لا تعرف لماذا انقبض قلبها أثر ما تفوه به. ظلت تنظر إليه بريبة. وهو يقف أمامها بقميصه المفتوح، وعضلات صدره البارزة تعلو وتهبط مع صوت أنفاسه المتسارعة كعاصفة هبت على رأسها هي فقط. الي أن هتف فيها بوجه متهجم: -قومي يا هانم البسي وحضري شنطة هدومك على بال ما اجهز أنا كمان قدامك ربع ساعة تكوني جاهزة فيها يلااااا. شذي بخوف منه: -هنروح فين؟ مالك بصوت مفزع أمر لها: -يلاااا يا شذى ولا تحبي البسك أنا.
هذه الكلمة كانت كفيلة بأن تحركها من الفراش. انتزعت الغطاء من عليها، هبت واقفة أمامه مرة ثانية. تتشبث بتلك المنشفة بخجل من عينه التي تفترس جسدها، بل وتكاد تظن أنه يرى الجزء المغطي منها ويخترق جسدها بالكامل. شذي بعين منكسرة ورأس منحني مكتفية بكلمة واحدة: -اخرج. مالك بجمود وهو يتمسك بملابسها الداخلية في يده: -لاء البسي قدامي يا شذى. شذي وقد انهارت من البكاء: -عشان خاطري والنبي اخرج. مالك وقد رق قلبه سريعا لها:
-فات من الربع ساعة خمس دقايق. فضلك عشر دقايق وتكوني قصاد عيني تحت بشنطة هدومك. قال كلمته الأخيرة وهو يضع في يدها ملابسها الداخلية. ويلمس كتفها العاري بسبابته، ثم اتجه للخارج، وتركها مغلقا الباب عليها. ليتجه داخل غرفته حتى يبدل ملابسه، ويحضر حقيبته هو الآخر. ولكنه جلس على الفراش يأنب نفسه على ما فعله بها. مالك لنفسه بغضب: -إيه اللي انت عملته ده؟ انت فاكر نفسك عيل صغير ولا مراهق حيوان ومش قادر تتحكم في غرازيك وشهواتك.
وبعدين منين بتقولها إنك رافضها ومنين عايز تاخد حقك الشرعي منها؟ فوق لنفسك بقى. اقبل الوضع اللي انت فيه. إذا كنت فعلا هتسيبها يبقى ما تلمسهاش تاني، وتعاملها كأب ليها وبس. وبعد عشر دقائق كان يجلس بالأسفل وبجواره حقيبته ينتظرها حتى تترجل إليه. ويمسك بيده هاتفها الذي وجده على الأريكة الخشبية. يبدو أنها تركته حين ذهبت للاستحمام ولم تتذكر أن تأخذه معها وهي صاعدة. الآن مل من الانتظار لذلك صاح بصوت جهور وهو
يغلقه ويضعه في جيب بنطاله: -العشر دقايق فاتوا من بدري يا شذييييييي!! كانت مختبئة بالأعلى تظن أنه مع الانتظار سيتغاضى عن عقابه هذا. لكنه خذلها، فسحبت حقيبتها خلفها بقلة حيلة وترجلت إليه. لكنه فاجأها بصراخه عليها مرة أخرى: -أنا مش قولت قبل كده مافيش لبس بناطيل تاني. شذي والدموع تملأ وجهها: -وأنا قولتلك إن ده استايل لبسي وكل هدومي كده. مالك رافعا لها إصبعيه:
-وادي تاني عقاب. حاضر يا شذى هانم هنغير الاستايل بتاع حضرتك ده. وإذا به يجذب يد حقيبتها من يدها ويصرخ فيها: -اتحركي قدامي. شذي برجاء: -والنبي خليني أستنى ماما لما تيجي عشان أقولها وما تخافش عليا. مالك ببرود: -أنا هقولها إنك معايا أظن مافيهاش حاجة إنك تكوني مع جوزك، اتحركي بقي. *** أول ما جاء في تفكيره وفعله كان البحث عن محل للملابس النسائية للمحجبات. وقبل أن يتركوا الحي اتجه بسيارته نحوه.
