري جو الأسبوع ده؟
– ي حبيبي ألف مُبارك ان شاء الله يبقى أعظم مشروع وتنجح فيه… أنا لو عليا والله موافقة طبعًا بس مقدرش بسبب أن عندي الأسبوع الجاي كويزات، ي خسارة بجد كان نفسي.
– متقوليش كده تتعوض بإذن الله بعد ما تخلصي وهدلعّك.
– متحرمش منك ي أكرم.
حمحم وقتها وهو يقول بخجل طفيف:
– كنت عاوز أعتذرلك عن اللي عملته وأني مديت إيدي عليكي… صدقيني ندمان وزعلان من نفسي اني عملت كده بس اعذريني.
– بص ي أكرم أنا مش زعلانة على نفسي قد ما زعلانة على ريم واللي اتعرضتله هي وقريبها، ريم صديقة ليا من 5 سنين وعمري ما شفت منها حاجة وحشة وبجد نعمة الصديقة وأنت جرحتها وهنتها وكل ده ملهوش سبب ولا مبرر مهما تقنعني لأنك عارف ومتأكد أن كل الفيديوهات اللي كانت بتنتشر ليها على النت كانت مُفبركة وفي حد حاططها في دماغه وبيتمني الشر ليها ومع ذلك بتقاوح!
اخذ يؤنب نفسه قليلاً وهو يعلم جيدًا أنها مثل ما قالت له أخته لكنه لا يعلم لِما لا يرتاح لها مُنذ عده سنوات دون سبب فهذا ما يجعله يُعنفها دون سبب ليقول:
– بصي أنا مستعد عادي أعتذرلها هي وقريبها معنديش مشكلة طالما ده هيريحك.
– بجد ي أكرم؟
قالتها بفرحة وهي تمسك يديه ليومئ لها علامة الإيجاب وهي يقول:
– بس بإذن الله لما ارجع من سفريتي دي على خير.
رواية ساعة الانتقام الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دينا اسامة
جاء الصباح على الجميع، منهم السعيد والآخر حزين، وأكثرهم يفكر في الانتقام.
استيقظت تُقي باكرًا عن موعد عملها لتذهب إلى المرحاض، تأخذ حماماً منعشاً. وبعدما خرجت ذهبت إلى دولابها كي ترتدي زي الرياضة الخاص بها، ثم اتجهت إلى غرفة الرياضة للقيام بالتمارين الصباحية. وبينما هي تمر من أمام غرفة أخيها للذهاب إلى غرفة الرياضة، سمعت صوته بالداخل يتحدث مع فتاة ما:
"هي آه، ما تمتش المرة دي بس لازم تخلّصي عليها قبل ما تنزل مصر، انتي فاهمة؟"
توسعت عيناها من الصدمة. وعندما شعرت بخروجه من الغرفة، ركضت إلى غرفة الرياضة، تضع سماعات الأذن وتجري على المشاية الكهربائية. أمامها زجاج عازل مُطل على الحديقة الخلفية، مما يشعرك براحة نفسية رهيبة.
وبعد مرور ساعة، خرجت إلى غرفتها وهي تتذكر جملته وتعيد تصرفاته هذه الأيام في عقلها. كانت تشعر بغرابة وأنه يخطط لشيء شنيع منذ فترة، والآن تأكدت. لا تعلم ماذا تفعل، تذهب كي تواجهه؟ أم تتابع ما يفعله في صمت؟ وإلا إذا واجهته، فهي تعلم أخيها جيداً، سيُنكر كل شيء. وفوق ذلك، سيمنعها من الذهاب لعملها. وُضعت أمام خيارين ليس لهما ثالث.
وبينما عندما شرعت في ارتداء ثيابها، وجدته يطرق بابها. سمحت له بالدلوف وهي في قمة توترها، تنظر له لأول مرة بخوف بدا على ملامحها.
"انتي نازلة دلوقتي ولا إيه؟"
أومأت له دون كلام، وتتخيله أمامها ليس إلا قاتل، ليس إنسان. فهو مثل أختها عاليا، بداخلهم حقد وغل، أفعالهم شيطانية مثلهم. لا تدري كم مر من الوقت على صمتها ونظراتها المتهمة والمشمئزة.
اقترب منها بعدم فهم وتعجب من صمتها ونظراتها المصوبة تجاهه، وليس كأي نظرات. أحاط يديها بخوف وهو يقول:
"مالك ي حبيبتي، حصل إيه؟"
"أبداً مفيش، اتأخرت على الشغل النهارده. ممكن تسيبني أكمل لبس."
"تُقي، أنا زعّلتك في حاجة؟"
"ليه بتقول كده!"
قالتها بسخرية متفادية النظر إلى وجهه، ليقف هو أمامها يهز يديها بإصرار:
"تُقي، أنا واثق إن فيه حاجة. احكيلي فيكي إيه ي حبيبتي. فيه حاجة حصلتلك. طيب فيه حد زعلك؟"
كان يتحدث بلهجة جنونية، فهذا مرضه بعدما انتحرت عاليا. يشعر بالقلق دائماً عليها، يود أن تظل طيلة اليوم أمامه بالمنزل. حتى أنه وضع كاميرات في منزله ويتابعها في عمله باستمرار، وهذا ما يجعلها تشعر بالاختناق من تصرفاته وتحكماته.
نظرت له وهي تحاول أن تتحكم في ملامحها الثائرة وهي تقول:
"زياد، اهدي. مفيش حاجة. أنا بس متوترة من إنك ترجع ترفض تاني سفري مش أكتر."
تنهد بارتياح قليلاً، يُقبل رأسها بابتسامة عريضة لم تتقبلها تُقي وهو يقول:
"متقلقيش ي حبيبتي، هتروحي. انتي الحاجة اللي تبسطك هعملها ولو كلفني ده حياتي."
ابتسمت له بعدم اهتمام هذه المرة. ثم بعد ذلك خرج، وأكملت هي ثيابها، واتجهت إلى سيارتها تقودها. وبداخلها تود أن تمنعه من فعل هذه الجريمة. تمنت هذه اللحظة لو تعلم من هذه الفتاة التي يريد قتلها كي تذهب إليها وتحذرها.
***
مرت ساعتين والاثنان مستغرقان في النوم، ليس نوماً طبيعياً كباقي الناس، بل نوم يتخلله الكوابيس والأحلام المزعجة. فهذا شادي يصارع كابوساً ما، وهو يتقلب يميناً ويساراً والعرق غطى جبينه. فإذا نظرت إليه، سارت الهوينا في جسدك من تقطيبه حاجبيه التي توحي بأن الكابوس بشع للغاية.
وجانبه تتسطح يارا، وأنفاسها تتلاحق بعنف، وهي تحرك رأسها بوجل بدا عليها، وتردد بخفوت:
"مش عاوزة أموت... عاوزة أخرج من هنا... لأ... لأ."
ثم فتحت عينيها فجأة، لتصرخ صرخة بدت مكتومة مضطربة، انتفض على إثرها شادي الذي شحب وجهه هلعاً وخوفاً عليها.
"اهدي، اهدي، أنا معاكي، متخافيش."
"إحنا ليه جينا هنا؟ ليييه ي رب."
قالتها وهي تنهض من مكانها بصياح، تنظر حولها بخوف أكبر. نهض جوارها يحاول تهدئتها وهو يقول:
"اهدي ي يارا، ده مش حل اللي بتعمليه."
"أومال إيه الحل، هااا! قووول... أنا ذنبي إيه في كل اللي بيحصل ده؟... ذنبي إيه في الحاجات اللي ظهرت عليا من ساعة ما جيت المكان اللي انت قاعد فيه؟... كنت عايشة في أمريكا ومكنش بيحصل كللل ددده... ليه من ساعة ما قابلتك وكل حياتي بقت مشاكل... ممكن تفهمني؟"
كانت تقول كلامها بصراخ وانهيار من الحال التي هي عليه، ولا تعلم أين المفر.
بينما هو كان يتابعها بصدمة، وكأنه هو المذنب والسبب فيما يحدث معها. ليرد عليها بصوت ارتفع قليلاً أثر غضبه من كلامها السخيف:
"متحسسنيش إني السبب في اللي ظهر عليكي ده. ده قدرك ونصيبك إنك ترجعي من برة علشان تقابليني ونمر بالقرف اللي بنمر بيه ده. هو ليه حضرتك حاسة بمشاكل لوحدك؟... مانا في مأزق معاكي أهو ومش عارف هنتصرف إزاي."
"أنا مليش دخل في الموضوع ده، أنا عاوزة أخرج من هنا، وأنت لازم تتصرف. مش أنت عندك قوة أنت كمان؟!... من يوم ما شفتك في الشركة وعنيك بتتلون وأنا في خطر وبدأ يظهر عليا الحاجات دي... شادي أنت ساحر صح؟! قوولي الحقيقة، طيب ليه حولتني زيك.. مكنش هاين عليك تسيبني عايشة حياتي الطبيعية زي الناس!!... انتتت مش بترد د علياااا لييييه..."
"بس كفاااايه، مش قااادر أسمع صوتك."
قالها شادي بغضب، ووجهه يتصبب عرقاً ويديه ترتعش. حتى لم يشعر بعينيه التي تبدل لونها، ملامحه تغيرت كثيراً. ينظر بغضب إلى تلك يارا التي تراجعت للخلف وهي تبتلع ريقها بصعوبة، خوفاً من هيئته البشعة التي تحول إليها. حتى أنه ظل يقترب منها دون وعي، يقول بلهجة زلزلت كيانها:
"انتي تسكتييي، مش عاوز أسمع كلامككك، دماااغي فيها ألف صوت."
ركضت هي من أمامه ببكاء في تلك الجزيرة التي لا تعلم بدايتها من نهايتها، فكانت كالتائهة. تركض أمامها حتى أنها فجأة وجدته أمامها وكأنه طار في الهواء.
صرخت بشدة وهي تمسك رأسها وقلبها كاد على وشك أن يتوقف بالمعنى الحرفي:
"ا.. انت شادي؟!.... اننت شادي صح!!. إيه.. إيه حصلك... متخوفنيش ي شادي... أنا يارا، ارجوك رجع شكلك الطبيعي.... ارجوووك."
قالتها وهي تتوسل إليه، حتى أن قلبها بدأ يدق بعنف وهو ينظر إلى وجهها جيداً. فكأنه للحظات قد نسي من تكون هي. حتى أنها سنحت لها الفرصة بالهروب من أمامه. وبينما هي تركض، لتصطدم بذاك الساحر دراكو.
"ارجووك ساعدني... شادي عاوز يموتني وشكله اتغير، مش عارفة جراله إيه... ارجوووك."
نظر دراكو أمامه ليرى شادي، يبحث عنها بكل إن، ليعاود نظره إليها وهو يقول بثبات:
"لا أستطيع."
"متقووولش كددده، وحيااة أغلى حاجة عندك اتصررف... طيب فوقه من اللي هو فيه..."
"قولتلَك لا أستطيع. هُنا بالجزيرة كل شخص مسؤول عن حماية نفسه. إذا فعلتي ذلك، ستسطيعي أن تُنقذي نفسك."
قال جملته ثم رحل من أمامها. تصرخ هي به وتركه تركض خلفه، إلى أن تبخر من أمامها كالبخار. لتنظر خلفها كي ترى أين يوجد هو.
أخذت تتفحص المكان بعناية ولم يوجد له أثر. ثوانٍ معدودة ووقعت أرضاً بصراخ، عندما ظهر أمامها من العدم وبدأ يقترب منها بنظرات شيطانية.
كادت أن تفقد نفسها وتنسى قدرتها في إيقافه، وأنها تمتلك قوة هي الأخرى مثله. لتنظر إلى تلك الأسورة بيديها وتنظر إليه بخوف أكبر. حتى أنها وجهت أسورتها إليه، وما إلا ثوانٍ ووجدته يسقط جانبها وقد اختفت تلك التغيرات التي طرأت عليه.
أخذت تتنهد براحة وهي تُقبل أسورتها التي لا تعلم كيف يوجد بها هذا السحر وكيف كانت مع أمها. احتضنت نفسها وأسورتها التي أنقذتها في الوقت المناسب، وإلا كان شادي سيقتلها دون وعي منه. حتى أنها في هذا الوقت تذكرت حديث دراكو وأنها تستطيع إنقاذ نفسها. شعرت بأنه يعلم هويتهم ويعلم من هما، لكن لمَ يُخفي عنهم!
***
توجه زياد بسيارته لمركز الشرطة. وفي نفس الوقت الذي ترجل فيه من السيارة، كان على الجهة المقابلة ماهر يفتح باب سيارته ليترجل منها هو الآخر. لمحه ماهر يدلف للداخل ويبدو أنه على عجلة من أمره، فناداه. والتفت له زياد الذي ابتسم، وخلف ابتسامته الماكرة الكثير من الشر والكراهية، يقول:
"إيه الصدفة الحلوة دي، بس غريبة، إيه منزلك النهارده، مش إجازة ليك؟"
بادله ماهر الابتسامة بنفس ذاك المكر وهو يقول:
"الصدف الحلوة بتجمع الناس الحلوة! أنا نازل في شغل للأسف، ميقدروش يستغنوا عني حتى في إجازتي. فيه قضية جديدة هشتغل عليها."
"طيب زي الفل خالص. أنا عارف ماهر الطوخي كويس، مش بتاع قعدة وعنده الشغل على قلبه زي العسل."
قالها زياد بخبث، بينما قابله ماهر بامتعاض قائلاً:
"ربنا يقدرني بقي. المهم، أنت عامل إيه في قضيتك، فيه جديد ولا حاجة؟"
"ماشيين فيها اهو، بنحاول. ادعيلي أنت بس."
لحظات وارتسمت على ملامحه الجذابة ابتسامة ماكرة، عندما لمعت برأسه تلك الفكرة الجهنمية التي ستجعل الفرصة سانحة أمامه لفعل ما يريد، وهو يقول:
"بس أنا معايا دليل قوي ممكن يفيدك ي زياد في القضية دي."
ابتلع ريقه بتوتر وهو يقول:
"دليل إيه؟"
لاحظ ارتباكه وتوتره، ليقول بلهجة صارمة:
"شهد خالد الجبالي هي أكبر دليل في القضية دي. ابدأ من عندها، وواثق إن اللغز هيتحل."
راقب ماهر ملامحه وعينيه التي تبلورت للأمام بعد سماع اسمها، ليبتسم بسخرية وهو يُكمل:
"متقلقش، أنا آه مقدرتش آخد منها عُقد نافع لأنها ذكية أوي ووراها حد مقويها، بس ده مش عليك صح ي زياد؟"
ابتسم زياد رغم صدمته وتوتره من حديثه ومن كل حرف قاله، ليقول محاولاً تنظيم وتيرة أنفاسه المتسارعة:
"طالما أنت بنفسك واثق من النقطة دي، يبقى خلاص، لازم هقابلها وأتكلم معاها."
"طيب اوعدني ي زياد إنك تطلع منها بمعلومة تفيدك في القضية."
قالها ماهر بسخرية، وشكوكه كلها تتأكد أمامه، وهو يربت على كتفه، ليرد زياد الذي كاد على وشك أن يفقد عقله ويلكمه:
"بوعدك إن شاء الله."
أومأ له ماهر ثم رحل من أمامه بهدوء ما يسبق العاصفة. وبالخارج، زياد الذي ما زال واقفاً مكانه بعد حديث ماهر، وهو يعلم جيداً أنه كان يقصد إغاظته في كل حرف تفوه به، وأيضاً تأكد بأنه يشك به وسيفعل المستحيل من أجل أن يفضحَه ويعلم حقيقته. هو وحده يعلم تفكيره وعقله الجهنمي.
"أنا كنت صابر عليك لحد دلوقتي مش حبّاً فيك، قولت أريح أنا نفسي شوية، لكن بعد اللي قولته، أوعدك أن من بعد اليوم ما يبقاش فيه حد اسمه ماهر الطوخي! لازم أخللّص عليك وأمحيك من قصادي."
***
بينما الغرفة، كان نائماً أرضاً، شارداً في اللاشيء، لا ملامح له، فقط الصمت يعتليه منذ ما حدث ليلة أمس وما فعله. يتذكر كيف أخرج عليها شحناته، ينظر إليها من حين لآخر كي يطمئن عليها. حتى أنها في هذا الوقت كانت تبربش بعينيها منذ ليلة أمس، ليغلق هو عينيه متمثلاً النوم.
نهضت بتعب وهي تحاوط رأسها بيديها بعدما شعرت بثقل وصداع شديد. حتى وقعت عينيها عليه، واضعاً فراشه بالأرض وينام عليها. فرغم حزنها وغضبها من ما فعله معها، رق قلبها على هيئته، وهي تعلم جيداً أن ما فعله لم يقصد به شيء، فكان فوق إرادته، وهي من تسببت في تحوله ليلة أمس.
نهضت من الفراش بهدوء وهي تأخذ بعضاً من ثيابها، ثم اتجهت إلى المرحاض تأخذ حماماً منعشاً، وهي تحاول أن تنسى ما حدث. تبتسم رغمًا عنها وهي تتذكر كل حديثه وما قاله. فكانت بوعيها تنصت لكل ما تفوه واعترف به ليلة أمس. تشعر بسعادة غريبة، لكن هذه السعادة يعيقها وجهها الآن. تذكرت جيسيكا وما فعلته بها بسبب حبها الأناني الذي جعل فريد لم يفرق بينها وبين تلك عاليا. تنهدت بضيق وقلة حيلة، وهي لا تعلم ماذا سيحدث بعد ذلك.
أخذت ثيابها ترتديها، وبعدما أكملت ارتداء، نظرت إلى نفسها في المرآة بخجل اتضح من عينيها، وهي تحاول جذب الأكمام على كتفيها، ولكنها لم تستطع. فبرغم أن هذه نوعية ثيابها وما ترتديه دائماً، لكنها لا تعلم لمَ شعرت بالخجل والاضطراب. فكان ما ترتديه يظهر أنوثتها، كانت تلك التناسقات في جسدها أظهرت أقل الأشياء إثارة عليها، لتفرد شعرها على كتفيها كمحاولة لتغطيتهم قليلاً.
خرجت من المرحاض لتجده ما زال مسطحاً نائماً. اتجهت تقف أمامه وهي تتفحص وجهه بحب ارتسم على ملامحها، بينما هو لم يستطع أن يكمل في تمثيلية نومه كثيراً، حتى أنه فتح عينيه فجأة، لتشهق هي بخجل بعدما وجدها تتفحصه.
لتُعطيه ظهرها وهي تفرك بكلتا يديها، تعاود خصلاتها للخلف، بينما هو ابتسم ابتسامة وسيمة وهو ينهض. لم يشعر بنفسه إلا وهو يعانقها من الخلف، محكماً يده عليها، رافضاً فرارها منه، وبهمس حنون داعب أوتار قلبها:
"أنا آسف."
قالها ولم يشعر بالخجل منها أو منه، بل كان عليه أن يستوعب حاله الضياع التي تشعر بها تلك الأيام. ثم أكمل حديثه بقول:
"حقك عليا، بس الوضع كان أقوى مني."
التفتت إليه تتمسك بثيابه، تهتف بحب وهي تدفن جسدها بين يديه، تقول:
"متعتذرش ي فريد، أنا كنت السبب في اللي حصلك امبارح، بس صدقني مكنتش أقصد أزعجك بكلامي، غير إني أسمع شوية الكلام اللي اعترفت بيهم امبارح دول."
قالتها وهي تبتسم، تشعر بدفء وأمان بين يديه.
بينما هو استنكر كلامها، ليُبعدها عنه وهو يقول:
"كلام إيه!"
"أنت بتكابر ليه، ممكن أفهم؟!.. ليه عاوز تبعدني عنك وتمثل قسوتك دي! فريد، كون واثق إنك مهما تعمل فيا، أنا عارفه ومتأكدة إنك بتحبني زي ما بحبك."
قالتها بنبرة متلهفة أن تستمع اعترافه لها بحبه ثانيةً، لكنها وجدت ملامحه قد تبدلت قليلاً، وهو يتفادى النظر إليها. لتمسك يديه وهي تحاول أن ترفع نفسها أمامه كي تبقى عينيها أمامه، وهي تقول بنبرة أنثوية:
"طيب بص في عنيا كده وقول إنك مش بتحبني!"
وجدته يُبعد نظره أكثر عنها، لكنها لم تستسلم. قرّبت وجهه أمامها ثانيةً وهي تعيد ما قالته، حتى أنه تاه في عينيها هذه المرة، ولم يستطع أن يبعد نظره. فترك لنفسه ولقلبه العاشق أن يتصرف هذه المرة بعد تلك العناد والبعد.
لم يفكر كثيراً وقتها، مال نحوها يضمها إلى صدره في عناق كبير حار، فيما يفرك كفوفه فوق جذعها العلوي، يقربها منه، شاعراً بالسعادة والأمان، وتلك الألوان الوهمية المنبثقة من حرارة مشاعرها تلتف من حوله وتحتويه من جديد.
بادلته العناق دون انتظار أو تردد منها. فرفع رأسه غير قادر على مقاومة ذلك الشعور الذي انتابه عندما أحاط جسدها بين ذراعيه. طالع عينيها لوهلة قبل أن يحتضن ببطء بتلات ثغرها الوردية بحنو بالغ، في قبلة خرافية نقلت كلاهما إلى عالم الغرام، حيثما تسقط فيلتقطها، وعندما يسقط لا تتوان هي عن التقاطه، عالم طالما كانت بدايته هي ونهايته هو، ولا يوجد فيه فاصل بينهما.
***
بينما كان ماهر منكبّاً على الأوراق المبعثرة أمامه يتفحصها بتتمعن ودقة. وقتها زج العساكر بعضاً من الشبان وفتاة. رفع بصره ليصوبه نحوهم ببرود واستحقار، متلاعباً بنظراته على أربعتهم من رأسهم لاخمص قدميهم. ثم ترك الورق من يده وأخذ يحك ذقنه ببرودٍ غير عابئ بهم. لحظات وثبت حدقتيه على تلك الفتاة التي كانت تبكي في توتر وخوف وهي تود أن تقول شيئاً.
وجه ماهر حديثه لتلك الفتاة وهو يقول:
"شكلك كده بهيئتك النضيفة دي مش وش شبهات."
"أيوه والله ي باشا، أنا مليش دخل والله مظلومة."
قالتها تلك الفتاة بلهفة وهي تتوسله، بينما هتف شاب منهم، ومن الواضح أنه ثمل للغاية، يقول بنظرات شهوانية:
"انتي هتستعبطي ي حلوة، ما احنا كنا ماشيين حلو وكنا آخر تسلية."
"اخرررس."
صاح به ماهر مشيراً له بيديه، ثم أكمل:
"مش عاوز أسمع صوتك، أنت فاهم."
"والله ي باشا ما حصل، دول هما اللي خطفوني للشقة المشبوهة دي علشان يصوروني في وضع مخل.. صدقني أنا مش بتاعة الحاجات دي."
كاد بقية الشباب أن يتحدثوا بعصبية، لكن منعهم ماهر من ذلك عندما صاح بالعساكر كي يأتوا ويخرجوهم، تاركين تلك الفتاة فقط. ليعود هو إلى كرسيه يجلس عليه، وهو يتفحص وجهها جيداً وعلامات الضرب والإجبار. لذا أردف بصوت هادئ:
"اتفضلي اقعدي واهدي علشان تحكيلي اللي عندك."
جلست أمامه بارتباك وخوف من ما ينتظرها بعدما تخرج من ذاك القسم. لكنها تحملت الكثير وفاض بها، لم تستطع أن تكمل حياتها في ذاك العذاب. لذا تركت العنان لنفسها وهي تقص عليه ما حدث:
"بص ي باشا، أنا بنت على قدي وبشتغل وأنا بتعلم وبصرف على نفسي. كنت بشتغل في كافيه من فترة، ووقتها دخل شاب واتصرف تصرف غير لائق معايا، ولما وقفته عند حده، حطني في دماغه. وكل مرة يطلعلي حد من قريب، بدأ يخطفني كل يوم ويعذبني علشان رفضت قربه واللي بيعمله، ويروح رامييني في الشارع. والنهارده أنا كنت رايحة جامعتي في أمان الله، لحد ما طلعوا اللي شفتهم معايا برا دول عليا وخطفوني وودوني شقة مشبوهة علشان ياخدولي صور ويهددوني بيها بعد كده."
"بيكونوا عاوزين فلوس طبعاً؟"
قالها ماهر بغل وغضب بعد حكايتها، لتومئ بالرفض وهي تقول:
"لأ ي باشا، الشاب اللي أنا حكيتلك عنه هو اللي باعتهُم، وهو غني مش محتاج فلوس. البني آدم ده مريض نفسي بيستخدم مع كل بنت يرفضه نفس الطريقة علشان يِذلها."
"واكيد تعرفي اسمه؟"
أومأت له وهي تقول دون تردد:
"اسمه مدحت الهواري."
"أنا عارفة ي باشا، بعد اللي قولته ده لما أخرج مش هيسيبني وهيقتلني زي ما قتل غيري. أنا سكتت كتير، بس مبقتش قادرة أستحمل اللي بيحصل فيا... موتي أهون عليا من اللي بيعمله والعذاب اللي بشوفه."
"انتي بتقووولي أيييه!!"
قالها ماهر بصدمة منتفضاً من مكانه بعد ذكر اسم مدحت. لا يستطيع أن يصدق حديثها، لتقف هي برعب أمامه وهي تقول بعدم فهم:
"إيه ي باشا، خيررر..!"
"مدحت مين اللي هيعمل كده.. انتي واعية للي بتقوليه؟!"
"هو حضرتك تعرفه؟!"
"ده صديقي وواثق فيه جداً، وانتي شكلك حد مسلطّك عليه.... اعترفي وقووولي مين اللي باعِتك ي بت انتتتي."
"ي باشا والله العظيم دي الحقيقة، صدقني، مدحت ده إنسان مريض... الجانب التاني في حياته محدش يعرفه غير اللي جربه... الله يخليك صدقني... وأنا واحدة غلبانة زيي هتتبلي عليه وخلاص إزاي... ده مدحت الهواري اللي قادر يدمرني، وبعد ما هطلع من هنا أنا عارفة إنه أول حاجة هيعملها أنه هيتخلص مني."
"انتى اسمك إيه، انطقييي!"
"ن.. ندي."
قالتها ببكاء وخوف، فتأكدت وقتها من موتها المحتوم، سواء من مدحت أو منه.
وجدته يحمل هاتفه وكأنه ينوي أن يدق بأحد، لتحاول أن تُقبل يده وهي تقول بتوسل:
"الله يخليك صدقني، أنا مبكدبش، ارجوك ساعدني، اعتبرني زي أختك... ترضى أن أختك يحصل فيها كده!؟"
عاود هاتفه بشفقة على حالتها وهو يقول:
"من غير ما تتكلمي، أنا بطريقتي هعرف إذا كنتي بتكدبي ولا بتقولي الحقيقة."
قالها ثم نادى بأحد العساكر كي يجلبهم أمامه، ثم جلس بكرسي جانبه وهو يكتب ما يُمليه عليه ماهر:
"تصل العقوبة في جريمة التحريض على الفسق والفجور والفعل الفاضح المخل بالحياء العام في القانون إلى الحبس ثلاث سنوات، وفقاً للمادة 1 من قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961. كما تستتبع المادة 15 من قانون الدعارة الحكم بالإدانة في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة، وذلك دون إخلاء بالأحكام الخاصة بالمتشردين."
ليأخذهم العساكر إلى الخارج، وتلك الفتاة تستنجد به وهي تصرخ وصوتها يتردد في أذنه. ينهض من مكانه بحيرة من حديثها عن مدحت الذي لم يصدقه إطلاقاً.
وبينما كان يترجل في مكتبه بحيرة وتفكير فيما قالته تلك الفتاة، حتى أتت له مكالمة ليرد عندما وجد مهاب من يدق:
"عندي ليك خبر بمليون جنيه ي صاحبي."
"بذمتك انت، ييجي من وراك ربع جنيه حتى؟!"
"ي اخي دايماً سادد نفسي وكاسفني كده، وبعدين علشان تعرف أن مهاب ساعتها بيحط حاجة في دماغه خلاص، انسي."
"طيب ي سيدي، احكي فيه إيه."
"أنا رايح أنا والحاجة بالليل عند ست الحسن والجمال ريم، وطبعاً لازم هتيجي."
" بتتكلم بجد؟!"
قالها ماهر بعدم تصديق لتنفيذ ما قاله على الفور، ليقابله مهاب:
"أي خدمة، عِد الجمايل بقي."
"طيب اوعي تكون قلت للحاجة حاجة على اللي بينا."
"عيب عليك، ودي تفوتني.. هي رايحة معايا على أساس إني أشوف ريم والحوار ده... متقلقش أنت، كله تحت السيطرة. المهم تخلص من القضية دي على خير... وحاسس إنك هتعرف كل اللي انت عاوزه قريبًا."
"مهاب، أنت خدمتني خدمة مش هنسالك، ربنا يخليك ليا ي صاحبي."
"المهم بس، هعدي عليك، جهز نفسك، عمل ما أديك رنة تاني."
قالها ثم أغلق معه، بينما ماهر قد تنهد بارتياح، يشعر بأن هذه القضية وسيعلم منها كل شيء هذه المرة.
***
كان أكرم يقف بشموخه المعتاد أمام الموظفين، يتطلع إليهم وإلى المخطط الذي في يده وهو يشير إلى الموقع ويشرح لهم كيفية البناء. ليقع نظره عليها دون الجميع. نعم، لم تكن سوى تُقي التي كانت تتابع ما يقوله بإنصات وشغف. ظل ينظر إليها وعينيه مثبتة عليها، ليلاحظ الجميع الأمر. ثم قاموا بالنظر اتجاه ما ينظر إليه رئيسهم، ليجدوها هي صاحبة العيون الزرقاء المتوهجة. لاحظت هي تلك النظرات المصوبة إليها، لتنظر بعيداً عنهم بخجل كبير لم تشعر به من قبل. لاحظ أكرم ما فعله دون شعور، ليهتف بصوت عالٍ أجش:
"انتو واقفيين عندكم ليييه... اتفضلوا تعالوا علشان تعرفوا الشغل هيمشي إزاي."
ليتجهوا إليه، ولسوء حظ تُقي، وقفت أمامه مباشرة، ليهتف أكرم بصوت عالٍ حازم:
"بكرة بإذن الله هنصل الغردقة، تتجمعوا كلكم في مكان الشغل علشان مش بعيد كلامي تاني."
ليومئ الجميع، ومن بينهم تُقي التي كادت تموت خجلاً من نظراته المصوبة إليها.
لينتهي أكرم من شرح خطة العمل، مردفاً في نهاية الشرح:
"دي خطة العمل... التنفيذ هيبدأ من بكرة إن شاء الله. عاوزين قبل ما الباشمهندس شادي يرجع من سفرته نكون خلصنا المشروع." ثم وجه نظره إلى تُقي قائلاً:
"مفهوم ي بشمهندسين!"
ليُردف الجميع في صوت واحد:
"مفهوم ي بشمهندس أكرم."
ليرحل الجميع من المكان، ومن بينهم تُقي التي كادت أن تركض هرباً من عينيه، ليوقفها وهو يقول:
"بشمهندسة... استني شوية، عاوزك في حاجة."
توقفت وهي تشير بيديها قائلة:
"أنا؟!"
وضع يديه في سرواله وهو يقول:
"أيوه أنتِ... الأول، ممكن أعرف اسمك، علشان تقريباً كده أول مرة أشوفك."
"أنا تُقي."
"طيب ي بشمهندسة، أنا لاحظت شغفك وأنا بشرح خطة العمل، وقد إيه حاسس إنك حابة شغلانتك أوي، وده بيعجبني في الشخص وبحترمه جداً."
ابتسمت برضا وهي تعاود خصلاتها للخلف، فهذا أقل ما يُقال عنها. فهي تعشق الهندسة، بل تبدع فيها حينما تريد. عاشقة لعملها ولصنع كيان خاص بها. لتردف بشكر:
"أشكر حضرتك... أتمنى دايماً أكون عند حسن الظن ده."
بادلها تلك الابتسامة وهو يقول:
"وعلشان كده، أنا حابب تشاركيني رياسة المشروع ده."
"مش فاهمه!"
قالتها بعدم فهم، أو تتصنع عدم الفهم كي لا تُظهر فرحتها من ما قاله.
"بإختصار شديد... البشمهندس شادي سلمني شركته ومشاريعه الجاية، عمل ما يرجع بالسلامة. كنت ناوي أشوف حد معايا معين وفاهم الشغلانة أوي يكون معايا، وطبعاً مش هألاقي أحسن منك، ده طبعاً لو موافقة."
"أكيد طبعاً موافقة... أي حاجة تخص الشركة وكيانها، أنا معاك فيها، وشكراً بجد على الفرصة دي، أتمنى أكون عند حسن ظن حضرتك."
قالتها ثم همت بالرحيل من أمامه، وهي بداخلها تشعر بسعادة غريبة لم تشعر بها من قبل.
بينما بشقة ريم، عندما أتى الليل، كانت تجلس رفقة هنا التي أتت لها كما وعدتها من قبل بأنها ستأتي وتفاجئها، وها هم الآن يتسارعون بضحك.
"أحلى مفاجأة في الدنيا بجد ي هنون."
خرجت ورد على أصواتهم وهي ترحب بصديقة ابنتها، ثم قالت:
"صحيح ي ريم، طنط سوزان جاية دلوقتي، جهزي نفسك علشان دي هتموت وتشوفك."
زفرت ريم بضيق ثم قالت:
"تاني ي ماما، تاني!"
"ي حبيبتي، يعني أقولها متجيش! وبعدين هي اللي اتصلت بيا وطلبتها مني."
"طيب ي ماما حاضر، أنا هدخل أوضتي دلوقتي أنا وهنا وهجهز نفسي، ولما تصل عيوني هطلع أسلم عليها."
وفي هذا الوقت، وجدت شهد تقترب منهم وهي تقول:
"سلام عليكم... أهلا أهلا، عندكم ضيوف ولا إيه."
"دي صديقتي المقربة هنا ي شهدودي، شهد بنت عمي اللي حكيتلك عنها."
قالتها ريم بتعريف بعضهم إلى بعض، لتنظر إليها شهد بابتسامة بشوشة وهي تقول بعدما علمت أنها هنا:
"إيه الحلاوة دي.. اتشرفت بيكي ي حبيبتي."
"أنا أكتر حقيقي.. كان نفسي أشوفك من زمان."
"طيب يلا بينا ندخل نتكلم جوا."
قالتها ريم ثم اتجهت بهم إلى الداخل.
وعند زياد بمنزله، كان يتجول بمنزله ينادي بتُقي التي كانت تجلس على الأرجوحة وتتأمل بصمت النجوم المتناثرة. ذهب إليها يجثو على ركبتيه أمامها وهو يقول بحب عندما وجدها تجلس بارتياح:
"الجميل بيفكر في إيه، مش المفروض ننام علشان سفرية بكرة!"
نظرت إليه بفرحة وهي تحكي له عن ما قاله رئيسها في العمل، لتنهي حديثها بقول:
"بجد، كان واثق فيا أوي واعجب بيا وخلاني أشاركه في المهمة دي، تخيل."
نظر لها بضيق وانفعال من هذا الشخص ليقول:
"اعُجب بيكي إزاي، ممكن تفهميني؟!"
نظرت إلى عينيه الغاضبة وغيرته المعتادة عليها، فهو يعاملها كأنها زوجته وليست أخت فقط. لترد هي بتوضيح:
"مقصدش اللي في دماغك ي زياد، أقصد أنه شاف شغفي وإني حابة مجالي مش أكتر."
