فتحت عينيها، شعرت بألم مبرح يسري بين كل ثنايا جسدها، العرق يمطر وجهها. مهلاً هذا ليس بعرق! إنها مياه مثلجة، تقطر من تلك المنشفة الصغيرة الموضوعة على جبهتها. وقبل أن تفتح عينيها استمعت إلى صوته القوي، يأتي إلى أذنيها من أعلى رأسها، ليقابله صوت أنثوي ملتصق بها مباشرةً. "مالك وهو يرشق سن الحقنة في زجاجة المحلول." كان المفروض تكون فاقت دلوقتي، مش راضية تفوق ليه. "رانيا وهي تبدل المنشفة المبللة."
اصبر شوية يا مالك، اهي الحمد لله حرارتها نزلت، والعلاج بدأ يعمل مفعول في جسمها. "مالك وهو يتحسس جبهتها." المهم النزيف ده يقف بقى. حين شعرت باقترابه فرت دمعة من إحدى عينيها على وجنتها، وفتحتها ببطء. ليجففها لها بإبهامه سريعاً، وهو يجثو بجانب وجهها، قبل أن تلاحظها صديقته. "مالك بهدوء." شذي انتي سمعاني، خلاص فوقتي، ماتخفيش انتي بقيتي كويسة. قابلت هدوئه ولمسة إصبعه بسيل وفير يفيض من بحرها. "شذي وهي تهز رأسها بالنفي."
لأ انا مش كويسة، وانت السبب. سبتني لوحدي ليه، ازاي جالك قلب تقعدني في الضلمة طول الليل كده!! "مالك وهو يبرر موقفه، لكن تحول هدوءه إلى جمود." اكيد ماكنتش أقصد حاجة زي دي، انا نسيت أصلاً أرفع مفاتيح الكهربا. "شذي ببكاء حار." انا اتصلت بيك كتير، وبعت ليك رسايل، واعتذرتلك، وانت حتى ما فكرتش ترد عليا مرة واحدة، ولا تقرأ رسائلي ليك. "مالك بهجوم، وصوت مرتفع."
انا من ساعة ما وصلت المستشفى امبارح، وأنا قافل موبايلي لأني انشغلت في كذا عملية، وانتِ عارفة أنا سيبتك ونزلت ليه. تدخلت رانيا بالحديث المحتد بينهم محاولة تهدئتهم، وهي تساعدها على الاعتدال حتى تجلس قليلاً. استهدوا بالله يا جماعة، والله دي عين و صابتكم، انتوا أكيد اتحسدتو. انزلق الغطاء من عليها قليلاً، والتفتت إلى رانيا، ثم نظرت أمامها بعين دامعة، وشهقات عالية كعادتها، لترى نفسها في مرآة السراحة كبيرة الحجم.
لتتفاجئ بأنها قد بدلت ملابسها، إلى منامة شتوية ثقيلة، وشعرها ملموم بأكمله كذيل حصان عربي جميل وكثيف جداً. استدارت بوجهها لرنيا بخجل، متمنية ألا يكون هو من فعلها. "مين اللي بدّل هدومي." "رانيا واضعة كفها بحنان على وجنتها." ماتكسفيش أوي كده، أنا ماشوفتش حاجة دا جوزك هو اللي بدلها ليكي، وسرحلك شعرك كمان. ودلوقتي بقى لازم تاكلي، أنا عملتلك شوية شوربة خضار، وفرخة مسلوقة، هاروح أجيبلك الأكل وأجي علطول.
ثم ذهبت و تركتهم وحدهم. أحنت رأسها بخجل، وازدادت دموعها، تحاول ألا تتواجه معه. ابتسم هو من داخله على خجلها، وجلس مقابلها، محاولاً إشعال نيران الغيظ منه بداخلها. علي فكرة انتي ماكنتيش في وضع يخليني أركز في حاجة، أنا لو كنت مركز كان الحمام اللي أخدناه مع بعض ده اتحول لحاجة تانية خالص. "شذي بخجل عارم، وقد احمرت وجنتيها." اخرج بره، أنا مش مسامحاك على اللي عملته ده. "مالك رافعاً حاجبه الأيمن، مقرباً فمه من أذنيها."
ولا أنا كمان مسامحك. بس قوليلي هاتتعبي تاني امتى، عشان أقلعك لبسك وآخدك في حضني، وناخد شاور سوا تحت الماية، من غير فوطة تخبي بيها حاجة عن عيني. وبعدها البسك تاني، وكأنك بنتي، مش مراتي يا شذي. "شذي وقد زادت حمرة وجهها، من أثر كلماته محاولة الابتعاد عنه، لا تعلم إذا كان هذا خجل أم خوف." اخرج لو سمحت، ابعد عني واخرج. اندهش من ردها هذا، وابتعد عنها واقفاً، وأومأ برأسه.