تركها وحدها بالسيارة ودلف لداخله وغاب بعض الوقت. وبعدها ترجل منه حاملا بيديه عدد كبير من الحقائب البلاستيكية. فتح باب السيارة الخلفي ووضعهم بها. ثم عاد إلى مقعده وقاد السيارة دون التحدث معها. جلست بجانبه داخل السيارة وصوت بكائها يصل إلى السيارات المجاورة لهم. لدرجة أنه لفت أنظار من بداخلها. لذا تهجم وجه أحدهم متطفلا بالسؤال من داخل سيارته: -خير يا أستاذ في حاجة ولا إيه؟ مالك مستغفرا ربه مضطرا للكذب:
-عندنا حالة وفاة بس يا حبيبي، والد المدام تعيش أنت. -آه البقاء لله يا أخويا، طب أي أوامر؟ -تسلم ربنا يخليك السلام عليكم. ليغلق زجاج السيارة عليهم وهو يلقي عليها نظرة غضب ويأمرها بالصمت. -عجبك كده! اخرسي بقى الناس فكراني خطفك. بطلي عياط بصوتك العالي ده. شذي بخوف منه وهي تجفف دموعها التي لا تجف أبدا بيدها: -حاضر حاضر. بس كلم ماما بقي. مالك بهجوم:
-مش هكلم حد. أنا مش خطفك يا هانم. انتي مراتي ومن حقي اخدك وأروح بيكي أي حتة أنا عايزها. ممكن بقى تسكتي. مش عايز أسمع صوتك نهائي. لقد توقف الطريق في إشارة مرور، وعلى ما يبدو أنه سيطول الوقت قليلا. ليلتفت إلى جانب الطريق ويرى أمامه متجر للمجوهرات. وهنا تذكر أنها لا تحمل خاتم زواجه. إذاً، من أين يعلم الناس أنها متزوجة وليس بيدها خاتم الزوجية؟ ليمسك يدها بهدوء، ويشلح من إحدى أصابعها خاتم ذهبي رقيق، وينظر إليها بلطف.
ثم ينزلق خارج السيارة مرة أخرى، ويغلقها عليها، ويذهب نحو المتجر دون أن يفهمها شيئاً. غاب عنها بعض الوقت، وتركها عيناها معلقة على باب المتجر منتظرة عودته، ومعالم الدهشة ترتسم على وجهها الحزين. إلى أن عاد إليها، وجلس على مقعده مغلقاً بابه، ملتفتاً إليها وبيده تلك الحقيبة الصغيرة. أخذ منها علبة صغيرة له، ثم ألقاها على قدمها بلا مبالاة. مالك وهو يرتدي من تلك العلبة خاتم زوجية رجالي فضي (دبلة فضة)
-الخاتم القديم بتاعك في الشنطة، ومعاه دبلة وخاتم ليكي البسيهم. كادت أن تنفجر رأسها من شدة الغضب، وإذا بها تلقي بالحقيبة أسفل قدميها وتصرخ فيه: -مين قالك إني عايزة منك حاجة. أو إني ممكن ألبس دبلتك. أنا مش عايزة منك حاجة. مالك بصوت مفزع: -انتي قليلة الـ... هاتي الشنطة اللي رميتها دي، والبس الدبلة عشان الناس تعرف إنك مت... متجوزة. مش جايبهم حبا فيكي ولا تمسكا بيكي يا سمو الأميرة. -الا تكتفي من الإهانة والتقليل من شأني؟
أما زلت تريد تذكيري بأني لا أصلح أن أكون زوجة لك؟ ولما التمسك بي إذاً؟ انتفضت وأفاقت من تفكيرها حينما صاح بوجهها: -انتي كمان هاتسرحي شذييييييي... قلتلك افتحي العلبه والبسي اللي فيها في إيدك الشمال يلااا. انحنت بجذعها العلوي للأسفل، تمسكت بالحقيبة وفتحت ما بداخلها، وهي تبكي بشدة. أي فتاة غيرها حين ترى خاتم الزواج هذا ستفرح، وبشدة نظراً لجمال ذوقه.