"وانتي الوحيدة اللي حابة مجالك هناك بقي على كده؟!"
قالها دون تصديق لِما تقوله، لترد هي بعصبية من غيرته غير المبررة:
"فيه إيه ي زياد، هو تحقيق ولا إيه؟!.. أنا أصلاً غلطانة إني حكيتلك عن حاجة فرحتني."
"أنا عارف نوعية الشباب دي كويس. ابعدي عنه وخليكي في شغلك، أنتي فاهمة!"
قالها بتحذير، يرحل من أمامها تراقب خطواته من بعد. تتنهد باختناق، تنظر للسماء وهي تقول:
"ي رب، أنا بجد تعبت."
بينما عند ريم، دلفت ورد إليهم وهي تقول:
"بقولكم ي بنات، تعالوا معايا برا علشان دول وصلوا تقريباً علشان أعرفكم عليهم وتساعدوني في الأكل."
"هما مين دول اللي وصلوا؟"
قالتها شهد بعدم فهم، لترد ريم وقتها وهي تومئ لأمها، ثم عاودت بصرها لشهد وهي تقول:
"دي صاحبتها وعازماها، قال إيه هتموت وتشوفني."
"بس هي قالت وصلوا، يعني فيه حد معاها أكيد!"
لم يأتي بمخيلة ريم أنها ستأتي رفقة ابنها الذي تحدثت أمها عنه، لتخبط رأسها بنفاذ صبر وهي تحكي لهم. وبعدما أنهت، قهقهت شهد وهي تقول:
"طيب إيه المشكلة ي ريم، اخرجي عادي، مش هتخسري حاجة في السلام، وبعدين هنخرج معاكي اهو."
"طيب يلا بينا... أمري لله بقي."
"وبتلك الجزيرة المخيفة عندما يحل الليل، كانت أصوات غريبة ترتفع بها. كانت يارا تهز جسد شادي كي يفيق، الذي ما زال ملقى بعدما أخرجت شحنته وطاقته.
"انت بني آدم غريب.... من ساعة ما جينا هنا وانت مش حاسس ولا بتسمع الحاجات اللي بسمعها... سايبني أنا للرعب ده... قووم بقي."
وبعد عدة دقائق بعدما فقدت الأمل في إفاقته، فاق أخيراً يصوب بصره إليها، فوجد الاختناق والخوف يعتلي ملامحها.
"مالك؟"
سألها بنبرة حملت الدفء، وهو يعلم أن ما بداخلها متأجج الآن، فأجابته بعدما حاولت تجميع كلماتها:
"انت ليه طول الوقت سايبني لوحدي! تعرف إنك كنت بتحاول تقتلني لولا أسورتي دي أنقذتني! أنا ليه بيحصل معايا كده، مش فاهمة."
نظر لها بصدمة من ما قالته، يحاول تذكر ما تقوله لكنه فشل. ضم يديها يحاول تهدئتها بترنيمة أعذب:
"اهدي، صدقيني أنا مش فاكر حاجة خالص، وازاي هحاول اقتلك، استحالة أعمل كده."
"لأ حاولت، وأنا بقيت خايفة منك... أنت قوتك دي شريرة ي شادي، وإلا مكنتش حاولت تأذيني."
قالتها بشهقات مرتفعة، لتصدر أصوات مخيفة ارتفعت أكثر.
صرخت وهي تتمسك بملابسه تقول:
"ي شادي اتصررف، لازم نخرج من هناا.. احنا بالطريقة دي هنموت بالبطئ... أنا عطشانة أوي وجعانة والمكان اللي احنا فيه ده مهجور مفهوش أي حاجة ده غير الأصوات... سمعتها!"
حاول مساعدتها في النهوض وهو يقول:
"لازم نحاول نمشي ونعرف أكتر إيه نهايتها، ممكن واحنا في الطريق نلاقي حاجة."
قالها وهي تذهب معه، وبعد فترة من السير وجدوا نفسهم في جزيرة أخرى، وكأنهم انتقلوا إليها فجأة. كانت جزيرة مختلفة عن تلك الجزيرة. كانت مضيئة ومن الواضح أن يوجد بها أناس.
"هو ده مكان تاني ي شادي!... شادي، احنا بالطريقة دي بنروح في داهية... ارجوك انت عندك قوة وأنا كمان، عاوزين نتصرف ونطلع، مش قادرة أستحمل."
قالتها وهي على وشك أن تقع بضعف، ليلتقطها هو، يحيطها بيده نحوه، يربت على ذراعيها بحنان يقول:
"متخافيش، أنا معاكي، مش هيجرالك حاجة طول ما أنا جنبك. أنا واثق إننا هنعرف حاجة من المكان ده."
قالها مثبتاً عينيه عليها. يدور أمامه نفس ذاك المشهد بأشخاص لم يتعرف على وجوههم. تبدلت ملامحه بصدمة وعدم فهم من تذكره لمشهد لشخصين مثلهم، ومن الواضح أن نفس ذاك المكان، لكن الرؤية كانت مشوشة، لم يستطع التعرف عليهم حتى. فاق من صدمته عندما سمع صوت فتاة تقول بهلع:
"ريحان!!!"
"كيف عدت؟!"
رواية ساعة الانتقام الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دينا اسامة
جاء الصباح على الجميع، منهم السعيد والآخر حزين، وأكثرهم يفكر في الانتقام.
استيقظت تُقي باكرًا عن موعد عملها لتذهب إلى المرحاض، تأخذ حمامًا منعشًا. وبعدما خرجت ذهبت إلى دولابها كي ترتدي زي الرياضة الخاص بها، ثم اتجهت إلى غرفة الرياضة للقيام بالتمارين الصباحية. وبينما هي تمر من أمام غرفة أخيها للذهاب إلى غرفة الرياضة، سمعت صوته بالداخل يتحدث مع فتاة ما:
"هي آه مماتش المرة دي بس لازم تخلصي عليها قبل ما تنزل مصر، انتي فاهمة؟"
توسعت عيناها من الصدمة. وعندما شعرت بخروجه من الغرفة، ركضت إلى غرفة الرياضة تضع سماعات الأذن، تجري على المشاية الكهربائية. أمامها زجاج عازل مُطل على الحديقة الخلفية، مما يشعرك براحة نفسية رهيبة.
وبعد مرور ساعة، خرجت إلى غرفتها وهي تتذكر جملته وتعيد تصرفاته هذه الأيام في عقلها. كانت تشعر بغرابة وأنه يخطط لشيء شنيع منذ فترة، والآن تأكدت. لا تعلم ماذا تفعل، تذهب كي تواجهه؟ أم تتابع ما يفعله في صمت؟ وإلا إذا واجهته، فهي تعلم أخيها جيدًا، سيُنكر كل شيء، وفوق ذلك سيمنعها من الذهاب لعملها. وُضعت أمام خيارين ليس لهما ثالث.
وبينما عندما شرعت في ارتداء ثيابها، وجدته يطرق بابها. سمحت له بالدخول وهي في قمة توترها، تنظر له لأول مرة بخوف بدا على ملامحها.
"انتي نازلة دلوقتي ولا إيه؟"
أومأت له دون كلام، وتتخيله أمامها ليس إلا قاتل، ليس إنسان. فهو مثل أختها عاليا، بداخلهم حقد وغل، أفعالهم شيطانية مثلهم. لا تدري كم مر من الوقت على صمتها ونظراتها المتهمة والمشمئزة.
اقترب منها بعدم فهم وتعجب من صمتها ونظراتها المصوبة تجاهه، وليس كأي نظرات. يحاوط يديها بخوف وهو يقول:
"مالك ي حبيبتي، حصل إيه؟"
"أبدًا مفيش، اتأخرت على الشغل النهارده، ممكن تسيبني أكمل لبس."
"تُقي انا زعّلتك في حاجة؟!"
"ليه بتقول كده!"
قالتها بسخرية متفادية النظر إلى وجهه. ليقف هو أمامها يهز يديها بإصرار:
"تُقي انا واثق إن فيه حاجة... احكيلي فيكي إيه ي حبيبتي... فيه حاجة حصلتلك.... طيب فيه حد زعلك؟!"
كان يتحدث بلهجة جنونية، فهذا مرضه بعدما انتحرت عاليا. يشعر بالقلق دائمًا عليها، يود أن تظل طوال اليوم أمامه بالمنزل. حتى أنه وضع كاميرات في منزله ويتابعها في عملها باستمرار، وهذا ما يجعلها تشعر بالاختناق من تصرفاته وتحكماته.
نظرت له وهي تحاول أن تتحكم في ملامحها الثائرة وهي تقول:
"زياد اهدي مفيش حاجة... انا بس متوترة من إنك ترجع ترفض تاني سفري مش أكتر."
تنهد بارتياح قليلاً، يُقبل رأسها بابتسامة عريضة لم تتقبلها تُقي وهو يقول:
"متقلقيش ي حبيبتي هتروحي... انتي الحاجة اللي تبسطك هعملها ولو كلفني ده حياتي."
ابتسمت له بعدم اهتمام هذه المرة. ثم بعد ذلك خرج، وأكملت هي ثيابها، واتجهت إلى سيارتها تقودها. وبداخلها تود أن تمنعه من فعل هذه الجريمة. تمنت هذه اللحظة لو تعلم من هذه الفتاة التي يريد قتلها كي تذهب إليها وتحذرها.
***
مرت ساعتين والاثنان مستغرقان في النوم، ليس نومًا طبيعيًا كباقي الناس، بل نوم يتخلله الكوابيس والأحلام المزعجة. فهذا شادي يصارع كابوسًا ما، وهو يتقلب يمينًا ويسارًا والعرق غطى جبينه. فإذا نظرت إليه، سارت الهوينة في جسدك من تقطيبه حاجبيه التي توحي بأن الكابوس بشع للغاية.
وجانبه تتسطح يارا، وأنفاسها تتلاحق بعنف وهي تحرك رأسها بوجل، بدا عليها. وتردد بخفوت:
"مش عاوزة أموت... عاوزة أخرج من هناا.. لأ.. لأ."
ثم فتحت عينيها فجأة، لتصرخ صرخة بدت مكتومة مضطربة. انتفض على أثرها شادي الذي شحب وجهه هلعًا وخوفًا عليها:
"اهدي اهدي انا معاكي متخافيش."
"إحنا ليه جينا هنا!... ليييه ي رب."
قالتها وهي تنهض من مكانها بصياح. تنظر حولها بخوف أكبر. نهض جوارها يحاول تهدئتها وهو يقول:
"اهدي ي يارا ده مش حل اللي بتعمليه."
"أومال إيه الحل هااا...! قووول.... انا ذنبي إيه في كل اللي بيحصل ددده... ذنبي إيه في الحاجات اللي ظهرت عليا من ساعة ما جيت المكان اللي انت قاعد فيه.... كنت عايشة في أمريكا ومكنش بيحصل كللل ددده... ليه من ساعة ما قابلتك وكل حياتي بقت مشاكل... ممكن تفهمننني."
كانت تقول كلامها بصراخ وانهيار من الحال التي هي عليه، ولا تعلم أين المفر.
بينما هو كان يتابعها بصدمة وكأنه هو المذنب والسبب فيما يحدث معها. ليرد عليها بصوت ارتفع قليلاً إثر غضبه من كلامها السخيف:
"متحسسنيش إني السبب في اللي ظهر عليكي ده. ده قدرك ونصيبك إنك ترجعي من برة علشان تقابليني ونمر بالقرف اللي بنمر بيه ده. هو ليه حضرتك حاسة بمشاكل لوحدك.... مانا في مأزق معاكي أهو ومش عارف هنتصرف إزاي."
"انا مليش دخل في الموضوع ده انا عاوزه أخرج من هنااا وأنت لازم تتصرف مش انت عندك قوة أنت كمان!... من يوم ما شفتك في الشركة وعنيك بتتلون وانا في خطر وبدأ يظهر عليا الحاجات دي... شادي أنت ساحر صح؟! قوولي الحقيقة طيب ليه حولتني زيك.. مكنش هاين عليك تسيبني عايشة حياتي الطبيعية زي الناس!!.. انتتت مش بترد د علياااا لييييه...."
"بس كفاااايه مش قااادر اسمع صوتك."
قالها شادي بغضب ووجهه يتصبب عرقًا ويديه ترتعش. حتى لم يشعر بعينيه التي تبدل لونها، ملامحه تغيرت كثيرًا. ينظر بغضب إلى تلك يارا التي تراجعت للخلف وهي تبتلع ريقها بصعوبة خوفًا من هيئته البشعة التي تحول إليها. حتى أنه ظل يقترب منها دون وعي يقول بلهجة زلزلت كيانها:
"انتي تسكتييي مش عاوز اسمع كلامككك دماااغي فيها ألف صوت."
ركضت هي من أمامه ببكاء في تلك الجزيرة التي لا تعلم بدايتها من نهايتها. فكانت كالتائهة تركض أمامها حتى أنها فجأة وجدته أمامها وكأنه طار في الهواء.
صرخت بشدة وهي تمسك رأسها وقلبها كاد على وشك أن يتوقف بالمعنى الحرفي.
"ا.. انت شادي؟!.... اننت شادي صح!!. إيه.. إيه حصلك... متخوفنيش ي شادي... انا يارا ارجوك رجع شكلك الطبيعي.... ارجوووك."
قالتها وهي تتوسل إليه. حتى أن قلبه بدأ يدق بعنف وهو ينظر إلى وجهها جيدًا. فكأنه للحظات قد نسي من تكون هي. حتى أنها سنحت لها الفرصة بالهروب من أمامه. وبينما هي تركض لتصطدم بذاك الساحر دراكو.
"ارجووك ساعدني... شادي عاوز يموتني وشكله اتغير مش عارفه جراله اييه... ارجوووك."
نظر دراكو أمامه ليرى شادي، يبحث عنها بكل إنح. ليعاود نظره إليها وهو يقول بثبات:
"لا أستطيع."
"متقووولش كددده وحيااه أغلى حاجة عندك اتصررف... طيب فوقه من اللي هو فيه..."
"قولتلِك لا أستطيع، هُنا بالجزيرة كل شخص مسؤول عن حماية نفسه. إذا فعلتي ذلك ستستطيعي أن تُنقذي نفسك."
قال جملته ثم رحل من أمامها، تصرخ هي به وترُكض خلفه حتى أنه تبخر من أمامها كالبخار. لتنظر خلفها كي ترى أين يوجد هو.
أخذت تتفحص المكان بعناية ولم يوجد له أثر. ثوانٍ معدودة ووقعت أرضًا بصراخ عندما ظهر أمامها من العدم وبدأ يقترب منها بنظرات شيطانية.
كادت أن تفقد نفسها وتنسى قدرتها في إيقافه وأنها تمتلك قوة هي الأخرى مثله. لتنظر إلى تلك الأساورة بيديها وتنظر إليه بخوف أكبر. حتى أنها وجهت أساورتها إليه وما إلا ثوانٍ ووجدته يسقط جانبها وقد اختفت تلك التغيرات التي طرأت عليه.
أخذت تتنهد براحة وهي تُقبل أساورتها التي لا تعلم كيف يوجد بها هذا السحر وكيف كانت مع أمها. احتضنت نفسها وأساورتها التي أنقذتها في الوقت المناسب، وإلا كان شادي سيقتلها دون وعي منه. حتى أنها في هذا الوقت تذكرت حديث دراكو وأنها تستطيع إنقاذ نفسها. شعرت بأنه يعلم هويتهم ويعلم من هما، لكن لِما يُخفي عنهم!
***
توجه زياد بسيارته لمركز الشرطة. وفي نفس الوقت الذي ترجل فيه من السيارة، كان على الجهه المقابلة ماهر يفتح باب سيارته ليترجل منها هو الآخر. لمحه ماهر يدلف للداخل ويبدو أنه على عجلة من أمره، فناداه. والتفت له زياد الذي ابتسم وخلف ابتسامته الماكرة الكثير من الشر والكراهية يقول:
"إيه الصدفة الحلوة دي، بس غريبة إيه منزلك النهارده مش إجازة ليك؟!"
بادله ماهر الابتسامة بنفس ذاك المكر وهو يقول:
"الصدف الحلوة بتجمع الناس الحلوة!، انا نازل في شغل للأسف ميقدرشوا يستغنوا عني حتى في إجازتي. فيه قضية جديدة هشتغل عليها."
"طيب زي الفل خالص.. انا عارف ماهر الطوخي كويس مش بتاع قعدة وعنده الشغل على قلبه زي العسل."
قالها زياد بخبث. بينما قابله ماهر بامتعاض قائلاً:
"ربنا يقدرني بقي.. المهم انت عامل إيه في قضيتك فيه جديد ولا حاجة؟!"
"ماشين فيها اهو بنحاول أدعيلي أنت بس."
لحظات وارتسمت على ملامحه الجذابة ابتسامة ماكرة. عندما لمعت برأسه تلك الفكرة الجهنمية التي ستجعل الفرصة سانحة أمامه لفعل ما يريد وهو يقول:
"بس انا معايا دليل قوي ممكن يفيدك ي زياد في القضية دي."
ابتلع ريقه بتوتر وهو يقول:
"دليل إيه؟!"
لاحظ ارتباكه وتوتره ليقول بلهجة صارمة:
"شهد خالد الجبالي هي أكبر دليل في القضية دي. ابدأ من عندها وواثق إن اللغز هيتحل."
راقب ماهر ملامحه وعينيه التي تبلورت للأمام بعد سماع اسمها. ليبتسم بسخرية وهو يكمل:
"متقلقش انا آه مقدرتش آخد منها عقود نافعة لأنها ذكية أوي ووراها حد مقويها بس ده مش عليك صح ي زياد؟!"
ابتسم زياد رغم صدمته وتوتره من حديثه ومن كل حرف قاله. ليقول محاولاً تنظيم وتيرة أنفاسه المتسارعة:
"طالما انت بنفسك واثق من النقطة دي يبقى خلاص لازم هقابلها واتكلم معاها."
"طيب اوعدني ي زياد إنك تطلع منها بمعلومة تفيدك في القضية."
قالها ماهر بسخرية وشكوكه كلها تتأكد أمامه وهو يربت على كتفه. ليرد زياد التي كاد على وشك أن يفقد عقله ويلكمه:
"بوعدك إن شاء الله."
أومأ له ماهر ثم رحل من أمامه بهدوء ما يسبق العاصفة. وبالخارج زياد الذي ما زال واقفًا مكانه بعد حديث ماهر. وهو يعلم جيدًا أنه كان يقصد إغاظته في كل حرف تفوه به، وأيضًا تأكد بأنه يشك به وسيفعل المستحيل من أجل أن يفضح ويعلم حقيقته. هو وحده يعلم تفكيره وعقله الجهنمي.
"انا كنت صابر عليك لحد دلوقتي مش حباً فيك. قولت اريح انا نفسي شوية لكن بعد اللي قولته اوعدك أن من بعد اليوم مهيبقاش فيه حد اسمه ماهر الطوخي! لازم أخللّص عليك وامحيك من قصادي."
***
بينما في الغرفة كان نائمًا أرضًا، شارد في اللاشيء، لا ملامح له. فقط الصمت يعتليه منذ ما حدث ليلة أمس وما فعله. يتذكر كيف أخرج عليها شحناته. ينظر إليها من حين لآخر كي يطمئن عليها. حتى أنها في هذا الوقت كانت تبربش بعينيها منذ ليلة أمس. ليغلق هو عينيه متظاهرًا بالنوم.
نهضت بتعب وهي تحاوط رأسها بيديها بعدما شعرت بثقل وصداع شديد. حتى وقعت عينيها عليه، واضعًا فراشه بالأرض وينام عليها. فرغم حزنها وغضبها من ما فعله معها، رق قلبها على هيئته. وهي تعلم جيدًا أن ما فعله لم يقصد به شيء، فكان فوق إرادته وهي من تسببت في تحوله ليلة أمس.
نهضت من الفراش بهدوء وهي تأخذ بعض من ثيابها. ثم اتجهت إلى المرحاض تأخذ حمامًا منعشًا. وهي تحاول أن تنسى ما حدث. تبتسم رغمًا عنها وهي تتذكر كل حديثه وما قاله. فكانت بوعيها تنصت لكل ما تفوه واعترف به ليلة أمس. تشعر بسعادة غريبة، لكن هذه السعادة يعيقها وجهها الآن. تذكرت جيسيكا وما فعلته بها بسبب حبها الأناني الذي جعل فريد لم يفرق بينها وبين تلك عاليا. تنهدت بضيق وقلة حيلة وهي لا تعلم ماذا سيحدث بعد ذلك.
أخذت ثيابها ترتديها. وبعدما أكملت ارتدائها، نظرت إلى نفسها في المرآة بخجل اتضح من عينيها. وهي تحاول جذب الأكمام على أكتافها، ولكنها لم تستطع. فبرغم أن هذه نوعية ثيابها وما ترتديه دائمًا، لكنها لا تعلم لِما شعرت بالخجل والاضطراب. فكان ما ترتديه يظهر أنوثتها. كانت تلك التناسقات في جسدها أظهرت أقل الأشياء إثارة عليها. لتفرد شعرها على كتفيها كمحاولة لتغطيتهم قليلاً.
خرجت من المرحاض لتجده ما زال مسطحًا نائمًا. اتجهت تقف أمامه وهي تتفحص وجهه بحب ارتسم على ملامحها. بينما هو لم يستطع أن يكمل في تمثيلية نومه كثيرًا. حتى أنه فتح عينيه فجأة لتشهق هي بخجل بعدما وجدها تتفحصه.
لتُعطيه ظهرها وهي تفرك بكلتا يديها. تعاود خصلاتها إلى الخلف. بينما هو ابتسم ابتسامة وسيمة وهو ينهض. لم يشعر بنفسه إلا وهو يعانقها من الخلف، محكمًا يده عليها، رافضًا فرارها منه. وبهمس حنون داعب أوتار قلبها:
"أنا آسف."
قالها ولم يشعر بالخجل منها أو منه. بل كان عليه أن يستوعب حاله الضياع التي تشعر بها هذه الأيام. ثم أكمل حديثه بقول:
"حقك عليا بس الوضع كان أقوى مني."
التفتت إليه تتمسك بثيابه تهتف بحب وهي تدفن جسدها بين يديه تقول:
"متعتذرش ي فريد، انا كنت السبب في اللي حصلك امبارح بس صدقني مكنتش أقصد أزعجك بكلامي غير إني أسمع شوية الكلام اللي اعترفت بيهم امبارح دول."
قالتها وهي تبتسم، تشعر بدفء وأمان بين يديه.
بينما هو استنكر كلامها ليُبعدها عنه وهو يقول:
"كلام إيه!"
"انت بتكابر ليه ممكن أفهم؟!.. ليه عاوز تبعدني عنك وتمثل قسوتك دي! فريد كون واثق إنك مهما تعمل فيا انا عارفه ومتأكدة إنك بتحبني زي ما بحبك."
قالتها بنبرة متلهفة أن تستمع اعترافه لها بحبه ثانيةً. لكنها وجدت ملامحه قد تبدلت قليلاً وهو يتفادى النظر إليها. لتمسك يديه وهي تحاول أن ترفع نفسها أمامه كي تبقى عينيها أمامه وهي تقول بنبرة أنثوية:
"طيب بص في عنيا كده وقول إنك مش بتحبني.!"
وجدته يُبعد نظره أكثر عنها. لكنها لم تستسلم، قرّبت وجهه أمامها ثانيةً وهي تعيد ما قالته. حتى أنه تاه في عينيها هذه المرة ولم يستطع أن يبعد نظره. فترك لنفسه ولقلبه العاشق أن يتصرف هذه المرة بعد ذاك العناد والبعد.
لم يفكر كثيرًا وقتها، مال نحوها يضمها إلى صدره في عناق كبير حار. فيما يفرك كفوفه فوق جذعها العلوي يقربها منه، شاعرًا بالسعادة والأمان وتلك الألوان الوهمية المنبثقة من حرارة مشاعرها تلتف من حوله وتحتويه من جديد.
بادلته العناق دون انتظار أو تردد منها. فرفع رأسه غير قادر على مقاومة ذلك الشعور الذي انتابه عندما أحاط جسدها بين ذراعيه. طال عينيها لوهلة قبل أن يحتضن ببطء بتلات ثغرها الوردية بحنو بالغ في قبلة خرافية نقلت كلاهما إلى عالم الغرام. حيثما تسقط فيلتقطها، وعندما يسقط لا تتوان هي عن التقاطه. عالم لطالما كانت بدايته هي ونهايته هو، ولا يوجد فيه فاصل بينهما.
***
بينما كان ماهر منكبًا على الأوراق المبعثرة أمامه يتفحصها بتتمعن ودقة. وقتها زج العساكر بعض من الشبان وفتاة. رفع بصره ليصوبه نحوهم ببرود واستحقار. متلاعبًا بنظراته على أربعتهم من رأسهم لاخمص قدميهم. ثم ترك الورق من يده وأخذ يحك ذقنه في برودٍ غير عابئ بهم. لحظات وثبت حدقتيه على تلك الفتاة التي كانت تبكي في توتر وخوف وهي تود أن تقول شيئًا.
وجه ماهر حديثه لتلك الفتاة وهو يقول:
"شكلك كده بهيئتك النضيفة دي مش وش شبهات."
"أيوه والله ي باشا انا مليش دخل والله مظلومة."
قالتها تلك الفتاة بلهفة وهي تتوسله. بينما هتف شاب منهم ومن الواضح أنه ثمل للغاية يقول بنظرات شهوانية:
"انتي هتستعبطي ي حلوة ما إحنا كنا ماشيين حلو وكنا آخر تسلية."
"اخرررس."
صاح به ماهر مشيرًا له بيديه. ثم أكمل:
"مش عاوز أسمع صوتك أنت فاهم."
"والله ي باشا ما حصل دول هما اللي خطفوني للشقة المشبوهة دي علشان يصوروني في وضع مخل.. صدقني انا مش بتاعة الحاجات دي."
كاد بقية الشباب أن يتحدثوا بعصبية، لكن منعهم ماهر من ذلك عندما صاح بالعساكر كي يأتوا ويخرجهم، تاركين تلك الفتاة فقط. ليعود هو إلى كرسيه يجلس عليه وهو يتفحص وجهها جيدًا وعلامات الضرب والإجبار. لذا أردف بصوت هادئ:
"اتفضلي اقعدي واهدي علشان تحكيلي اللي عندك."
جلست أمامه بارتباك وخوف من ما ينتظرها بعدما تخرج من ذاك القسم. لكنها تحملت الكثير وفاض بها. لم تستطع أن تكمل حياتها في ذاك العذاب. لذا تركت العنان لنفسها وهي تقص عليه ما حدث:
"بص ي باشا انا بنت على قدي وبشتغل وانا بتعلم وبصرف على نفسي. كنت بشتغل في كافيه من فترة ووقتها دخل شاب واتصرف تصرف غير لائق معايا ولما وقفته عند حده حطني في دماغه وكل مرة يطلعلي حد من قريب بدأ يخطفني كل يوم ويعذبني علشان رفضت قربه واللي بيعمله ويروح رامييني في الشارع. والنهاردة انا كنت رايحة جامعتي في أمان الله لحد ما طلعوا اللي شفتهم معايا برا دول عليا وخطفوني وودوني شقة مشبوهة علشان ياخدولي صور ويهددوني بيها بعد كده."
"بيكونوا عاوزين فلوس طبعًا؟!"
قالها ماهر بغل وغضب بعد حكايتها. لتومئ بالرفض وهي تقول:
"لأ ي باشا الشاب اللي انا حكيتلك عنه هو اللي باعهم، وهو غني مش محتاج فلوس.. البني آدم ده مريض نفسي بيستخدم مع كل بنت ترفضه نفس الطريقة علشان يِذلها."
"واكيد تعرفي اسمه؟!"
أومأت له وهي تقول دون تردد:
"اسمه مدحت الهواري."
"انا عارفه ي باشا بعد اللي قولته ده لما أخرج مش هيسيبني وهيقتلني زي ما قتل غيري. انا سكتت كتير بس مبقتش قادرة أستحمل اللي بيحصل فيا... موتي أهون عليا من اللي بيعمله والعذاب اللي بشوفه."
"انتي بتقووولي ايييه!!"
قالها ماهر بصدمة منتفضاً من مكانه بعد ذكر اسم مدحت. لا يستطيع أن يصدق حديثها. لتقف هي برعب أمامه وهي تقول بعدم فهم:
"إيه ي باشا خيررر..!"
"مدحت مين اللي هيعمل كده.. انتي واعية للي بتقوليه؟!!"
"هو حضرتك تعرفه؟!.. "
"ده صديقي وواثق فيه جدًا وانتي شكلك حد مسلطّك عليه.... اعترفي وقووولي مين اللي بعتِك ي بت انتتتي."
"ي باشا والله العظيم دي الحقيقة صدقني، مدحت ده إنسان مريض... الجانب التاني في حياته محدش يعرفه غير اللي جربه... الله يخليك صدقني... وانا واحدة غلبانة زيي هتتبلي عليه وخلاص إزاي... ده مدحت الهواري اللي قادر يدمرني وبعد ما هطلع من هنا انا عارفه انه أول حاجة هيعملها أنه هيتخلص مني."
"انتي أسمك إيه انطقييي.!"
"ن.. ندي."
قالتها ببكاء وخوف. فتأكدت وقتها من موتها المحتوم، سواء من مدحت أو منه.
وجدته يحمل هاتفه وكأنه ينوي أن يدق بأحد. لتحاول أن تُقبل يده وهي تقول بتوسل:
"الله يخليك صدقني انا مبكدبش اررجوك ساعدني اعتبرني زي أختك... ترضى أن أختك يحصل فيها كده!؟"
عاود هاتفه بشفقة على حالتها وهو يقول:
"من غير ما تتكلمي انا بطريقتي هعرف إذا كنتي بتكدبي ولا بتقولي الحقيقة."
قالها ثم نادى بأحد العساكر كي يجلبهم أمامه. ثم جلس بكرسي جانبه وهو يكتب ما يُمليه عليه ماهر:
"تصل العقوبة في جريمة التحريض على الفسق والفجور والفعل الفاضح المخل بالحياء العام في القانون إلى الحبس ثلاث سنوات، وفقاً للمادة 1 من قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961. كما تخص المادة 15 من قانون الدعارة يستتبع الحكم بالإدانة في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة مدة مساوية لمدة العقوبة وذلك دون إخلاء بالأحكام الخاصة بالمتشردين."
ل دينا أسامه 💗
ليأخذهم العساكر إلى الخارج وتلك الفتاة تستنجد به وهي تصرخ وصوتها يتردد في أذنه. ينهض من مكانه بحيرة من حديثها عن مدحت الذي لم يصدقه إطلاقًا.
وبينما كان يترجل في مكتبه بحيرة وتفكير فيما قالته تلك الفتاة حتى أتت له مكالمة ليرد عندما وجد مهاب من يدق:
"عندي ليك خبر بمليون جنيه ي صاحبي."
"بذمتك انت ييجي من وراك ربع جنيه حتى؟!"
"ي اخي دايماً سادد نفسي وكاسفني كده وبعدين علشان تعرف أن مهاب ساعات بيحط حاجة في دماغه خلاص انسي."
"طيب ي سيدي أحكي فيه إيه."
"انا رايح انا والحاجة بالليل عند ست الحسن والجمال ريم وطبعًا لازم هتيجي."
"بتتكلم بجد؟!"
قالها ماهر بعدم تصديق لتنفيذ ما قاله على الفور. ليقابله مهاب:
"أي خدمة عِد الجمايل بقي."
"طيب اوعي تكون قلت للحاجة حاجة على اللي بينا."
"عيب عليك ودي تفوتني.. هي رايحة معايا على أساس إني أشوف ريم والحوار ده... متقلقش انت كله تحت السيطرة. المهم تخلص من القضية دي على خير... وحاسس إنك هتعرف كل اللي انت عاوزه قريبًا."
"مهاب انت خدمتني خدمة مش هنسهالك ربنا يخليك ليا ي صاحبي."
"المهم بس هعدي عليك جهز نفسك عمل ما أديك رنة تاني."
قالها ثم أغلق معه. بينما ماهر قد تنهد بارتياح، يشعر بأن هذه القضية وسيعلم منها كل شيء هذه المرة.
***
بعض الصدف شعورها يبقىٰ عُمْر!!
لدينا أسامه ✨
كان أكرم يقف بشموخه المعتاد أمام الموظفين يتطلع إليهم وإلى المخطط الذي في يده وهو يشير إلى الموقع ويشرح لهم كيفية البناء. ليقع نظره عليها دون الجميع. نعم لم تكن سوى تُقي التي كانت تتابع ما يقوله بإنصات وشغف. ظل ينظر إليها وعينيه مثبتة عليها. ليلاحظ الجميع الأمر. ثم قاموا بالنظر اتجاه ما ينظر إليه رئيسهم ليجدوها هي صاحبة العيون الزرقاء المتوهجة. لاحظت هي تلك النظرات المصوبة إليها لتنظر بعيدًا عنهم بخجل كبير لم تشعر به من قبل. لاحظ أكرم ما فعله دون شعور ليهتف بصوت عالي أجش:
"انتو واقفين عندكم ليييه... اتفضلوا تعالوا علشان تعرفوا الشغل هيمشي إزاي."
ليتجهوا إليه. ولسوء حظ تُقي، وقفت أمامه مباشرةً. ليهتف أكرم بصوت عالي حازم:
"بكرة بإذن الله هنصل الغردقة، تتجمعوا كلكم في مكان الشغل علشان مش بعيد كلامي تاني."
ليومئ الجميع ومن بينهم تُقي التي كادت تموت خجلاً من نظراته المصوبة إليها.
لينتهي أكرم من شرح خطة العمل مردفًا في نهاية الشرح:
"دي خطة العمل... التنفيذ هيبدأ من بكرة إن شاء الله. عاوزين قبل ما البشمهندس شادي يرجع من سفرته نكون خلصنا المشروع." ثم وجه نظره إلى تُقي قائلاً:
"مفهوم ي بشمهندسين!"
ليرد الجميع في صوت واحد:
"مفهوم ي بشمهندس أكرم."
ليرحل الجميع من المكان ومن بينهم تُقي التي كادت أن تركض هربًا من عينيه. ليوقفها وهو يقول:
"بشمهندسة... استني شوية عاوزك في حاجة."
توقفت وهي تشير بيديها قائلة:
"انا؟!"
وضع يديه في سرواله وهو يقول:
"أيوه انتي... الأول ممكن أعرف اسمك علشان تقريبًا كده أول مرة أشوفك."
"أنا تُقي."
"طيب ي بشمهندسة انا لاحظت شغفك وانا بشرح خطة العمل وقد إيه حاسس إنك حابة شغلانتك أوي وده بيعجبني في الشخص وبحترمه جدًا."
ابتسمت برضا وهي تعاود خصلاتها للخلف. فهذا أقل ما يقال عنها. فهي تعشق الهندسة بل تبدع فيها حينما تريد. عاشقة لعملها ولصنع كيان خاص بها. لتردف بشكر:
"أشكر حضرتك... أتمنى دائمًا أكون عند حسن الظن ده."
بادلها تلك الابتسامة وهو يقول:
"وعلشان كده انا حابب تشاركيني رئاسة المشروع ده."
"مش فاهمه!"
قالتها بعدم فهم أو تتصنع عدم الفهم كي لا تظهر فرحتها من ما قاله.
