ما كان ينقصه الآن إلا أن يراه أبوه وهو على هذه الحالة، لكن ما باليد حيلة، سيلتفت إليه ويتواجه معه، دون أن يخبره بما في داخله. مالك محاولاً رسم الابتسامة على وجهه: -أبويا ازيك يا حاج، وحشتني والله. الحاج حسان معاتباً له: -يا أخويا أنا لو كنت وحشتك كنت اتصلت وسألت عني، لكن أنت زي ما تكون نسيتني، بمجرد ما مشيت من هنا. -وأنا أقدر برضو استغنى عنك يا حاج، بس أنت عارف يعني عريس بقى وكده. الحاج حسان محاولاً إخراج ما في صدره:
-ضحكت على أمك، وقولتلها إنك مبسوط معاها، وإن كل حاجة ماشية تمام بينكم. وراي مالك عينه من نظرة أبيه، مصطنعاً الخجل منه: -آه يا أبويا الحمد لله. -يعني بقت مراتك شرعاً يا مالك؟ رفع رأسه له متفاجئاً بسؤاله، كان يظن أن أباه لن يطرح عليه مثل هذا السؤال، لكنه مضطر الآن للإجابة عليه. أومأ له رأسه بنعم، بينما يريد والده أن يطرحها على لسانه: -عايز أسمعها منك يا مالك؟ -أيوه يا أبويا بقت مراتي شرعاً… أنا بصراحة مستغرب سؤالك ده!
-عشان مش مصدقك، أو بمعنى أصح عارف إنك بتكذب عليا، وقبل ما تسألني ليه بقولك كده، هقولك لأنك أول مرة تعملها وتكذب عليا، ملامحك فضحاك يا دكتور وحزنك باين على وشك. وكيف له الآن أن يثبت له عكس ما يرى، هو بالنسبة لأبيه كتاب مفتوح، وأبوه بالنسبة له مرآته التي يرى بها نفسه. مالك نافياً: -لأ يا أبويا شذي فعلاً بقت مراتي، وحزني مش بسببها، أنا غلطت في شغلي النهاردة، كنت بعمل عملية لمريض ومركزتش وأنا بعملها، فغلطت للأسف. الحاج
حسان بخوف من عقاب ربه: -بتقول إيه، أوعى تكون أزهقت روح دون وجه حق يا مالك، عارف عقابك عند ربك هيكون إيه؟ مالك مطمئناً له: -لأ الحمد لله، اطمن يا أبويا حسام لحقني، وكمل هو العملية بدالي، والمريض بخير. -طب وليه دا كله، إيه اللي وصلك لكده، وخلاك تسرح وأنت في شغلك، دا أنت أول مرة تعملها. -عادي يا أبويا أنا مش ملاك، أنا بني آدم يعني مش معصوم من الخطأ. ليستطرد له ما ورد في الحديث النبوي الشريف:
(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاج. الحاج حسان: -عليه أفضل الصلاة والسلام، وعشان كده أنت جيت الضريح النهاردة. مالك مبتسماً وملتفتاً للضريح: -حسيت إني مقصر معاه شوية، فقلت أعدي عليه وأصلي العصر هنا بعدها أبقى أروح. -يعني ماكنتش ناوي تعدي علينا، ولا كنا في حسابك من أساسه، وأنا لو ماكنتش شوفتك بالصدفة ماكنتش هاعرف إنك جيت الحي مش كده! مالك مؤكداً كلام أبيه:
-بصراحة آه أنا ماكنتش هاعدي على البيت، ولا هاعدي دلوقتي، حتى بعد ما شوفتك، ولا أنت كمان هتقولهم إنك شوفتني النهارده. ضم الحاج حسان حاجبيه بعدم فهم: -طب وليه، مش عايز تشوف أمك، وتطمن عليها. -لالالاء الموضوع مش كده خالص، كل الحكاية إني لو روحت ليهم لوحدي، مش هاخلص من أسئلتهم، ليه ماجبتهاش معايا، وعاملين إيه مع بعض، والحوارات دي، أنت فاهم بقى يا حاج. و بعدين فاضل كام يوم على يوم الخميس، و نيجي تاني أنا وهي يا حاج.
الحاج حسان موافقاً حديثه: -ماشي يا مالك زي ما أنت عايز، بس أتمنى إنك تكون بتقول الحقيقة، أو حتى تكون ريحت بالك، وطلعت اللي جواك لحبيبك. -اطمن عليا يا حاج، أنا كويس الحمد لله يلا بقى نقوم نصلي سوا، عشان ألحق أرجع البيت، للغلبانة اللي سايبها لوحدها دي. عاد إلى بيته بوجه مكفهر، ليس من الغضب الذي يمتلكه فقط، لكن كان يبدو عليه أيضاً الإرهاق. كان البيت ساكناً هادئاً، وكأنه لا يوجد به أحداً.