إنه خاتم من الذهب الأبيض يعلوه حجر من الألماس، يزغزغ العين أثر كبر حجمه، ومعه محبس من نفس النوع، لابد وأنهم باهظان الثمن. إلا أن صوت صراخها وهي تبكي كان يدل على رفضها التام. لذلك قرر هو أن يتولى تلك المهمة بدلاً عنها هو ليمسك يدها بكفه ويلبسها الخواتم رغماً عنها. -هو انتي ماتعرفيش تعيطي من غير صوت أبداً؟ ليترك يدها بعد ذلك، ويقود السيارة دون أن يلتفت إليها مرة أخرى.
عادت الأختان إلى المنزل فارحتين بما ابتاعوه من ملابس وأشياء لعروسهم الصغيرة. الحاجة مجيدة بضحك: -مش عارفة بقى ذوقنا هيعجب شذي في لبس العرايس ولا إيه. حاكم بنات اليومين دول يا أختي بيحبوا يمشوا على الموضة، حتى في اللبس ده كمان. ماجدة بتوجس: -هو البيت ساكت كده ليه يا مجيدة، والبت مالهاش حس؟ مجيدة وقد بدا عليها القلق: -ادخلي شوفيها في المطبخ، ولا يمكن طلعت أوضتها نامت شوية.
جرت ماجدة على غرفة الطهي تبحث عنها بها وهي تناديها دون جدوى، لتخرج سريعا لأختها وهي تصرخ: -البت مش موجودة يا مجيدة. حضرت الأكل وخلصته لكن هي مش موجودة. -يووه انتي هاتقلقيني ليه. يمكن جوزها رجع وطلعوا يريحوا شوية في أوضتهم. ماجدة بصراخ: -يريحوا هما ويقلقوا راحتي أنا. أوعي يا أختي كده أما أشوف بنتي، وأطمن عليها الأول. يبقى ابنك يرتاح براحته بعد كده.
وسريعا ما صعدت الدرج، وجرت نحو غرفة ابن اختها، تدق بابها ظانة أنهم بالداخل، وتنادي: -مالك يا شذى انتوا جوه. طب لو انتي جوه ردي عليا يا حبيبتي. ماتفتحيش طمنيني عليكي بس. لم تتلقى أي إجابة، لذلك التفتت إلى أختها التي صعدت إليها، وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وهتفت: -ماحدش بيرد عليا يا مجيدة. شكلهم مش جوه. الحاجة مجيدة وهي تقبض بيدها على مقبض الباب: -شكلهم هو انتي لسه هتقولي شكلهم. أوعي كده.
وإذا بها تفتح الباب على مصرعيه، وتدلف داخل الغرفة الفارغة، إلا من ملابس ابنها الملقاة بإهمال، فتمسك قميصه المبلل بيدها وتهتف: -مالك كان هنا ومبدل لبسه، وقميصه مندي اهو قصاد عينيكي. ماجدة بحيرة: -أومال راحوا فين بس؟ -تعالي نشوفهم في الأوضة التانية. أسرعوا الخطى نحو الغرفة الأخرى، ودقوا بابها وأيضاً، لم يتلقوا إجابة. فتحوا الباب عنوة ليجدوا الغرفة على حالها.