"بإختصار شديد... البشمهندس شادي سلمني شركته ومشاريعه الجاية عمل ما يرجع بالسلامة. كنت ناوي أشوف حد معايا معين وفاهم الشغلانه أوي يكون معايا وطبعًا مش هلاقي أحسن منك ده طبعًا لو موافقة."
"أكيد طبعًا موافقة... أي حاجة تخص الشركة وكيانها انا معاك فيها وشكراً بجد على الفرصة دي، أتمنى أكون عند حسن ظنك."
قالتها ثم همت بالرحيل من أمامه وهي بداخلها تشعر بسعادة غريبة لم تشعر بها من قبل.
بينما بشقة ريم عندما أتى الليل كانت تجلس رفقة هنا التي أتت لها كما وعدتها من قبل بأنها ستأتي وتفاجئها. وها هم الآن يتساورون بضحك.
"أحلى مفاجأة في الدنيا بجد ي هنون."
خرجت ورد على أصواتهم وهي ترحب بصديقة ابنتها ثم قالت:
"صحيح ي ريم طنط سوزان جايه دلوقتي جهزي نفسك علشان دي هتموت وتشوفك."
زفرت ريم بضيق ثم قالت:
"تاني ي ماما تاني!"
"ي حبيبتي يعني أقولها متجيش! وبعدين هي اللي اتصلت بيا وطلبتها مني."
"طيب ي ماما حاضر انا هدخل أوضتي دلوقتي انا وهنا وهجهز نفسي ولما تصل عيوني هطلع أسلم عليها."
وفي هذا الوقت وجدت شهد تقترب منهم وهي تقول:
"سلام عليكم... أهلاً أهلاً عندكم ضيوف ولا إيه."
"دي صديقتي المقربة هنا ي شهدودي. شهد بنت عمي اللي حكيتلك عنها."
قالتها ريم بتعريف بعضهم إلى بعض. لتنظر إليها شهد بابتسامة بشوشة وهي تقول بعدما علمت أنها هنا:
"إيه الحلاوة دي.. اتشرفت بيكي ي حبيبتي."
"انا أكتر حقيقي.. كان نفسي أشوفك من زمان."
"طيب يلا بينا ندخل نتكلم جوا."
قالتها ريم ثم اتجهت بهم إلى الداخل.
وعند زياد بمنزله كان يتجول بمنزله ينادي بتُقي التي كانت تجلس على الأرجوحة وتتأمل بصمت النجوم المتناثرة. ذهب إليها يجثو على ركبتيه أمامها وهو يقول بحب عندما وجدها تجلس بارتياح:
"الجميل بيفكر في إيه، مش المفروض ننام علشان سفرية بكرة!"
نظرت إليه بفرحة وهي تحكي له عن ما قاله رئيسها في العمل. لتنهي حديثها بقول:
"بجد كان واثق فيا أوي وأعجب بيا وخلاني أشاركه في المهمة دي تخيل."
نظر لها بضيق وانفعال من هذا الشخص ليقول:
"أعجب بيكي إزاي ممكن تفهميني؟!"
نظرت إلى عينيه الغاضبة وغيرته المعتادة عليها. فهو يعاملها كأنها زوجته وليست أخت فقط. لترد هي بتوضيح:
"مقصدش اللي في دماغك ي زياد، أقصد أنه شاف شغفي واني حابة مجالي مش أكتر."
"وانتي الوحيدة اللي حابة مجالك هناك بقي على كده؟!"
قالها دون تصديق لما تقوله. لترد هي بعصبية من غيرته الغير مبررة:
"فيه إيه ي زياد هو تحقيق ولا إيه؟!.. انا أصلاً غلطانة إني حكيتلك عن حاجة فرحتني."
"انا عارف نوعية الشباب دي كويس. ابعدي عنه وخليكي في شغلك انتي فاهمه!"
قالها بتحذير يرحل من أمامها. تراقب خطواته من بعد. تتنهد باختناق تنظر للسماء وهي تقول:
"ي رب انا بجد تعبت."
بينما عند ريم دلفت ورد إليهم وهي تقول:
"بقولكم ي بنات تعالوا معايا برا علشان دول وصلوا تقريبًا علشان أعرفها عليكم وتساعدوني في الأكل."
"هما مين دول اللي وصلوا؟!"
قالتها شهد بعدم فهم. لترد ريم وقتها وهي تومئ لأمها. ثم عاودت ببصرها لشهد وهي تقول:
"دي صاحبتها وعازماها قال إيه هتموت وتشوفني."
"بس هي قالت وصلوا يعني فيه حد معاها أكيد!"
لم يأتي بمخيلة ريم أنها ستأتي رفقة ابنها الذي تحدثت أمها عنه. لتضرب رأسها بنفاذ صبر وهي تحكي لهم. وبعدما أنهت قهقهت شهد وهي تقول:
"طيب إيه المشكلة ي ريم اخرجي عادي مش هتخسري حاجة في السلام وبعدين هنخرج معاكي اهو."
"طيب يلا بينا... أمري لله بقي."
***
"و بتلك الجزيرة المخيفة عندما يحل الليل كانت أصوات غريبة ترتفع بها. كانت يارا تهز جسد شادي كي يفيق. الذي ما زال ملقى بعدما أخرجت شحنته وطاقته.
"انت بني آدم غريب.... من ساعة ما جينا هنا وانت مش حاسس ولا بتسمع الحاجات اللي بسمعها... سايبني انا للرعب ده... قووووم بقي."
وبعد عدة دقائق بعدما فقدت الأمل في إفاقته، فاق أخيرًا يصوب بصره إليها. فوجد الاختناق والخوف يعتلي ملامحها.
"مالك؟!"
سألها بنبرة حملت الدفء وهو يعلم أن ما بداخلها متأجج الآن. فأجابته بعدما حاولت تجميع كلماتها:
"انت ليه طول الوقت سايبني لوحدي! تعرف إنك كنت بتحاول تقتلني لولا أساورتي دي أنقذتني! انا ليه بيحصل معايا كده مش فاهمه."
نظر لها بصدمة من ما قالته. يُحاول تذكر ما تقوله لكنه فشل. ضم يديها يحاول تهدئتها بترنيمة أعذب:
"اهدي صدقيني انا مش فاكر حاجة خالص. وازاي هحاول اقتلك استحالة أعمل كده."
"لأ حاولت وانا بقيت خايفة منك... أنت قوتك دي شريرة ي شادي وإلا مكنتش حاولت تأذيني."
قالتها بشهقات مرتفعة لتصدر أصوات مخيفة ارتفعت أكثر.
صرخت وهي تتمسك بملابسه تقول: "ي شادي اتصررف لازم نخرج من هناا.. احنا بالطريقة دي هنموت بالبطئ... انا عطشانة اووي وجوعانة والمكان اللي احنا فيه ده مهجور مفهوش أي حاجة ده غير الأصوات... سمعتها!"
حاول مساعدتها في النهوض وهو يقول:
"لازم نحاول نمشي ونعرف أكتر إيه نهايتها. ممكن واحنا في الطريق نلاقي حاجة."
قالها وهي تذهب معه. وبعد فترة من السير وجدوا نفسهم في جزيرة أخرى وكأنهم انتقلوا إليها فجأة. كانت جزيرة مختلفة عن تلك الجزيرة. كانت مضيئة ومن الواضح أن يوجد بها أناس.
"هو ده مكان تاني ي شادي!... شادي احنا بالطريقة دي بنروح في داهية... ارجووك انت عندك قوة وانا كمان عاوزين نتصرف ونطلع. مش قادرة أستحمل."
قالتها وهي على وشك أن تقع بضعف. ليلتقطها هو يحيطها بيده نحوه، يربت على ذراعيها بحنان يقول:
"متخافيش انا معاكي مش هيجرالك حاجة طول ما أنا جنبك. انا واثق إننا هنعرف حاجة من المكان ده."
قالها مثبتًا عينيه عليها. يدور أمامه نفس ذاك المشهد بأشخاص لم يتعرف على وجوههم. تبدلت ملامحه بصدمة وعدم فهم من تذكره لمشهد لشخصين مثلهم. ومن الواضح أن نفس ذاك المكان لكن الرؤية كانت مشوشة لم يستطع التعرف عليهم. حتى فاق من صدمته عندما سمع صوت فتاة تقول بهلع:
"رياحان!!!"
كيف عُدت!!
رواية ساعة الانتقام الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دينا اسامة
كانت تُقي تُهندم ثيابها وتُحضر كل ما ستستخدِمه في هذه السفريه. حملت هاتفها عندما وصل إليها إشعار، ثوانٍ وفتحتُه لترى أكرم الذي أرسل لها على تطبيق الواتساب يقول:
- متتأخريش بكره ي باشمهندسه محتاجك بدري نرتب بعض الأمور قبل ما بقيه الجروب يوصل.
ابتسمت تُقي لتتسطح أعلى فراشها وهي تُرسل له:
- بإذن الله.
ثم أغلقت هاتفها تحمد ربها على هذه الفرصة التي كانت تحلم بها دائمًا كي تُثبت نفسها. إلى أن فاقت من شرودها على صوت أخيها الذي كان يُراقبها يقول مُتسائلاً:
- غريبه يعني لسه منمتيش؟!
- هنام اهو تصبح على خير.
- وانتي من أهله.
قالها وبداخله يُريد أن يعلم ما الذي كانت تتحدث معه وتبتسم هكذا، لكنه أراد هذه المرة ألا يُزعجها كي تنام ولا تُفكر في حديثه. فتركها وخرج من الغرفة لينزل إلى الأسفل مُتجهاً إلى جنينة منزله يحمل كوبًا من القهوة. يقوم بإرسال بعض الرسائل إلى "شهد" التي كانت على الجانب الآخر.
بعد رحيل ماهر اتجهت إلى شقتها قاصدةً غرفتها، تغلق الباب خلفها وهي تستند بظهرها عليه تزيل تلك الدموع التي سقطت. تجلس أعلى سريرها تنظر في المرآة بقله حيلة ووهن، تشعر بذنب كبير بأنها لا تخبره ما تعلمه في تلك القضية، لكنها خائفة بِشدة لا تعلم ماذا سيحدث بعد ذلك. قررت أن تلتقط هاتفها السري كي تراسله. وبالفعل أخذته ووجدت بعض الرسائل منه:
- عاوز أقابلك ضروري.
- محتاج أتكلم معاكي شويه.
تنهدت بضيق لترد بقول:
- عاوز إيه؟! لو خايف لأحسن اكون اتكلمت متقلقش انا ساكته وكاتمه في قلبي لحد ما اروح فيها.
رد على الجانب الآخر بحزن بدا على ملامحه لأول مرة بعدما قرأ رسالتها:
- بعد الشر عليكي. أنا مش عاوزك في كده، انا واثق فيكي ي شهد، انا عاوز اعرفك حاجه تانيه كنت مخبيها عليكي طول الفتره دي.
- ي سلام وجاي تقولها دلوقتي؟!
قالتها بسخرية وهي تعلم بشأن كذبه وأنه يُريد لقائها من أجل هذا الموضوع ليس إلا.
- صدقيني انا عاوزك فعلاً في موضوع تاني خالص واتمنى تيجي.
أغلقت هاتفها تزفر بإستياء وهي تعتدل في جلستها كي تنام، وبداخلها تعلم أنها لم تنمْ ولو لدقيقة واحدة بعد مُحادثته.
بينما على الجانب الآخر، تجول زياد تلك الجنينة يضع يديه في سرواله متأملاً سكون الليل من حوله. يشتمُ نسائمه العليلة منفردًا بحاله في محاولة تصفية ذهنه عن صراعه الداخلي وعينيه تتذكر شيئًا ما.
**فلاش باك.**
جذبها من خصرها عندما كادت عربة كبيرة أن تُصيبُها. أسدلت عيناه وهي على مقربة منه يجول بنظره أعلى وجهها يحاول التدقيق بكل تفاصيله بها وكأنها كانت الفرصة الوحيدة بعد هذا الاقتراب. لتبتعد هي بخجل تقول:
- مُتشكرة.
- ده واجبي.
قالها وعينيه تجول أعلى وجهها الممتلئ بالدموع ليقول مُتسائلاً:
- خير فيكي حاجه؟!
أومأت بالرفض مُحاولةً كبت دموعها لكنها فشلت عندما انفجرت بالبكاء وهي تخفي وجهها. صُدم بِشدة من هيئتها وتوقع أن شيئًا أصابها. أخذ يتابع جسدها خوفًا من أن تكون تلك السيارة أصابتها بأي شيء، لكنه نظر إليها بصدمة أكبر عندما قالت:
- ممكن توصلني بيتي؟ هو قريب من هنا بس انا مش قادرة أمشي لوحدي.
أومأ لها عازمًا أن تركب سيارته. رفضت هي بقول:
- مش محتاجين العربية خليها.
توجه معها بقلق من حالتها. ثوانٍ ونظر إليها يقول بإكتراث:
- انتي اسمك إيه؟!
- شهد، وأنت؟
- أنا زياد.
- ممكن سؤال تاني؟
قالها بخجل بسيط لتومئ له:
- هو انتي بتعيطي لي؟!
نظرت إلى الجانب الآخر وهي تسير معه ببطء. نظر هو إلى الأسفل بخجل من سؤاله ليتفاجئ بردها عندما قالت:
- كانت خطوبة حبيبي النهارده!
رمقها بحزن وضيق مُردفًا:
- وهو كان بيحبك ولا كان حب من طرف واحد؟!
- كان حب مُتبادل بس مش عارفه إيه اللي غيره وخلاه يخطب اعز صديقه ليا قصاد عيني.
شعر بألمها وحزنها ليقول مُحاولاً تهدئتها:
- طيب اهدي، لو كان فعلاً بيحبك يبقى اكيد حاجة أجبرته أنه يخطبها.
نظرت إليه بتمعن ثم قالت:
- هو قالي أن خطوبته مُزيفة بس انا قلبي وجعني أوي بعد اللي شفته.
- طيب زي الفل إيه مزعلك بقي؟!
- خايفة يكون بيكدب عليا ويتعلق بيها وينساني!
- لو كان بيحبك فعلاً عُمر ما أي بنت هتأثر عليه.
- أنت حبيت قبل كده؟!
قالتها شهد بتساؤل وهي تشعر بالراحة بعدما أخرجت كل ما في قلبها له. ليرد هو بمرح:
- لسه والله ومُنتظر بنت الحلال.
- اكيد هتلاقيها... أنت طيب أوي وتستاهل.
أبتسم هو بعدما راقب ملامحها التي تبدلت للسعادة ولو قليلاً ليُضيف بمرح:
- وأنا أقدر أساعدك كمان لو تحبي... إسم حبيبك ده إيه؟!
- إيه هتشتغل خاطبة؟!
قالتها بضحك وصوتها قد ارتفع قليلاً. يُراقبها هو بشعور احتل قلبه وقتها ولا يعلم كيف يخرج منه:
- ي ستي شكرًا.... بس بتكلم بجد، إسمه إيه؟
- إسمه ي سيدي "سمير النوبي".
توقف زياد عن السير يحاول استيعاب ما قالته ناظرًا إليها بصدمة يهتف:
- تقصدي رجل الأعمال!!!!
لاحظت هي ملامحه وتوقفه عن السير ترد مُتعجبة:
- إيه مالك! أنت تعرفه؟!
- عِز المعرفة!
قالها بغلٍ وحقد ثم أكمل:
- أنا حضرت خطوبته علفكره، مش كانت على بنت اللوا سليم؟
أومأت له بتعجب تردف:
- وانت تعرفه منين؟!
- صديق قديم.
قالها بلهجة خبيثة تحمل معانيٍ كثيرة. لتتوقف هي قائلة:
- هو ده بيتي... شكرًا جدًا علي مساعدتك ليا ولو كان الوقت بدري شويه كنت طلعت تشرب حاجة.
نظر إلى ذلك البرج التي تقيم به ثم عاد بنظره إليه مُحاولاً التبسم يقول:
- لا شكر على واجب، المهم إنك كويسة، وده رقمي لو احتاجتي أي حاجة.
أخذت رقمه بإبتسامة صافية ثم رحلت، بينما هو ظل مكانه لدقائق يحاول استيعاب ما قالته.
**باك.**
- ي ريتني ما شوفتك في اليوم ده ولا ورطتك في كل الحاجات دي!
قالها زياد وهو يُأنب نفسه وقد شعر بالفعل أنه قد استغلها لمصلحته كثيرًا. حتى أنه أغلق على قلبه الذي دق لها منذ اللقاء الأول كي لا يضعف ويحقق انتقامه عن طريقها.
********************
في صباح اليوم التالي، استيقظت "آيه" على صوت زقزقة العصافير النشطة التي تتنقل في الأرجاء بحثًا عن الرزق. رمشت عدة مرات تستعيد وعيها بالكامل بينما قبضت على شفتيها ابتسامة احتضنت كامل وجهها وهي تتذكر أمسيتها المتأججة مع فريد البارع في اللعب على جميع أوتارها. زادت ابتسامتها شاعرة بالنضارة وقد تجددت أوراق محبتهما من جديد وكله بفضله هو.
بحثت عنه بعينيها حتى وقع بصرها عليه يقف في الشرفة وكأنه يُحادث أحد بالهاتف يبتسم من حين لآخر. شعرت بالغيرة طفيفًا من أنه يحادث فتاةً ما. لذا اقتربت منه بهدوء وهي تحاول أن ترى من الخلف بمن يُراسل، لكنه فاجأها عندما أدار فوراً يغلق هاتفه بصدمة من وجودها يقول بتوتر بدا عليه:
- كويس إنك قومتي، انا جهزت شنطتك.
- كنت بتكلم مين؟!
- بكلم مين إزاي؟!
قالها بتعجب من سؤالها غير المنطقي لتقول وهي تعقد ذراعيها بإصرار:
- سؤالي واضح... مين اللي كان أو سوري كانت بتضحكك اوي كده؟!
- وبصفتك مين يعني بتسأليني السؤال ده؟!
قالها بغيظ واستفزاز لاحظته هي. عقدت حاجبيها بعدم فهم من جملته ترد:
- يعني إيه! تقصد بأيه صفتي إيه؟!
- كلامي واضح أنا كمان زي كلامك وبعدين ممكن متدخليش في خصوصياتي؟!
- خصوصيات؟!
قالتها بصدمة من تحوّله المفاجئ معها هذا الصباح، فكأن الدنيا تُعاندها على السعادة. كلما فرحت لم تكتمل فرحتها كثيرًا.
رحل من أمامها وهو يُهندم ثيابه غير عابئً لها. تنظر إليه بعدم فهم من تصرفه غير السوي تتجه صوبه قائلة:
- ممكن أفهم إيه اللي غيرّك كده؟!
- مانا زي الفل اهو!
- فريد بصلي وانا بكلمممك!
قالتها صائحة بغضب من تجاهله لحديثها وليست أول مرة يفعل ذلك، فكأنه يتلذذ كل مرة في تعذيبها بهذه الطريقة دائمًا.
أما عنه همس داخله:
- آسف ي آيه مقدرش أضعف تاني معاكي، كده أفضل لينا.
تنهد بِقله حيلة ينظر إليها ليجدها تلتهمه بعينيها ليردف:
- بصيت عاوزه إيه تاني؟! مش كفايه عليكي يوم إمبارح! ولا مشبعتيش!
- إيه ساكته لي!
صفعة قوية هوت من كفها على خده من قوتها جعلت شعره يتطاير ولف وجهه على أثرها، بينما هي انهالت الدموع من عينيها بغزارة لتقول بألم وحسرة وبصوت متهدج ضعيف:
- أنت واحد حقير وزباله... ي ريتني ما حبيتك.
ركضت إلى المرحاض ثم أغلقت خلفها سريعًا قبل أن تتلقى العقاب على ما فعلته.
صمت طويل سيطر على فريد واقفًا يستوعب ما حدث! تحسس بأنامله خده وفمه مفتوح بصدمة دلالةً على عدم الاستيعاب. قطب حاجبيه بعدم تصديق، والدهشة تطغي على ملامحه... سرعان ما استعاد وعيه وتأكد بأن ما فعلته آيه واقعي لا مفر منه.
ماذا؟ لقد ضربته؟! جرحت كبرياءه كرجل... بل ودهست بكرامته الأرض! وماذا عن ما قاله هو من كلام نزل على قلبها كالجمر فأحرقه! أليس عدلاً ما فعلته؟!
كور يديه بقوة وبغضب غليظ حتى برزت عروقه من شدة الضغط وكاد أن يضرب عرض الباب وهو ينوي كسره ليدخل ويلقنها درسًا لن تنساه، لكي تعلم أن ما فعلته لا يقبله رجل على نفسه مهما كانت درجة حبه لامرأته.
لكن ماذا عن جملته هو؟! ماذا عن مشاعرها وقلبها الذي تمزق! جلس على الأريكة يتذكر جملته القاسية التي لا يعلم كيف قالها هكذا دون شعور! أراد إبعادها كي لا يضعف وتضعف هي معه، لا يريد أن تحدث بينهم تلك الأشياء في هذه الأوقات الصعبة، أراد أن يحتفظ بمشاعره لها لحين أن تكون ملكه شرعًا، لكن لم يعلم أن طريقته كانت قاسية معها هذه المرة. وصل لمسامعه صوت نحيبها من الداخل، ترجل إليها وهو يطرق بابها قائلاً بهدوء:
- أنا مكنتش أقصد بجملتي حاجة. أنا آسف.
لم يستطع أن يتحدث أكثر لأنه يعلم إذا خانته العبارات سيضعف، بل إذا رآها بهذه الحالة فلم يستطع الابتعاد لذا رحل فورًا بعدما قال جملته.
********************
- طلعونييي من هناااا.... في حد سامعنييي!
كانت تصيح يارا وقتها بعدما فاقت من نومها ووجدت نفسها ما زالت في هذه الحفرة العميقة.
- الله يخليكم انا بخاف من المنخفضات. حد يخرجنييي.
قالتها ببكاءٍ على حالها وما توصلت إليه في لحظة، تمنت لو أنها لم تعدْ من أمريكا ولم ترى شادي وقتها، حتى فاقت من تفكيرها على صوت فتاة تقول:
- ماذا حلّ بكِ ي فتاه!
نظرت يارا للأعلى ثم صاحت كي تسمعها تلك الفتاة:
- ارجوووكي انا وقعتتت هنا. ساعدينيييي من فضلللك.
- انتظري سوف اُخرجك.
وبالفعل، رفعتها إلى الأعلى بيديها التي كانت تشع أشعة غريبة، لكن لم تندهش يارا كثيرًا فإنها بعالم الخوارق. رُبما لتقول بإمتنان:
- شكرًا جدًا ليكي انا مش عارفه أشكرك إزاي.
- كُنت أعلم أنكِ ستأتي مرة أخرى.
قابلتها يارا بعدم فهم لتُضيف تلك الفتاة:
- نعم انا أعلم عنكِ كل شئ، حتى أشياء لم تعلميها.
- ارجوووكي ساعديني أخرج من هنا. أنا مش عارفه انا جيت المكان ده ازاااي.
قالتها يارا بتوسل لتُجيبها الأخرى:
- قدرك الذي آتى بكِ إلى هُنا عاطِفة.
- أنا أسمي يارا ومين دييي!!! أنا مش فاااهمه حاجة هنا.
- نعم أعلم عزيزتي أنه مُجرد إسم جديد في عالمك الوهمي، لكنكِ عاطِفة وُلدتِ من جديد.
- يعني إيي!!
توسعت عيناها من حديث هذه الفتاة الذي يحمل العديد من الأسرار عن حياتها.
- أنتي عاطِفة إبنة الساحر الأعظم دراكو مالفوي.
شعرت بالتشويش بعدما ذكرت اسم هذا الساحر الذي قابلته هي وشادي معًا، لكنها لا تفقه ما هذا الذي تحكي به وكيف تُصدقها؟!
- أعلم أنكِ مصدومةً لكن هذه هي الحقيقة. لقد ارتكبتي إثمًا كبيرًا في عالمنا لذا اباكِ قرر أن يُخرجكِ من هذا العالم إلى الأبد ومعكِ هذا ريحان.
- اثم! أنا مش قادرة استوعب اللي بتقوليييه!
- هذا ريحان ساحر هو الآخر لكنه ذاك دم دَّنِس بينما أنتي ذات دم نقي. أراد هو وعشيرته أن يسيطروا على العالم أجمع بسحرهم البذيء لكن دراكو لم يسمح لهم بذلك وتداخل معهم كثيرًا. لذا قرر هذا المدعو ريحان أن يخطفكِ كنوع من التهديد لابيكِ كي يكف عن ما يفعله، لكنه لم يعلم أنه فعل الشيء الخاطئ!
كانت تنصت لها يارا جيدًا رغم صدمتها من ما تسمعه، لكنها تشعر أن هذه الحقيقة رُبما...
- كانت عشيرته تحاول تعذيبك من حين لآخر لكنه لم يتحمل رؤيته لكِ تتألمين.
- حبها؟!
قالتها يارا بتعجب لتؤكد ذلك تلك الفتاة وهي تُكمل:
- نعم احبكِ كثيرًا واصبحتِ كالدم يسري في عروقه وهذا ما جعله يخترق قوانينه وقام بعلاقة معكِ.
لم تفهم يارا ما تقصده بتلك علاقة! لذا قالت مُتسائلة:
- علاقة إزاي؟!
- لقد اصبحتِ حامل ي فتاة! أتفهمين هول المشكلة أن تصبحي حامل من ساحر عدو لكِ ولعائلتك؟!
توسعت عينا يارا من الصدمة وهي تقول:
- حامل؟!
- نعم وهذه الخطيئة من جعلتكم تتركون عالمكم للأبد فكان لا بد من مجيئكم مرةً أخرى.
- لي؟! مش المفروض أنهم عملوا خطأ؟! ليه يتولدوا تاني؟!
قالتها يارا مُتجاوبة معها بعنايةٍ لتُكمل تلك الفتاة بتوضيح أكثر:
- هذا الطفل الذي كان يكبر في رحِمها لقد أسقطته بناءً على رغبتها هي وهو وهذه كارثة فعلوها دون إعلام أحد!
- طيب ما ده كان الصح من وجه نظرهم وقتها!
- لا عزيزتي، هذا خطأ شنيع. لقد قتلوا ساحرًا كان سيُخلق فكان عقابهم ترك عالمهم والتجول في العوالم الأخرى.
- طيب والمفروض إيه دوري ودور شادي ولي جينا لهنا برضو مش فاهمه؟!
- آتيتم إلى هُنا كي تصلحوا ما فعلتوه بالماضي.
- نعم!! يعني إيه؟!
- لا بُد أن تنشأ علاقة حميمة بينكم وتجلبي هذا الطفل لكن تذكري هذا الطفل ستتركينه هُنا إن أردتِ أنتِ وهو الذهاب وترك هذا العالم.
شهقت يارا بفزع من جملتها لتقول بصدمة وعدم تصديق:
- انتيييي بتقوليييي ايييه؟!!! إيه الهبل اللي بتقوووليه ددده.... احنا ماااالنا.... احناااا مش هُما لييي مش قادرة تصدقيييي.... حتى لو هما شبهنا بس احنا غيررهم.
- اصمتي قليلاً ي فتاة، ها أنتم عُدتم من جديد، لم تسألي نَفْسكِ كيف آتيتي بهذه القوة أنتى وهو؟!
صمتت يارا تبتلع ريقها بصعوبة من جديتها ونعم هذا ما فكرت به، كيف تمتلك هذه القوة! لكنها من هول ما سمعت لا تستطيع أن تُصدق.
- أعلم ما تُفكري به لكن هذه الحقيقة والتي ستحدثُ في القريب العاجل. أبيكِ أرسلني إليكِ كي أُنقذك مما انتي عليه. لقد جعلني أقص عليكي هذه الحقيقة ولم يستطع هو لأنه عُوقب وقتها بالسجن مائة عام بعد فِعلتك ولا يُريد أن يُعاقب مرة أخرى.
- اتبعيني كي أُريكِ وجهتك!
قالتها بلهجة آمرة، تنظر لها يارا بضيق ثم تبعتها بقله حيلة في هذا العالم التي لم تفقه عنه أي شيء.
********************
كان يرتدي ثيابه الأنيقة كعادته... تلك الوسامةُ الغيرُ طبيعية... كأنه تمثال منحوت بدقة ووسامته كتماثيل اليونانيين في القرن التاسع عشر، وسامته الشرقية التي لا تُقارن بأي وسامة أخرى، يستحق لقب أوسم رجل في العالم وبجدارة.
كانت هؤلاء الفتيات يلتهمونه بأعينهم وهو يقص عليهم ماذا سيتم بعد استراحتهم.
- يلا كل واحد يروح أوضته وكمان تلات ساعات نحضر هنا.
- تمام ي باشمهندس.
قالها الجميع ثم رحلوا. بينما تُقي هندمت أشيائها التي أصرت أن تعمل بها في هذا المشروع رغم توفر أدوات الشركة. فأوقفها أكرم يقول بنبرة هادئة:
- شكرًا علي مساعدتك ي باشمهندسه.
- العفو ده واجبي حضرتك.
نظر إليها بإعجاب واضح لاحظته، لترحل وقتها بخجل من نظراته مُستأذنة. بينما هو تابع أثرها بإهتمام وشغف.
وعلى الجانب الآخر.
كان "ماهر" يجلس في غرفته المُعدة بكامل الأجهزة الأمنية التي يحتاجها. وعلى يسار يده كوب القهوة باللبن الذي يحبه، ارتشف القليل منه ثم وضعه وهو يركز على شيء في الحاسوب الذكي أمامه. حتى أتى هؤلاء الشباب بعدما دعاهم، يقفون أمامه وهو يرتشف رشفة أخرى ثم نهض يجلس أعلى مكتبه يقول بِحدة:
- مين اللي وراكم؟!!!
نظروا إلى بعضهم البعض بعدم فهم من جملته ليُعيد سؤاله بغضب واضح:
- حد إسمه مدحت هو اللي وراكم؟! هو اللي خلاكم تعملوا كددده؟ انطقووو.
نظروا إلى بعضهم ثانيةً ليردوا مُنتهزين هذه الفرصة بقول:
- ايوه ي باشا هو مدحت ده... عطانا فلوس كتيرة أوي علشان نوديها الشقة دي ونصورها ونفضحها.
- انتووو كدااابين...!
انكمشوا جميعًا من فرط عصبيته ليقول واحدُ منهم بخوف:
- ي باشا هنكدب لي... وبعدين دي مش أول مرة نعملها لمدحت بيه... ياما عملنا كده علشان يرضى نفسه.... مدحت بيه ده مريض ي باشا وماشي يدوس على خلق الله.
- اخرررس!
قالها ماهر بغضب وأمر برحيلهم وهو يمسح وجهه بقوة بعدما سمع ما قالوه عنه... أيُعقل أنه خُدع بصديقه هكذا؟!
وعند زياد في منزله فقد دعا شهد إليه بعد ذهاب أخته. وبعدما وصلت قابلته بلهجة حادة تقول:
- ممكن أفهم جايبني بيتي لي؟!
- طيب اهدي... مفيش إزيك عامل إيه؟!
قالها بضحك ليدعوها للجلوس. توترت وهي تجلس تنظر حولها ليقول هو:
- متخافيش! وبعدين ده انا جايبك في النهار أومال لو كنت جبتك في الليل كنتي عملتي إيه!
- وأنا هخاف لي؟! قولي بس بسرعة عاوز إيه مني لأحسن ده انا جبت آخري.
- وأنا كمان!
قالها لتنظر هي إليه بعدم فهم تقول:
- وأنت كمان إيه؟!
وضع إصبعه على خدها يحاوطها بحنانٍ هامسًا وعيناه مُتصلتان في شبك قوي مع عيناها:
- أنا بحبك.
انتفضت من مكانها اثر جملته وما فعله بصدمة تبتعد وهي تقول:
- إيه المسخرة دي!! انت جايبني هنا علشان تقول الجملة السخيفة ددي!!
- مسخرة! انتي بتسمي حبي ليكي مسخرة ي شهد؟!
- أكبر مسخرة كمان... انتتت شكلك اتجننت رسمي... أنا غلطانة إني جيت وانا عارفاك.
- لأ انتي لسه متعرفنيش ي شهد ولا عمرك شفتي وشي التاني!
قالها بسخرية من جملتها بعدما بعثرت بكرامته ورفضت حبه باستهزاء. لتردف هي بغضب:
- لأ عارفاااه ي زياد عارفاااه وعارفه إنك مش طيب زي ما بتبااان وأن وراك حاجة كبيرة واكيد تعرف مين قتل سمير وعامل إنك بتساعدني.
ضحك هو بهيستيرية يُتابعها. تنظر هي له بعدم فهم يقول:
- وإيه كمان كملي؟!
قالها بضحك أكبر. تحاول هي الرحيل بعدما شعرت بجنونه وأنها قد أخطأت بالمجيء. لتجده يعيق حركتها وهو يقول بفحيح لأول مرة ويكشر عن أنيابه:
- أنا اللي قتلت سمير النوبي.
- بتقول إيه!
قالتها بصدمة وعدم استيعاب. ليُكرر رده بصوت مرتفع يشوبه الانتصار:
- ايوه انا اللي قتلته... كان لازززم يموووت ع ايدي.
انفجرت شهد بالبكاء وهي ترى أمامها شخصًا آخر. فكان يرسم البراءة والصداقة منذ زمن، أيُعقل أنه القاتل؟!
- إيه بتعيطططي!! بتعيطييي عليييه!! طيب هقولك كمان مرررة أنه لو موجود قدامي دلوقتي هقتلله بدون رحمممه علشان خاطر دموعك دي.
قالها متحسسًا وجهها بجنون. تبتعد هي وهي تردد فقط بهيستيرية:
- لي.. لييييي.... لييييي عملتتت كددده.... حرااام عليييك.
- سؤال وجيه! أنا لي فعلاً عملت كده؟!
قالها بجنون أمامها وهي تخفي وجهها بعيدًا عنه ليُكمل:
- هقوولك لي قتلته بس اووعي تقولي لحد ها! البيه السبب في موووت أختي... أختي ماااتت بسببه.
نظرت إليه بعدم فهم وغضب ليُكمل هو بجنون وحقد أكثر:
- لأ وإيه كمان كان عاوز ياخدك مني! ترضيها انتي ياخد أختي وياخدك انتي كمان؟!
- أنت مجنون!... انتتت مجنووون.
قالتها بهيستيرية لم يتأثر بها. ثم اقترب يحاول لمس وجهها التي كانت تُخفيه وهي تبتعد عنه بخوف.
- أنا حبيتك اويمكنش ينفع تحبي حد غيري ي شهد! فكان لازم يمووت ي حبيبتي.
- انتتت مجنووون. انتتت مررريض... ابعدددد عنيييي.
قالتها بصراخ بعدما وجدته يحاول لمسها بالقوة بجنون أعماه. حتى سقط هاتفها، ليصدر صوتًا غريبًا علمه هو على الفور. التقطه سريعًا بصدمة يتفحصه ليجد جهاز تجسس به. نظر إليها بلهيب والشرار يتطاير من عينيه يقول بصياح:
- خونتينييي ي شهدددد... عملتيهااااا!
قالها ثم بدأ بصفعها عدة مرات وهي لا تفهم ما قاله حتى فقدت وعيها بين يديه أثر صفعاته المتتالية. فحملها مُسرعًا والتقط مفتاح سيارته. ولكنه قبل أن يُلقي هذا الهاتف تحدث وقتها وهو يعلم من سيسمع حديثه:
- متتوهمش نفسك إنك فوزت ي ماهر ي طوخي لسه المعركة مبتدتش.
قالها ثم ألقى بهذا الهاتف بعيدًا وأخذها مُتجهًا لسيارته يقودها بعيدًا عن الأعين.