وكأنه يؤكد داخله شيئاً، ثم اتجه سريعاً تاركها وحدها بالغرفة. وعند خروجه في الرواق، تقابل مع صديقته. "وجه محتد." الله مالك خارج وشك مقلوب كده. سايب مراتك تعبانة، ورايح على فين؟ "مالك وهو يتركها ويرحل." هصلي الظهر عندك مانع انتي كمان. "رانيا برعب منه." لالالاء أبداً اتفضل حضرتك، حرماً مقدماً. لتتجه إلى داخل الغرفة، وتجلس بجانب تلك الباكية، تحاول أن تطعمها بيدها. يلا يا حبيبتي لازم تاكلي، عشان تعوضي الدم اللي نزفتيه ده.
"شذي بنحيب." لاء مش عايزة، مش عايزة حاجة أبداً. "شذي." لاء مش شايفة إنك مصعبة الأمور عليكي، وعليه أوي. "رانيا." هو يعني يأما يمشي اللي في دماغه، يأما أبقى بصعب الأمور. "رانيا مؤكدة." اه طبعاً دا الطبيعي، الرجالة كلهم كده. "شذي."
يا سلام، وأنا ايش عرفني بقى، إني لما أتصرف على طبيعتي، وآخد حريتي شوية أبقى بالطريقة دي بضايق الدكتور، وأقل مزاجه لاء وكمان أستحق العقاب، يجبني هنا عشان يحبسني لوحدي، ويسيبني طول الليل في الضلمة. وجاي بكل هدوء يقولي أصلي نسيت أرفع مفاتيح الكهربا. "رانيا بخوف من أن يكون استمع إلى صوتها العالي، مغلقة الباب عليهم."
ششششش وطي صوتك شوية أحسن يسمعنا. بصي أنا مش عايزة أعرف إيه اللي حصل، ما بينكم بس كل اللي هقولهولك. ليه تاخدي الأمور كده، حتى لو هو فعلاً جابك هنا، عشان يعاقبك زي ما بيقول، انتهزي انتي الفرصة يا عبيطة، وخليه أحلى عقاب. لتغمز لها بعينيها اليسرى، وتبتسم. "شذي بحزن." هو مش متقبلني يا رانيا. لم تتمالك رانيا نفسها من الضحك. مين ده مالك! أصلك ما شفتيهوش كان بيسوق زي المجنون إزاي؟
من كتر خوفه عليكي، ده بمجرد ما فتح الرسايل بتاعتك، ما صبرش ثانية واحدة. يا بنتي دا كان غيران عليكي مني، مارديش يخليني أدخل معاكي الحمام، ولا حتى أساعده في تغيير لبسك. "شذي بغيظ منه." طبعاً مش عشان يستغل الفرصة، قليل…ده… "رانيا بضحك."
وماله يا بنتي مش جوزك، سبيه يستغل براحته، بطلي انتي بس حكاية النزيف النفسي دي، عشان هو يعرف يستغل هههههه. يلا أنا هامشي بقى، عشان ده ميعاد خروج الولاد من المدرسة. سلام يا حبيبتي، أشوفك يوم الخميس في الحسين بقى. "شذي." –رانيا من فضلك بلاش تقولي حاجة لخالتو. "رانيا." –هو انتي أي حكايتك، انتي وجوزك حد قالكم عليا فتّانة. أومأت شذي برأسها لها، توافقها الكلام ليضحكو سوياً، قبل أن تتركها وترحل.
الساعة الآن الثالثة عصراً، كانت شبه غافية تتوسط الفراش، لتشعر به وتفتح عينيها لتراه، يجلس بجانبها، يتأكد من تلك الكالونة المغروزة في وريدها، ويعطيها بها بعض الدواء. "شذي وقد ألمها الدواء." كفاية بقى، شيل الحقنة دي ايدي وجعتني. "مالك بأرهاق." خليها لحد ما تخلصي الحقن، ولا عايزة تحسي بشكتها كل شوية. "شذي وقد شعرت به." مالك هو انت تعبان، اوعي تكون اتعديت مني. "مالك وهو يميل رأسه على الوسادة، يتمدد بجانبها."
لاء ماتخفيش أنا عملت حسابي وأخدت علاج، بس أنا مانمتش من امبارح، وهاموت وأنام ساعة. "شذي." طب هو انت أكلت أصلاً حاجة، ولا هتنام من غير أكل. "مالك بنوم." أما أصحى ابقى آكل، يلا نامي انتي كمان عشان ترتاحي. "شذي مندهشة من تمدده بجانبها." انت هتنام هنا؟ "مالك وقد جن جنونه منها وعلا صوته." أومال هنام في الشارع، بره الجو برد، ومافيش غير السرير ده في الشقة كلها. أكيد يعني مش هنام على الأرض، وأنا تعبان ممكن تناميييي بقى.