المناشف المبللة ملقاة أرضاً، الفراش مبعثر بطريقة عشوائية، وهناك أيضاً سترة مالك الصوفية ملقاة بجانبه. لينظر الأختان إلى بعضهما، وهم يضحكون فرحاً ويتغامزون، لتهتف الحاجة مجيدة، وهي تمسك سترة ابنها بيدها: -يا ألف نهار أبيض. يا فرحة قلبي بيهم. ماجدة بضحك: -ههههههه شوفي يا أختي العيال. طب أومال سابونا وراحوا فين بقى إنشاء الله. جلست الحاجة مجيدة على الفراش، وهي ما زالت تضحك وتقبل سترة ابنها وهتفت:
-تلاقيهم اتكسفوا يتموها هنا. نقوم نسمعهم ولا حاجة. استنى أما أتصل عليه من تليفوني. أكيد أخدها وراحوا على شقتهم بقى. أسدلت هاتفها وبحثت فيه عن اسم ابنها، لتتصل عليه ويصدح رنينه إلى أذنيها، وتنتظر الرد. وعلى الجهة الأخرى تفاجأ هو برنين هاتفه، وهو يوقف السيارة، أمام مبنى شاهق الارتفاع على النيل مباشرة. وقد رأى اسم والدته، ففتح مجيب الاتصال قبل أن يترجل خارج السيارة، وهو يشير لها بعلامة الصمت. -الو السلام عليكم يا أمي.
-وعليكم السلام والرحمة يا قلب أمك. انت فين يا عريسنا. اخدت عروستك وروحتو على فين؟ مالك متعجباً من فرحة صوتها، ومما تقوله: -أخدت عروستي! وروحنا على شقتي يا أمي عشان أفرجها عليها، إحنا لسه واصلين أصلًا. أتاه صوت خالته الفرحة أيضًا من بعيد: -شذي كويسة يا مالك؟ والنبي خلي بالك منها وخدها براحة يا حبيبي، وطمني عليها. ضم حاجبيه ناظرًا إليها بغرابة. -هي كويسة جدًا، ما تقلقيش عليها.
ثم انزلق خارج السيارة ليفهم معنى حديثهم هذا، بعيدًا عن صغيرته التي مازالت وجهها حزين، مغلقًا باب السيارة حتى لا تسمعه. -هو في إيه يا أمي؟ أنا ليه حاسس في نبرة صوتكم كده بحاجة غريبة أنا مش فاهمها. مجيدة بصوت هادئ وفارح في نفس الوقت: -يا واد يا دكتور، هاتعملهم عليا أنا؟ ما إحنا شوفنا هدومك اللي مرمية في كل حتة، والفوط المبلولة، والسرير المتبهدل، وخلاص بقى مبروك يا عين أمك.
كاد أن يقطع شفتيه السفلي أثر ضغط أسنانه عليها، لكن على كل حال هذا في صالحه، لعلهم يهدؤون ويتركونهم لحالهم فترة، دون سؤال ليستمع إلى تكملة حديث والدته... -بقولك يا عريس، قول لشذي ما تتعبش نفسها خالص، وخليها مرتاحة يا حبيبي، وما تشيلوش هم الأكل، أنا وخالتك هنجيب لكم بكرة أكل يكفيكم لحد يوم الخميس، بس لازم ترجعوا بقى يوم الخميس عشان فرحكم، ماشي يا مالك. مالك سريعًا:
-لالا، بلاش تتعبوا نفسكم، ممكن ماحدش فيكم يجي لحد ما نرجع إحنا الاتنين، يا ريت تسيبونا لوحدنا اليومين دول يا أمي لو سمحتي. ماجدة ممسكة منها الهاتف: -ماشي كلامك يا مالك، بس ممكن تديني شذي أكلمها وأطمن عليها. مالك وهو يفتح باب السيارة ويجلس بجانبها: -انتي مش مصدقاني يا ماجدة ولا إيه؟ ولا تكوني مش مطمنة على بنتك معايا؟ ثم فتح مكبر الصوت ليحثها على التحدث مع والدتها.
-أنا لو هخاف على بنتي من العالم كله، هاطمن عليها معاك أنت يا دكتور. كلمات والدتها كانت كفيلة بأن ترجعها عن خوفها منه، لتجيب عليها وهي تنظر في عينه بصوت متحشرج من أثر البكاء. -ماما. ماجدة بلهفة: -حبيبة قلب ماما، انتي كويسة يا شذي؟ -أيوه يا ماما، أنا كويسة، ما تخافيش عليا. -طب تليفونك مقفول ليه؟ ابقي اشحنيه وخلي بالك من نفسك، وخلي بالك من جوزك واسمعي كلامه. شذي بدموع وهي منحنية الرأس: -حاضر يا ماما.