وعلى الجانب الآخر نهض ماهر بصدمة بعدما سمع ما قاله زياد. لتنتفض ريم وقلبها بدأ بالاضطراب تقول بخوف وقد بدأت تشعر بالهوان:
- هو.. هوو.. هيعمل فيها ايي!! أنا عاااوزه شهد! حرااام عليكممم ي ريتني ما ساعدتكم. حياتها في خطر دلوقتي.. أنا مني لله.
قالتها ريم بتوتر وإرتباك. ينظر لها ماهر بخوف على حالتها حتى وقعت فاقدة الوعي بين يديه يهزها بخوف حقيقي:
- ريم!! ريم فوووقي... ريم متخافيش شهد مش هيحصلها حاجة، ريم!
- ماهر اتحرك بسرعة انت والرجالة وأنا هاخد بالي من ريم.
قالها اللوا جمال بأمر ليقول ماهر:
- بس.
- مفيش بس ي ماهر ريم هتبقى كويسة اتحرك أنت وإلا حياة شهد هتبقى في خطر فعلاً. زياد مجنون وممكن يعمل أي حاجة.
أومأ له ماهر بعدما ترك ريم المُغيبة وقلبه يعتصر قلقًا عليها.
رواية ساعة الانتقام الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دينا اسامة
الفصل الخامس والعشرون
كانت تسير خلفها كالجدباء وهي تقول مُحاوله إقناع ذاتها :
- اكيد ده كله هيطلع حلم...واكيد هفوق منه بأسرع وقت.
- اصمتي قليلاً لقد أوجعتي رأسي!
- مهو لو متكلمتش هموت فيها حضرتك... اصلك مش حاطه نفسك مكاني.... واحده عايشه لا بيها ولا عليها وفجأه تدخل عالم مش عالمها وتكتشف حاجات خياليه... الحاجات دي بتحصل في الأفلام بس، عمري ما سمعت عنها!
- نعم أعلم ذلك لكن هذه الحقيقه لا مفرّ ولا بد أن تتقبليها كما تقبلها هذا شادي.
نظرت لها بعدم فهم وهي تقترب قائله :
- شادي ماله؟!!
- ليس بِه شئ لا تقلقين... لكنه عَلِم كل شئ الآن، لقد وجدته قبل أن أصل إليكِ واخبرته كل شئ.
- ازااي! ده كان فيه واحده مجنونه مسكاه!
- لقد تعاملتُ معها وانقذته وهو الآن يُوجد داخل هذا الكهف، اذهبي إليه لكن تذكري جيدًا
لا تترُكيه إلا إذا اعطيتُكِ إشارةُ ما.
- إشارة ازاي؟!
- تلك الاسوره التي ترتديها.... سوف أظهر لكِ من خِلالُها ووقتها ستعلمين أني بالخارج انتظركما
الوداع عزيزتي.
تركتها بمفردها وهي تكاد أن تبكي من ما قالته لكنها توجهت إلى ذلك الكهف كما اخبرتها، دلفته بخوف منه، ف طريقته وشكلِه كان كفيلاً بإخافتها.
وقع نظرها على شادي الذي كان يجلس شاردًا في اللاشئ وأمامه وليمه من الطعام، ركضت إليه تجلس أمامه وهي تأكل بشراهه فقد كانت جائعه بشكلُ لا يُوصف، تابعها شادي بتعجب قليلاً فهو الآخر جائع ولم يأكل أي طعام مُنذ قدومهم لكنه لم يَعِد يشتهيه فقد جنّ بعد معرفه حقيقته، فقد تذكر كل شئ عنه وعن حياته السابقه بل رأي كل شئ صار بالماضي...!
- ليكي نفس تاكلي؟!
قالها وما زال شاردًا ينظر بالفراغ لتُقابله هي بعدم فهم :
- اموت يعني ي شادي؟!... وبعدين متصدقش اللي سمعته منها ده اي كلام... يلا كُل علشان متتعبش.
- انا افتكرت كل حاجه وشفت كل اللي حصل زمان!
- ده ازاي بقي؟!
قالتها بعدم فهم وتعجب ليرد هو بالمُقابل :
- انا عندي قوه إني اعرف الشخص ده ممكن يحصله إيه في المستقبل بمجرد إني المسه وكمان حاجه زادت من ساعه ما دخلت هنا... بدأت تدريجياً اشوف كل حاجه عن حياتنا زمان.
- شادي أنت شكلك اتجننت! انت مصدق نفسك بجد؟! مصدق الخرافات دي؟! مش يمكن بنحلم وهنفوق بعد الكابوس ده!
- بنحلم مع بعض ي يارا!! ارجوكي ي يارا دي الحقيقه اتقبليها بقي زي ما انا اتقبلتها لأنها أمر واقع واحنا عايشينه اهو.
تربعت أمامه بضيق وهي تعُض شفتيها ثم تنهدت بقوه قائله :
- خليني ماشيه معاك واعتبرني صدقت اللي بيحصل واني عاطِفه وأنت ريحان... إيه بقي الحل بعد كده؟!... هنعمل ايه؟!.. هنتصرف ونعيش ازاي في الوهم ده!!
- فيه حلين!.
قالها بتفكير ينظر إليها، تُقابله هي ترفع إحدي حاجبيها بتذمر ليُكمل :
- بما أن ابوكي طلع دراكو وانا عرفت ابويا وعرفت مكانه، كل واحد فينا يروح يعتذر ليهم علشان يحاولوا يخرجونا من هنا.
تابعته بسخريه من حديثه وكأنه إبن هذا العالم تُردف بسخريه أكبر :
- والتاني؟؟
- إنك تخلفي الطفل اللي عاوزينه!
قالها بحرجِ والعرق يتصبب من جبينه وهو على وشك أن يُكمل لتهبّ هي واققهُ بصدمه من ما تفوه به بهذه السهوله تقول وهي ترفع سبابتها أمامه بعصبيه :
- أنت اتجننت بقييي.... انت اكيددد اتجننت! بقووولك أيه بلاش شغل الجناااان ده... انا مش فايقه وزهقت... تعرررف لو حاولت تقرب مني هعمل فيككك ايييه!!! انتت حر عاوز تصدق اللي قالته مع نفسك لكن أنا الغيني وكأني مشفتكش قبل كددده.
قالتها بصوت مرتفع وهي تحاول أن تخرج من هذا الكهف لكنه اعاق طريقها بعصبيه أكبر قائلاً :
- مينفعش تخرجي من هنا... إيه هي مبلغتكش بالمعلومه دي!
نظرت إليه بغيظ بل بخوف داخلي تكوّن بعدما تجرأ وقال هذه الجمله
اشاحت يديه عنها تبعد عنه وهي تجلس في أحد الأركان، تُحيط جسدها بيديها تنظر صوبها بقوه تحاول التفكير بأي شئ كي تخرج من هذا المُستنقع.
وجدته يجلس جانبها مُتنهدًا براحه يقول :
- علفكرا أنتى مسمحتليش أكمل جملتي وفهمتيني غلط.
نظرت إليه بتضجر وسخريه، تبعد عينيها للجانب الآخر بينما هو أكمل :
- كنت هقولك أن الحل ده مرفوض واستحاله يحصل علشان كده فكرت في الحل الأول.
هدأت دقات قلبها قليلاً بعدما ارتفعت اثر حديثه، تنظر إليه وقد طال النظر لثواني معدوده حتى وجدها تميل عليه تجهش باكيه وهي تحتضنه بحراره ليُبادلها هو ذاك العناق فشعر بأنها تُريده، اخذ يربُت أعلى ظهرها بعدما وجدها تبكي أكثر ثم استكانت بين يديه، همّ بالحديث وقتها :
- انا عارف أنه الموضوع صعب علينا بس ده قدرنا ي يارا محدش بيهرب من قدره!
نظرت في عينيه والدموع تتجمع بغزاره ليقول هو مُحاولاً التخفيف عنها :
- طيب اهدي طيب.... ليي كده!
- علشان عارفه أن دي الحقيقه بس بكابر ي شادي، بحاول اكدب نفسي... مش عاوزه أصدق اللي بيحصل... عارف يعني إيه حياتك فجأه تروح منك وتلاقي نفسك في عالم غير العالم بتاعك!
- بس برضو لازم يبقى عندنا أمل إننا هنخرج وكل واحد فينا يرجع لشغله... انا ارجع لشركتي وانتي ترجعي للشهره بتاعتك وفانزاتك.
قال جملته الأخيره ثم قهقه ضاحكًا قاصدًا ذلك، لتبتسم هي الأخرى وهي تمسح دموعها بعشوائيه حتى أنه راقب ذلك جيدًا ليقول مازحًا إياها :
- تعرفي انا عرفت أنتي ليه لبسك كده!
نظرت له بتعجب وضيق بعدما تحدث بهذا الشئ التي تكرهه، ليرد وهو يُعيد شعره إلى الخلف مُداعبًا له :
- كنتي زمان كده! تعرفي إن كان لبسك مستحيل حتى وانتي ساحره مكنتش طايق لبسك!
ضربته في صدره بقوه ثم اعترضت بشفتيها قائله :
- أنت قليل الأدب اصلا!
- انا برضو!!
قالها بضحك وهو يتذكر كيف كانت ترتدي بالماضي فكانت لا تستر إلا القليل من جسدها، وها هي الآن تسير علي هذا النهج، لتجده قد شرد مُبتسمًا حتى لكزته في كتفه تنهره :
- شارد ف إيه!!
- فيكي!.
قالها ثم نظر بقوه في عينيها، اخذت تُحمحم هي بخجل من نظراته الجريئه التي كانت تتفحصها حتى كادت أن تنهض من أمامه بخوف بعدما تذكرت جملته واعادتها في ذهنها بخوف، إلى أن وجدت نفسها بين احضانه عندما جذبها إليه بحركه مُثيره شهقت هي على اثرها، اخذت تنظر له بصدمه وهي على مقربهُ منه، وجدت يديه تحاوطها بتمّلك فلم تُصدق ما فعله حتى أنها حاولت الفرار لكنها باتت بالفشل لتجده يقترب منها بطريقه افزعتها على اثرها ارتجفت شفتيها قليلاً من شده خجلها، لم يكن في حسبناها تلك اللحظه! حتى وصل إلى أذنيها يقول هو بصوت هادئ :
- بصي في عيني وانتي هتشوفي الماضي.
ابتعد عنها قليلاً يبتسم، يُحاول اكتتام ضحاته بعد رؤيته لمنظرها وخديها الذي تبدل للون الأحمر، طاوعته هي كالمسحوره أثر لمساته ثم نظرت في عينيه حتى رأت بالفعل عن حياتهم السابقه الكثير!
***********************
كان يلف منشفه حول خصره حين رنّ جرس الباب، فذهب ليري الطارق غير مُباليًا بنصف جسده العاري ظنًا بأنه الطعام الذي طلبه.
فتح الباب ليأخذ الطعام ولكن ما رآه جعله يتصلب مكانه بصدمه.
فتاه في العشرينات من عمرها، أقل ما يُقال عنها أنها أيقونة في الجمال.. ترتدي بنطال من الجينز الاسود الضيق وبلوزه تكشف ذراعيها بالكامل بالكاد تصل لأسفل صدرها.
ارتسمت على وجهها ابتسامه ساحره وحركت بيدها شعرها للوراء كنوع من الإثاره أو لفت الإنتباه لتقول بصوتها الناعم :
- هاي ي باشمهندس.
أغلق أكرم الباب في وجهها بقوه، وعيناه متسعتان بدهشه ليقول في نفسه :
- ايه ده!! مين ديي!!
- علفكرا انا مهندسه ومن الفريق معاك!
قالتها متذمره من رده فعله الغير متوقعه بالنسبه لها.
وبعد أن ارتدي أكرم ملابسه، ذهب ليفتح الباب وداخله اسئله تحوم عن هويتها وماذا تُريد! ولماذا تتحدث معه بتلك الطريقه التي يكرهها!
وجدها تبتسم له وكأنها عشيقته فتساءل ببرود :
- مين!
لترد بصوتها الناعم :
- انا مها مهندسه في الفريق معاك.
نظر لها من أعلى لأسفل بقرف من هيئتها وما ترتديه فلم يرى أحد يرتدي هذه الثياب في الشركه من قبل! لكنه لم يُبالي عندما قال بجمود :
- ايوه عاوزه إيه يعني؟!
اندهشت من لهجته الجامده معها، ففي حياتها لم يُحدثها رجل بذاك البرود بل جميعهم يتهافتون لينالوا منها ولو إبتسامهً واحده، فكيف هو يتحدث بهذه العجرفه!
- بصراحه كنت عاوزه من حضرتك طلب.
قالتها بخجل مُصطنع ليزفر هو بملل يقول :
- اتفضلي.
- بصراحه كده كنت حابه اشاركك انت وتُقي في شغلكم الفردي، عاوزه اثبت نفسي في المجال ده.
نظر لها بسخريه من حديثها بل وهيئتها المُثيره للاشمئزاز يرد ببرود :
- لأ معلهش آسف انا مش محتاج حد معايا غيرها، احنا كده زي الفل.
نظرت له بغيره وضيق ثم اضافت بحُرقه قبل أن ترحل :
- علفكرا انا اكفئ منها كتيررر وهي مش فارق معاها الشغلانه بقالها ساعتين بتتكلم في الفون وبتهزر ومكملتش الشغل اللي أنت طلبته منها قبل ما نبدأ.. انت الخسران.
أنهت جملتها بغضب ترحل من أمامه بطريقه جعلته تنهد بضيق على اثرها، ليغلق الباب بقوه من جُرئتها وطريقتها بالحديث معه وكأنها هي الرئيس!
"*******************"
كانت معه بالطائره مُتجهين إلى أرض مصر، تشعر بالأسف على حُبها الأحمق! تجلس وهي تستند بظهرها إلى الوراء، من حينُ لآخر تراقبه هو وتلك جيسي التي شعرت بالغيره حينما رأتها بجانبه، فهي مثل ظله تمامًا، لا يذهب إلى مكان إلا بوجودها وهذا ما جعلها تشعر بخيبهُ أمل وحزن تتذكر ما حدث بالطائره المره الماضيه وكيف بعد هذه الحادثه تبدلت حياتها مئه وثمانون درجه! هذا وجهها الجديد الذي جلب لها النحس لحياتها
بدأت الطائره بالإقلاع حينما كانت تغلق عينيها استعدادًا لذلك فهي تأبى هذه المرحله كثيرًا وبعد عِدة دقائق فتحت عينيها ببطئ وما زال قُلبها يعلو ويهبط خوفًا من أن يحدث أي شئ هذه المره لكنها تصنمت وشهقت بفزع حينما وجدت فريد يجلس جانبها يُراقبها في صمت.
- إيه اللي مقعدك هنا؟!
قالتها بطريقه هجوميه وانفعاليه لتجده يرد بهدوء كعادته :
- اصلي خوفت تتجنني وتتواصلي مع حد تعرّفيه إنك راجعه.
- انا مش صغيره.. وبعدين أنا حره هعمل اللي عاوزاه بمجرد نزولي مصر، مش وشي الجديد برضو اتاحلي فرصه إني اتجول براحتي وبحريه أكبر ولا إيه رأيك !
قالتها بسخريه وهي تضع قدمًا فوق الآخره أمامه، جعلته يغلق عيناه يستشيط غضبًا من فِعلتها لترد هي بغرور :
- كلامي مش عاجبك ولا إيه؟!... مش فارقلي علفكرا... انت كلك علي بعضك مش شيفاك اصلا.
انهت جملتها بضحكه ساخره وهي تفتح هاتفها بيد واليد الأخرى تُداعب خصلاتها بغرور، تعلم جيدًا نقطه ضعفه تجاهها.. فكلما تجاهلته وتصرفت معه مثل المديره وهو الخادم يعود إلى رُشده.
وجدته يجذب هاتفها عِنوه وبقوه ثم أغلقه واعطاه إياها مُكتفيًا بقول :
- خلي موبايلك مقفول علشان الأمان.
أعادت شعرها للخلف بغضب تُتمتم داخلها بكثير من الغيظ بينما هو اخفي إبتسامته على حالتها حتى بدأت تغطو في نومٍ عميقٍ تدريجياً وبعد قليل من الوقت بدأت تهلوس وكأنها تحلم بشئ ما وهي تقول :
- ب.. بابا متسبنيش تاني... أنت عاايش صح متبعدش عني... اناا... انا محتجالك.
- آيه فوقيي!
بدأ بإيفاقتها عندما وجد صوتها يرتفع ويسمعه من بالطائره ينظرون إليها بإندهاش، اخذ عِطره وقربه ناحيه انفها حتى فاقت فورًا تصرخ بأسمه :
- بابااا.
نظرت إلى فريد بصدمه وهي تتذكر أبيها وعيناها قد اغرورقت بالدموع، يقول هو بهدوء يحاول تهدأتها :
- ده كان مجرد كابوس اهدي.
- لأ مش كابوس..! انا شفت بابا ي فريد!.
نظر لها بعدم فهم ثم قال :
- الله يرحمه ويحسن إليه.
- بابا كان عايش في الحلم ي فريد وبيقولي مزعلش منه وأنه هيفضل معايا.
قالتها ببكاء وهي كادت تود أن تظل في هذا الحلم ولن تفيق ابدًا، لقد اشتاقت إليه كثيرًا، تابعها فريد بتوتر طفيف بدي عليه ثم تحدث بعدما تنهد بعمقٍ :
- انا عارف أنه واحشك زي ما واحشني بالظبط بس هو في مكان أحسن ليه... أحسن ليه من الغابه اللي عايشين فيها.
نظرت هي إليه بتمعّن وعدم فهم لجملته الأخيره التي قصد بها شئ لكنها تجهله!
وبعد ساعتين هبطت الطائره ومعها كانت آيه تنظر حولها بفرحه عارمه بأنها قد عادت إلى بلدها، وصلت إلى مطار القاهره الدولي بِرفقه فريد ومعه جيسي التي فور خروجها ودعتهم ثم رحلت في طريقها لتردف آيه بعدم فهم :
- هي راحت فين؟!
- جيسي عندها عياده كبيره هنا وبيت متقلقيش عليها.
- وانا هقلق ليه!.. كويس إنها مشيت.
قالتها بغيظ وفرحه في آنٍ واحد من رحيلها، ابتسم هو على اثرها ثم اردف بعدما تابع الأوضاع :
- يلا بينا.
- علي فين؟!
- على الغردقه، هنروح نقعد في فندق كده عمل ما نشوف إيه اللي هيحصل.
- وهو إيه اللي هيحصل.؟!
قالتها وهي تعقد ذراعيها بعدم فهم ليُحمحم هو بتوتر قائلاً :
- اقصد يعني أما نشوف ملف سمير النوبي اتقفل ولا لسه بيتابعوه.
امآت له بحيره ثم سارت معه وبعد مرور ساعه، وصلا أمام هذا الفندق السياحي الضخم والراقي جدًا وبالتحديد كان هذا الفندق نفسه التي كانت تُقي مع فريق عملها بِه، وعند دلوفهم كانت تخرج هي للخارج ومعها بعض الأدوات الهندسيه وهي تتحدث مع أحد بالهاتف فلِحُسن حظها لم تسطع رؤيتهم.
حجز غرفتان أمام بعضهما حتى يكونَ قريبًا منها، اتجهوا فورًا كي يستريحوا بعد هذه السفريه الصعبه والمُرهقه للاعصاب، دلفت الغرفه وهي تنظر إليه وهو الآخر يدلف يتابعها قبل أن يغلق بابه، تقف في إنتظاره كي يعتذر عن ما بدر منه الصباح كما تعودت فكلما غضبت منه فعل المستحيل لأجلها كي تتراضي لكنه كان في هذا الوقت لا يُفكر في هذا الأمر بل كان عقله مشغولاً بشئ آخر أكثر أهميه، اغلقت هي الباب بِشده بعدما شعرت باليأس ثم أغلق هو الآخر يستند عليه يقول مُتنهدًا بتعب :
- انا آسف ي آيه بس غصب عني... هانت أوي وكل حاجه مستخبيه تتكشف وارتاح واخدك في حضني وانا حاسس إنك في أمان ي حبيبتي.
"***************"
"هي نوعي المُفضل من النساء وهذا الأمر يورطني بها أكثر، وكم أحب التورط معها"
- انطقييي ي ريم بنتييي فيييين
حرااام عليكي طمنيني عليها.
قالتها سوسن بإنهيار وعدم إستيعاب لِما سمعته من اللواء جمال الذي كان يجلس وجانبه ريم التي كانت تبكي فقط تُعيد بذاكرتها كيف حدث ذلك.
عندما كانت سوزان بِرفقه إبنها وماهر مدعون في منزلها.. في هذا اليوم بالتحديد وبعدما اكملوا الطعام، نهض ماهر عندما نهضت ريم مُقابله أثناء إنشغال البقيه بالحديث يقول قبل أن يتجه إلى المرحاض :
- عاوز اكلمك.
نظرت له بعدم فهم وهي تراقب الجميع ليقول بصوت مرتفع قاصدًا ذلك :
- يلا ي آنسه مش هتوريني الحمام فين؟!
- روحي ي ريم معاه عرفيه مكانه.
قالتها أمها ف استجابت لها وذهبت معه وعندما وصلا وجدته يقترب منها وهو يتفحص البقيه خوفًا من أن يراه أحد منهم يقول وهو يُعطي لها شئ صغير :
- الجهاز ده حطيه في موبايل شهد الليله وهكلمك بالليل افهمك اكتر.
- جهاز إيه دده!! وبعدين أيه اللي مخليك واثق أني ممكن احط حاجه زي دي في تليفونها بدون عِلمها!
- ده لمصلحتها ي ريم وده اللي هيخليني اوصل للي وراها بسهوله... لازم تعملي كده لو بتحبيها.
قالها بثبات وهدوء وقبل أن يأتي أحد تقدم كي يغتسل تاركها شارده في الفراغ.
وبالفعل لم تُخيبْ له ظن عندما سنحت لها الفرصه كي تضعه في هاتفها بكل سهوله، ثم بعد ذهابهم توجهت إلى غرفتها بتفكير فيما قاله.
- هو ممكن فعلاً يساعدها! طيب لو حصل حاجه غلط وهي اتأذت...!
جلست تؤنب ذاتها على فِعلتها حتى وجدت رقم غريب يدق بها، اجابت عليه بهدوء متوقعه أن يكون هو وحدث ذلك عندما اخذ يقص عليها ماذا ستفعل بعد ذلك.
باك.
نهضت من مكانها بتعبٍ كي تتجه إلى غرفتها لكن اعاق خالد طريقها عندما جذبها من مرفقيها بقوه يقول بغضب :
- ازاااي تعملي حاااجه زي كده من غير حتى ما ترجعيلييي!! ازااي صدقتيه وصدقتيهم أنهم عاملين عليها... اللي زي دول مش بيفرق معاهم غير شغلهم ونجاحهم حتى لو علي حساب التانيين مش هيفرق معاهم.
- عيب ي خالد ميصحش.
- ميصحش ي أمي اللي هي عملته ودي غلطه كبيره ولازم تدفع تمنها... طول عمرها جايبالنا المشاكل معاها من ساعه ما اتولدت.. مفيش مره اتصرفت فيها من دماغها إلا وحصلت مشكله.
كانت تتابعه ببكاءٍ من كلامه الجارح كل مره، فكل مره يثبت لها بأنها كانت خاطئه عندما اعتبرته مثل وحيد، اشاحت يديه كي تبتعد عن سِم حديثه الذي تكرهه، تحاول الوصول إلى غرفتها لكنه منعها قائلاً بصياح :
- انتي كمااان سيباني وماشيه ولا فااارق معاكي اللي عملتيييه!! شهد لو حصلها حاجه انا ممكن اقتلك... ممكن اقتلك ي ريم واخلص منك ومن قرفك.
- اهدي ي بني كله بالهدوء وأن شاء الله شهد هتبقي زي الفل، ماهر انا واثق فيه وواثق أنه الوحيد اللي هيقدر ينقذها.
قالها اللوا جمال كي يُهدأ من روعته لعله يترك تلك المسكينه التي مُنذ الصباح ينهروها جميعًا.
- انا عارفه إنك مبتحبنيش وبتبقي مُنتظر أي غلطه اعملها علشان تمسكهالي... وعارفه كمان إنك بتحب شهد أوي يمكن أكتر مني وبتعتبرها زي أختك... لكن للأسف عمري ما حسيت إنك معتبرني زيها ي خالد.
انتهت من حديثها ببكاءٍ وهي تركض إلى غرفتها تغلف الباب خلفها، تقع ارضاً ببكاء بصوت مسموع وصل إلى مسامعهم بالخارج.
تقدم ماهر وقتها بعدما تابع ما حدث معها ينظر إلى خالد بإشمئزاز مُكتفيًا بقول :
- تعرف أنت كل مره بتثبتلي إنك مش إنسان سوي ومعندكش أي رحمه ولا إنسانيه.
- تعالوا شوفوا مين بيتكلم.
قالها خالد بسخريه وغضب مُصاحب بعد رؤيته
نهض اللوا جمال مُقتربًا إليه يقول :
- عملت إيه ي ماهر طمني.
- اطمنوا أن شاء الله هتكون بخير وهنوصلها قبل ما يعملها أي حاجه.
قالها بثقه وجمود ثم أضاف :
- عاوز اقعد مع ريم شويه.
- وده بمناسبه إيه أن شاء الله؟!
قالها خالد بضيق يقترب منه ليرد هو بضيق أكثر فقد فاض بِه من تصرفات هذا الكائن :
- وأنت تطلع مين بقى؟! ولي أمرها وانا مش واخد بالي؟!..
- أنت اللي تطلع مين علشان تقعد معاها لوحدكم... انت عاوز مننا ايييه! متفكك من بنات العيله بقي وتعالي كلمني راجل لراجل.
لكمه بعد جملته حتى تأوه "خالد" وهو يرتمي على الحائط، بينما ماهر لم يمهله الفرصه ولو هُوينه فقط بل اقترب منه ينطق بنفس الطريقه التي أعربت عن كامل غِله المشحون بداخله :
- انا سبببق وعديتلك كتيررر علشان خاطر أهلك لكن أنت اتجااوزت المره دي ومش هسمحلك تتجاوز معاها تاني أنت فاهم؟
قصد بجملته الأخيره ريم حتى ابتعد يطلب من أمها كي يُقابلها بينما كان خالد مُتجهًا إليه كي يرد له ما فعله فمنعته من ذلك أمه عندما صفعته بقوه وهي تقول :
- كفايه بقييي... كفايه قله أدب لحد كدده... دانت معداش عليك التربيه ي شيخ...ي خساره تربيتي فيك.
تلقى الصفعه في صدمه، يرحل في صمت من أمامهم والغل يتضح من عينيه.
تقدمت ورد وهي تطرق باب إبنتها تقول :
- ريم ماهر بيه عاوز يتكلم معاكي شويه.
- مش عاوزه اتكلم مع حد.. ممكن تسيبيني لوحدي.
آتهم صوتها الباكي من الداخل ليردف هو بإصرار :
- ارجوكي ي ريم
دقيقتين بس مش هطول.
وكان الرد هو الصمت وقتها.
- ريم ي حبيبتي افتحي علشان خاطري.
قالتها أمها بتوّسل بينما هو توتر وبدأ يشعر بالخوف من عدم ردها ليقول بقلق :
- ريم أنتي كويسه؟؟.
- ريم ي حبيبتي ردي علينااا.
وصل إلى مسامعهم بالخارج صوتهم حتى آتو فزعين، ليُحاول ماهر كسر الباب في هذا الوقت فنجح علي الفور وقتها، تصّنم مكانه عندما وجدها مُغيبه أعلى فراشها دون حركه، ركض إليها بهلع وبطريقه ادهشت من حوله عما بدر عن تصرفه، كاد أن يلمس وجهها كي تفيق لكنه وجد هاتفها بيدها مفتوحًا على مُحادثه.
حمل الهاتف فوراً وعينيه تتسع من الصدمه حينما وجد أحد يهددها بصور لها في وضعيات مُخله.!
رواية ساعة الانتقام الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دينا اسامة
شرد ماهر بالفراغ يستذكر تلك الحالات التي عُرضت عليه بالمركز وما جاء في باله فقط "مدحت". نظر إليهم بخجل بعد رؤيته لهذه الصور الفاضحة وكاد أن يتفوه، لكن أعاق حديثه خالد مِثل كل مرة، عندما جذب الهاتف من يديه يُتابع الصور بتفحص وغِلّ. يتذكر هو الآخر تلك الليلة التي نُشر بها فيديو مُفبرك، وكان أحدهم يهددها به.
"الصور دي متركبة."
قالها بغِلّ وعصبية وهو يُتابعها بغضب، ينظر لذلك الرقم جيدًا ثم أخرج بهاتفه مُتجهًا إلى الخارج في صمت.
"يا حبيبتي يا بنتي، مين اللي بيعمل معاها كده وليه! دي بنتي غلبانة وملهاش في حاجة."
قالتها ورد ببكاء وهي تُحاوط ريم بين يديها تحاول إيفاقتها.
استنكر ماهر حديثها بتعجب، يسأل مُستفسرًا: "هي دي مش أول مرة يحصل معاها الحركة دي؟"
نفت برأسها ثم أردفت بتوضيح: "من فترة كده فيه فيديو اتنشر ليها على الهباب النت ده، فيديو مُخل كده ومركبين وشها على جسم بنت عريانة. أنا مش عارفة مين اللي بيعمل كده وهيستفيد إيه!"
اقتربت سوسن ببكاء تجلس جوارها وهي تقول رغم ما تُعانيه الآن من أجل ابنتها: "إن شاء الله هتفوق وهيتعرف مين اللي بيعمل كده."
اقترب اللواء جمال يقول لماهر بخوف: "ماهر أنا خايف على شهد، زياد مجنون. أنت لازم تتصرف."
"رجائي متابع يا جمال بيه، أنا واثق فيه، هو الوحيد اللي هيقدر ينقذها."
نظر جمال إليه بإندهاش يقول: "رجائي! وده حصل إزاي؟"
"متشغلش بالك يا جمال بيه واطمن جدًا، المرادي إن زياد مش هنسيبه إلا لما يعفن في السجن الخسيس ده."
قالها ماهر بغِلّ وكره، ينظر من حين لآخر إلى ريم آملًا أن تفيق قبل أن يرحل. وعندما كاد على وشك أن يتحدث مُوجهًا حديثه إلى ورد، قاطعه خالد وهو يقول مُزمجرًا يستشيط غيظًا:
"مهي الهانم الدكتورة السبب... لو كانت من وقتها عرفتني وحكتلي مكناش وصلنا لكده... وأنا حذرتها وقولتلها لو شوهتي اسم عيلة الجبالي هقتلها وهي حية... وبجحة كمان عايشة وسطنا وهي مخبية سر وراها."
"كفاية يا خالد يا ابني، أنا مبقتش قادرة استحمل أي كلمة. اهدي عليها وبلاش كل مرة تضايقها بكلامك يا ابني."
قالتها ورد بألم وحزن وهي تتذكر تلك اللحظات التي كانت تُعنفها بها. فكانت تسبها بأبشع الألفاظ، تمنعها من الخروج إذا أخطأت في شيء ولو بسيط، بل وها خالد الآن يتعامل معها منذ وفاة أخيها بشدة، يتحكم بها وبتصرفاتها، يُنهرها على أتفه الأسباب، وهذا ما جعلها تتحاشى الجميع منذ وفاة وحيد.
"أنا كنت عاوز أتكلم لو ده مش هيضايقكم يعني."
قالها ماهر مُتنحنحًا بحرج، يضع يديه خلف ظهره يُراقبهم بعناية شديدة.
"أنا نفسي أفهم إنتي إيه دخلك في حياتنا واللي بيحصل معانا؟!!! إنت اتلقحت علينا من أنهي مصيبة! الواحد نفسه يغمض ميشوفكش نهائي من ساعة ما ظهرت في حياتنا وهي في النازل. اتفضل دلوقتي علشان الوقت اتأخر واظن أن وجودك هنا مش مناسب."
أنهى خالد حديثه يرمقه بغضب بعد فعلته، واضعًا يديه حول خصره ووجهه يتصبب عرقًا من فرط عصبيته.
"عيب يا خالد كده ميصحش، إنت اتعديت حدودك."
قالتها ناهد بغضب من تصرفات ابنها الحمقاء في كل مرة.
ليُوقفها ماهر قبل أن تنهره بالحديث، فهذا ليس الوقت المناسب، يُردف: "بص أنا مش هرد عليك، هعتبرك زي أخويا الصغير بس طلب واحد قبل ما أمشي."
نظر إليه خالد بسخرية من أنه يُدعيه بالصغير! ليُكمل ماهر بهدوء وثبات: "ممكن أشوف الرقم اللي باعتلها الصور دي؟"
رمقه بعدم فهم وغيظ، لكنه تنهد أخيرًا وأعطاه الهاتف يقول: "اتفضل."
"شهد لازم تكون بخير لأنكم السبب. لازم تتص..."
أوقفه ماهر بثقة قائلاً: "متقلقش عليها خالص، هي في الحفظ والصون."
"ربنا يخليك يا ماهر يا ابني، طول عمري بقول عليك إنسان كويس من ساعة ما شفتك، ربنا يكرمك في حياتك."
قالتها سوسن بدعاءٍ له، قابلها مُبتسمًا برضا ثم حفظ ذلك الرقم واستأذن بالرحيل.
"متقلقيش يا مدام سوسن، شهد هتبقى بخير وريم إن شاء الله هتبقى كويسة. ماهر هيحاول يتصرف ويعرف مين الشخص ده."
قالها اللواء جمال بثقة ناظرًا إلى ماهر الذي كانت تتعلق عيناه أعلى ريم التي ما زالت فاقدة للوعي، يقول قبل أن يرحل: "إن شاء الله خير. عن إذنكم."
"******************"
في بيت مهجور ومُخيف من هيئته، يجلس "زياد" واضعًا قدمًا فوق الأخرى يُتابعها أمامه وهي تُبربش بعينيها، تفتحهما ببطءٍ شديد حتى انتفضت فَزِعة برؤيته أمامها مُباشرةً، مُتلاعبًا بعينيه التي كانت تجول بها بغضب كارثي هذه المرة.
"جعانة تاكلي؟!"
قالها بِحدة وسخرية، يقترب بكرسيه أمامها، بينما هي ابتعدت للخلف حتى اصطدمت بالحائط، تراقب عينيه التي كانت حمراء للغاية. تعلم جيدًا أنه لن يتركها من هيئته المُخيفة.
"بقولك جعاااانة؟؟؟!... رديييي عليااااا."
انتفضت تردف تتحسس وجهها وشعرها بخوف وهي تلتقط أنفاسها المتفاوتة: "لأ... لأ.."
"أحسن برضو!"
رمقها بإستياء وداخله ينوي على الكثير لها، يدق بأحد كي يجلب له بعض الأطعمة، وبعدما أغلق نظر إليها شزرًا ليجدها تخفي وجهها بعيدًا عنه في صمت، يردف مُقتربًا إليها يجلس القرفصاء أمامها، يُحرك رأسها مُقابلها حتى تلاقت عينيها الباكيه بعينيه.
شرد ثوانٍ يشفق على حالتها التي لم يتوقع أن تصل إليها بسببه هو، لكنها هي المُذنبة وهي من ضحّت به وأخلفت بوعدها، لِما سيبقَى عليها الآن!