"شذي وهي تبتعد عنه، معطياه ظهرها بخوف." حاضر، وأنا قولت حاجة. أما في حي الحسين، كان الزوجان يجلسان وكل منهم تبدو على ملامحه كم هائل من الأسئلة، لتبدأ الزوجة والسيدة الأولى في هذا المنزل بسؤالها، لكن بطريقة محتدة. "الحجة مجيدة." شيفاك حالك متغير يا شيخ حسان، مالك يا اخويا، من ساعة ما عرفت إن الواد أخد عروسته وراح شقته، وانت مش طايق نفسك، ولا طايقنا ليه؟ "الشيخ حسان ساخراً." عروسته!
جري إيه يا حجة، انتي هاتكذبي الكذبة وتصدقيها كمان، مانتي اللي خططتي لكل حاجة، عشان الجوازة دي تحصل، ومش بعيد تكوني متفقة مع اختك وبنتها، لأجل ما تدبسو ابني فيها. لتستفهم الحجة مجيدة بمكرها الداهي. غريبة يعني إنك جاي تقول الكلام ده دلوقتي، مانت كنت راضي، وقعدت مع ابنك، وهو بيكتب الكتاب، غيرت رأيك ليه يا شيخنا. "الشيخ حسان بلوم." كنتي عايزاني أجي على ابني أنا كمان، وأفضحه زي ما انتي كنتي هاتعملي. "الحجة مجيدة."
فشر أنا برضو أتسبب في فضيحة لابني، بالعكس بقى يا شيخ حسان، أنا دورت له على سعادته، وحطتها بين إيديه. "الشيخ حسان." وهي سعادته في إنه يبعد عن بيته يا حجة، سعادته في إنه ينسى الضريح، اللي كان مقسم وقته بينه وبينه شغله، سعادته في إنه يبعد عن دينه يا حجة؟ "الحجة مجيدة." وهو كل اللي بيتجوز بيبعد عن دينه! يا اخويا هدى أعصابك كده وصلي على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، دا اللي يسمعك كده يقول إنك غيران على الواد من مراته.
"الشيخ حسان مستعداً للرحيل، بوجه تكسوه القسوة." لاء يا حجة، أنا مش غيران على ابني، عارفة ليه؟ لأني واثق ومتأكد إن الجوازة دي لا تمت ولا هتم. "الحجة مجيدة بضحك." ههههههه لأ اطمن يا شيخنا الجوازة تمت، والعيال راحوا شقتهم عشان يتهنوا يومين مع بعض، لوحدهم من غير ما حد يضايقهم…ابنك بنفسه هو اللي قال كده. "الشيخ حسان مؤكداً عليها."
والله حتى لو شوفتها بعيني، نايمة في حضنه، برضو مش هتكون تمت يا مجيدة، أنا رايح أصلي المغرب في الضريح. ليتركها وسط حيرتها، تنظر إلى طيفه ويذهب. لتحدث الحجة مجيدة نفسها. انت ما تقولش حاجة إلا وبتطلع صح يا حسان، بس لاء المرة دي ربنا هيخلف ظنك بأذنه، هو الواحد الأحد. وأنا هقعد أهري وأهري في نفسي كده، لاء أنا هاتصل عليه، عشان أعرف راسي من رجليا، أقله اطمن اختي الغلبانة على بنتها، هو فين المحمول بتاعي ده كمان.
ما أحلى النعاس وبين يديه حورية من حور الجنة. ما أحلى النوم وهي تلتحم به، بكل إرادتها وكأنها تتشبث به، وتحتمي فيه. لكن ما هذا الرنين المزعج، الذي بدأ يعلو داخل أذنيهم، ليوقظهم سوياً وتتشابك نظراتهم ببعض، ليتوهوا بين تلك النظرات، ويحاول ضمها إليه أكثر، وهي مرحبة ومستسلمة له. لم ينتبهوا إلى ذلك الصوت، ولم يحلو وثاق بعضهم، مازلت هي نائمة على ذراعه، ويده تعبث في خصالها، والأخرى تمتلك خصرها.