أين ذهبت تلك الشقية، التي دائماً ما تثير أعصابه. ظل يبحث عنها بنظره في الخارج، لم يجدها وهو متمسك في يده ببعض الأوراق. لكن بالله أين ذهبت، هي لا تعرف حتى أن تفتح هذا الباب، إذاً كيف تخرج منه؟ جري إلى غرفة النوم لم يجدها، فتح باب المرحاض الخاص بها لكنه كان فارغاً، ولا يوجد به أحد، حتى غرفة الملابس، لا يبدو أن أحداً قد لمس أرضها أساساً. وما أثار الرهبة في قلبه، أنه وجد حقيبة ملابسه هو فقط.
ترجل من الغرفة وهو منفزعاً، يصرخ باسمها كالمجنون، يبحث عنها بكل مكان، لا يمكن أن تفعلها به هي الأخرى، لا يمكن أن تتركه وتذهب. تفقد غرفة الطهي، المرحاض الكبير، وبدا عليه اليأس، وهو يبحث عنها في الغرف الشاغرة ويصرخ بشدة. -شذييي! أنتِ فين ردي عليا؟ فتح باب آخر غرفة بالبيت، أخيراً ما تنفس الصعداء، حين رآها تجلس في زاوية الغرفة متكومة على نفسها، وبجانبها حقيبة ملابسها.
كمن لقى طوق نجاته، أسرع الخطى نحوها، وإذا به يلقي الورق من يده، ويتمسك بها هي، وفي غضون ثوانٍ معدودة. كانت محمولة بين ذراعيه، متجهاً بها للخارج نحو غرفة نومه، وهو كالمغيب يقبل كل جزء في وجهها، قبلات عنيفة قوية. تشعر بأنه يعاقبها على بعدها عنه بها. مالك بزمجرة في صوته: -سايبة الشقة كلها وجاية تحبسي نفسك، وتقعدي في أوضة فاضية على الأرض ليه. شذي وهي تحاول فك حصاره لها، والهبوط على الأرض التي لا تلمسها:
-سيبني يا مالك، مش أنت قولتلي مش عايز أشوفك، أديني سيبتلك الشقة بحالها، وقعدت في حالي أهو. ابتلع تلك الكلمات القاسية، حين أرقدها على الفراش، وتمدد فوقها، وقبض على شفتيها بفمه لمدة لا بأس بها. ثم تركها تلتقط أنفاسها، وابتعد بجسده من عليها، ليلهث هو الآخر، وصدره يعلو ويهبط، من شدة توتره. مالك أمراً لها، وهو يضم جسدها بذراعه، ويرفعها على صدره، كأنها دمية يتحكم بها:
-مافيش حاجة اسمها تقعدي لوحدك وتسبيني، حتى لو في بينا إيه، هتنامي وتقعدي وتاكلي وتشربي معايا، أنا وبس. نفضت يده من عليها وابتعدت عنه قليلاً، معطياه ظهرها وهمست: -يعني مش كفاية كل اللي حصل، عايز تتحكم فيا كمان. بسهولة فائقة لفها إليه، ليكمل حديثه الأمر لها: -آه ويحق لي طول ما أنتِ على ذمتي، لازم تطيعيني وميبقاش في عقلك ده، حد تفكري فيه غيري أنا.
عارفة إني النهاردة كان في مريض هيموت تحت إيدي لأول مرة في تاريخ شغلي بسببك أنتِ بسبب تفكيري فيكِ. علمت أنها استحوذت على عقله لكنها تريد قلبه. تعي أنه يريد أن يفرض تملكه عليها يريد أن يرضي رجولته لا أن يعترف بأنها تسكن قلبه. شذي ناظرة في عينه: -للدرجة دي مشايلك الهم يا أبويا. هذه المرة ابتعد هو عنها وجلس على حافة الفراش وكأنه يفيق وينجو نفسه من الغرق في بحر عشقها:
-آه للدرجة دي. اتفضلي قومي هاتي حاجاتك هنا وكمان الملازم بتاعتك كانوا في العربية وأنا جبتهالك تقدري تشغلي وقتك وتذاكري فيهم. ويا ريت تحضري لينا غدا عشان ناكل بدل ما أنتِ قاعدة طول النهار ما بتعمليش حاجة غير إنك بتعيطي. أومأت له وبحزن دفين داخل صدرها، تحركت مبتعدة عنه وأسرعت الخطى للخارج حتى تنفذ ما طلبه منها.
ظل هو على جلسته يفكر لماذا فعل ذلك. لهذه الدرجة لا يطيق فراقها. هل عشقها وسيتغاضى عن كل ما مرت به. سينحي رجولته جانباً ويوافقها على خطيئتها. إن فعل هذا لم يقو على إخضاعها. كيف ستكون زوجة مطيعة له. سيتملك الشك بقلبه. كيف سيأتمنها على بيته وعلى شرفه وهو يظن بها السوء. وإذا به يصرخ لائماً نفسه على تهوره معها: -حيوان مش قادر تتحكم في نفسك. كل مرة بتقول مش هقرب منها وأول ما بشوفها بيحصل أييييه.