وجدها تبعد وجهها عنه بخوف غير آبهة بالنظر إلى عينيه الحمراوين، لف شعرها أعلى يديه بغضب أكثر من فعلتها، يقول بفحيح ولهجة مُخيفة أرعبتها: "إيه مش عاجبك وشييي؟!!! بقيت كُخه دلوقتي!... بعتيني لييييه!!... ليييه انطقيييي."
"أنا معملتش حاجة كفااايه بقييي."
قالتها بصراخ من حال الرعب التي كانت تعيش بها، لتُكمل بصياح أكثر: "وبخصوص الجهاز ده أنا معرفش عنه أي حاجة ومعرفش إيه جابه في تليفوني."
انتهت من جملتها على صفعته القوية التي هوت أعلى ثغرها بغضب، لا يُصدق ما تقوله، فقط يراها مُذنبة وأنها من أفشلت خطته: "كفااايه كددددب... أنا ازاااي وثقتتت فيكيييي ازااااي!! أنا عملتلك اييييه علشان تعملي معاياااا كدددده ي شهد هاااا فهميني؟!!!"
تطلعت إليه وشفتيها التي اغرورقت بالدماء أثر صفعته تقول بسخرية على حالتها وما فعلته بنفسها، فهذا عقابها ربما: "أنا صدقتك ووثقت فيك واعتبرتك زي أخويا اللي بيحبني وعاوز يقف جنبي، وبعد كللل ددده استغلتني.... استغليت طيبتي معاك غلططقتلت حب عمري ليييه عملتتت كدددده؟!! ليييه حرمتني منننه وخليتني اكدب عليه واشك فيه طول الوقت، خليتوا في نظري خاين علشان ابعد عنه... حرااام علييييك كان عمل إييييه!!!"
أما عن حالته لم يُدقق بأي جملة قالتها سوى "حب عمرها". هذه الجملة جعلته كالمجنون ينتفض بصياح، يركل كل ما في هذه الغرفة بقوة صائحًا: "كااان لازززم يموووت.... مكنش يستاااهل حُبك ي شهددد... أنا بس اللي استاهله... أنا اللي حبيتك من قلبي وحافظت عليكي، عرّضت حيااتي للخطر علشانك وجااايه بعد كل ده تقولي عليا انا الخاااين؟!!!!"
"إنت مجنون."
قالتها ببكاء وصدمة من حالته التي تراها لأول مرة، فكم كانت مخدوعةً به كل هذه المدة!
لم تشعر به إلا عندما وجدته أمامها يقول بلهيب وهو يجذب وجهها بقوة: "انااا مش مجنووون.... أنا كنت بنتقم لأختي بنتقم لحُبي اللي حسيت أنه هياخده على الجاهز أنتي بتاعتي انتيييي فاااهمه... أنا الوحيد اللي احدد تعيشي مع مين أو تعرفي مييين... ساااامعه! ودلوقتي حياتك بين ايديا وانا اللي هقرر هعمل فيكي إيه."
بصقت أعلى وجهه بقرف واستياء وخجل من معرفتها لهذا الكائن، تقول بكراهية شديدة: "أنا ندماااانه على اليوم اللي شفت واحد مريض زيك فييييه.... بكرهككككك... مش طاااايقه اشوووف وشككك قداااامي."
"كده تتفي على خِلقه ربنا؟!"
قالها بغضب جُهنمي هذه المرة، وعقله لن يستوعب ما سيفعله عندما أنهال عليها بالضرب بكل قوة وكأنه ينتقم عن كل كلمة أردفت بها عن عدم حبها. لم يُدرك ما فعله إلا عندما وصل ذلك الرجل ومعه الطعام عندما أوقفه بصدمة قائلاً وهو يُتابع تلك الفتاة: "زياد بييييه.... اهدددي علشان خاطري البنت هتموتتت."
انتبه لجملته واستدار إليها بصدمة، يرى فقط الدماء يُغطي وجهها بالكامل وهي تُغلق عيناها بإستسلام. وقع أرضًا مقابلها، يهز رأسه علامة النفي عن ما بدر منه، يرفع يده كي يُلامس وجهها والدموع تتجمع في مقلتيه، يقول بجنون وعقله يرفض ما فعله: "أنا... أنا مقصدش... مقصدش اللي عملته فيييكي... صدقيني أنا مش عارف عملت كده إزاي... شهد صدقيني أنا بحبك... والله عمري ما فكرت أءذيكي بالكلام حتى... ردييي علياااا... انتي السبب في اللي عملتتته. انتي بتحبيني صح؟! انا عارف إنك بتحبيني بس كنتي مضايقه مني بسبب اللي عملته! انتي مبترددديش لييييه!! ردييي علياااا انا بكلمككك"
كانت تصرفاته حقًا كالمجنون، يهز جسدها بقوة كي تفيق، لا يستوعب أي شيء حوله. اقترب منه ذلك الشاب بخوف يقول: "زياد بييييه اهدددي هي هتكون بخير إن شاء الله، أنا هروح أجبلها عِلبه الإسعافات وانت متتعبش نفسك."
"شهد هتبقي كويسه صح؟!"
قالها بجنون وهو يمسك يدين ذلك الشاب كالطفل.
"ايوه هتبقي كويسه والله اقعد أنت هنا وهروح اجيب علبه الإسعافات بسرعة وراجعلك."
هز رأسه علامة الإيماء، يترجل بالغرفة يمينًا ويسارًا كالمجنون مُرددًا: "هي هتت... هتبقي كويسه... هي بتحبني انا عارف."
نظر إليها بعد ثوانٍ يشعر بوزنه يختل والغرفة تدور به، فوضع يده أعلى رأسه وانكمش حاجبيه مُتألمًا كأن ضجيج العالم اجتمع في عقله، فما عاد يفقه ما يحدث. أخذ يفتح عينيه ويغلقهما في محاولة منه لاستعادة نفسه المخموله، وصورة شهد تتضح أمامه أكثر فأكثر.
"************"
عندما يحب الله عبدًا، يُنسه كل ماضيه المملوء بالذنوب كأنه لم يكن.
كان "مدحت" يُصلي بغرفته قيام الليل، ثم بعدما أنهى صلاته وقف يحمل تلك المصلية في يديه، ثم حاوطها بين ذراعيه يتذكر كل ما ارتكبه من ذنوب، لتسقط عبرة منه أثناء دخول الدادة التي ابتسمت وهي تقول:
"حرمًا يا بني."
"جمعًا إن شاء الله يا داده."
"أنا فرحانة بيك يا مدحت ربنا يثبتك على طاعته."
نظر إليها بحزن ويأس يقول: "للأسف هيكون بعد فوات الأوان يا داده."
"متقولش كده، المهم إنك فوقت وعرفت إنك غلط."
"غلط عن غلط يفرق يا داده، أنا قتلت! ومش بس كده وهددت وعملت كل الذنوب اللي ممكن تتخيليها."
تطلعت إليه بحزن ولا تعلم ماذا تُخبره، اقتربت منه تقول بثقة: "بس ربنا غفور رحيم."
"ونعم بالله... بس أنا ماستاهلش الرحمة، ادعيلي يا داده ياخدني وهو راضي عني وقتها هحس أنه قبل توبتي فعلاً."
أومأت له وهي تبكي، ليُكمل هو ماسحًا دموعه التي انهمرت بغزارة: "لو ربنا أخدني وهو راضي عني، أوعديني يا داده إنك هتجيلي قبري تزوريني وتعرفيني، هتزوريني صح؟!"
أومأت له ثم احتضنته ببكاء أكثر، فل طالما اعتبرته مثل ابنها التي لم تُنجبه. هي من رّبته وأحبته بشدة واهتمت لأمره طِيلة هذه السنوات.
"داده عاوز أقولك حاجة كمان."
أبعدها عنه يُجلسها مُقابلته وهو يقول: "أنا حاسس بنهايتي... حاسس خلاص إن لحظة الموت قربت."
"متقولش كده يا بني، ربنا يطول في عمرك."
"اسمعيني يا داده للآخر من فضلك."
"أنا حبيت بنت أوي وحاولت أتقرب منها وأتعرف عليها من كام سنة ورفضتني، وكانت كل مرة بتصدني، كل مرة كانت بتوقفني فيها عند حدي كنت بنجذب وأقرب ليها أكتر غصب عني، كنت زي المجنون اللي مش عارف يوصلها. جرحتني كتير يا داده لحد ما في يوم قررت أقتل أعز حد على قلبها وهو أخوها علشان انتقم من اللي عملته فيا... انتقم لكرامتي ورجولتي اللي هانتها... كنت فاكر أن ده الحل اللي يخليها تخاف مني وتقبلني بكل سهولة بعد كده بس..."
رفضت أن تسمع حديثه وهي تقول بألم: "متكملش يا مدحت مش عاوزة أسمع حاجة."
"إنتي مقروفه مني صح؟! عندك حق أنا نفسي مش عارف أنا مين! إيه كنيتي! ليه عااايش! وجودي كان زي عدمه في الحياة دي."
"المهم خليني أكمل، البنت دي اسمها ريم محمد الجبالي، بعد ما أموت تروحي لها وتاخدي لها الرسالة دي وتعتذري لها بالنيابة عني... أنا عارف أن عمرها ما هتسامحني بس حاولي يا داده."
"وبقية الناس اللي قتلتهم؟"
قالتها بحزن من جرائمه التي لم تتخيلها.
"أنا معرفهمش يا داده... معرفش هما مين مكنش يهمني وقتها هما مين، ريم الوحيدة اللي عارف عنها كل حاجة."
"بس أنت كده عمرك ما حبيتها يا مدحت زي ما أنت فاهم."
نظر إليها بتعجب نافيًا: "صدقيني أنا حبيتها... حبيتها فوق ما تتصوري كمان."
"اللي بيحب مش بيجرح، اللي بيحب بيسامح ويكفيه أن يشوف حبيبته فرحانة وكويسة قدامه حتى لو مكانتش ليه."
"يمكن أكون حبيتها غلط؟! بس كل اللي أعرفه اني حبيتها وما زلت بحبها ومش قادر أنساها."
نظرت إليه بشفقة على حالته وما توصل إليه وهو بهذا السن الصغير! لم تُلقي اللوم على عاتقه مُطلقًا، فكانت تلوم فقط أبيه وأمه، فهم من جعلوه قاتل برئ! هم من تركوه منذ الطفولة يعيش كل منهم حياته الخاصة مبتعدين عنه كليًا، تربى على هذا الحال حتى كبر وأدرك كل شيء بنفسه.
"اوعديني يا داده إنك هتقابليها؟"
ابتسمت إليه بخفة وألم وهي توعده، ثم بعد ذلك رحلت ومعها تلك الرسالة الذي كتبها بيديه. نهض من مكانه عازمًا على النوم حتى وجد من يدق على هاتفه، حمله بتعجب قليلاً ثم ابتسم فورًا يفتح المكالمة قائلاً: "ماهر باشا مرة واحدة بيكلمني أنا؟! ده كتير علينا والله."
"عاوزك يا مدحت."
قالها ماهر هذه المرة بجدية وغضب كبير، لاحظه مدحت من نبرته ليقول بعدم فهم: "خير مالك يا ماهر؟! فيه حاجة؟!"
"عاوز أشوفك بكرة في مكتبي الساعة ٧ الصبح بالظبط الاقيك هناك تمام؟"
"تمام وكل حاجة بس فيه إيه طمني مالك؟!!"
"هتعرف بكرة كل حاجة سلام."
أغلق الهاتف بوجهه بقوة، ثم جلس على كرسيه المتحرك، يفتح ويُغلق تلك الأباجورة وبداخله أشياء كثيرة تتصارع، بينما مدحت نظر إلى هاتفه بتعجب من لهجته الغريبة معه لأول مرة، ثم جلس أعلى سريره يُفكر لِما يطلبه ماهر وما هذا الموضوع!
"****************"
وعندما خرج فريد من المرحاض، يبدأ في ارتداء ثيابه حتى آتت له مكالمة على الأرجح أنها مُهمة للغاية. حمل هاتفه يُجيب، ثم بعد قليل هتف بثبات وصدمة بنفس الوقت: "إنت متأكد؟!"
وبعد عدة دقائق أغلق هاتفه، ثم أكمل ثيابه وبعدها خرج مُتجهًا إلى غرفتها يطرقها عدة مرات بقلق.
وعندما لم يأتِ رد له، عزم أن يكسر الباب بهلع، لكنه وجدها فجأة تفتحه وهي تقول بغضب: "فيه إيه!! عاوز إييه."
تنهد براحة ثم دلف مُسرعًا يتفحص كل إنش بالغرفة، ثم أعاد بصره إليها قائلاً: "إنتي كويسة صح؟!"
راقبته بعدم فهم لِما ينظر بالغرفة بهذه الطريقة، تقف أمامه مُتخصرة وهي تقول: "فيه حد بيخبط على حد بالطريقة دي؟!!"
"معلش سامحيني مقصدش وبعدين إنتي اتأخرتي عمل ما فتحتي ف قلقت."
"كنت نايمة وللأسف قومتني من أحلى نومة في حياتي... أول مرة أحس إني عاوزة أنام وأحس بأمان كده. طبيت عليا زي القاضي المستعجل واديني قدامك أهو."
حمحم بقله حيلة وحرج يقول: "أنا بس كنت عاوز أعرفك إني نازل ورايا مشوار صغير وراجع."
"أيوه وأنا مالي؟!"
قالتها بعدم فهم وسخرية، ليُقابلها هو بهدوء فلا مجال للنقاشات هذه الآن: "علشان تخلي بالك من نفسك ومتخرجيش من أوضتك خالص."
"أمر ده يعني ولا إيه مش فاهمه؟!"
"زي ما تعتبريه بقي مش هقعد أبررلك لأني مش فاضي."
"تعرف إني حاسة إنك ورا قتل سمير!"
قالتها بغيظ وهي تريد فقط أن تُثير غضبه حتى يتوقف عن مضايقتها هكذا.
أخذ يتأملها للحظات مُندهشًا من حديثها الذي لم يتوقعه، تُتابعه هي وهي ترى تقاسيم وجهه التي تبدلت بالكامل، ينظر لها بصدمة وغضب. لاحت ابتسامة صغيرة على ثغرها بسخرية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها مُنتظرة رده، لكنها صُدمت عندما اقترب منها بضع خطوات.
فرجعت هي للوراء وهي ترمقه بتحذير ألا يقترب، لم يُبالي لنظراتها واقترب أكثر حتى احتجزها بين ذراعيه، مُلصقًا ظهرها في الحائط، مما جعلها ترتبك من قربه منه. كان قاصدًا أن يفعل ذلك، لكي يترك تأثيره عليها فتكفْ عن ما تتفوه به من هراء دائمًا حتى تغيظه وتجاوب عن سؤاله الذي طرحه عليها بلهجة حنونة: "مُتأكده أن أنا اللي قتلت سمير؟!... بصي في عنيا وقولي شايفة إيه؟"
فشلت في إبعاده عنها، وبدون وعي منها تأملت عينيه المصوبة تجاهها بعشق واضح، تابعت التأمل في انعكاس صورتها، لتهتف بعد أن هدأت ثائرتها تمامًا وتجاوبت مع نظراته: "ممكن أقولك حاجة؟!"
نظر في عينيها بشغف يقترب أكثر دون وعي، يومئ لها لتقول هي بطفولية: "تعرف إن عندك انفصام في الشخصية؟!"
نظر إليها بصدمة من جملتها، يبتعد قليلاً بعدما توقع أن تقول شيئًا آخر، فالآن تُدعيه بالمجنون!
"تقصدي إني مجنون؟!!"
قالها يرفع حاجبيه بتعجب وهو يُتابعها بصدمة أكبر وهي تُكمل: "أنا بفهم جدًا في علم النفس، وحالتك دي بتأكد كده، فريد أنت مش بتشوف نفسك من حال لحال. شوية تبقى حنين ولطيف معايا وشوية تانيين بتضايقني وبتزعقلي وبحس إنك مش طايقني! هل ده منطقي؟!"
"اللي بتقوليه ده اللي مش منطقي! انفصام مين! أنا عندي انفصام! آيه هانم جايز أكون رخمت عليكي اليومين دول بس مقصدش طبعًا."
"مهو علشان كده يا فريد... أسمع مني بس أنا أدري."
قالتها وهي تصفق ثم أكملت: "إنت نفسك أهو مش بتبقى قاصد إنك ترخم يعني بتضايقني بدون ما تحس وبرضو بتبقى حنين عليا بدون ما تحس... هو ده الانفصام أسمع مني."
"إنتي كنتي أدبي؟!"
قالها بسخرية من حديثها، لترد هي نافية: "لأ أنا كنت علمي رياضة! بتسأل ليه مانت عارف؟!"
"أدبي خسرت واحدة نابغة زيك يا آيه هانم، مع السلامة دلوقتي وخلي بالك من نفسك ومتنزليش."
شهقت هي بصدمة من جملته لتركض خلفه قائلة: "استني بس إنت تقصد إيه؟!! تقصد إني مش فاهمه في علم النفس! طيب اقعد كده وأنا هحللك شخصيتك كلها وهعرف إنت بتفكر إزاي."
"والله أنا مش فاضي لشغل الأطفال بتاعك ده دلوقتي، مرة تانية إن شاء الله."
"استني بس..."
قالتها وهي تحاول الوقوف أمامه مُعتدلة حتى تعرقلت قدماها لتسقط بين يديه بصدمة وهي تبتلع ريقها بتوتر، لتجده يمد يده، يُداعب خصلات شعرها، يُرجعهم إلى الخلف حتى تظهر ملامحها كاملةً له. لم يترك تفصيلة بوجهه إلا ودقق بها، ازدادت وتيرة أنفاسها واحمرت وجنتاها خجلاً منه، ف عادّت وكررت حديثها بضحك: "انفصام على أبوه!"
لم يستطع أن يُكبح ضحكاته التي ارتفعت فجأة من جملتها، ليقول وسط شهقات ضحكاته التي طالت وهي تنظر له ببلاهة تائهة به: "تعرفي إنك مشكلة بجد."
"أنا برضو؟!"
قالتها بإندهاش وهي تبعد يديه عنها، تزم شفتيها مُردفة: "أنا عايزة أنزل أتجول تحت مش طايقة القعدة هنا."
"كملي نومك أفضل علشان صحتك."
"لأ مبقتش نعسانة خلاص، عايزة أنزل أتجول براحتي زي الأول ومتقوليش لأ علشان كده كده هنزل اشطا؟!"
"لأ مش اشطا طبعًا هتفضلي قاعدة هنا وهطلبلك أكلك يوصلك الأوضة هنا بدون نقاش وأنا نازل ساعة وهرجع."
قالها بجمود وحِدة ثم رحل من أمامها، يتركها تنظر إليه بصدمة من حماقته وهي تقول: "ده إنت مجنون رسمي!"
"بس على مين، كده كده مش هخاف من حاجة بعد كده، وشي اتغير ومحدش هيعرفني يبقى ليييه أخاف!"
قالت كلماتها بتبرير وهي تتجه صوب الدولاب تفتحه وهي تُخرج بطقم كي ترتديه، عازمةً أن تعيش حياتها وتتجول فتبًا لكل شيء من الآن فصاعدًا.
"***************"
"إيه ده بجد واو! أنا كنت بالحلاوة دي! شادي متخيل كان شكلي زي الأميرات إزاي وطريقة لبسي بجد واو!"
طالعها شادي يبتسم بسخرية: "طبعًا هيعجبك لبسك أنا قولت كده."
"طيب بذمتك شفت الاستايل كان تحفة إزاي؟! حتى أنت استايلك كان أحلى كتير وكان شكلك وسيم و.."
"أنا مشفتش حد بالجرأة دي! إنتي إزاي كددده!!"
قالها شادي بتعجب من حديثها التي لم تخجل منه بتاتًا، لترد هي بتبربر: "شادي عاوزة أفهمك حاجة واحدة أنا كده بسبب عيشتي برا... من وأنا طفلة وأنا هناك عايزني أبقى عاملة إزاي؟!"
"ولو برضو يا يارا كل حاجة ليها حدود!"
نظرت إليه بعدم فهم وضيق تردف بجمود: "وأنا عارفة حدودي كويس يا شادي ممكن متتدخلش في الحاجات دي تاني؟!"
"أنا كنت عامل عليكي مش أكتر!"
قالها بهدوء بعدما لاحظ علامات الضيق التي تتقسم وجهها، لترد هي مُتجاهلة حديثه: "المهم دلوقتي خلينا في أزمتنا، هنخرج من هنا إزاي؟!"
"وحشني عيشتي الطبيعية وجو الشهرة والعالم بتاعي الخاص، تعرف يا شادي أنا كنت كل فترة بطلع لايف وكان بيحضره ملايين الناس بجد. عارف شعور إنك تبقى بالشعبية دي في وقت بسيط جدًا؟! ده فضل من ربنا جدًا، إيمتى هرجع تاني بقييي."
نظر إليها يُتابعها مُبتسمًا وهي تتحدث، فطريقة حديثها تعجبه كثيرًا وصوتها الأعذب الذي يسمعه بقلبه! يقول ببلاهة: "تعرفي إن طريقتك في الكلام حلوة أوي؟!"
"وأنت ضحكتك حلوة."
قابلته بهذه الجملة مُبتسمة، ليُحمحم هو بخجل قائلاً: "بصي الحل عند أبوكي وأبويا، إننا نقنعهم ووقتها ممكن يحنوا ويسمحولنا بالخروج."
"طيب ولو محصلش؟!"
قالتها يارا بحزن، ليُكمل هو بشرود: "مهيبقاش فيه حل تاني للأسف وهنفضل عايشين هنا."
نظرت إليه بخوف وهي تنظر للمكان حولها وتلك العالم الغريب التي تكرهه بشدة، تقول برفض: "أنا استحالة أقعد هنا يا شادي... استحالة بجد... ده سبحانه أنه مصبرني لحد دلوقتي على اللي أنا فيه ده... أنا ممكن أعمل أي حاجة أي حاجة علشان أخرج."
قالتها بثقة وهي تنظر له ببلاهة، يضحك هو عليها قائلاً بمرح: "أي حاجة أي حاجة؟!"
كادت أن ترد حتى عضت شفتيها بخجل وهي تنظر بالفراغ تبتلع ريقها بخجل من جملتها، ثم عاودت بصرها إليه تقول وهي تفرك كلتا يديها بطريقة أثارت غريزته نحوها هذه المرة: "مقصدش طبعًا... أنا بس أقصد إني عايزة أخرج من هنا بأي طريقة."
"يبقى هنفضل قاعدين هنا في وش بعض كتير."
قالها بإستسلام ويأس، لترد وهي تقترب منه في الجلوس: "بلاش يأس دلوقتي، لازم نتصرف فعلاً ونكلمهم."
"إيه الدخان ده؟!"
قالها شادي بتعجب وهو يرى دخان حوله قد بدأ بالتسرب إلى ذلك الكهف، لكن كيف وهو مُحكم الغلق هكذا؟!
نظرت يارا هي الأخرى بصدمة وهي تلاحظه، يقترب منهم وقد بدأ في الانتشار بكافة الكهف، انتفضت فازعة وقد بدأت بالسعال، نهض شادي هو الآخر بصدمة يُراقب الوضع حتى وجد يارا قد بدأت بالسعال بشكل تدريجي ومن الواضح أنها لم تستطع التنفس، أما عنه فلم يتأثر بهذا الدخان مُطلقًا ولا يعلم ما هو السبب!
"شش.. شادي إيه دده... انن.. أنا مش قادرة أخد نفسي."
اقترب شادي إليها يحاوطها بين ذراعيه مُحاولاً تفاديه، يحميها بصدره لعلها تهدأ قليلاً، لكن وجد حالتها قد تدهورت ووجهها الذي تبدل للون الأحمر وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها بصعوبة: "يارا اهدي هتبقي كويسة متخافيش... فتحي عينيكي."
"مم.. مش قق.. قادرة ي شادي، اتصررف اا.. ارجووك."
كانت تُضيء تلك الأسورة التي ترتديها، لكن بسبب تلك الأبخرة لم يستطيعوا رؤية أي شيء. أرخت بجسدها عليه وهي تلهث بصعوبة بالغة، تُغلق عيناها من حين لآخر، ينظر هو إليها بصدمة وخوف: "يارا فتحييي عينك... يارا متقفليش عينك... يارا هتبقي كووويسه... رديي عليااا."
أومأت رأسها بالنفي وهي تشعر بالاختناق حتى توقف التنفس عندها بالكامل ووقعت بين يديه، صارخًا هو بفزع باسمها: "يااارااا.... ياراااا ردييي عليااا... افتحييي عنيكيييياراااااا."
حملها فورًا بهلع وهو يسير في هذه الأبخرة رغم عدم رؤيته، حتى وصل إلى باب الكهف يفتحه بقوة ونجح في ذلك عندما خرج أخيرًا بها، ينظر إليها بقلق وخوف، حتى أنه لم يُلاحظ هؤلاء الناس أمام الكهف يراقبونهم ومن الواضح أنهم من فعلوا ذلك، ليقول واحد منهم: "أبيك يُريد مُقابلتك سيدي."
"وتلك الفتاة أيضًا يُريدها."
ضمها إلى صدره بخوف عليها بسبب أبيه وما يود فعله، يذهب معهم بخوف، لكن هي بين أحضانه وستظل هكذا كي يحميها، هذا وعده أن لا يُصيبها أي مكروه بسببه هو.
وبذاك الفندق كان جروب العمل يقفون في منطقة ما المراد التخطيط العمراني عليها، يُتابعون عملهم بجد. يردف أكرم بأشياء وهم يرسمون خلفه بدقة، حتى وقع بصره عليها عندما وجدها ترسم بشرود هذه المرة عكس عادتها، ليقترب منها بتعجب قائلاً: "خير إنتي كويسة؟!"
أومأت له وهي تقول: "الحمد لله بخير."
استنكر ما قالته بعدم تصديق، يبتعد مرة أخرى إلى مكانه ليُكمل توجيهاته، وهي ترسم خلفه بعناية رغم مرضها، حتى سقط القلم من بين يديها فجأة.
تتلاشى الرؤية أمامها تدريجيًا وهي تقع، حتى وجدت أكرم يسندها بقلق هاتفًا: "باشمهندسة إنتي شكلك مش كويسة."
حاولت استجماع شتات نفسها سريعًا وهي تتنهد بقوة قائلة: "لأ أنا كويسة، دوخت شوية بس مش أكتر."
"علفكرة يا باشمهندس أكرم، تُقى من ساعة ما جينا وهي قاعدة شغالة وبترسم ومأكلتش ولا شربت أي حاجة."
قالتها إحدى الفتيات من بينهم، ليرد هو بصدمة وتعجب: "ليه كده يا باشمهندسة؟! مكنش المفروض تعملي كده وتيجي على نفسك. صحتك أهم."
"صدقني أنا واخده على كده مش موضوع أكل بس دلوقتي بقيت أحسن."
"خدي اشربي العصير ده."
أعطاها كأس العصير خاصته قائلاً بإصرار، لترد هي بالمقابل: "شكرًا مش عايزة هخلص الشغل وهاكل."
"اعتبريه أمر يا باشمهندسة لازم تشربيه علشان تركزي ولا إنتي مش عايزة تطلعي الشغل بيرفكت؟!"
"أكيد لأ!"
"تمام خلاص هشربه."
قالتها بقله حيلة، ثم أنهته وبدأت تدريجيًا تفوق وهي ترسم بكامل وعيها، حتى أتت مكالمةً لها في هذا الوقت.
"ممكن أرد على موبايلي؟!"
قالتها بتساؤل إليه، ليهز رأسه علامة الإيماء.
أخذت هاتفها بعيدًا بضع خطوات وهي ترد، وعندما كانت تتجول في هذا المكان حتى لاحظت آيه من بعيد التي كانت تقف تستنشق الهواء النقي، ليسقط الهاتف من يديها بصدمة وهي تقول بصوت مرتفع: "عالياًاااا!!!"
كان أكرم يُتابعها بهذه الأثناء، ليرى هاتفها الذي وقع بالأسفل وهي تقف مصدومة من شيء ما، أسرع إليها بعدم فهم، لكن وجدها تركض بسرعة في مكان ما وهي تصرخ باسم: "عاليااا... خدددي باااالك..."
قالت هذه الجملة وهي تقف أمامها حتى تلقت هي هذه الرصاصة بدلاً منها وهي تسقط بين يديها، تنظر لها آيه بصدمة فقط، بينما أكرم تيبست قدماه وتوقفت عن الحركة وهو يتابع ما حدث وقلبه يعلو ويهبط بشدة.
"ي لهوي دي أخت زياد!! يا نهار أسود إيه اللي حصل ده...!"
قالتها تلك الفتاة بغضب وخوف في آنٍ واحد، وهي على وشك أن تركض من هذا المكان، تُدير وجهها إلى الخلف لتترنح بصدمة عندما وجدت فريد أمامها ينظر إليها بصدمة تحتل وجهه يقول بسخرية: "إنتي ي جيسي؟!"
رواية ساعة الانتقام الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دينا اسامة
- فارس!!
قالتها جيسي والصدمة تحتل ملامحها وهي تتفادى النظر إليه بخجل وجسدها قد بدأ بالارتجاف.
حرك رأسه بصدمة يردد ثانيةً بعدم تصديق:
- أنتي ي جيسي؟!!.. أنتي!!
- فارس أنا...
- أنا إيه!! أنتي ندلة وخاينة وأكبر خاينة عرفتها في حياتي، كنتي هتوقعي مني إيه وانتي صاحبتك عاليا!!
- بس أنا مش زيها ولا عمري هبقى زيها.
قالتها جيسي بعصبية ليردف هو بحنق:
- أنتي أحقر من عاليا، ولا عاليا كانت واضحة وخيانتها صريحة، أنتي خيانتك وغدرك وجعني أوي ي جيسي!
نظرت إليه والدموع تنهمر على خديها من نظراته المستحقرة والمشمئزة إلى أن وجدته يركض من أمامها إلى آيه التي كانت تصرخ وهي تستنجد بمن حولها من أجل تلك الفتاة التي وقعت بين يديها وأنقذتها من فم الموت.
- فريد الحقني ي فريد، البنت دي جات فيها رصاصة بسببي، أبوس إيدك اتصرف.
ترنح فريد يتفحص وجهها بصدمة إلى أن جثى على ركبتيه يردف بهلع:
- تُقي!!!
نظرت إليه آيه بعدم فهم وهي تقول:
- أنت تعرفهااا!!
- تُقيييي!!
كان صوت أكرم وقتها الذي ركض إليها بصدمة يجثو هو الآخر دون تفكير يهز جسدها بفزع:
- تُقي فوقييي... إيه اللي حصل..! مش هيجرالك حاجة فتحي عنيكي.
أنهى جملته حاملاً إياها يركض بها إلى حد ما إلى داخل الفندق.
وكادت آيه أن تتبعه بخوف حقيقي من أجل هذه الفتاة، لكن أوقفتها يد فريد الذي قال وقتها:
- بلاش دلوقتي ي آيه تعالي معايا.
- فريد البنت حالتها صعبة وكل ده بسببي، أنا خايفة أوي يجرالها حاجة، قلبي مش مطاوعني أسيبها.
- ده الأفضل ي آيه، تعالي معايا أفهمك.
ذهبت معه وهو الآخر يشعر بالحزن من أجل تلك الفتاة البريئة.
وبذلك البيت المهجور كان قد وصل ذلك الشاب ومعه علبة الإسعافات الأولية ليرى زياد مسطحًا على الأرض أمامها يتابعها في صمت.
حمْحَم هو وقتها بتوتر قائلاً:
- زياد بيه أنا جبت المطلوب.
أومأ له زياد بصمت حائر ثم نهض وقبل أن يترك هذه الغرفة قال:
- داوي جرحها على ما أرجع، خلي بالك منها أوعى عينك تخونك وتنام لحظة.
أومأ له الشاب بتعجب من تغيره ثم رحل زياد وعلامات الجمود تتقاسم وجهه.
أخرج بعض القطن وبدأ يمسح لها الدماء التي كانت تغطي وجهها بينما هو يتابع ملامحها عن قرب واضح.
لتبدأ هي بتحريك رموشها ثم فتحت عيناها التائهتين لتُقابل خاصته في اتصال تتحاكي به العيون ثوانٍ معدودة، وبدأت بالارتجاف والخوف وهي ترتد إلى الخلف بصراخ صائحة:
- أنا معملتتتش حاااجه... أنا مليش ذنببب... حرااام علييييك... متضربنيييش.
- أهدي بلاش كده خليني أداوي جرحك ده علشان زياد بيه ميتعصبش.
قالها ذلك الشاب بغضب من فعلتها وخوفًا من أن يأتي زياد ويراها هكذا كما كانت.
انتبهت هي لهذا الاسم جيدًا ثم بدأت تردد:
- منه للله.... أنا بكرههه مش عاااوزه أشوووفه، وانتتت كمااان زيييه اخرررج من هنااا عاوز منييي إيه.
- بقولك إيه أهدي كده علشان مقلبش على الوش التاني، أنا عبد المأمور هنا وزياد بيه أمرني إني أنضفلك جرحك قبل ما يرجع، ي تهدي وتسكتي شوية على ما أعمل المطلوب ي أما هيبقي ليا تصرف تاني انتي فاااهمه؟!!.
- هتعمل إيه أكتر من كده! هو فيه أكتر من كده لسه متعملش؟!
قالتها بلهجة ساخرة وهي تنظر للفراغ حولها من تحول حياتها للجحيم منذ لقائه، منذ أن باحت له بكل ما في قلبها واعتبرته أخًا لها حتى باء الأمر بها إلى هذه النقطة وهذا عقاب حتمي كانت لا بد أن تذوقه وها هي الآن تعيشه.
وجدها تنظر بالفراغ في صمت فسنتحت له هذه الفرصة كي يقترب ويبدأ في علاج جرحها التي لم تشعر به، فهذا جرح سطحي لا يضاهي شيئًا عن ما بداخلها.
وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا عاد زياد ليدلف تلك الغرفة بجمود ينظر إليها بفرحة بعض الشيء لكن أخفاها سريعًا بتمثيل قائلاً بحِدة:
- إيه قد كده صحتك تعبانة مقدرتيش تستحملي قلمين؟!
لم تنظر إليه ولو نظرة واحدة عندما جلست القرفصاء تنظر بالفراغ بصمت تام.
نهض ذلك الشاب وقتها يحمل علبة الإسعافات الأولية يقول:
- تؤمرني بحاجة تاني ي زياد بيه؟
- أيوه استني.
قالها زياد بحِدة أوقفت قدميه عن السير ليستدير إليه قائلاً بتعجب:
- أنت تأمر.
اقترب منه يقف مقابله، يجول فوق ملامحه وهيئته بهدوء ما يسبق العاصفة.
ثم فجأة قال بلهجة أفزعته:
- أنت مين؟!
- أنا مين إزاي!!
قالها ذلك الشاب بتوتر محاولاً التماسك، لكن قبل أن يكمل كلامه، وجد زياد يلكمه بقوة والشرار يتطاير من عينيه صائحًا:
- بقي تفتكرنييييي عبيطططط وبريالة ي روووحمككك، إيه مصدوووم من اللي بقوله!!
ما زال هذا الشاب متماسكًا بصعوبة وهو يقول بهدوء:
- أنا مش فاهم حاجة ي زياد بيه ممكن تفهمني؟!
- لأ ي روحممممككك روح خلي ماهر الطوخي يفهمك ويعرفك مين زياد طنطاوي ي حيِلتها منك لييييه، إيه كنت تحسبنييي مغفل ومهعرفش أنت تبع مين ومين ملقحك عليااا.