أما يداها كانت ملتفة حول عنقه بحب، ولا تريد تركه. "شذي بهدوء." مالك.. "مالك مسحور بجمالها." نعم عايزة حاجة. "شذي بخجل." موبايلك بيرن، سيبني ورد عليه. "مالك وهو يغمر وجهه في ثنايا عنقها." لاء مش مهم، أنا مش عايز حاجة تزعجني، وتخليني أقوم دلوقتي. "شذي." لاء سيبني بقى، وشوف مين أحسن تكون ماما. "مالك بضحك." على فكرة بقى انتي اللي ماسكاني، وحضناني كمان. "شذي وقد حاولت حل وثاق يدها من عليه." اااانا آسفة ما أخدتش بالي.
وضع يده على كفيها من الخلف، قاصداً عدم إفلاتهم. خليكي كده يا شذى، أنا حابب قربنا ده من بعض. "شذي وهي تلومه على كلماته اللاذعة لها." عايز تقرب مني ليه، إذا كنت ناوي تسيبني. "مالك وهو ينتبه لما تقوله." أنا من ناحيتي مش هاسيبك، إلا لو انتي طلبتي مني ده، لكن طول ما انتي ما طلبتيهاش يبقى اتأكدي إني مش هعمل كده. بالعكس أنا مش هكون أب ليكي بس، ده أنا هاكون زوج وحبيب، عشاق للون عنيكي اللي بيسحرني ده.
"شذي بحب، وهمس مقابل لكلماته." عايزة يا مالك. "مالك وهو يقبل وجنتها مقترباً هامساً على شفتيها، قبل أن يقطف رحيقهما." من غير خوف يا شذى. أومأت له برأسها، وأغمضت عيناها لتشعر بقبلته، لكن عوضاً عن ذلك شعرت بأنفاسه المبتعدة عن وجهها. "مالك معتدلاً على ظهره واضعاً رأسها على صدره." عندي شرط واحد بس، عشان نبدأ حياتنا على نور. "بـوجه عابث نظرت إليه، دون أن تتحدث! تحكيلي كل حاجة حصلتلك يا شذى.
"شذي و قد ابتعدت عنه فجأة واعتدلت في جلستها." أنا حكيت ليك كل حاجة، ليه مش عايز تصدقني. "مالك و قد ارتفع بجزعه العلوي ممسكاً بـ عضـدها، ومجتذبها إليه مرة أخرى، ليغلق على جسدها ويحتويها بيديه." حكتيلي اه، ومصدقك في كل كلمة قولتيها، بس انتي ما قولتيش الحقيقة كاملة، في حاجات لسه مدفياها عني، والسخونية اللي جاتلك خلتك تقولي كلام منها، وانتِ مش حاسة. "شذي." كدب كدب ماحصلش، أنا ما قولتش حاجة.
كانت تصرخ بتلك الكلمات، وهي تهرب من بين يديه، وتجري خارج الغرفة. غير مهتمة بوهنها، وخطواتها المتعثرة. لتثبت له بما تفعله بأنها تخفي عنه سراً، لربما تكون نتائجه فاظه، لا يريد حتى أن يتخيله، وإلا ستكون العواقب وخيمة. نهض من على الفراش بتروي واستعد ليلحق بها محاولاً تهدئة نفسه، وعدم إفلات أعصابه حتى لا يخيفها. لكنه توقف قبل أن يخطو خارج الغرفة عندما استـدح رنين هاتفه مرة أخرى، ليعود إليه ويرى هاوية المتصل، ويفتحه ليجيب.
"مالك." السلام عليكم يا أمي. "الحجة مجيدة." وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جري إيه يا واد يا دكتور، بقالي ساعة عمالة أرن عليك، وانت مابتردش عليا، نموسيتك بمبي يا… امك. التوى ثغره بعلامة الصخب، إلا أنه فضل أن لا يصفح لها بشيء، فقرر البحث عن تلك الباكية، وهو يتحدث عبر الهاتف ليطمئنها، أنه لا ينوي الشر لها. كنا نايمين يا أمي، والموبايل كان بعيد عني ماسمعتوش. "الحجة مجيدة."
نوم العوافي يا قلب أمك، طب ما تطمني و تريح قلبي عليك، وعلى البت بقى يا مالك، قولي خلاص ولا لسه. "مالك ناظراً في عيون شذي، التي كانت تسكب سيلاً وفير من الدموع." خلاص يا أمي، اطمني شذي كويسة، وزي الفل. "الحاجة مجيدة بفرحة كبيرة." يا ألف نهار أبيض، ألف مبروك يا حبيب قلب أمك، شوفت بقى أمك مش هتختار ليك أي حد ازاي، اومال إيه دي بنت خالتك، مش جمال و بس، لاء وأدب وتربية، أنا نظرتي فيها ما خابت أبداً.