ومن كثرة ضغطه على أعصابه أمسك بقنينة عطره الموضوعة أمام المرأة الكبيرة وبكل قوته قذفها بها لتتهشم إلى قطع صغيرة وتصدح صوتاً عالياً جداً. كانت هي قد ولجت مرة أخرى إلى الغرفة تسحب خلفها حقيبتها ورأته على حالته هذه. لترتعب من هيئته هذه وترجع خطوتين للخلف وتهمس بصوتٍ مرتجف: -مالك أنت عملت إيه! مالك بصراخ: -مالكيش دعوة باللي بعمله واتفضلي ادخلي شيلي هدومك من الشنطة دي وحطيهم في مكانهم جوه. صرخت شذي وقد تملكها الرعب:
-لأ أنا مش هقعد هنا لحظة واحدة. رجعني عند أمي أنا خايفة منك. اقترب منها وبكل عنف أثر صراخها أمسكها من عضدها وإذا به يلقيها على الفراش بكل قوته: -مافيش حاجة اسمها أوديكي عند حد تاني. هنا بيتك ومش هتخرجي منه إلا معايا أنا. حتى لما هانروح الحسين يوم الخميس هانروح زينا زي أي ضيوف رايحين زيارة وهانرجع تاني مفهوم. يلا قومي اعملي اللي بقولك عليها.
أومأت برأسها له وأمسكت حقيبتها وجرت نحو غرفة الملابس. ولم يكن هذا دليلاً على موافقتها بل هو خوفاً منه ومن تقلبه هذا. و بنفس الوقت حمدت ربها أنها لم تصب مرة أخرى في هذه المناقشة الحادة. وقف هو يبدل ملابسه إلى ملابس بيتية مريحة وهو ينظر لها بعين كالجمر المنصهر. يعرف أنها تواري عيناها منه لكنه قصد الهتاف باسمها ليجبرها على طاعته. -شذيييي. من كثرة خوفها تركت ما بيدها وذهبت إليه منحنية الرأس لتجده يأمرها بأمر جديد:
-خدي شنطتي كمان ورصي هدومي جوه وبعد كده لمي الهدوم اللي عايزة تتغسل دي وشغلي الغسالة عليها. أطاعته بعين دامعة وانحنت بجزعها لتغلق الحقيبة لتسحبها للداخل. أغمض هو عينه يتألم بحسرة على آلامها. يريد أن يجتذبها داخل ذراعيه ويغمرها بشوقه لكنها هي أيضاً تلهب فؤاده وتثير أعصابه بتكتمها هذا. ليهرب من الغرفة بأكملها قبل أن يرق قلبه لها.
جلست أرضاً بجانب حقيبته تتبع أثر طيفه بدموع هادئة تتساءل. بالله كيف ستتعامل مع هذا الطبيب المختل متقلب المزاج. لماذا يصعب الأمر على نفسه وعليها. وبماذا ينتظرها أن تجيبه. تشعر وهي بين ذراعيه برقة قلبه وتوهجه بأنه يعشقها. وحين ينقلب ويثور يكون كالوحش الكاسر. حتماً إذا تمردت عليه سيحدث لها ما لا يحمد عقباه. تنهدت بصبر تواسي نفسها وهمست:
-هايحصلك إيه أكتر من اللي أنتِ فيه يا مو… مافيش في إيدك حاجة غير إنك تقولي حاضر. وإلا المرة دي فيها موتك على إيده بقى. -الغدا فين يا شذييييي. أتاتا صوته الجهوري من الخارج لتنتفض سريعاً وتجري إلى غرفة الطهي وهي تصرخ له: -حاضر حاضر يا أبويا جايه أهو. أما له وهو يدلف خلفها منفعلًا: -أنتِ عايزة تجننيني ولا عايزة تعملي فيا إيه بالظبط. في واحدة عاقلة تقول لجوزها يا أبويا. شذي وهي تصدم جبهتها بكف يدها
وكأنها تتذكر ما قاله لها: -أيووووه طب وربنا ناسية. ترفع مالك كفه عالياً قاصداً إنزالها على وجنتها: -قولتلك مليون مرة تنسي اللهجة دي وماتتكلميش قصادي بيها، ولا أنتِ مش قادرة تنسي إسكندرية وطريقة كلامك دي بتفكرك بحبايبك اللي فيها. صعقت وجحظت عيناها المدهوشة وانفجرت على وسعها تترقب تلك الصفعة وهو يهمس: -أنت قصدك إيه بكلامك ده. حبايبي مين دول اللي أنت بتتكلم عنهم. انهمرت الدموع على وجنتيها وعقدت يديها على
صدرها أمامه تناظره التحدي: -يعني أنت شايفني في نظرك بنت مش كويسة. بتشك فيا! طب ولما أنت شايفني كده اتجوزتني ليه. بكل عنف أحل وثاق يدها من على صدرها ضاغطاً على معصميها بقوة يكاد يكسرهم داخل قبضة يده: -اتجوزتك عشان ماخسرش أمي و عشان كمان أربيكي من أول و جديد. -سيب إيدي هاتكسرهم. أنت أكيد مجنون. ترك يدها واقترب من أذنيها هامساً: -عيب أوي لما تقلي أدبك وتشتمي جوزك يا شاطرة. يلا يلا خلصي اللي قولتلك عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!