أغمض ذلك الشاب عينيه وقتها وهو يستجمع شجاعته ثم فتحها وقد بدأت تبرز عروق وجهه وصدره بغضب مبتسمًا بسخرية وقد سدد لكماته المتتالية الذي صُدم عندما وجده قد بدأ في ضربه بعنف وكأنه مصارع ما.
- طلعت ذكي أهو ي زياد، اومال ماهر قاليش كده ليه؟! ملوش حق الصراحة!
كانت شهد تتابع تلك الدراما الملحمية التي تحدث بينهم وهي لا تفقه أي شيء، تتابع فقط بصدمة وخوف حتى إنها لم تستطع التحرك أو النهوض كي تهرب من براثينهم.
وفجأة وجدت ذلك الشاب لكم زياد بقوة وقد سقط زياد هزيلاً أمامه بضعف، يتفحصه بسخرية على حالته.
اقترب منها وملامحه قد تغيرت بمقدار مئة وثمانون درجة فقد يبدو وكأنه مجرم الآن، لذا ابتلعت ريقها وهي تقول متوسلة:
- الله يخليك سيبني أنا عاوزه أروح، أنا مش فاهمة إيه اللي بيحصل ده! وماله ماهر!!
وجدته يحملها فجأة في صمت يخرج بها مسرعًا إلى سيارة صغيرة كانت تخصه بعيدة كل البعد عن الأعين، يجلسها بها ثم جلس هو الآخر يقودها بسرعة جنونية بيد واليد الأخرى تجري مكالمة ضرورية.
- ماهر زياد طلع عارف كل حاجة واتكشفت وأنا معايا شهد دلوقتي.
رد ماهر وقتها بصدمة ينتفض من مكانه هاتفًا:
- إيييه!! بتقووول إيييه!!
- ده اللي حصل ومن الواضح أن في حاجة غلط بتحصل بينا... في حد بينا خاين ي ماهر خد بالك، أنا دلوقتي ماشي بيها ومش عارف هروح بيها على فين، لكن اللي أقدر أعمله إني هحميها لحد ما أقابلك ونشوف المصيبة دي.
- مين ي رجائي؟!! إزاي ده حصل خطتنا كانت ماشية كويس من يوم الجريمة لحد النهارده! إيه اللي حصل وقلب الموازين؟!
- أنا معرفش حاجة ي ماهر شوف أنت لو حد يعرف غيرنا عن المهمة دي لأن أنا واثق أن في حد من جوه الوزارة اللي بلغه، سلام دلوقتي.
- طيب أنت رايح بيها على فين ي رجائي دلوقتي!!
قالها ماهر وقد بدأ عقله بالتشويش من ما حدث ليرد الآخر:
- معرفش ي ماهر معرفش سيبني دلوقتي علشان أعصابي بايظة.
- خد بالك منها ي رجائي، دي أمانة في رقبتنا.
- متقلقش عليها في رعاية الله أنت ومتنساش تكلمني لو عرفت جديد.
أغلق ماهر معه وبدأ بفتح أنوار الغرفة بعد أن أغلقها شارعًا في النوم، لكن الآن لا يوجد نوم بل يوجد شيء لم يأت بحسبانه يومًا!
- إزاي ده حصللل!!! محدددش عارف بخطتي أنا ورجائي من البداية! ازااا...
لم يكمل جملته عندما تذكر أنه أخبر اللواء جمال بتلك المعلومة حتى وإن كانت غير مباشرة، لكن كان يخبره بأن رجائي معها وسيُحميها!
جلس مجددًا أعلى فراشه بصدمة يهز رأسه بعدم استيعاب لما يفكر به يردد:
- مُستحيلل!!... مستحيل يكون هووو.
بينما بسيارته نظرت إليه شهد بترقب قائلة:
- ممكن أعرف أنت موديني فين؟!
- ما قولت مش عارف! إيه كنتي لابسة سماعة وأنا بتزفت "بتكلم" !
- أنت بتكلمني كده ليه؟! أنا مالي ومال أن خطتك تفشل ولا تنجح، هو أنا السبب؟!
قالتها شهد بضيق عندما أدركت بعض الشيء ماذا يحدث بعدما سمعت ما يدور بينه وبين ماهر.
ليرد هو بصوت ارتفع أثر عصبيته:
- تعرفييي تسكتيييي!!! اسكتييييي!
صمتت شهد باستياء وبعض الخوف وهي تتحسس وجهها المجروح من حين لآخر وتتابعه بتعجب من صمته طيلة الطريق حتى أنه لم ينظر إليها بتاتًا إلى أن غفت مكانها بتعب بعد هذه الليلة المرعبة التي قضتها مع هذا المعتوه "زياد".
- اصحييي مبحبش أسوق وحد نايم جنبي.
قالها بعصبية يريد إيقاظها بينما هي انتفضت فازعة ببكاء وهي تتخيل زياد أمامها يضربها لتجد رجائي يقابلها بنظراته الغريبة التي لم تفهمها يقول بلهجة هادئة بعض الشيء يبعد نظره عنها:
- مبعرفش أسوق وحد نايم.
- ليه بتنعس!
قالتها بلهجة ساخرة وحادة من طريقته التي لا تمت للرجولة بصلة ليرد هو ببرود:
- رغم إنك بتقوليها بسخرية بس هي دي الحقيقة فعلاً فوقي بقي كده علشان أتْـنِـيـل أكمل سواقة.
اعتدلت في جلستها بامتعاض وضيق وهي تنظر إلى الناحية الأخرى تتابع المارة من خلف زجاج سيارته.
شكلت الحيرة خطوطها في عينيها الضائعة وامتزجت بلمحة حزينة في ظل التفاف حبال غليظة حول عنقها رويدًا.
وبعد قليل من الوقت توقفت سيارته في قرية ريفية من هيئتها.
تنظر إليه بتوتر وهي تقول:
- إيه المكان ده!
- إيه مش عاجبك؟!
قالها ساخرًا ثم أكمل بجدية:
- أنا عايش في القرية دي.
نظرت إليه بصدمة من حال تلك القرية المتهالكة تمامًا وحال أهلها والفقر الذي ينبش بأظافره هذه القرية، لتنظر إليه ولهيئته التي لا تتناسب بتاتًا مع هذه القرية تقول:
- يعني أنت عايش هنا؟!
لمح نظرة الاشمئزاز والصدمة وهي تراقب هذه القرية ليردف بغضب:
- أيوه عايش وكفاية كلام وانزلي!
ظلت على وضعيتها وهي تراقب المارة من خلف زجاج السيارة بخوف، فكان هذا المكان يشبه كثيرًا تلك المكان التي اختطفت به منذ زمن، حتى الآن تستذكره ولم تنساه.
اقترب هو بملل وغضب يفتح باب السيارة قائلاً بلهجة عنيفة:
- إيه مستنياني أفتحلك الباب كمان؟!
- هو أنا جايه هنا ليه ممكن أفهم؟!
قالتها بخوف وهي تترجل من السيارة بتعب بعض الشيء ليرد هو بالمقابل:
- هتتخبي هنا لحد ما نشوف حل وزي ما أنت شايفه القرية دي مش موجودة على الخريطة أساسًا فأمان.
هذا ما أشعرها بالخوف أكثر وهي تسير معه تنكمش على نفسها في هذه الطرقات الوعرة التي لا تستطيع السير بها نظرًا لعدم انتظامها.
اقترب طفل منها كان يلعب وسط أصدقائه بمسدس صغير يلعب به موجهًا ذاك المسدس إليها بمرح.
لتصرخ هي وقتها ترتد إلى الخلف وهي تكاد أن تركض من هذا المكان، لكن وجدت رجائي يمنعها بالقوة بعدم فهم وهو يقول جاذبًا إياها:
- فيه إيه ده طفل!
ارتعدت أوصالها وهي ترتجف بين يديه وشفتيها بدأت بالارتجاف.
نظر هو لها بإندهاش وصدمة في آن واحد يقول:
- أنتي كويسة؟! مالك!
- لأ مش كويسة... عاوزه أمشي من هنا.
- تمشي تروحي فين! ده أنسب مكان ليكي دلوقتي حاولي ي ستي تتأقلمي على ما نشوف حل.
- لأ مفيش حل.
قالتها وهي تشعر بالضياع من ما تمر به وكأن الدنيا تعاندها!
سارت معه بالقوة عندما جذب يديها خلفه رغمًا عنها حتى وصل إلى بيت صغير ومتهالك لم تر مثله إلا بالأفلام عندما يُختطف أحد ما به.
اقترب بها يدق الباب الخشبي الذي أصدر أنينًا أزعجها وقتها لتفتح في هذه الأثناء سيدة تبلغ من العمر خمسين عامًا تقريبًا تنظر لهذه الفتاة بتعجب وهي تعيد نظرها إلى رجائي قائلة:
- مين دي ي رجائي.
- ندخل الأول ي ست الكل وأفهمك.
دلفت معه شهد التي كانت تتابع المنزل بغرابة وهي ترى تلك السيدة، فكانت جميلة للغاية وهيئتها لم تدل أنها تقيم بهذه الأحياء الفقيرة، كانت تشعر بشيء غريب بهم.
حتى خرجت فتاة من إحدى الغرف تقول بفرحة وهي تحتضن رجائي:
- وحشتنييييي إيه الغيبة دي!
ضمها إليه بحب إلى صدره يردف:
- أديني ي ستي قدامك ياكش متزهقيش مني الفترة دي.
- استحاااله.
قالتها تلك الفتاة بسعادة حتى لاحظت هي الأخرى تلك الفتاة لتنظر إليها بإعجاب وهي تقول بتعجب:
- الله مين القمر دي؟!
نظر رجائي إليها يرفع أحد حاجبيه بجمود يردف:
- وأنا جاي لقيتها بتجري من ناس وباين أنهم كانوا بيضايقوها وهي متعرفش بيتها ولا حتى اسمها ف جبتها هنا لحد ما تتحسن.
نظرت إليه بصدمة من ما تفوه به من هراء ليقابلها بنظرة أخرستها عن التحدث توافقه ما يقوله فقط.
اقتربت منها تلك السيدة التي أعجبت بها شهد تقول:
- ي حبيبتي ي بنتي ألف سلامة عليكي.
ابتسمت لها شهد بحب وشعور غريب لمس قلبها عندما تحسست وجهها تنظر لها برهة بعدم فهم لما هذا الشعور.
- ي حبيبتي ربنا ينتقم منهم، انتي شكلك تعبانة أوي.
- فعلاً ي ميسون هي تعبانة خديها معاكي أوضتك ترتاح وأنا خارج شوية وراجع.
نظرت إليه شهد بتوتر وخوف ليقابلها هو بعدم فهم لنظراتها التي كانت تتوسله بألا يرحل لكنه رحل دون تفكير.
دلفت معها شهد إلى غرفتها البسيطة التي كانت تتكون من سرير كبير، وهذه الغرفة كانت مريحة لعيناها إلى حد ما عكس ما بالخارج.
تنظر لها ميسون وهي تقول بمرح:
- عفكرة أنتي حلوة أوي رغم الجروح دي كلها بس ما شاء الله عليكي جميلة.
- أنتي اللي جميلة واسمك جميل ومميز.
قالتها شهد بابتسامة بشوشة لتقابلها الفتاة تردف:
- بصي أنا هطلعلك حاجة من عندي بس مش عارفة هتعجبك ولا لأ وخدي دش هادي وريحي شوية.
ابتسمت لها شهد بامتنان لتخرج لها الثياب ثم خرجت بها ثانيةً توجهها إلى الحمام التي هابته عندما رأته فكان صغيرًا ومحكمًا وهي تهاب مثل هذه الأماكن.
لاحظتها ميسون لتردف بتعجب:
- مالك حاسة بحاجة؟! تعبانة!
- لأ لأ أنا كويسة.
قالتها شهد بنفي تبتسم في وجهها وهي تدلف رغمًا عنها، تُغلقه خلفها وقلبها قد بدأ بالاضطراب لكن ما باليد حيلة.
- ربنا ينتقم منهم بجد ي ماما دي شكلها متأثرة أوي من اللي حصل معاها ووشها مليان جروح منهم لله.
قالتها ميسون بغضب وضيق لترد الأم بنفس تلك النبرة:
- عندك حق ي بنتي ربنا يصبرها ويصبر أمها وأهلها.
"*************"
وعلى الجانب الآخر كانت سوسن قد غفت بمنزل ورد وقد انتفضت صارخة بفزع ووجهها يتصبب عرقًا تنادي باسمها:
- شهد... شهد أنتي فيين!
ركضت إليها ورد ومعها ريم التي قد فاقت منذ قليل وهي تجلس بمفردها شارده الذهن من كل شيء يحدث حولها تقول:
- مالك ي سوسن.
- شهد بنتي في خطر... أنا خايفة عليها أوي.
- اطمني ي حبيبتي ماهر بيه وعدك أنها هتبقى بخير متقلقيش إن شاء الله هتبقى زي الفل وهترجع.
- أنا آسفة.
قالتها ريم وهي تجلس جوارها بأسف تنظر بالأرض وهي تشعر بالذنب فيما حدث لها تُكمل:
- أنا والله ما كنت أقصد أنه يحصل فيها كده ي ماما سوسن، أنا كنت عاوزة حد يساعدها، لو كنت أعرف أن ده اللي هيحصل مكنتش هتصرف من دماغي.
احتضنتها سوسن ببكاء تقول نافية لحديثها:
- متقوليش كده ي حبيبتي انتي مغلطيش، انتي عاملة إيه دلوقتي طمنيني عليكي.
ابتعدت ريم التي قد بدأت بالبكاء هي الأخرى تردف:
- معدتش فارقة ي ماما كتير أنا أخدت على كده.
- ماهر بيه بنفسه هيتابع حالتك وهيعرف مين اللي بعتلك الصور دي هو بنفسه وعدنا متقلقيش.
ورد بتأييد:
- إن شاء الله ي ريم أنا واثقة فيه.
نظرت بالفراغ بشرود وهي لا تعلم كيف تخبرهم بأنها تعلم من وراء كل هذا! لكن كيف!!
وبينما بهذا الفندق.
- الحمد لله الإصابة سطحية ومن حسن حظها أنها جات قريب من كتفها.
- الحمد لله.
قالها أكرم بحمد ينظر إلى تُقي التي ما زالت فاقدة للوعي ليكتب لها الطبيب بعض الأدوية ثم رحل من الغرفة.
وبالخارج كان فريد يتابعه حتى ذهب إليه يقول:
- هي حالة المريضة إيه ي دكتور دلوقتي طمني؟!
- تقصد البنت اللي مصابة برصاصة؟!
أومأ له فريد ليردف الدكتور:
- الحمد لله اصابتها سطحية وعدت.
- ألف شكر ي دكتور.
قالها فريد مودعًا له بحمد هو الآخر.
لتأتي آيه من ورائه بحزن واضح وهي تقول:
- يعني هي اخت عاليا!! أنا مش مصدقة اللي بيحصل! يبقى علشان كده جريت عليا علشان تنقذني.
أومأ لها فريد بغضب داخله يشتعل من تلك جيسي الحقيرة التي لا تقل حقارة عن صديقتها.
ليردف وقتها إلى آيه:
- بس البنت دي مش زي عاليا ي آيه... البنت دي طيبة جدًا يمكن أكون قابلتها مرتين بالكتير بس عرفت أنها مش زيها ولا زي أخوها.
نظرت إليه آيه بتعجب وهي تقول:
- هما ليهم أخ كمان!
حمحم فريد محاولاً تبديل الموضوع بقول:
- المهم ي آيه دلوقتي متروحيش عندها أرجوكي اديكي عرفتي أنا ببعدك ليه وتروحي أوضتك ومتخرجيش تاني، شفتي خروجك عمل إيه؟!
نظرت إليه بغضب من نفسها وحزن على هذه الفتاة فلو لم تنزل إلى الأسفل لما كان سيحدث ذلك.
لكنها أردفت سريعًا:
- طيب عرفت مين اللي حاول يعمل كده؟!
- لسه ي آيه بس هعرف قريب، أنتي دلوقتي روحي أوضتك وغلاوة اللوا سليم ما تخرجي إلا لما أبلغك.
أومأت له آيه بحزن هذه المرة وهي ترحل من أمامه إلى غرفتها تتركه هو ينظر بالفراغ بغل ونيران تشتعل في صدره مردفًا داخله:
- بدأ وقت تصفية الحساب ي شوية أوغاد.
*******************
وبغرفة تُقي دق أكرم بإحدى المهندسات التي تعمل معهم لتأتي هي بحزن وهي ترى حاله تُقي لا تستوعب ما حدث لها فجأة يقول هو لها:
- بصي خليكي معاها لحد ما تفوق وخلي بالك منها، أنا هنزل أكمل الشغل معاهم تحت وجودي هيأثر.
تفهمت حديثه تومئ له بالإيجاب وهي تجلس جوارها تتابع حالتها من حين لآخر.
"وعند زياد بذاك البيت المهجور نهض بألم في رأسه على صوت دقات هاتفه الذي فتحه بتعب لينتفض فجأة بفزع صارخًا:
- بتقوليللللييي اييييه!! انتي اتجننتييييي.
- ي زياد صدقني ظهرت قدامي من العدم بس الحمد لله الإصابة سطحية وهي كويسة بس صدقني مكنتش أعرف إنها هناك أصلاً في الفندق وإنها ممكن تشوف آيه.
- انتيييي فييييين دلوقتي انطقيييي!
- أنا هناك متخفية لأن فارس شافني للأسف وعرف إني اللي ضربت الرصاصة وكنت قصدى بيها آيه، قولي أعمل إيه دلوقتي أنا خايفة ومش عارفة أتصرف.
- انتي متخللللفه ومبتفهميييش، ي ريتني ما كلفتك بحاجة، بوظتي كل حاااجه... كل حاااجه باااظت.. كل حاجة ضاعت.
قالها زياد وهو بحالة صدمة من ما يحدث معه منذ رحيل شهد وهذا الشاب المحتال وها الآن تأذت أخته وكشف فريد ما يحدث!
كان داخله يغلي وعروق جسده بدأت بالبروز وشيطانه قد بدأ يسيطر عليه مثل كل مرة.
- اقفلييي دلوقتي وأنا هتصرررف.
" وبينما بذلك البيت الغريب الذي يوجد في تلك القرية المتهالكة، كان يجلس رجائي رفقة أسرته البسيطة على الأرض يأكلون.
لتردف ميسون بتلك الوقت:
- مش المفروض كانت تكون معانا بتاكل! الا صحيح هي اسمها إيه ي رجائي!
- تقريباً شهد لأنها كانت بتردد الاسم ده.
الأم بحنان:
- طيب ما تدخليها ي ميسون تجيبيها تاكل لقمة معانا لأحسن دي أكيد هفتانة بس ي عيني مش قادرة تقول.
أومأت لها ميسون على الفور وهي تنهض متجهة إلى غرفتها لتجدها تغطو في نوم عميق بإنهاك.
خرجت متجهة إليهم وهي تقول:
- دي نايمة ي ماما وشكلها ي عيني منامتش من زمان.
- متقلقوش كلوا أنتو أنا جايبالها أكل عامل حسابها.
قالها رجائي بجمود من اهتمامهم المبالغ لترد ميسون وقتها مبتسمة:
- بس شكلها طيبة مش كده ي رجائي؟
- وأنا إيه هيعرفني، أنا أعرفها منين؟!
قالها رجائي بتعجب وضيق لترد الأم وقتها مؤكدة لحديث ابنتها لينتهي هو سريعًا من أكله كي لا يسمع الكثير من هذه الأشياء.
يدلف المرحاض يغتسل يديه، وعندما كاد أن يخرج لمح خاتم يلمع أمامه.
جذبه بين يديه بتأمل متذكرًا رؤيته لها وهي ترتديه ظل متأملاً لتفاصيله فهذا الخاتم يبدو عليه الغلاء حتى صُدم يركض صوب غرفة أخته عندما سمع صوتها وكأنها تتشاجر مع أحد.
- ابعد.. اا.. ابعد عنه... عع.. عاوز منه إيه.. متسبنيش لل.. لوحدي ارجووك.
كانت تقول هذه الكلمات وهي تتحرك أعلى السرير بقوة تهذي بها.
آتت ميسون وأمها ورجائي الذي اتبعهم بصدمة يقف مقابلها ولا يعلم كيف يتصرف فحالته كانت تزداد سوءًا وهي تتحرك بقوة أكثر ووجهها يتصبب عرقاً حتى فجأة انتفضت بصراخ وهي تنادي باسمه:
- سميررر!
رواية ساعة الانتقام الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دينا اسامة
انتفضت صارخة ووجهها يتصبب عرقًا، جسدها بدأ بالإرتجاف بطريقة أفزعتهم جميعًا.
اقتربت ميسون بخوف تجلس مقابلها وهي تقول:
- أنتي كويسة! طمنيني مالك.
اتجهت الأم هي الأخرى تجلس بجانبها من الناحية الأخرى وهي تلمس وجهها الذي وجدته كالثلج، رغم ذاك العرق الذي يملأ جبينها، لكن جسدها كان باردًا للغاية.
شهقت بفزع وخوف تقول:
- ي حبيبتي ي بنتي جسمك تلج!
- أنا كويسة.
قالتها شهد وقتها بعدما شعرت بإحراج من وجودهم حولها، بل تخجل أكثر من أنها غفت بهذا المنزل وصاحبه التي لم تعلم عنه شيئًا حتى الآن.
- كويسة إزاي بس إنتي مش شايفة نفسك! دانتي متلجة وقمتي مفزوعة أوي.
قالتها ميسون وهي تتابعها بقلق، بينما تنظر لها الأم باهتمام تهتف:
- قومي ي ميسون جيبي لها ميه ي بنتي.
أومأت لها ميسون مسرعة، لكن أوقفها رجائي الذي ذهب هو وجلب لها كيساً به بعض الأطعمة الجاهزة وبعض علب العصير، يعطيها إلى ميسون التي نظرت إليه بتعجب لثوانٍ ثم جلست ثانيةً وهي تقول:
- بما إنك صحيتي بقي ده أكلك وكمان فيه عصير اشربيه عشان تهدي ممكن.
- معلش تعبتكم معايا، أنا آسفة بجد على اللي حصل.
- ي بنتي متقوليش كده، أنتي زي ميسون بنتي، ويلا اسمعي كلامها وكلي عشان صحتك.
قالتها الأم بحنان وهي تربت أعلى ظهرها.
نظرت إليها شهد بحب وهي تمسك الكيس بين يديها، رغم أنها لم تشعر بالجوع بتاتًا.
حمحم رجائي وقتها واضعًا يديه خلف ظهره يقول:
- مش يلا ي ماما نخليها ترتاح شوية دلوقتي!
أومأت له ثم نهضت وهي تذهب معه، وكادت ميسون أن تخرج هي الأخرى كي تأخذ راحتها عندما تأكل، لكن وجدتها تقول:
- ممكن تقعدي معايا؟!
نظرت إليها وهي تقول بحب:
- أكيد طبعًا لو مش هازعجك.
- أكيد لأ، ده أنا اللي محرجة من وجودي هنا حقيقي ومش عارفة أقولكم إيه، انتو ناس كويسين أوي ومامتك حد عسول أوي، هي اسمها إيه؟
- لأ بجد هزعل متقوليش كده، انتي نورتينا أصلاً، مش شهد برضو؟
أومأت لها شهد مبتسمة لترد بقول:
- ماما اسمها فردوس.
- هو ممكن سؤال ومتفهمنيش غلط؟!
قالتها شهد باستحياء وتوتر لترد ميسون:
- مفيش إحراج بينا اتفضلي طبعًا.
- هو بصراحة المكان اللي انتو قاعدين فيه ده قاعدين فيه إزاي؟! أقصد يعني شكلكم بصراحة ميبيّنش إنكم عايشين هنا، وكمان لهجتكم في الكلام عادية، أصلي اللي أعرفه اللي بيكونوا قاعدين في قرية لهجتهم بتبقى مختلفة عن كده، آسفة والله لو كنت ضايقتك.
ابتسمت ميسون لتردف بتوضيح جعلها أكثر حيرةً بشأنهم أو بشأنه هو بالأخص:
- بصي ي ستي، انتي صح فعلاً، إحنا مكناش قاعدين هنا أصلاً، إحنا من الجيزة وبقالنا سنة واحدة بس نقلنا لهنا.
نظرت إليها شهد بصدمة وهي تقول:
- إزاي!! إزاي من الحال ده لده!
فهمت ميسون ما تقصده لترد:
- رجائي أخويا جابنا هنا من سنة بسبب طبيعة شغله، وأن ده أكتر مكان آمن ليه، بس إن جيتي للحق أنا حبيت هنا أوي، حبيت الهدوء والراحة النفسية اللي حسيتها هنا، بس روح المكان حلوة والناس هنا طيبة وبتود بعضها.
تعجبت شهد من ما تقوله وهي لا تفهم ماذا تقصد "بطبيعة شغله هذه"، لتردف:
- طبيعة شغله إزاي؟! ليه هو شغال إيه!
صمتت ميسون ثوانٍ بتفكير وهي تنظر إليها، تتابعها شهد بغموض ثم تنهدت وهي تقول بصوت منخفض:
- بصي أنا مش عارفة ده صح ولا لأ لأن محدش يعرف هو شغال إيه غيري أنا وماما بس، بس هقولك بس بالله عليكي ما تعرفيه إنك عرفتي ولا كأنك سمعتي حاجة لأن ده خطر عليه.
انتبهت شهد لما تقوله بتمعن وهي تخمن وظيفة ما، لتكمل ميسون لكن وجدت رجائي يفتح باب الغرفة دون الطرق عليها حتى كما اعتاد، يقول بصوت جامد ومخيف:
- ميسون في واحدة برا وشكلها بتولد روحي ساعدي الحاجة برا.
انتفضت ميسون بصدمة تنظر بعينيه التي كانت تتوعد لها، ثم ركضت من الغرفة مسرعة.
تنظر شهد في أثرها بحيرة واندهاش إلى أن جالت بنظرها عليه، تراه يتفحصها ببرود ونظراته التي كانت تحمل الكثير من المعاني وقتها.
- ي ريت تاكلي وتخليكي في حالك، ده أفضل ليكي ولحمايتك، مفهوم؟!
- هو إيه اللي مفهوم! وبعدين أنت مين فهمني! أنا من حقي أعرف، ي كده ي تسيبني أمشي من هنا وبلاش شوية الرجولة اللي باقيين عندك دول.
قالتها شهد وهي تخرج عن صمتها هذه المرة، فقد تعبت من كل هذه الألغاز والغموض في حياتها، أليس طبيعيًا أن تعيش حياة هادئة خالية من هذه المؤامرات والغموض!
رمقها بنظرة غاضبة جعلتها تبتلع ريقها من الخوف الذي أصاب قلبها من نظراته التي تشبه نظرات الفهد الغاضب، ثم هتف بصوت يشوبه الاستياء فقد ضاق صدره من حديثها:
- خلصتي كلامك؟! بصي أما أقولك، انتي هنا زيك زي الحيطة اللي وراكي دي، مسمعش صوتك ومش عاوز أي لغبطة في الكلام، كلامي هو اللي هيمشي عليكي لحد ما أخلص منك، ومتدخليش نفسك في اللي ملكيش فيه لتاني مرة عشان متندميش.
تركت الطعام من بين يديها بصدمة من كلامه المهين، وكأنه يطردها ويريد التخلص منها، لكنه مجبر عليها!
نهضت من مكانها وهي تقترب منه تقف مقابله بعينين دامعتين، كادت أن تقع في وقفتها فتناولتها يد "رجائي" سريعًا ممسكًا بها وهو يردف بنبرة سريعة: "خدي بالك".
رفعت بصرها ببطء له، وهمست بصوت تملكه الأسف والأسى:
- أنت ظابط صح؟!
قالتها بحزن وهي تتأكد الآن من طريقة، حتى فرت دمعة هاربة من عينيها.
يتابعها هو بصدمة وما زال ممسكًا يدها بقوة، ولكن لو يدرك مدى ثوران مشاعرها لأشفق عليها وتركها تهرب منه تأخذ أنفاسًا طويلة بعدما حبست أنفاسها تحت يده الممسكة بها في قوة.
- تاني؟!
قالها هو بغضب، يترك يدها بقوة من كشفه للمرة الثانية أمامها، ثم أكمل:
- انتي عاوزة توصلي لأيه فهمينييي!!! ي ستي أيوه أنا ظابط، ارتاحتييي!
ابتسمت بسخرية وهي تقول، تضع يدها الثانية أعلى يدها الموجوعة أثر ما فعله:
- بالعكس.
- يكون في علمك إن حصل واتكلمتي ولا حتى قولتي حاجة عن نفسك قدامهم انتي حرة، الحمد لله إنهم معلقوش عليكي لما صرختي باسمه، وأنا قايلهم إنك يعتبر متعرفيش حد وأنك فاقدة للذاكرة، بلاش تهور عشان هنزعل كلنا.
- وهما الظباط بيتخبوا من وظيفتهم في مكان زي ده؟!
قالتها شهد رغم حزنها، لكن تملكتها الحيرة والفضول في أن تعلم من هو، ليرد هو وقد انفجر صائحاً في وجهها:
- يخربيتك انتييي مبتفهميييش!! أييييه وجععع الدماااغ دددده... انتي تعبانة معايا من زمان أوي ولسه! إيه ناوية تموتيني مجلوط منك؟!
كانت شهد وقتها قد وقعت أعلى ذاك السرير بفزع من صوته وهيئته، وهي تتوسطه من الصدمة وقد بدأت بالبكاء بشكل هستيري.
ليزفر هو بضيق أكثر، ينظر إلى الخارج متابعاً الأوضاع، إلى أن تنهد براحة عندما وجدهم منشغلين بالخارج، حتى اقترب منها بطريقة أثارت رعبها، وهي تقفز أعلى السرير تقف وهي تتحرك به صائحة:
- انتت زي ماااهر... أيوووه زيه... هو كاان بيعمل معاياااا كده وبيضايقني عشان أتكلم.. انتو عاوزززين منييي ايييه ابعدووو عني مش عاوزاااكم مش عاااوزه حمايتكم الكدابة اللي زيكم... أنا بكرهكممم.
- انتي بتعملي إيه اقعدي! أنا قولت إيه لكل دده اتفضلي اقعدي وبلاش جنون!
قالها "رجائي" بصدمة من حالتها، يريدها أن تهدأ قبل أن يسمعوا بالخارج.
لتفهم هي وقتها ما يفكر به عندما لاحظت نظراته للخارج مراراً، حتى أنها نزلت من أعلى السرير بجنون وهي تكاد أن تصرخ بهم، لكنه حملها بطريقة سريعة بيد واليد الأخرى تكتّم أنفاسها، ملصقًا بها بالحائط، يردف بتحذير وقد بدأت عروق رقبته ويده في الظهور:
- اسكتييي... أنتي شكلك مجنونة... أنا استاهل ضرب الجزمة إني قررت أساعد ماهر في قضية زي دي، إيه عاوزه تصوتي وتقوليلهم على الحكاية؟! طيب صوتي كده وقوليلهم وأنا أوعدك إني أخليكي تعفني في السجن مدى حياتك.
انتي المفروض تشكرينااا على اللي بنعمله عشان نعرف مين الجاني الحقيقي اللي انتي كنتي مخبية عليه بسبب هبلك... كان هيضيعك وانتي ماشية وراه بدون حتى ما تفكري الزفت اللي اسمه زياد إيه مصلحتتته... إيه مجاش في بالك ولو مرة إيه مصلحته يساعدك في حاجة زييي دييي! رغم إنك يوم الجريمة كنتي موجودة وكنتي أنتي آخر حد مع سمير النوبي والقضية كانت لبساك لبساك لولا أنه بعد تدخله الدنيء وعمل إنه أنقذك وأن ده جميل منه عليكي عشان تفضلي تسمعي كلامه وتمشي وراه زي المجنونة وهو العقل المدبر لكل ددده انتي للدرجادي مش واااعيه!! دي الطفلة تفهم عنننك ما بالك بكلم واحدة ناضجة قصادي.
كانت تتابعه شهد بصدمة من كل ما تفوه به، وكأنه على دراية بكل شيء من البداية، لكن ما أزعجها أنها كانت تختنق بين يديه وما زال يكتّم أنفاسها دون وعي حتى لا يسمع أحد بالخارج ما يحدث.
حاولت التملص منه وهي تختنق، لكنه ما زال يعتقد أنها بهذا الجنان وستصرخ وتفضحه وتفضح نفسها معه.
وقعت يديها التي كانت تحاول الإزاحة به بعيدًا، وهي تغلق عينيها باستسلام.
يشيح هو بيديه سريعًا عنها بصدمة وقد بدأ جبهته تتصب عرقًا وهو يتفحصها بتوتر يقول:
- شهد!.. أنتي كويسة! أنا...
لم يُكمل جملته عندما وجدها تقع بين يديه، يلتقطها سريعًا بصدمة وقلبه قد بدأ بالاضطراب والخوف عليها هذه المرة.
يحملها مُحدقًا بها يردف بصوت ارتفع قليلاً:
- شهددد فوقييي.. جراالك إيه... متعمليش كدده! مينفعش يجرالك حاجة بعد كل ده! لازم تفوقييي... شهدددد!
أخذ يربت بيديه أعلى وجهها ثم يجذب شعره بقوة من هول الصدمة قائلاً:
- أنا إيه اللي عملته ددده!! إيه اللي هببته ددده... لييي كدددده... ي رب ارجوووك حلها من عندك.... وحياة حبيبك النبي مينفعش تموت كده.. ي رررررب.
قالها وقد بدأ بالإرتباك والخوف وقلبه الذي شعر به حينها لأول مرة يهدم بهذه الطريقة.
ابتلع تلك الغصة المريرة في حلقه، يعيد شعره إلى الخلف ثم عاود كي يتحسس وجهها، لكنه سريعًا ابتعد، يضرب الحائط بيده عدة مرات حتى تورمت وبدأت بالانتفاخ.
وفي هذا الوقت دلفت فردوس رفقة ميسون اللذين سمعوا الصوت من الخارج بعدما رحلت تلك السيدة، ينظرون إليه في صدمة من هيئته وإليها أعلى الفراش ووجهها الذي قد بدأ بالتحول للون الأزرق تدريجيًا.
صرخت ميسون بفزع وهي تركض إليها صائحة:
- ي ماما الحقّي وشها أزرق.
شهقت الأم بخوف تقترب منها، بينما "رجائي" نظر إليها بصدمة من انعدام الدم في وجهها علامةً للزرقة الذي ظهر.
لم يستطع أن يشعر بنفسه إلا وهو يركض من الغرفة، يخرج من المنزل بأكمله في حالة مريبة مثيرة للشفقة.
بعدما انتهى "أكرم" من عمله الشاق هذه الليلة، فقد زاد العمل عليه بعدما تكفل بشغلها وأتمه على أكمل وجه، يودع بقية الجروب متجهاً داخل الفندق قاصداً غرفته لتعيقه تلك الفتاة التي فور رؤيتها تنهد قبل أن يردف بقول:
- أفندم خير.
- إنت نسيت اسمي ولا إيه! أنا مها!
- ي ستي مها ولا مهاب مفرقتش كتير، عاوزة إيه؟!
شهقت بصدمة من جملته وهي تعيد شعرها إلى الخلف هاتفة بصوت غاضب قليلاً:
- أنا مش فاهمة أنت بتعاملني كده لييي!!
- بعاملك إزاي!
آتاه صوته الذي يبدو عليه الملل من رؤيتها لترد هي بغضب أكثر من تجاهله:
- على العموم كتر خيرك، أنا كنت جايه أسألك تُقي عاملة إيه دلوقتي ولو ينفع أشوفها.