فتح صوت المكالمة لتستمع معه إلى حديث والدتها، الذي عوضاً عن أن يفرحها، ويبدل حالتها من الحزن إلى الفرح أسأها أكثر!! وكأنه يفتح لها جرح ملتئم، منذ فترة لتزيد من شهقاتها، ويبتعد هو عنها كاتماً الصوت، حتى لا يصل إلى والدته. "مالك منهياً الحديث." الله يبارك فيكي يا أمي، ممكن بقى تقفلي، قولتلك مش عايزين إزعاج. "الحجة مجيدة." حاضر يا حبيبي بس اديني شذي أبارك لها، ومتخافش هاقفل على طول. "مالك."
دي في الحمام، لما تخرج أنا هبلغها يا ستي ها خدمة تاني. "الحجة مجيدة." تسلملي يا غالي. "مالك." طب اقفلي بقى يا مجيدة، سلام وماحدش يتصل تاني. "الحاجة مجيدة بضحك." طب يا اخويا ماتزوقش كده سلام يا عريس، مع الف سلامة يا حبيبي. أغلق الهاتف مع والدته والتفت إليها ساخراً. أمي بتقولك ألف مبروك يا عروسة.
أصبحت عليه شمس اليوم الثاني، متسللة على وجهه بشعاعها، عبر زجاج تلك النافذة المغلقة، نائماً على تلك الأريكة، وحين ضايقه هذا الضوء، بدأ يتململ في رقدته، يشعر بألم جسده، أثر تلك النومـة الغير مريحة. اعتدل في جلسته، ليجد ذلك الغطاء الثقيل مدثراً حوله جيداً، علم بأنها هي من دثرته، بعد أن اطمئنت بأنه قد ذهب في نوم عميق. ليتذكر ما أمسوا عليه في ليلتهم السابقة.
تلك الليلة السوداء، حولت مجرى حياتهم التي لم تبدأ بعد، إلى مشارف الجحيم. فلاش باك ظل واقفاً متمسكاً بهاتفه، ينتظر ردها على حديثه مع والدته، أو حتى ترد سخريته عليها بهجومها المعتاد وصياحها العالي. لكنها خذلته، بقيت على حالتها التي ازدادت سوء. "مالك و قد بدأ يفقد السيطرة على أعصابه…" ممكن تتكلمي عشان الحالة اللي انتي فيها دي بتوترني، وتخلي تفكيري يروح في حتة أنا مش عايز أفكر فيها يا شذى.
تكورت على نفسها، وضمت ركبتيها إلى صدرها، ناظرة للأمام، دون أن تلتفت له. "شذي ساخرة من كلماته أيضاً." مش خلاص طمنت مامتك، وقولتلها إن كل حاجة تمام، هيفرق معاك في إيه بقى. بكل قوته اجتذبها بين يديه، قد فقد كل السيطرة على أعصابه بالفعل، وتملك منه شيطانه. انتي فاكرة إن الكلمتين اللي قولتهم لأمي دول، الموضوع كده انتهى خلاص، المفروض بقى إني أرضى بالأمر الواقع، مش كده؟ "شذي محاولة الإفلات من بين يديه دون جدوى.."
ما قولتلكش أرضى بحاجة، بس انت كمان ماتجبرنيش إني أتكلم عن حاجة تخصني أنا لوحدي. ما زادت كلماتها إلا إفلات أعصابه، وغرز أصابعه في لحم ذراعيها. تخصك لوحدك دا على أساس إنك مش متزوجة، دا انتي لسه من شوية كنتي بتقولي إنك عايزة نفضل مع بعض. منين بتقولي كده، وانتِ جواكي سر مخبياه عني. أخيراً ما فكت حصار يده، وانتفضت مبتعدة عنه بصراخ. ااااه سيبني في حالي بقى، قولتلك مش عايزة حاجة، ولو عايز تطلقني دلوقتي طلقني.
رفع سبابته أمام وجهها بتحذير. انتي كده بتثبتي ليا إن تفكيري صح، عارفة معنى كلامك ده إيه، عارفه معنى إنك تمنعيني أقرب منك إيه يا شذى. "شذي بكل غضب…" افهم اللي تفهمه، أنا ما يهمني. أومأ برأسه موافقاً كلامها، وعم الصمت المكان لدقيقة كاملة. ثم انحنى بجزعه عليها، همس لها وهو يجذب خصال شعرها بيده، ليجبرها على النظر في عينه. انتي مش بنت صح يا شذى. تفاجئت بكلمته اللاذعة، ولم تجيبه، ليكمل وهو يشد على شعرها بقوة.
ويا ترى بقى كان مين فيهم. ابن عمتك القاتل، ولا خطيبك اللي اتقتل، ولا يمكن يكون في واحد تالت أنا معرفوش. أصلي أشك بصراحة، إن الحكاية دي تكون تمت غصب عنك. شكلك كنتي راضية، ومرحبة كمان عشان كده بتداري، ومش عايزة تتكلمي. وأخيراً ما نفض يده من على شعرها، ليرتطم رأسها على يد المقعد الخشبي، بقوة وتسيل الدماء من حاجبها الأيمن بغزارة. نظرت إليه، والدماء تسيل على عينيها، نزولاً إلى وجنتها.
"شذي وهي تقف، وتهرب من أمامه، واضعة يدها على جرحها." تصدق أنا مش هالومك، اشمعني يعني انت اللي مش هتسيء الظن فيا، منك لله يا شيخ. جرت للداخل سريعاً، ووقف هو يصرخ بصوت جهور. ماتفتكريش إنك هتصعبي عليا المرة دي، كمان لاء يا هانم ده انتي هاتشوفي أيام سودة. يا ريت بس ترحمي نفسك مني، وتعترفي بسرعة.
ولجت إلى غرفة نومها سريعاً، وجلست على الفراش ساحبة من على الكمود، بجوارها أنينة الكحول وعلبة المحارم الورقية محاولة تطهير جرحها وكتم الدماء. إلا أنها وجدته يدلف إلى الغرفة خلفها، ورنين هاتفه يصدح بيده، لم يجيب المتصل إلا وهو يجلس بجوارها. كتم شهقاتها داخل صدره، شدد على شعرها مرة أخرى، معنفها ومحاولاً كبت شهقاتها. عارفة ده مين!! ده الظابط اللي ماسك قضية أبوكي يا هانم، اخرسي خالص، واسمعي بنفسك هيقول إيه.
ليضغط على الهاتف؛ مجيب الاتصال بينهم… الو السلام عليكم يا مصطفى باشا. "الظابط." وعليكم السلام، إزاي حضرتك يا دكتور. "مالك." بخير والحمد لله، خير يا حضرة الظابط في جديد في القضية. "الظابط." اه طبعاً، أنا بتصل بيك دلوقتي، عشان أبلغك إن أشرف اتقبض عليه. بس الآنسة شذي لازم تحضر، عشان تسجل أقوالها قصاد النيابة، لأن طبعاً أي إخطار بالحضور بيتبعت على عنوانها هنا. وبتثبت إنها مش موجودة، ودا مش في صالحها، ولا في صالح القضية.
"مالك وهو يثبت رأسها، التي بدأت تهتز بالنفي." حاضر طبعاً أنا هاجيب مدام شذي بنفسي ونيجي، بس يا ريت حضرتك تبلغني بالمعاد قبلها. "الظابط." اه طبعاً هابلغك بس معلش عندي سؤال، هي شذي آنسة ولا مدام، اللي أعرفه إنها مش متزوجة. "مالك ناظراً في عينيها بقوة." لاء يا حضرة الظابط، أنا وشذي اتجوزنا من كام يوم بس. "الظابط." كده ألف مبروك، خلاص يا دكتور إن شاء الله لينا اتصال مع بعض، أبلغك فيه بالمعاد.
"مالك ضاممها إليه بقوة، وعنف محاولاً التملك من رجفة جسدها، والسيطرة عليها مغلقاً الحديث، عبر الهاتف." الله يبارك فيك، وفي انتظار مكالمتك، في أي وقت مع السلامة. أغلق الهاتف وقذفه من يده، وقذفها هي الأخرى على الوسادة بجانبه، وصاح فيها بصوت جهور. بطلي خوف ورعشة بقى، خلاص واحد مات والتاني اتحبس، خايفة من إيه وبتخبي ليه، بتداري على مين تاني يا شذى؟ "شذي بشعور بالوهن."
ابعد عني بقى قولتلك ماعنديش حاجة أقولها، ومش هاروح معاك في حتة، مش هسافر فاهم مش هسافر. "مالك وهو يعدلها بعنف، لتجلس أمامه، ويضمد لها جرح حاجبها بعين كالجمر." مش بمزاجك يا هانم هتسافري، واللي بتحاولي تخبيه عني هاتقوليه قصاد الناس كلها. باك كانت تقف أمام الطاهي، تضع عليه إناء اللبن حتى يغلو، ولكنها في حقيقة الوضع…لم تكن منتبهة إلى أي شيء، فقط شاردة حزينة، تفكر في ذلك الحال الذي لم تتمنى أبداً أن يصلوا إليه.
هي بالفعل أحبته ولا تنكر هذا، بل وتتمنى أن يبادلها نفس شعورها. تريد هذا الذي احتمت في ضلعه، من عيون كل الرجال. تريد هذا الذي دائماً ما يحارب شيطانه، باللجوء إلى ربه والسجود له، في إحدى بيوت أوليائه الصالحين. لا تريد هذا العنيف المتعصب، الذي قهرها وأمسكها ليلة مبكية مدمية. لتفيق من شرودها على صوت رنين الطاهي، حين ارتفع فوارن اللبن، وانسكب عليه.