نظر إليها بتعجب قليلاً ثم أردف:
- تهمك أوي؟!
- أيوه طبعًا.
قالتها بتعجب من نظرته التي كانت تستنكر تساؤلها ليرد هو بضيق:
- غريبة يعني مش كنتي إمبارح مطلعة فيها العِبر وأنها متستاهلش و..
- كنت غلطانة.
قالتها وهي تكفيه عن الحديث، تنظر له بخجل وهي تبتلع ريقها بتوتر ثم هتفت:
- هو بصراحة أنا كنت غيرانة إنك اخترتها هي تشتغل معاك، كان نفسي أكون معاكم بس محصلش نصيب.
نظر إليها بترقب، يتابع ملامح وجهها ويستشف صدق حديثها يقول:
- عامةً حصل خير، أحيكِ على شجاعتك إنك اعترفتي بخطأك.
- شكرًا ليك، متأسفة على اللي حصل وأني جيتلك في وقت مش مناسب إمبارح.
- ولا يهمك، تصبحي على خير دلوقتي.
- وانت من أهله.
قالتها وهي تتابع رحيله، تنظر له بحب كبير اتضح من عينيها لتدلف هي الأخرى غرفتها، تتذكر كيف كانت ترتدي عندما ذهبت إليه وكأنها عاهرة!
- بس دي طبيعة لبسي ليه مضايقة كده!
قالتها وهي تعنف ذاتها باستياء، ثم أردفت مرة أخرى وكأنها تتحدث مع نفسها:
- اعترفي إنك مضايقة عشان فهمك غلط وبصلك بصة وحشة وأنك من نوعية البنات دي.
لترد مرة أخرى على ذاتها:
- طيب وأيه المشكلة ما يفهمني! وبعدين أنا بلبس اللي يريحني.
- بس ده مش هيريحها وانتي عارفة!
- ولو أهم حاجة يريحني أنا!
- بتكدبي على نفسك صح؟! أنا عارفة إنك بتحاولي تلبسي محتشم عشانه.
- لأ طبعًا مفيش الكلام ده!
- متكدبيش عليا أنا أكتر حد عارفك.
نظرت لذاتها بيأس وهي تجلس أمام المرآة تنظر لانعكاسها وملامح الحزن تتوسط وجهها:
- بس أنا غلطت إني روحتله في وقت زي ده وباللبس ده وكل ده بسبب غيرتي! بس هعمل إيه هاا؟ مش شايفني من ساعة ما جيت الشركة، مش بيحب يتكلم معايا خالص بسبب لبسي ممكن!
- ممكن يشوفك بعد كده ويركز معاكي أكتر بعد اللي حصل!
نظرت إلى ذاتها بيأس ترد:
- يركز إيه بقي مهو فهمني غلط زي ما قولتي، بس هو ممكن يكون مش بيحبني بسبب لبسي؟! يعني أنا لو غيرت لبسي ممكن يحبني ويهتم بيا صح؟!
- الحب عمره ما كان كده ي مها، الحب بييجي مرة واحدة ولشخص ممكن تكون مش طايقه ولا حابب شوفته، لكن مع مرور الوقت الكره ده بيكون السبب في الحب بطريقة غير مباشرة، الحب والكره دائمًا بيتواجدوا مع بعض.
- يعني هو ممكن يتقبلني بلبسي ده كده ويحبني!
- ولي لأ مفيش حاجة بعيدة! الحب قادر يخلي أي بني آدم ضعيف قدام اللي بيحبها، أيوه هيضايق منك وهيتعصب عليكي بس في الآخر مش هتهوني عليه.
ابتسمت لذاتها برضا ومسحت تلك الدمعة التي سقطت منها بعدما انتهت من حديث ذاتها، كل ليلة تبدأ في ارتداء بيجامة جميلة مثل قلبها الذي فقط يعرفه من يتعامل معها.
- انتو عاوزين مننا إيه، وإيه المكان ده!
قالها شادي وما زال يحمل يارا بين يديه، يتابع تلك الأماكن الذي كان يمر بها إلى أن وصل إلى بوابة كبيرة لقصر ما، ربما لكنه كان قصر مخيف ليس كبقية القصور في عالمنا هذا.
نظر إليهم يردف مرة أخرى بغضب:
- إيه المكان ددده!!
- سيدي الساحر غاندالف ينتظرك بالداخل.
- مين ده!!
قالها شادي بتعجب ليرد عليه:
- أبيك سيدي.
- إيه الأسماء الغريبة اللي في العالم ده!
قالها داخلاً من ما حوله، ثم دلف معهم ينظر صوب كل شيء بصدمة، ثم نظر إلى يارا بخوف ليقول متسائلاً إليهم:
- هي هتفوق إيمتي!
- لا تقلق، ستفيق دون مجهود.
سار معهم بضيق وقلبه مضطربًا لأجل هذا اللقاء، وفور دخوله وجد رجل ضخم إلى حد ما ذا ملامح حادة غريبة لم يرى قبلها من قبل، ابتسم إليه رغم غضبه من فعلته السابقة يقول:
- أهلاً عزيزي الساحر، لم يُكمل حديثه عندما وجد تلك الساحرة الذي بات يكرهها هي وأباها وما زال يفعل، تنهد بغضب مُحدقاً النظر بها، ثم أعاد بصره إليه بغضب أكثر يصيح:
- ألم تخجل من فعلتك؟!.. لِما تبقي معها الآن، دعها وشأنها قبل أن أزهق روحها بيدي.
توتر شادي من هيئته، يضم يارا أكثر بين يديه بتحكم يقول بنبرة حادة وتحذيرية:
- يارا هتفضل معايا ومش هسمحلك تأذيها بأي طريقة.
- حقًا! تحدثني بهذه الطريقة من أجل هذه الفتاة الحقيرة!
- يارا كويسة، وأنصحك متجيبش سيرتها، واتفضل قول عاوز مني إيه!
- ستبقى معي هُنا، في قصرك هذا عزيزي، لقد علمت أنك ستأتي مجددًا.
- أنا عاوز أخرج من العالم بتاعكم ده مش عاوز أعيش هنا، لازم تخرجني من هنا أنا وهي بأسرع وقت.
- ماذا!! هل جَنِنت! ستظل هنا وهذه الفتاة سوف تُحتجز ثانيةً كي يكفي دراكو عن ما يود فعله.
- انتو الإتنين مجانين، اتصرفوا مع بعض، أنا وهي ده مش عالمنا لازم نرجع لحياتنا الطبيعية.
- هذا مستحيل، لقد انتظرتك أكثر من مائة عام كي تعود ونتحد ونملك العالم أجمع بقوتنا.
نظر إليه شادي بغضب وكاد أن يُكمل كلامه باستياء، لكنه فجأة توقف ووقعت منه يارا على الأرض عندما أتت تلك "شيراز" وقد أدخلت سائلاً في رقبته، لتتحول عيناه فوراً إلى اللون الأحمر الدموي، تضخم جسده كثيراً وأطرافه أيضاً، ينظر بجنون حوله يريد كسر كل ما أمامه.
نظرت شيراز بفرحة لتحوله وهي تشير للخدم بأن يحملوا يارا بعيداً عن هنا.
نظر غاندالف بفخر إليها ثم اتجه أمامها يقول وهو يربت أعلى رأسها:
- سأظل فخور بكِ شيراز، أنتي من تستحقين "ريحان".
أومأت له بفرحة وفخر في آنٍ واحد وهي تتابع "شادي" الذي كان يتجول بالقصر بجنون كما كان يفعل من قبل.
جلس "رجائي" بعدما رحلت الطبيبة التي أتى بها إلى هنا سريعًا بعدما خرج، وتحديداً فوق أريكة صغيرة الحجم، يراقب "شهد" الغائبة عن الوعي.
أحياناً كانت تستفيق متمتمة ببعض الكلمات الذي لم يفهم منها شيئًا، وأخرى كانت تضحك بلا هدف، وها هي تبكي بلا هدف.
رمقها بنظرة تحمل الندم هذه المرة تجاهها وهي تبكي كالأطفال، فوضع يده أسفل ذقنه ينتظر وصلة ضحك أخرى، لكنها صمتت هذه المرة، أخذ ينظر لها بتعجب وحزن اتضح عندما جال نظره عليها، ثم نهض متجهاً إلى غرفته الذي لم يدخلها غيره هو نظراً لتلك الأجهزة الغريبة التي كانت توجد بها.
اقترب ناحية مصحفه الخاص ثم خرج يجلس في الصالة.
تنظر إليه ميسون وأمه بخجل وهم يرمقونه بضيق.
جلس بجوارهم، وهو يفتح مصحفه كي يقرأ بعض الآيات القرآنية الشافية، فهو معتادًا على ذلك عندما تمرض أمه أو أخته يظل يردد هذه الآيات بإخلاص وصدق بالنية.
- لي اتعصبت عليها؟!
قالتها ميسون بلوم وحزن لتكمل الأم:
- أنت عمرك ما اتعصبت على بنت كده!
- هي غلطتت في إيه؟! على فكرة أنا اللي كنت هقولها على وظيفتك، هي ملهاش ذنب.
كان هو بعالم آخر من الإيقاع باللوم عليه هذه المرة، يشعر ببشاعة ما فعله بحقها دون سبب.
أخذ يتنهد بألم يقول بصوت ثابت:
- ممكن تسيبوني أقرأ دلوقتي.
قالها مراقباً لهم وهم ينظرون إليه بعدم فهم، ثم نهضت الأم تدلف غرفتها، واتجهت ميسون إلى شهد تبدأ بعمل كمادات لها طيلة الليل حتى أتى الصباح وهي بهذا الحال.
وهو بالخارج يقرأ تلك الآيات القرآنية ثم ختم بآية "الكرسي"، وبعدها أغلق المصحف يقبله مغمضًا عينيه بندم وتوسل أن تستفيق وأن يسامحه الله على ما بدر منه بحقها.
وعندما حل الصباح.
وبمنزل ريم كانت تجلس على أحد الكراسي تغفو قليلاً بجانب سوسن التي باتت طيلة الليل ترى الكوابيس فقط.
فتحت عينيها بوهن وهي تراقب سوسن، نهضت تسير إلى المطبخ تجلب ماءً بجانبها ثم عادت بالجلوس مرة أخرى وهي تعقد ذراعيها تبدأ بالنوم، لكن فجأة فتحت عينيها بفزع عندما سمعت شيئاً يسقط على الأرض.
نظرت حولها حتى وجدت قلادة وقعت من أعلى السرير التي كانت تنام بها سوسن.
نهضت وهي تلتقط تلك القلادة بين يديها بتعجب تتحسسها جيدًا، لاحظت أنها تُفتح ففتحتها بتعجب لثوانٍ حتى شهقت بصدمة وهي تنظر إلى سوسن بعدم فهم لتلك الصورتين التي رأتهما.
شعرت ريم بحركتها وعلى الأغلب أنها ستفيق، أخفت تلك القلادة سريعاً تعود إلى مكانها وهي تمثل النوم وعقلها قد بدأ بالتشوش بعد ما رأته.
أما بمكتب "ماهر" كان يجلس أعلى كرسيه، يرتشف قهوته الخاصة بتعب وإجهاد، فكان أسفل عينيه أسود للغاية وجانبه أربعة فناجين من القهوة، أنهى ذاك الفنجان ليضعه جانب البقية، يرتد إلى الخلف بتعب، يعدل رأسه موجهاً لها إلى الأعلى بتفكير وتشوش عن ما يحدث، إلى أن طرق عسكري الباب يعلمه بقدوم "مدحت".
- دخله.
قالها ماهر متنهداً بقوة بعد أن ارتشف كأساً من الماء.
تقدم "مدحت" والابتسامة تعلو وجهه، يجلس مقابله ثوانٍ وتحولت تلك الابتسامة إلى صدمة بعدما وجد كل هذه الفناجين الفارغة، ينظر إلى ماهر الذي كان يبدو عليه الإرهاق قائلاً:
- إيه كل دده!! إيه اللي بتعمله ده!
أعاد "ماهر" شعره للخلف ثم نهض يجلس بذاك الكرسي مقابله يتفحص وجهه، ينظر له بغضب قليل وعتاب يردف بلهجة ثابتة دون مقدمات:
- تعرف ريم الجبالي؟
ابتلع ريقه بصعوبة ينظر إلى الجانب الآخر بصدمة من ما تفوه به.
رواية ساعة الانتقام الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دينا اسامة
كانت "ميسون" في المطبخ تُحضر الفطار في الصباح الباكر.
دَلفت إليها الأم وهي تقول:
- ما بلاش كليه النهارده ي ميسون، أنتي منمتيش من إمبارح ي حبيبتي هتروحي إزاي.
قابلتها "ميسون" مُبتسمه تردف:
- عادي ي ماما يعني هي جديده يعني، مانا في أيام الإمتحانات ببقى كده.
- ي بنتي أنتي في أيام الامتحانات بتبقي مُجبره لكن دلوقتي تقدري تاخدي المحاضرات من أصحابك وبلاها النهارده وادخلي نامي.
- ي حبيبتي صدقيني انا مش نعسانه بجد، بس لازم أروح النهارده لأن المحاضرات دي مش بفهمها من الريكوردذ لازم ابقي حضرتها.
- طيب ي بنتي أنتي أدري بمصلحتك.
قالتها "فردوس" بِقله حيله ثم أكملت:
- طيب وشهد ي بنتي هتقعد لوحدها كده؟! دي ي عيني قاعده في الاوضه ساكته وتحسي في عنيها حزن الدنيا كله.
- هي صحيت ي ماما؟! أخص عليكي مقولتليش ليه أدخلها اقعد معاها شويه قبل ما امشي.
قالتها "ميسون" وهي تترك ما بيديها ثم ولجت إليها فوراً.
وبالداخل.
كانت "شهد" تستند بظهرها علي السرير شارده الذهن حتى أنها لم تنتبه إلى ميسون التي دلفت وبدأت في الحديث.
- عامله إيه دلوقتي طمنيني؟؟
قالتها "ميسون" بتوجس لتستدير إليها شهد بهدوء وهي تعتدل في جلستها قائله:
- الحمد لله.
حمحمت "ميسون" بحرج وهي تجلس مُقابلها تقول:
- متزعليش من "رجائي" هو أكيد مكنش يقصد حاجه بكلامه، وانا السبب علفكرا لأنه منبه علينا إننا منقولش على وظيفته قدام أي حد وكنت هقولك بس..
لم تُكمل كلامها عندما قاطعتها "شهد" تقول بلهجه ضعيفه:
- أنا مش زعلانه بس ممكن طلب؟
- اكيد طبعاً.
قالتها "ميسون" بسعاده لترد هي:
- ممكن تساعديني أدخل الحمام.
- أنتي مش قادره تقومي!
قالتها "ميسون" بخجل وحزن ثم اردفت سريعًا:
- ايوه طبعًا يلا بينا.
امآت لها "شهد" تنهض معها مُتحامله حتى وصلت إلى الحمام، بينما "ميسون" عادت إلى غرفتها وأخرجت ثيابها ثم بعد ذلك ارتدت سريعًا وخرجت إليها تُساعدها.
- أنتي خارجه؟
قالتها "شهد" تنظر إلى ثيابها لتومأ هي بالإيجاب تردف:
- أيوه نازله جامعتي.
- في كليه إيه بقي؟
قالتها" شهد" بإنتباه تعتدل في جلستها لتُجيبها:
- كليه الحقوق جامعه القاهره.
- ما شاء الله ربنا معاكي بس بتروحي إزاي من هنا مش الموضوع صعب عليكي كده!
- لأ مش صعب ولا حاجه، أنا بروح يومين في الأسبوع بس والباقي بقي بخلي اصحابي يبعتولي بقيه المحاضرات و "رجائي" بيوصلني.
نظرت إليها "شهد" بحزن بعدما تذكرت ما حدث أمس، تتذكر كيف كان يوبخها، كيف كان قاسي معها كارهًا رؤيتها، بل حزنت أكثر عندما علمت أن "ميسون" ستذهب وهي ستظل بمفردها في هذه الغرفه، فاقت من شرودها على صوت "ميسون" التي كانت تقول وهي تُهندم نفسها وبدأت في ارتداء حجاب بسيط تضعه بشكل عشوائي:
- روحتي فين!
- معاكي اهوهو أنتي مُحجبه؟!
قالتها "شهد" بتعجب لتستدير إليها "ميسون" تقول بتوضيح:
- حاجه زي كده بس انا بلبسه بالطريقه دي من سنه علشان بس المكان اللي احنا قاعدين فيه، انتي عارفه أنها قريه ولازم نبان إننا زيهم عمل ما الفتره دي تخلص.
امآت لها " شهد" والفضول يقتلها عن إقامتهم الجبريه في هذا المكان، فأقسمت أن يوجد شئ كبير خلف هذا "رجائي" وليس كأي ظابط.
خرجت "ميسون" بعدما ودعتها لتجد "رجائي" ينتظرها بالخارج.
- ماما ابقي اقعدي مع شهد لحد ما ارجع لأنها لسه تعبانه، انا على عيني والله إني ماشيه وسيباها بس مُضطره.
قالتها "ميسون" بأسف لتومأ لها الأم ثم رحلت هي تجلس بسيارته وهي تقول بتأنيب له طِيله الطريق:
- مكنش ينفع تكلمها بالأسلوب ده ي رجائي، شهد ضيفه وانت احرجتها وهِنتها.
- وأنتي مكنش ينفع تتكلمي في حاجه تخصنا قدامها! أنتي عارفه أن مفيش مخلوق يعرف عننا حاجه ولازم نفضل عايشين الفتره دي كده.
- ايوه ي رجائي بس مش منطقي عيشتنا دي! ما في ظباط كتير حد فيهم عايش العيشه دي ومتخفي في هيئه واحد قروي كده!
- سبق وقولتلك أنا غير، في مهمه معينه تستدعي الكِتمان الفتره دي وهانت علفكرا ونرجع بيتنا.
- ي حبيبي انا مقصدش بكلامي إني كارهه العيشه في القريه، بالعكس انا استمتعت هنا اوي، الناس كده لذيذه وبيحبوا بعضهم، انا اقصد ليه محدش يعرف إنك ظابط غيري انا وماما؟
- علشان محدش ينفع برضو يعرف، بلاش كلام بقي واقرأي الأذكار دلوقتي.
امآت له بعدم فهم وهي تفعل ما قاله في صمت.
******************
بينما بالفندق، كانت " تُقي" قد فاقت وكانت تجلس معها "مها" تقول بإطمئنان:
- أنتي أحسن دلوقتي؟
امآت لها "تُقي" بحب تقول:
- الحمد لله، شكرًا ي مها بجد.
- على إيه بس.
- يعني على إنك من بدري معايا ومتابعه حالتي، تعرفي انا بصراحه مكنتش اتوقع حاجه زي دي منك.
عقدت "مها" حاجبيها بعدم فهم تقول:
- حاجه زي دي إزاي مش فاهمه!
- يعني كنت حساكي حد تقيل الدم كده وفي حاله ومش بيفرق معاكي اللي حواليكي، بس طلعت نظرتي فيكي غلط، أول مره نظرتي في حد تخيب.
قالتها "تُقي" مُبتسمه لتُبادلها "مها" مُبتسمه بهدوء ترد:
- أنا مبسوطه إنك فوقتي وأن شاء الله تتحسني علطول.
اعتدلت "تُقي" في جلستها تقول مُتسائله:
- إلا قوليلي ي مها شفتي شكل البنت اللي انا انقذتها من الرصاصه؟
- بصي انا شفت فعلا البنت من بعيد بس مركزتش في ملامحها، بس الباشمهندس أكرم أكيد شافها.
- طيب انا عاوزه اقابله ضروري ي مها.
- خير في حاجه؟!
قالتها "مها" بعدم فهم من لهجتها وحالتها لترد هي مُسرعه:
- أيوه في حاجه لازم أعرفها عن البنت دي، ممكن تتصلي بيه تبلغيه إني عاوزه أشوفه.
- طيب انا نازله دلوقتي اشوفه متتعبيش نفسك أنتي.
قالتها "مها" ترحل مُتجهه إلى الأسفل بينما بالداخل "تُقي" تحاول فتح هاتفها وهي تُظهر صوره لأختها كي تُريها إلى أكرم لكي تتأكد ظنونها.
وبالأسفل كان أكرم وبقيه الجروب يعملون بِجد منذ الصباح الباكر، اقتربت "مها" إليهم وهي تفتح هاتفها كي ترى الساعه، ابتلعت لعابها وقتها بتوتر وهي تقول:
- صباح الخير.
نظر إليها شزرًا ثم هتف بصوت اجش:
- ما لسه بدري ي باشمهندسه! أنتي جايه هنا تنامي ولا إيه!
- آسفه بجد مأخدتش بالي من الوقت لأني..
أشار بيديه علامهً كي تتوقف وهو يقول:
- اتفضلي ابدأي شغلك أول وآخر مره، انتو مش متخيلين المشكله اللي إحنا فيها، المشروع طلع ضخم ولازم كلنا بكل مجهودنا نشتغل عليه وإلا بالطريقه دي هنقعدلنا 10 أيام كمان على الأسبوع، بلاش الطريقه بتاعتكم دي علشان نخلص ونرجع، انا سايب الشركه بدون مدير ولازم أرجع في خلال الأسبوع ده، كل حد فيكم يشوف شغله حتى لو مش هتناموا الاسبوع ده بلاش إستهتار ي باشمهندسين.
توترت هي بعدما أنهى حديثه وهي تُعيد شعرها إلى الخلف، ثم بدأت تحوله إلى شكل "كحكه" عشوائيه، وجلست مكانها تجذب أدواتها وبدأت في العمل حتى أنها تناست أمر "تُقي" وما قالته.
وبعد قليل شعرت بالجوع وهي تنظر إليه بخوف من نظراته التي كانت تلتهمها، ابعدت عينيها عنه بتوتر تقول بصوت خافت:
- هو بيبصلي كده لي!
دق هاتفها في هذا الوقت لترد فوراً بعدما لمحت إسم المتصل تقول بلهفه:
- ماما إزيك ي حبيبتي عامله إيه.
- أنا بخير ي حبيبتي، طمنيني عليكي.
آتها صوتها الضعيف لترد هي بخوف:
- ماما انتي كويسه! صوتك ماله!
- كويسه ي حبيبتي، انا كنت قاعده فاضيه قولت إتصل اطمن عليكي.
- والله ي ماما دايمًا في بالي، ادعيلي اخلص وأرجع علشان وحشتيني اوي.
- وأنتي أكتر ي نور عيني، أنا عاوزه أعرفك أن فلوسي كلها اتحولت لحسابك ي حبيبتي وصيغتي وكل مجوهراتي هنا في الشقه، هتلاقي مفتاح الخزنه ورا تسريحتك ي حبيبتي.
توترت "مها" من ما سمعته تنهض من مكانها فجأه بملامح خائفه في وسط إندهاش الجميع ومن بينهم أكرم الذي عقد حاجبه بتذمر تردف هي:
- ماما انتي فيكي حاجه! ماما قوليلي مالك الله يخليكي، هو رجع ضايقك تاني؟!!.. قوليلي ي ماما متخبيش عليا.
- ي حبيبتي اطمني مفيش حاجه، انا حبيت بس ابلغك باللي عملته وبعدين ما فلوسي في النهايه هتبقي فلوسك.
قالتها "الأم" بلهجه ثابته إلى حد ما لترد "مها" بشك:
- ارجووكي قوليلي فيكي إيه، الحقير ده لو كان قرب منك انا هقتتله مش هيكفيني فيه السجن.
- لأ ي بنتي أنا مبقتش اشوفه متقلقيش عليا المهم خلي بالك من نفسك ي حبيبتي وزي ما قولتلك، يلا دلوقتي علشان شغلك، هبقي أكلمك في وقت تاني.
اغلقت معها وهي تبكي بألم تحاول لمس تلك الجروح التي كانت تفترش جسدها بالكامل لكنها فشلت وهي تشهق بوجع تقول وسط شهقات بكائها:
- ي رب ي رب أنت كبير ومش بتحب الظلم، ي رب ريحني بقااا، احميلي بنتي ي رب وابعده عنها، حنن عليها القلوب الجاحده ي رب وابعتلها طوق نجاه يحميها ويحبها.
ظلت "مها" على وضعيتها عندما اغلقت معها تنظر في الفراغ بخوف وهي تعلم أن بها شئ، وتعلم أن هذا الذي يُدعي أبيها عاد مُجددًا وعاد معه شره ومكره.
- للدرجادي مش مركزه معانا خالص!
قالها " أكرم" بغيظ وغضب ولم يكتفي بهذه الجمله بل أكمل:
- باشمهندسه أنتي مكنش ينفع تكوني معانا من البدايه.
رمقته هي بغضبٍ لأول مره تردف:
- ممكن أفهم أي مشكله حضرتك معايا؟!
عقد هو ذراعيه بصدمه من جملتها ثم اعتدل في وقفته يقول بلهجه ساخره:
- هو فعلآ بقي فيه مشكله! إنك مكنش ينفع تبقي معانا في المشروع ده، أمثالك ملهمش شغل في شركه محترمه زي دي.
آهٍ وألف آهٍ لو يعلم كيف شعرت وقتها بعد إنتهاء جملته حتى أنها لم تشعر بنفسها عندما سقطت دموعها الخائنه، تلتقط هاتفها بيدها مهروله من أمامهم وهي تمسح دموعها، بينما هو ظلت عيناه مُسلطه عليها حتى اختفت، ابعد نظره وقتها يضع يديه في سرواله مُتنهدًا بحيره.
دَلفت غرفتها ودموعها كما هي تسيل بدون هوادة وكأنها انتظرت الانفجار لتخرج كما البركان، ارتمت خلف الباب تنفجر باكيهً كما الطفله الصغيره وكلِماته القاسيه تتردد في إذنيها، ازداد صوت نحيبها بقدر كتمانها لعمرٍ بأكمله مضى عليها صامته، وحينما أدركت وضعها انتفضت واقفه تخرج غضبها على الغرفه بأثاثها، تركل كل ما يقابلها بل تكسره بالكامل، لم ترتاح بل ازداد الأمر سوءاً حينما قابلتها صورهً له تغفو عليها كل ليله بأمل، ركضت نحوها تجلس على ركبتيها تتلمسها بأطراف أصابها تنطق بصوتٍ مختنقٍ ودموعها تنهمر على وجهها وهي تمرر أناملها على زجاج الصوره:
- أنت بتكرهني ليي!
****************
وعند آيه بغرفتها كانت تجلس في وضع التقوس تضع جبهتها على ساقيها شارده الذهن.
فاقت من ذاك الشرود على صوت طرقات "فريد" همت لتفتح له ثم دلف هو بتعجب يقول:
- إيه أتاخرتي كده ليه عمل ما فتحتي!
- ابدًا كنت سرحانه شويه.
- سرحانه في إيه!
- في كل حاجه ي فريد، اللي بعيشه ده كفيل إنه يخليني أفضل سرحانه طول عمري.
قالتها هي بألم وقِله حيله تجلس أعلى الفراش وهي ترتشف كوبًا من المياه لعلها تهدأ.
اقترب هو يجلس على الجانب الآخر يحاول بث الطمآنينه إلى قلبها بقول:
- كل اللي جاي خير ي آيه، عدي كتير مبقاش غير قليل.
انتبهت هي لجملته تُعاود سؤاله بإستنكار:
- اهو كلامك ده اللي بيخليني أفكر ي فريد، أنت عارف حاجه مهمه انا مش عارفاها صح؟!) طيب لي مخبي عليا! لي بتعاملني شويه بحب وشويه مش طايقني!
- هانت ي عيون وروح فريد.
قالها داخله ينظر إليها بحب، لو تعلم هي كيف يعشقها.. لم تُبالي لأفعاله بعد الآن.
- أنت بتبصلي كده لي!
- هو أنا لو طلعت مخبي حاجه مهمه اوي عليكي بس كل ده علشان مصلحتك هتسامحيني!
اعتدلت هي بجلستها بتوتر وقلق من جملته التي اثارت ريبه غريبه تقول:
- حاجه كبيره!
- بس علشان مصلحتك وأمانك!
- على حسب إيه هي الحاجه.
قالتها "آيه" بتوتر تُكمل:
- ممكن تحكيلي بقي؟!
- مينفعش دلوقتي.
- لييي مينفعش... ليييي ممكن أفهم، إيه هي الحاجه اللي خايف ومتردد تقولهالي بالطريقه دي!! أكيد الموضوع كبير، فريد الله يخليك طمني انا خايفه.. خايفه أكون اتخدعت فيك!
رمقها هو بصمتٍ حائر يُراقب نظراتها التي كانت تحاول بها أن تستشف إجابته لكنها فشلت عندما رد هو بالمقابل:
- فريد لا يمكن يخدع آيه) ده اللي اقدر اقولهولك دلوقتي واطمني كل حاجه هتبقي بخير وهتعرفي في الوقت المناسب ومن الشخص المناسب.
شعرت بالاضطراب من جملته هذه) أي الشخص المُناسب) لم تفهم ماذا يُعني بكلِماته حتى أنها مسحت وجهها مُتنهده بحيره ترد:
- طيب ي فريد أنا مُنتظره، مش بإيدي حاجه غير إني أفضل قاعده مُنتظره.
- لأ بإيدك!
نظرت إليه بتعجب تقول:
- مش فاهمه!
- بإيدك إنك تقومي دلوقتي تلبسي وتنزلي معايا عازمك على أكله سمك إنما إيه من اللي قلبك يحبه.
قالها "فريد" مُترقبًا رد فعلها بعد جملته، يعلم جيدًا أنها في امسْ الحاجه إلى هذه الخروجه، قابلته هي بصدمه تحاول إستيعاب جملته مُنتفضه من مكانها تهتف:
- أنت هتخرجنيي!! احلففف! قول والله!
- والله.
قالها هو بضحك على حالتها حتى إنه لم يُكمل جملته عندما قفزت مولجه إلى المرحاض تُجهز نفسها ثم عادت سريعًا إليه تقول:
- مش بقولك إنفصام مصدقتنيش.
ثوانيٍ واستوعب جملتها لينفجر ضاحكًا، ينهض مُتجهًا إلى الشرفه ينظر بتفكير يهمس من بين شفتيه:
- ي ترى إيه هيكون رد فعلك!
****************
وعند "ريم" كانت تجلس رِفقه "هنا" في صاله الجلوس ومعهم سوسن وأمها وناهد، تقول ناهد بخجلٍ من ابنها:
- معلهش ي ريم ي حبيبتي أنتي عارفه خالد، دماغه مريحاه شويه يعني أنتي تايهه عن إبن عمك!
- بقيت واخده على كده منه ي ماما ناهد، خالد أتغير عن زمان كتير مكنش كده، كان حنين عليا أوي، مش عارفه جراله إيه!
- مهو برضو ي ريم لو حد مكانه هيتعصب ويعمل أكتر من كده... خالد حمش اوي وطبيعي بعد ما بيشوف الفديوهات والصور ده يضايق.
قالتها " ورد" بِدفاع لترد "ريم" بالمُقابل:
- لأ ي ماما ده مش مُبرر، خالد بيحط اللوم عليا في كل مره بدون ما يفهم حتى.
- وهو أنتي ي بنتي قولتي حاجه ولا اتكلمتي علشان يفهم؟! ي بنتي طبيعي يعمل كده وهو مش فاهم ليه الناس دي بتهددك وانتي ساكته طول الوقت.
ارتبكت ريم وقتها وهي تفرك كِلتا يديها بتوتر تُتابعها " هنا" التي تعلم كل شئ، كادت أن تتحدث ريم وقتها لكن توقفت بصدمه عندما اردفت "سوسن" دون وعي منها:
- خالد زي أبوه الله يرحمه.
ابتلعت "ريم" لعابها بتوتر وهي تتذكر تلك القلاده وصوره عمها بنصف القلاده والنصف الآخر لشهد.
نظرت إليها "ناهد" في هذه الاثناء بتعجب تقول:
- فعلاً ابو خالد الله يرحمه زيه بالظبط.. بس غريبه أنتي عرفتي منين؟!
ارتبكت "سوسن" تقول بتوتر:
- أبو شهد الله يرحمه كان بيقول عليه كده دايماً.
امآت "ناهد" لها مُؤيده لحديثها لكن ريم كانت تتلاعب بنظراتها صوب "سوسن" وما تُخفيه هي الأخرى عن الجميع.
ترجل "خالد" من شقته بعدما استعاد هدوئه وثباته من جديد وهناك رغبه قويه تعتريه في تدمير هذا الذي يُدعي"ماهر" فقد تطاول عليه أكثر من مرهٍ، من يظن نفسه هو!
وقعت عينيه عليه عندما رآه مُتجهًا صوب شقه عمه، نظر إليه "ماهر" وملامح التعب والحزن ترتسم وجهه، اردف وقتها إليه:
- خالد عاوزك معانا في موضوع مهم هتكلم فيه.
رمقه "خالد" بغيظٍ وغل في صمتٍ ليُعيد "ماهر" حديثه يقول:
- موضوع يخص ريم ويخص الصور اللي بتتبعتلها.
إنتبه "خالد" لجملته قليلاً لكن عقد حاجبيه وقرر أن يرحل من أمامه دون رد، تابعه "ماهر" بعدم فهم لكينونه هذا الشخص الذي لم يفهمه منذ اللقاء الأول.
وعندما دلف "ماهر" رحب بِه الجميع ومن بينهم ريم التي توترت من وجوده، لكنها شعرت أنه ليس يبدو على ما يُرام فهيئته كانت تُوحي بذلك هذه المره، جلس معهم خمسه دقائق ثم اعتدل في جلسته يردف مُوجهاً نظره إلى ريم التي كانت تُلقي نظره عليه من حينٍ لآخر:
- عاوز اقعد مع الدكتوره شويه لو مفيش مانع.
انتبهت "ريم" لجملته بعدم فهم تنظر إلى أمها التي اردفت سريعًا:
- وماله ي بني تحت أمرك.
نهضوا جميعًا مُتجهين إلى مكان آخر، تنظر إليه ريم وهي تقول بصوت بدي ثابت وقوي رغم خجلها:
- خير ي ماهر بيه.
اعتدل أكثر في جلسته، يمسح وجهه وهو لا يعلم من أين يبدأ لها! لكنه قرر سرد لها ما دار بينه وبين مدحت في لحظِاته الاخيره "رحمه الله عليه":
- مدحت اتوفى.
ابتلعت ريقها بصدمه وخوف في آنٍ واحد فور ذكر إسمه، نظر إليها يُتابع ملامحها التي تبدلت وكم كان يبدو عليها الخوف والألم، لم يستطع أن يلومها بعد ما سمعه لكنه أكمل حديثه:
- مات بين ايدين ربنا... مدحت مات وهو بيصلي.
ابعدت هي نظرها في صمتٍ فرغم نفورها فور سِماع إسمه لكن رق قلبها لِما قاله "ماهر" تمسح جبهتها التي تصببت عرقًا، انحني "ماهر" بجزعه العلوي ويديه مُتشابكه يقول:
- مدحت حكالي على كل حاجه ي دكتوره.
- ربنا يرحمه ويسامحه.
قالتها هي لكنها لم تنسي ما فعله.
نظر إليها ثوانيٍ يُتابع صمتها ووجهها الذي بدي عليه الحزن بل عينيها التي كانت تلتمع بالدموع لكنها تُجاهد نفسها كي لا تنفجر وتسقط، حمحم هو بحرجٍ يقول:
- مدحت مات وهو تايب وعرف غلطه، كانت امنيته قبل ما يموت إنك تسامحيه.