وبعفوية منها دون أن تنتبه، أمسكت الإناء الساخن جداً بيديها، لترفعه بعيداً عن النار. فيحترقوا أصابعها أثر سخونة الإناء، وتتركه لينسكب بالكامل على الأرض الرخامية، وهي تصرخ بشدة. انفزع هو حين استمع لصراخها، جرى باتجاه الصوت، ليجدها تجلس بجانب إناء اللبن المسكوب، تحني رأسها، وتبكي بشدة. "مالك بلهفة." شذي فيكي إيه، انتي قاعدة في الأرض كده ليه. رفعت وجهها إليه، متشوقة لتلك اللهفة التي تراها في عينه.
وبوجه تملئه الدموع، رفعت له كفيها لتريه ما حدث لهم، وبشهقات متقطعة أجابته. اللبن غلي، وأنا مش واخدة بالي، ومسكت اللبانة بإيدي. ليست هي وحدها التي كسرها الشوق، هو أيضاً كان الشوق يقتله. لم يكن بحسبانه بمجرد أن يتموا ليلتهم بذلك الشكل الحزين، سيتمزق قلبه لابتعاده عن سماء عينيها الصافية. لكن ليس بيده حيلة أخرى، ربما بهذه الطريقة تبوح عن ما بداخلها له. "مالك معنفاً إياها."
حتى شوية لبن مش عارفة تنتبهي ليهم يا… قومي نضفي ال… اللي عملتيه دا، واعملي ليا فنجان قهوة مظبوط، لحد ما أصلي وألبس عشان أروح شغلي يلااااااا. ذهب من أمامها، وتركها وسط بكائها الحار، وقلبها المنكسر. ولج إلى غرفة نومه وجلس على الفراش هي تظنه قد كرهها، وهو قلبه يتألم على ألمها. يشعر بضعفها، وحسرة قلبها لكن يريدها ألا تخفي عنه شيئاً. سيضغط عليها بكل قوته، لتأتي له خاشعة، تبوح له بما في داخلها.
ليهدئ قلبه ويسكنها بداخله مرة أخرى. مهلاً كيف ستفعل ما أمرها به، ويديها بهذا المنظر. هل انتزعت من قلبه الرحمة إلى هذا الحد، لابد أن يداوي جرحها، حتى وإن ظل على عناده هذا. دلف إليها مرة أخرى، وجدها تحاول أن تمسك بأطراف أصابعها المحارم الورقية، لتنظف ما فعلته، والدموع تنهمر على وجنتيها، كسيل المطر. وقف خلفها تماماً ملصقها بصدره، وأمسك معصميها لينفض ما بيدها، وينزع تلك الكالونة، التي مازالت ملتصقة بوريدها.
ثم فتح صنبور المياه، ليضع كفيها تحته. وأه من لمستك يا فتاتي، أه من رحيق شعرك الجميل، اشتقت لعبيرك وشذاكي يا شذى. شعرت به وبـلين قلبه، برأسه المائل على كتفها. بـنفسه المنتظم على عنقها فمالت عليه أكثر، وكأنها تقولها له، أنا ملكك أنت، وليس لغيرك. لفها بين يديه، تشابكت نظراتهم، قربها إليه أكثر، بدأ يتوه في مشاعره، ليحاصر خصرها بيديه، ويجفف دمعتها بشفتيه. وبدورها لفت ذراعيها حول عنقه، وتركته يفعل ما يشاء.
حملها بين يديه، وضعها على البساط الرخامي، مقبلها قبلة رقيقة، وحين تلامست شفاههم سوياً، تحولت إلى قبلة شغوفة، وبعد أن ابتعد عنها، حاول حل وثاقها من حول عنقه. لكنها أبت، وتمسكت به جيداً، ملقية برأسها على صدره. "مالك بعكس ما بداخله." اوعي سيبيني. هزت رأسها يميناً ويساراً بالنفي، وهمست له… "شذي بدموع." لاءه مش عايزة أسيبك أبداً. "مالك بحب."
مش قولتي إنك مش عايزاني، فكراني لعبة في إيدك، كل شوية برأي. وريني ايدك عشان أعالجها ليكي، مانا تقريباً اتجوزتك عشان أعالج جروحك بس يا هانم. بدموع غزيرة، حلت يدها من حول عنقه، ضمهم هو بين كفيه، وشرع في تضميدهم. لتهمس له وهي منحنية الرأس. أنا مش مخبية عنك حاجة يا مالك، ااانا ب…. قطع كلمتها، أنزلها من على البساط بصياحه العالي.