- اللي بيسامح العباد ربنا مش البشر.
قالتها "ريم" بلهجه قويه توقعها هو ليردف بتبرير:
- صدقيني مدحت تاب وبالنسبه للصور والفديوهات اللي كانت بتتبعتلك كنوع من التهديد كانت سبوبه من حد تبعه إسمه شوقي حب يستفاد من وراه بقرشين لكن هو ميعرفش عنهم حاجه.
ابتسمت "ريم" بسخريه من تبريره غير المنطقي تُعيد وجهها إليه وهي تقول بصوت لا يحمل الثبات بتاتًا وسط دموعها التي سقطت:
- وهو قالك بقي أنه قتل اخويا!!.. قالك الجريمه البشعه اللي عملها! ولا ده حضرتك شايفه عاادي؟!
ابتلع ريقه بتوتر من لهجتها وانهيارها وشهقات بكائها التي ارتفعت وهي تحاول كتمها، كور يديه بطريقه خفضت نسبه توتره يقول بصوت لا يحمل الثبات عكس عادته:
- طبعًا مقصدش كده ي دكتوره، محدش عمره ينكر جريمته وجرايمه اللي عملها، وده بينه وبين ربنا، ربنا كبير وشايف اللي عمله واكيد هيتعاقب على جرايمه، انا مش جاي ادافع عنه بحجه إنه كان صديق ليا الله يرحمه لكن جاي أقولك على اللي شفته في عينيه قبل ما يموت، مدحت تاب من فتره وكان نفسه تسامحيه وبلغني إني أوصلك رسالته دي.
- طيب كتر خيرك، في حاجه تانيه حضرتك عاوز تقولها؟!
قالتها "ريم" ببكاءٍ وهي تنهض عاقده ذراعيها أمام صدرها تُبعد نظرها عنه تتذكر تلك الليله التي سلب منها روح حبيبها الأول والأخير.
وقف"ماهر" مُقابلها يقول بتوضيح لصدق نيته:
- صدقيني دي رسالته اللي كان لازم اوصلها ليكي واعمل اللي عليا، وانتي حره بينك وبين نفسك، قدرتي تسامحيه يبقى كتر خيرك، مقدرتيش محدش هيجبرك وده حقكك.
انهت حديثها معه سريعًا كي لا تستمع مُبرراً منه، بينما هو خرجت منه تنهيده مُثقله، تُشكل الحيره خطوطها في عينيه الضائعه وامتزجت بلمحه حزينه عندما اردف قبل أن يرحل:
- انا آسف لو كنت ازعجتك بكلامي، عن إذنك.
تعثر في خطواته عندما شعر بغثيان ودوار يستند أعلى أحد الكراسي، يمسك رأسه بقوه مُجاهدًا نفسه لكن لم يبقى على هذا الحال كثيرًا عندما سقط فجأه مُفترشًا الأرض بإنهاك ووجهه الذي بدي عليه التعبصرخت هي بصدمه تركض إليه وهي تجثو على ركبتيها بخوف من هيئته تهتف:
- ماهر بيه إيه حصلك!... ي مامااا ي مامااا الحقوووني!
****************
وبينما في مكان غامض "بالغردقه" قد وصل زياد يجلس يشعل سيجاره والدخان يحوم حوله.
أمامه شخص يقول بلهجه قويه:
- أنت تاخد أختك وتختفي من مصر كلها الفتره دي أنت سامع؟!
نظر إليه زياد بغيظ يطفي سيجارته بيديه وعينيه قد بدأت بالإحمرار:
- عاوزني اهرب! عاوزني اهرب ومحققش هدفي! ده بُعدددك... فريد الجِداوي وآيه سليم وحط معاهم ماهر الطوخي حبيبنا، لازم اقتلهم بنفسي وأكمل انتقامي، أنت نسيت إني نفذت جزء بسيط من كلامي وخلصت على سمير النوبي!
- زياد أعقل أنت كده في خطر واحنا كلنا في خطر... ماهر شكله بيلعبها من زمان اوي وفاهم كل حاجه وعامل فيها عبيط... ماهر الطوخي مش بيخسر وأنت عارف وانا كمان مش هسمح لده فخد أختك لو خايف عليها وسافروا واحنا هنتصرف... كلنا هدفنا واحد ومشترك واللي موجود فينا هيسد.
- تؤتؤ.. معنديش الكلام ده ي باشا... انا انتقامي هاخده بإيدي حتى لو ده كلفني حياتي بس مش قبل حياتهم.! وآه صحيح مين الجدع اللي كان ملقحه عليا ماهر وفاكر إننا مش هنعرف؟!
- بنحاول نعرف هو مين لكن ملوش اثر من يومها بس شكله مسنود وعارف هو بيعمل إيه.
- الواد ده كمان ضيفه ضمن الليسته اللي اتجرأ ومد إيده على زياد طنطاوي طب ورحمه أختي اللي في تربتها مانا سايبهم.
******************
وصلت "آيه" معه إلى منزل جميل لكنها لم تحدد له موقع فقد كان بعيدًا كل البُعد عن الأعين تنظر إلى "فريد" الذي كان مُمسكًا بيديها بحرصٍ تقول:
- إيه المكان ده ي فريد!
- محضرلك مفاجأه.
قالها هو بإبتسامه خفيفه، فلا يعلم ماذا ستكون رده فِعلها بعد ما تراه، تسير رِفقته بعدم فهم تدلف ذلك المنزل الجميل الذي كان يشبه قصرها في كل شئ حتى في روحه.!
اخذت تجول بِه وعينيها تلتمع وهي تقول:
- البيت تحفه ي فريد يجنن بجد! شبه القصر اوي!
اقترب هو منها يجذب يديها مُعلقًا عينيه أعلى وجهها بحنان يقول بشجاعه هذه المره:
- لو قولتلك إنك روح وعقل وقلب فريد هتعملي إيه؟!
اخفضت بصرها في خجل، على شفتيها ارتسمت بسمه تلقائيه شقّت طريقها لتزين ملامحها الهادئه، ثوانيٍ ورفعت له ناظريها ورمشت تجيبه بضحكهٍ سلبت منه ما تبقى من عقله:
- طيب والانفصام؟
- لأ خلاص ماحنا انفصلنا.
قالها هو بضحك على حالتها تضحك هي مُقابله ثم اخذت تجول بالمنزل وهي تقول:
- طيب بيت مين ده ي فريد!
- بيتك ي عيون فريد.
- بيتي أنا!!
قالتها هي بعدم فهم لتجده مُتجهًا إلى صوره كبيره كانت مُعلقه أعلى الحائط لكن كانت مخفيه بِستاره أمامها، ثوانيٍ وشهقت ببكاءٍ واشتياق وهي تقول عندما سارت إليها تتلمس زجاج الصوره:
- وحشتنييييي اوي اوي ي بابا... وحشتني.
- الجميل بيعيط ولا إيه؟؟
آتها هذا الصوت من الخلف وهي تشهق بصدمه من هذا الصوت التي تحفظه عن ظهر قلب تستدير ببطئ وفريد يُتابعها والابتسامه تعلو وجهه، وما هي إلا ثوانيٍ معدوده واستدارت بشكل كامل حتى تيبست قدميها وبدأت ترتعش من الصدمه وعينيها مُعلقه على" أبيها" الذي كان يقف أمامها بكامل صحته يفتح لها ذراعيه بحب وابتسامه جميله على ثغره.
ابتلعت ريقها بعدم إستيعاب وهي تضع يدها أعلى صدرها ترمقه بصدمه وقد بدي على ملامحها الصدمه القويه، كاد أن يردف "فريد" بخوف على حالتها حتى وقعت بين يديه فاقده للوعي.
رواية ساعة الانتقام الفصل الثلاثون 30 - بقلم دينا اسامة
لايك ي حبايب ورأيكم اللي اكيد بيفرق معايا🤎
الفصل الثلاثون
- أنا فين!قالتها "يارا" بخوف وهي تتطلع إلى ذاك المكان المجهول التي كانت تُوجد بِه إلى أن وقع بصرها عليه يُراقبها من بعيدٍ بأعين جاحظهٍ تملئ الكثير من الغضب، لم تتردد حينها وهي تردف بأمل عند رؤيته :" شادي الحقني وطلعني من هنا، مش عارفه مين اللي جابني في المكان ده"
لاحظت ملابسه الغريبه التي كان يرتديها مُقتربًا منها لتهتف هي بعدم فهم :" شادي إيه اللي أنت لابسه ده!"
" ها قد امسكتُ بكِ كرهينه عاطِفه"
توسعت عيناها بصدمه من طريقه حديثه لتردف وما زالت لا تفهم ماذا حلّ بِه :" أنت بتتكلم كده ليي! جرااالك إيه ي شادي أنا يارااا!"
- هيا توقفي عن هذه الدراما، لقد سئمت منكِ ومن اباكِ، لقد تخطيتوا حدود مملكتنا وها أنتي الآن هُنا كي تدفعي ثمن ما فعله ابيكِ دراكو.
شهقت بصدمه عندما أدركت ما حدث له وهي ترتد إلى الخلف عندما وجدته يفتتح ذاك الباب الحديدي الذي كان فاصلاً بينهم.
وبمكان آخر كانت سيده تردف وهي تجلس أعلى كرسي مخملي حريري بثقه تضع يديها أعلاه :" لا تقلق، تلك التي تُدعي يارا ستعلم ماذا حلّ بِه، إنها فتاهً ذكيه"
_ لا أثق بغاندالف وإبنه الساحر هذا! ماذا لو حلّ شئً بإبنتي هذه المره!"
_ المشاهد ستُعاد عزيزي داركو، فقط أنتظر.
وعند"يارا" التي كانت ترتد إلى الخلف بخوف من هيئته بل وتلك "الزنزانه" التي كانت مُحتجزه بِها لاحظت اقترابه الناري صوبها بنظرات تحمل الشر والغضب، ركضت من أمامه بإعجوبه تفلت من براثينه وهي تحاول البحث عن منفذ للخروج من هذه المتاهه، ثوانيٍ معدوده ووجدت جسدها ينصاع إليه بفعل سحره الماكر عند بدأ بيديه يُحركها إليه ثانيهً وهي تُتابع بصدمه وخوف أكبر من ما هو عليه، حتى التصقت بجزعه العلوي العاري وهي تنظر في عينيه بتوّسل إلى أن اردفت :" شادي انا يارا أنت مش فاكرني! جرالك إيه! مين عمل فيك كده"
" ما هذه اللهجه ي فتاه! من أين آتيتي بِها! قالها "شادي" بتعجب مُحملقًا بها وبتفاصيلها المُبهره مثلها.
_ شادي أنت عامل فيا مقلب صح؟! الله يخليك انا مش ناقصه، انا مش قادره أقف على رجلي واعصابي بايظه كفايه عليا اللي احنا فيه ارجووك متعملش فيا كده!
_ حقًا! تتماكرين على سيدك! لا تنتظري الشفقه عزيزتي من ساحر ذاك دم دَّنِس مُنافيًا لعشيرتك.
تابعت "يارا" حديثه وهي الآن قد استوعبت تلك المُصيبه التي حلت بها تنظر إليه ولعينيه التي كانت تجول فوقها بجرأهتعجب عندما أدرك ضعفها الذي لم يعتاد عليه فعزيزته "عاطِفه" كانت فتاه مُتمرده وشجاعه لا تآباه هو وأبيه وهذا ما جعلها مُثيرهً في عينيه، تحولت نظرات الإعجاب إلى الإبتسامه الساخره في عينيه مُردفًا :" لو تعلمي كيف أشعر الآن بعدما رأيتُ الضعف في عينيكي عزيزتي، كُنت أعلم بمجئ هذا الوقت وانكِ ستخضعين لنا"
_ عاوزه اطلع من هنا. قالتها " يارا" بغضب من جملته وهي تُبعده عنها بقوه، تآوه هو بسخريه عندما ارتد للخلف اثر فِعلتها يقول :" لن تستطيعي، فقط اهدأي وإلا ستّجني.
أكمل بعدها بلهجهٍ ساخره مُتابعًا نظراتها التي كانت تلتهمه بغضب :" نعم عزيزتي هذا سردابُ أسفل الأرض، انا فقط من يستطيع أن يُخرجك وقت ما اُريد"
نظرت إليه بصدمه وإلى المكان بخوف تضع يدها أعلى صدرها وقد بدأت أنفاسها تتفاوت بعد جملته فهي تأبى الأماكن المُنخفضه كثيرًا، تنظر إلى الأعلى بيدين مُرتعشه، يُتابعها هو بحماس من خوفها البادي على ملامحها فكان يتمنى رؤيتها يومًا بهذا الضعف، كاد أن يقترب منها مُواصلاً سخريته لكن توقف عندما آته صوت "شيراز" من الخلف وهي تنظر إلى يارا بفرحه عارمه تردف :"عزيزي ريحان لِما آتيت إلى هُنا؟!"
_ انظري شيراز كيف امسكتُ بها، أنا الآن أشعر بالسعادة، سيتحقق رغبه أبي وسنحتل العالم وهذا دراكو لن يستطيع فعل شئ وابنته هُنا.
_ أنا ايضًا عزيزي لقد أشعر بأضعاف سعادتك، ستكون الساحر الأعظم قريبًا.
كانت "يارا" تُتابع تلك المُحاوره دون وعي وهي تشعر بالغثيان تضع يدها أعلى فمها واليد الأخرى تحاول مسح جبينها الذي تصبب عرقًا، لم تشعر بهذا الاختناق منذ ذي قبل حتى بين حديثهم الساخر وقعت ارضًا فاقده للوعي، ينظر هو إليها بصدمه وملامحه التي قد تبدلت تقريباً من السخريه إلى الخوف والاضطراب الذي لم يشعر هو بِه، لاحظته " شيراز" يقترب منها وكيف كان قلقًا حتى امسكت بِه تقول بلؤم وفرحه :" أبيك ينتظرك بالأعلى عزيزي هيا"
_ ماذا حلّ بها!قالها دون وعي ينظر إليها بشفقه من حالتها التي لم يعلم عنها شئ فقط ارتسمت علامات القلق والتوتر بدلاً من السخريه والتهكم.
لم تسمح "شيراز" بذلك عندما خرجت بِه تغلق الباب الحديدي تأخذه معها بسحرها الماكر مثلها.
****************
اتجه "أكرم" في هذا الوقت إلى "تُقي" التي اتصلت بِه بعدما ملتّ، دلف غرفتها بتعجب يقول :"مال صوتك! أنتي كويسه؟!"
_أنا كويسه ي باشمهندس الحمد لله.
_ لأ في حاجه باين من لهجتك! خير إيه الحاجه الضروريه اللي كنتي عاوزاني علشانها!
اعتدلت "تُقي" في جلستها تقول :" انا آسفه إني جبت حضرتك مره واحده كده، بس لما استعوقت مها رنيت عليك"
رفع هو أحد حاجبيه بتذمر يقول :" ومها إيه دخلها!!"
_ مها كانت عندي الصبح بدري بتطمن عليا وفضلت قاعده معايا لحد من شويه كده، ربنا يجازيها خير ي رب على مساعدتها.
تعجب هو من جملتها مُردفًا :" امم! ، خلينا في المهم كنتي عاوزه تقولي إيه؟! "
_ أنت شفت البنت اللي انا اخدت الرصاصه مكانها مش كده؟!
_ ايوه!ولي عملتي كده! انا مقدر طبعًا موقفك النبيل بس كان ممكن تنقذيها بطريقه تانيه بحيث محدش فيكم يجراله حاجه.قالها "أكرم" بلهجه مُتعجبه لترد هي :" ملحقتش أعمل كده ي باشمهندس، كل اللي فكرت فيه إني انقذها"انهت جملتها بحزن تنظر إلى الأسفل تلتقط هاتفها وهي تفتحه تُريه تلك الصوره وهي تقول :" هي دي؟!"
نظر هو بتمعن لثواني ثم اردف سريعًا :" ايوه هي دي! غريبه انتي تعرفيها ولا إيه؟!"
ابتلعت لعابها بتوتر وصدمه في آنٍ واحد تهتز اوصالها بإرتجاف تهتف :" هي موجوده هنا في الاوتيل؟!"
_ أنتي بتسأليني أنا! قالها بإندهاش ثم أكمل بعدما لاحظ توترها :" طبعًا مقصدش اتدخل في خصوصياتك، بس شكلها قريبتك! "_ بس لو قريبتك غريبه مشفتهاش من يوم اللي حصل معاكي!
نظرت إليه والصدمه تحتل كيانها من حقيقه عوده "عاليا" مره أخرى لكن كان السؤال وقتها كيف عادت!
_ أنتي كويسه؟! قالها بتوتر بعدما لاحظ وجهها الأحمر الدموي وعينيها الشارده لتومأ هي سريعًا مردفه بعدما تنهدت بقوه :" الحمد لله أحسن، بس انا كنت عاوزه اعتذر عن عدم وجودي معاكم، للأسف مقدرتش اكون معاك في المشروع ده زي ما اتفقنا"
_ متقوليش كده المهم صحتك، ولو على الشغل انا بحاول اجي على نفسي علشان الدنيا تمشي.
_ طيب إيه رأيك مها تكون مكاني؟ مها حد شغوف جدًا ومجتهده.
نظر هو إليها بعمقٍ بعدما ذكرت إسمها، لا يعلم لِما يشعر بهذا الشعور بعد رؤيتها أو التحدث عنها! لِما كل هذا الكره والغضب دون مُبرر تجاهها.
_ مفيش داعي أنا الحمد لله ممشي أموري، تؤمريني في حاجه دلوقتي ؟
امآت له نافيه وهي تقول بشكر :" لأ كتر خيرك بجد ألف شكر"
إبتسم هو بهدوء ثم رحل يتركها في حاله اشبه بالجنون وهي تتفحص صوره "عاليا" بصدمه.
*****************
وعلى الجانب الآخر كان "ماهر" مُسطحًا أعلى الفراش بتعبٍ بعدما فاق وهو يقول بشكر وامتنان :" ألف شكر بجد"
_ على إيه ي بني ده أقل واجب أنت بقيت مننا وعلينا. قالتها "سوسن" بحب لترد "ورد" في صوتها :"فعلاً والله ماهر بيه بقي حد من العيله، ربنا يطمنا عليك ي رب"
_ ربنا يخليكم تسلموا. قالها "ماهر" بإمتنان يراقب بعينيه "ريم" التي لم يراها إلى أن وقع بصره عليها عندما دلفت الغرفه وبيديها كوبًا من العصير تردف بلهفه عندما وجدته قد فاق :" حضرتك فوقت، ألف حمدلله على سلامتك "
_ الله يسلمك ي دكتوره شكرًا ليكي.قالها بلهجه هادئه رزينه مُتابعًا وجهها الذي تبدل للون الأحمر من نظراته المُتفحصه تقول هي كي تُخفي هذا الشعور :" اتفضل حضرتك لازم تشرب كوبايه العصير دي"
_ معلهش مش هقدر، انا لازم امشي دلوقتي علشان ورايا كام حاجه.
_ لأ طبعًا مينفعش! حضرتك لسه تعبان والمفروض ترتاح تشرب العصير ده وتروح تنام.قالتها هي فجأه بقوه وصرامه بلهجه آمره أدركتها حينما نظروا جميعًا إليها بتعجب وضحك، إبتسم هو فور إنتهاء ما قالته مُردفًا بضحك :" طيب ي دكتوره ولا تزعلي نفسك هعمل اللي بتقولي عليه بس كله بالهداوه"أنهى جملته بضحك، تنظر هي إليه بصدمه وخجل بعدما لاحظت الجميع حتى تركت العصير من بين يديها بغضب طفيف أدركه هو ترحل بهدوء من بينهم، نظر في اثرها بضيق وغضب مُعنفًا ذاته يردف :" هي زعلت؟!"
_ لأ ي بني ربنا ما يجيب زعل هي بس ممكن تكون اتكسفت شويه من ضحكنا، ريم عقلها كبير متقلقش.
إبتسم هو بحيرهٍ من هذا الشعور الذي يتولد في قلبه من حين لآخر تجاهها بل تجاه هذه العائله البسيطه، دق هاتفه في هذه الاثناء، حمل هاتفه مُلبيًا يقول :" ايوه ي مُهاب "
_ ي عم أنت مطنشنا كده لي! عملت ايي في موضوعك، وصلت لفين كده؟!
_ لما نتقابل هقولك.
_ طيب عاوز أشوفك دلوقتي لو ينفع.
_ طيب قابلني في نفس المكان وانا في الطريق.
أغلق معه "ماهر" يقول بعدما اعتدل في جلسته مُتأهبًا للرحيل :" طيب استأذنكم ي جماعه دلوقتي وحقيقي ألف شكر"
_ ي بني متقولش كده وبعدين بقى أنت شكلك هتبورلي بنتي ريم بالطريقه دي.قالتها "ورد" بضحك تنظر إلى كوب العصير، ثوانيٍ وأدرك ما تقصده حتى أنه بدأ يشربه مرهً واحده وبعدما انتهى اردف :" أكيد ده ميرضنيش، اشكريهالي على العصير ده، عن إذنكم"
_ طيب هتقدر تمشي دلوقتي وأنت لسه تعبان ي بني؟!قالتها "سوسن" بلهفه وهي تريد قول شئً آخر أدركه، نهض هو مُقابلها مُردفًا :" أنا بقيت أحسن الحمد لله، ومتقلقيش شهد مش مع زياد دلوقتي وهي بقت في الحفظ والصون"
تهلهلت أسارير وجهها بسعاده وهي تقول :" الحمد لله الحمد لله ربنا يكرمك ي بني ويجعلّك في كل خطوه سلامه قادر ي كريم"
إبتسم برضا ثم رحل يتركهم جميعًا كل منهم بداخله شعور مختلف.
_ نسينا نسأله كان عاوز ريم في إيه، أكيد كان عاوز يكلمها عن موضوع الصور ده.قالتها "ناهد" لترد "ورد" وقتها :" مكنش ينفع نسأله وهو بالحاله دي، دلوقتي نعرف من ريم متستعجليش ي أم خالد.
******************
خرجت "ميسون" من الجامعه بتعبٍ وإنهاك فهي لم تنمْ مُنذ ليله أمس تقول لصديقتها :" بقولك ي أميره بكره بقي كل المحاضرات تبعتهالي عمل ما توصلي تليجرام الله يخليكي لأحسن انا مش ناقصه بجد"
_ عيوني ي ميمو بس إيه اللي جابك النهارده وانتي تعبانه كده!
_ كنت جايه على أمل إني أفهم من الدكاتره مفهمتش أي حاجه خالص بجد، ي ريتني سمعت كلام ماما ومجتش.
_ طيب تعالي أوصلك انتي مش هتعرفي تمشي وأنتي نعسانه كده.
_ لأ لأ متقلقيش عليا فيه تاكسي بيبقى مُنتظرني برا بعد ما بخلص.
_ طيب عمل ما تركبي أبقى رني عليا طمنيني.
_ حاضر ي حبيبتي باي.
ودعتها ثم خرجت وهي تحمل هاتفها تدق بِه وهي تقول بتعبٍ :" رد بقي ي رجائي مش قادره أسند نفسي"
آتها هاتفه مُغلق لتدب هاتفها في شنطتها بضيق وهي تردف وعينيها قد بدأت بالانغلاق دون شعور منها :" يادي المُصيبه أعمل إيه أنا دلوقتي"
قالت جملتها ولم تشعر بشئٍ حولها وهي تغلق عيناها بإستسلام لكن فجأه وجدت من يحملها من الخلف يُبعدها إلى الجانب الآخر يقول بصدمه :" أنتي اتجننتي!! أنتي عاوزه تنتحري!"
فتحت عينيها بصعوبه لتجد نفسها بين أحضان شخصُ غريب يرمقها بغضب وإستياء، ابتعدت فوراً بصدمه وهي تقول :" انتحر مين ي أخينا أنت! الإنتحار ده للي معندوش إيمان"
جال بعينيه فوقها حتى وجد عينيها تُغلق وهي تُجاهدهم بصعوبه ليردف هو بصدمه وتعجب :" أنتي شاربه ولا إيه!!"
_ أنت أهبل! مين ده اللي شارب!قالتها بصدمه وغضب من جملته ليرد هو بغضبٍ مُماثل :" أهبل! انا فعلاً طلعت أهبل إني أنقذت واحده زيك من الموت"
_ أيوه بالظبط طلعت أهبل.قالتها وهي تترجل من أمامه وكأنها ثَمِله فمن كان يراها لكان أقسم أنها ثَمِله على حالتها هذه، اقترب هو منها بعدم فهم يقول :"أنا مش فاهم أنتي ازاي ماشيه كده!"
_ ي جدع أنت مالك! ما تبعد كده خليني أمشي.
_ تتنيلي تروحي فين وانتى بالحاله دي! أنتي بيتك فين.
_ ما تحترم نفسك ي جدع أنت إيه قله الأدب دي!
_ والله أنتي اللي قليله الأدب.قالها بنفاذ صبر وغضب من هيئتها ثم همّ بالرحيل لكن عاود بصره صوبها يُتابع سيرها غير المُنتظم في هذا الازدحام والسيارات، لا يعلم لِما أراد أن يأخذها إلى منزلها بسلام، وإلا إذا رآها شاب بهذه الحاله ستسنح له الفرصه، اقترب منها بعدما تنهد بضيق في صدره يقف مُقابلها مُردفًا :" ملكيش قريب ولا غريب حتى اتصلك عليه ياجي ينتشلك من الضياع اللي أنتي فيه ده؟!"
_ ضياع إيه! أنت محسسني إني شاربه ومش واعيه لي؟! حضرتك انا واعيه جدًا ومش شاربه، انا بس نعسانه شويه.
_ وهو النعس بيعمل كده برضو؟!قالها بعدم تصديق لِما تفوهت بِه لترد هي بالمقابل :" منمتش من إمبارح ي أخينا أنت وبعدين أنت مالك! أنت تطلع مين وقاعد عمال تستجوبني لييي!!
_ والله انا غلطان إني بعمل في نفسي كده علشان واحده زيك، روحي ي ستي سايبهالك مخضره. قال جملته ثم رحل بغيظ لأول مره مُتجهًا إلى سيارته، يجلس بها بتفكير مُراقبًا حالتها من زجاج سيارته ثم زفر بقوه يهتف :" أنا عملت اللي عليا وهي بقي حره"
وفجأه وجدها تسقط ارضًا فاقدهً للوعي حتى التف الناس حولها بفزع مُحاولون إيفاقتها، خرج من سيارته بصدمه وكاد أن يترجل إليها لكن توقف عندما وجد شابُ يُبعدهم بقوه ثم حملها فورًا بين ذراعيه بخوف بادي على ملامحه يرحل من أمامهم
ظل ذاك الشاب يراقبه حتى اختفى عن اعينه، تنهد بحيرهٍ وضيق لكن انتابته راحه قليله بعدما شعر بأن هذا الشاب قريبُ لها، ركب سيارته ثانيًه ثم ذهب بها.
*********************
وصل "رجائي" بها يحملها بين يديه بخوف مُترجلاً إلى منزله الذي عند دلوفه شهقت أمه بفزع وهي تقول :" ميسون مالها ي رجائي!! بنتي مالها."
_ مش عارف ي أمي بس متقلقيش خير إن شاء الله هتكون كويسه. قالها مُتجهًا إلى غرفتها يفتحها دون حتى الطرق فقد تناسي تمامًا شهد التي تمكث معهم، دلف بها ليجدها تجلس أمام تلك النافذه تُتابع الماره في الشارع بشرود، نظرت إليهم بصدمه وعدم فهم تنتفض من مكانها وهي تقول بخوف :" هي مالها جرالها حاجه!!"
_ هتبقي كويسه. قالها بجمود مُسطحًا أخته ثم حمل كأس المياه ينثر منه قطرات الماء أعلى وجهها بِخفه إلى أن فاقت تُبربش بعينيها وهي تقول :" أنا فين!" جلست "فردوس" جوارها بحمدٍ وهي تقول :"الحمد لله إنك كويسه ي بنتي، أنتي في بيتك ي عنيا "
_ أنا مش عارفه جرالي إيه ي ماما، كنت نعسانه أوى محستش بنفسي خالص.
_ كان إيه لازمه مرواحك الجامعه وانتى فى الحاله دي! كنتي هتستريحي لو حصلك حاجه لولا وصلت في الوقت المناسب!. قالها "رجائي" بغضب يرمقها بضيق على أفعالها الطائشه مثلها تمامًا لتهتف هي مُعتذره :" آسفه ي رجائي بجد مكنتش اقصد وماما برضو نبهت عليا مروحش وانا مطبقه بس انا اللي اصريت"
_ أول وآخر مره ي ميسون. قالها بجمود ثم رحل من الغرفه بهدوء تنظر إليه شهد بتعجب واندهاش من بروده حتى مع أخته.
_ ده انا كنت ناويه اخدك معايا حنه بنت الحجه أحلام جارتنا، كده شكلي هقعد جنبك النهارده.
_ متقلقيش ي طنط انا موجوده وهقعد مع ميسون. قالتها "شهد" مُبتسمه لتومأ لها فردوس بحب ثم بعد قليل اردفت "شهد" :" طيب ي طنط يلا نقعد برا ونسيب ميسون تنام شويه علشان دي شكلها مُجهده خالص"
امآت لها تذهب معها وهي بالداخل قد غفت أثناء حديثهم.
وعند ريم ولجت إلى غرفه أخيها التي وجدته يضع سماعه أذن يسمع درس ما، انتبه لوجودها ليزيل سماعته يقول :" ي اهلاً بالناس اللي مش بنشوفها إلا كل سنه مره"
جلست" ريم" مُقابله وهي تفرك شعره بإبتسامه صافيه تقول :" ي حبيبي مش بكون عاوزه اعطلك علشان امتحاناتك قربت، وهانت اوي وتزهق مني"
_ ادعيلي ي ريم انا خايف أوي، كل ما الامتحانات بتقرب بترعب اكتر.
_ ي حبيبي تترعب من إيه بس، خد الأمور ببساطه واعتبرها زي بقيه السنين وأنت هترتاح .
_ برضو ي ريم الثانويه كده ليها رهبه مهما احاول غصب عني بخاف وبحس إني مليت ومش قادر أكمل .
_ لأ ي بطل دي هانت خالص إنها تقترب بلاش كسل وملل بقي، شجع نفسك وافتكر إنك عديت كتير مش باقي غير القليل علشان تخرج من السنه دي على خير ي رب.
_ ي رب ي ريم ي رب.
نهضت "ريم" وهي تُقبل رأسه ثم قالت بتشجيع :"فادي البطل قد الدنيا كلها وانا واثقه فيه وواثقه في ربنا أنه هيكرمنا فيك"
نهض هو يحتضنها بحبٍ مُردفًا :" ياه ي ريم متتخيليش انا مودي اتظبط قد إيه من دخولك عليا وكلامك، ربنا يخليكي ليا ي ست البنات"
_ ويخليك ليا ي سندي، يلا اقعد دلوقتي وانا هروح اجبلك حاجه تاكلها علشان تركز وتفوق كده.
***************
وعند "ماهر" كان يجلس مُقابل مُهاب الذي كان يردف بعدم فهم من صمته :" ي جدع أتكلم مالك! "
_ والله ي مُهاب انا مش قادر أتكلم مرضتش اكسفك وجيت علشان متزعلش.
_ قولي بس مالك كده مش عادتك! شكلك مُجهد ومطبق.
بدأ "ماهر" في قص تلك الأحداث التي تأخذ عقله ويفكر بِها كل ليله ثم أنهى حديثه مُردفًا :" المشكله ي مُهاب اللوا جمال الوحيد اللي عرف عن رجائي ووجوده مع زياد وشهد وبعدها زياد عرف المعلومه دي!"
_طيب ما تحاول تختبره في الموضوع ده ي ماهر مش صعب عليك يعني!
_ صعب علي قلبي ي مُهاب إنه يصدق أن اللوا جمال خاين! انا حاسس إني بحلم، حاسس إني في دوامه مش عارف أطلع منها.
_ اهدي ي صاحبي وفكر بهدوء وانا معاك لو احتاجتني في أي حاجه وواثق فيك إنك قد المهمه دي. قالها "مُهاب" يربت أعلى يديه بثقه يُقابله "ماهر" مُبتسمًا.
*****************
ليس من عادتي أن أظهر كل هذا الحب، لكنّك تستحق ♥️.
" بينما بالفندق كان أكرم قد أنتهي من عمله وبقيه الجروب، يتجه كل منهم إلى غرفته بعد يومٍ شاق، حملت"مها" أدواتها وكانت أول من يذهب إلى غرفتها في صمتٍ عكس عادتها وكان يليها" أكرم" الذي كان يُتابعها بإستنكار وتعجب.
دلفت غرفتها بتعبٍ وبدا الإرهاق والنوم على وجهها، القت بجسدها أعلى الفراش وفي غضون ثلاث دقائق كانت قد ارتخت جفونها واستسلمت للنوم
وفي هذه الاثناء شعرت بأحد يتحسس جسدها حتى افتحت عينيها بصدمه وما إن التقت بهذا الشاب الذي كان يجلس جانبها أعلى الفراش مُتفحصها بنظرات شهوانيه، صرخت بفزع مُنتفضه من مكانها وهي تقول :" اانتتت... اانتتت إيه اللي جابك هناااا بتعمللل ايييه هنا ي حيوااان"
_ إيه ي بيبي تقلانه علينا لي كده! قالها هذا الشاب واضعًا يديه أعلى بطنه بطريقه اثارت فزعها عندما اقترب منها مُحاولاً لمسها لكنها ركضت إلى الباب كي تفتحه وتطرده لكن صُدمت عندما وجدته مُغلق.
جذبها من يدها ليوقفها أمامه، يحاول أن يتحسس جسدها ولكنها زجته بقوه في صدره ليبتعد عنها، آلمته يدها فما كان منه إلا أن يصفعها بقوه شديده جعلتها تسعل الدماء من فمها بل وأنفها ايضاً الذي تقطرت منه الدماء على الأرض.
أصبحت شبه مُغيبه عما يحدث تمامًا من قوه الصفعه التي نالتها منذ قليل.
حملها ليضعها على الفراش ثم تسطح بجانبها وهو يمسد على شعرها بإستمتاع قائلاً بسُكر :" هتبقي بتاعتي الليله ي مها، كفايه تُقل لحد كده بقي مبقتش قادر استحمل"
ثم بدأ العبث في ملابسها مما جعلها تعود إلى وعيها تنهض في محاوله قويه منها عندما زجته بقوه وهي تركض صوب الباب تصرخ بالخارج كي يأتى أحد ويساعدها :" الحقوووناااي... حدد يفتحللللي ارجوووكم ساااعدوني"
ولحُسن حظها كان" أكرم" يتجول بهذا الدور وكان أمام غرفتها مُباشره حتى سمع صوت إستغاثتها القويه التي تعرّف عليها على الفور.
جذبها هذا الشاب يُلقيها أعلى الفراش بقوه وهي تبتعد عنه مُتحسسًا جسدها الغض أمامه وهو بحاله السُكر هذه جعلته كالأسد الذي يبحث عن فريسته فقط مُتناسيًا أي شئ حوله، كادت يديه أن تمزق ملابسها لكن منعتها يد "أكرم" الذي دلف ينظر إليه بغضب كارثي ثم بدأ في ضربه بقوه وكأنه ينتقم لشرفهآتي أفراد أمن الفندق ثم اخذوه بالقوه بينما أكرم لم يشعر بذاته إلا وهو يأخذها بين يديه يحتضنها بقوه وهو بحاله أشبه للضياع.