انتي كدابة يا شذى، اوعي تقوليها لاني مش هصدقها منك، طول ما انتي مخبية عني حاجة، عمري ما هصدقك يا شذى. اطلعي برة المطبخ دلوقتي حالاً، مش عايز أشوفك قدامي. جرت من أمامه واختفت عن نظره، ليطيح هو بصف الكؤوس الموضوع على البساط، ويتهشم بأكمله. كان يظن أنه سيهدأ، برحيله عنها وتركها وحدها. وكعادته يهرب من أحزانه، ومشاكله بالعمل بجد واجتهاد.
ولأول مرة بتاريخه المشرف في جراحة القلب، يشرد أثناء إجراء عملية لمريض، وتكون هي سبب شروده وارتباكه. لينبهه صديقه ويزجه للخارج، حتى يترك له ساحة العمل، ذهب هو إلى غرفة مكتبه الخاص. جلس خلف مكتبه بوجه تكسوه علامات الدهشة والغضب، ويده موصودة أمام عينه. إلى أن فتح صديقه الباب عنوة، وإذا به يلقي عليه بهذا السؤال الذي ينتظره. "حسام." في إيه يا مالك. "مالك محاولاً إنهاء الحديث قبل أن يبدأ."
ممكن تسكت دلوقتي، أنا في حالة ماتسمحش إني أسمع أي كلمة من أي حد، مهما كان. "حسام معنفاً له." يا سلام المفروض إني أسمع الكلمتين دول وأقول حاضر، ولا كأن في حاجة حصلت. ولا يمكن حضرتك مش واخد بالك، إن كان في إنسان هيموت تحت إيدك من شوية. "مالك منفعلاً بصياح." يوووووه خلاص بقى، إيه يا أخي انت هاتعلمني شغلي، هو أنا مش بني آدم برضو ووارد إني أغلط. "حسام."
لاء مش وارد طبعاً، انت عارف كويس أوي، إن الغلطة في شغلنا بروح بني آدم ائتمنك على حياته قبل ما يدخل العملية. ثم من إمتى وإحنا بنفكر في مشاكلنا أثناء الشغل يا مالك، انت من يوم ما اتجوزت، وانت مابقيتش طبيعي فوق يا دكتور. انت الدكتور مالك الرفاعي اللي عمره ما غلط في عملية، لو مش قادر تنسى حبك القديم، وحاسس إنك ظالم بنت خالتك معاك يبقى تطلقها، وتريح نفسك من تعب الأعصاب اللي انت فيه ده. "مالك مأنباً لصديقه."
إيه اللي جاب السيرة دي دلوقتي، ومين قالك إني ظالم مراتي، بالعكس أنا… أنصت إليه صديقه ليشجعه على الإفصاح عما بداخله. انت إيه يا مالك، كمل سكت ليه. لكن الآخر قد خزله، ولملم أشياءه سريعاً متأهباً للرحيل. أنا ماشي يا حسام. تركها وذهب ليجلس بجانب ضريحه يناجي حبيبه، ويشكو له ما بداخله، إلى أن يحين موعد الصلاة. "مالك مخاطباً ربه."
يا الله ولما كل هذا التخبط برأسي، ألم أكن أنا من قال إنني لا أريدها. ألم أقل إني سأكون أباً لها فقط، لماذا يتسلل بداخلي هذا الشعور الغريب. مالي بها إذا كانت ذات خطية أم لا. أريد أن أبوح بشيء داخل صدري، وإن لم يخرج على لساني، سأفقد صوابي حقاً، بل إني أشعر أنه يخنقني، ويزهق روحي. وإذا به ينظر للضريح، ويوجه حديثه له، وكأنه يرى سيدنا الحسين أمامه.
ومن لي غيرك يا حبيبي أبوح له، وألقي بجعبتي بجانبه، ليس لي كاتم أسرار غيرك أنت، ألجأ إليه وقت حاجتي. أنا أعترف لنفسي ولك إني أحبها، أريدها لي زوجتي، حبيبتي، وأيضاً طفلتي. لكن هناك شيئاً يمنعني، يجبرني أن لا أرضخ لها، يقول لي أنني سأدنس نفسي، بهذا الرباط، هي تتمسك بعنادها، وتخبئ عني سرها. إهدها لي يا حسين، وجنبني الخطأ، وارشدني إلى الصواب. كن معي يا الله، اللهم لا تصدمني بها، صونها واعفها لي يا رب.
كنت عارف إنك مش هتسيب حبيبك كتير، وهيوحشك… ومن يكون هذا سوى والده، الذي جلس من خلفه، وربما يكون أنصت إلى حديثه مع ربه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!