سريعًا ما سحب الهاتف وأغلق المكبر، حتى لا تستمع والدتها إلى صوت شهقاتها. تركها وحدها هذه المرة، وهو يشير بيده إلى أحد حراس العقار الآمنين. مالك منهيًا الحديث معهم: -اطمنتي بنفسك على بنتك يا ستي، صدقتي إني لسه ما أكلتهاش. -ربنا يطمن قلبك يا غالي، ويريح بالك يارب. مالك وهو يفتح للحارس حقيبة السيارة. -طب سلام بقى، عشان انتوا أخدتوا من وقتنا كتير أوي.
وعلى فكرة أنا مش عايز إزعاج خالص اليومين اللي قاعدينهم هنا، يلا سلام بقى يا ماجدة انتي ومجيدة. ماجدة ومجيدة معًا بفرحة: -مع السلامة يا حبايبي. وأخيرًا ما أغلق الهاتف، وتنفس الصعداء وهو يعطي الحارس الحقائب، ويشير لآخر بأن يأتي إليه. أخذ الحارس الحقائب واتجه بهم داخل المبنى، وفتح هو بابها، وانحنى بجزعه نحو الصندوق الأمامي المقابل لها، ثم فتحه وجلب منه دفتر ورقي وقلم، واستدار إليها وهو يعتدل وهمس لها.
-يلا انزلي عشان نطلع بيتك يا عروسة. وقف يدون بعض الطلبات، وتركها جاحظة العينين تحاول أن تستوعب ما قاله لها. -خد يا بني الورقة دي، وهاتلي كل الطلبات اللي فيها من السوبر ماركت. أطاعه الحارس، وأخذ تلك الورقة وذهب. وحينها شعرت بقبضة من حديد تضغط على كفها الصغير وتجذبها للخارج. -يلا قولتلك انزلي، ولا ناوية تباتي في العربية. شعرت برجفة تسري في جسدها وهي تقف بجانبه.
حتى أغلق السيارة وسحبها خلفه بخطي سريعة لداخل البرج السكني. تكاد أن تتعركل قدميها وهي تحاول أن تلحق بخطاه. شذي بهمس: -بلاش يا ابيه، أنا مش عايزة أقعد هنا. مالك وهو يزجها داخل المصعد بجمود: -من اللحظة دي مافيش حاجة هاتمشي بمزاجك يا شذى، خلاص اللي أنا هاعوزه هنا هو اللي هيحصل، وانتي مش مطلوب منك غير الطاعة. ادخليييي... كانت عيناها معلقة بالشاشة الرقمية الماكنة في أعلى المصعد، تعد الأرقام التي تنير بها.
كلما توقف المصعد في دور من الأدوار، عيناها تنهمر بسيل الدموع بغزارة، صوت أنينها يقوي ويعلو. كلما زاد عدد الارتفاع، شعرت بالابتعاد عن الأرض بمسافة كبيرة. ليصيح بها بعين كالجمر. -كفاية بقى صوتك العالي ده، عايزة تعيطي عيطي براحتك بس مش لازم تصرخي كده. شذي بصراخ باكي: -أنا بخاف من الأدوار العالية، ومش حابة أقعد هنا، لو سمحت رجعني بقى وكفاية لحد كده.
توقف المصعد في الدور الخامس عشر، انفتح بابه أخيرًا، ليفعل كالسابق، ويجذبها خارجه بقوة مثلما أدخلها، وهو يسحبها خلفه مثل الشاه. مالك معنفًا إياها: -خلاص يا شذي، لقد سبق السيف العزل. توقف عند باب معين، فتح بابه بمفتاحه الخاص، وإذا به يدفعها بداخله برعونة، وينفض يدها من يده بقوة. حمل هو الحقائب المتروكة بالخارج، دلف مغلقًا الباب من خلفه متجهًا للداخل، متخطيها بلا مبالاة وهو يستهزء بها، ويلقي عليها بعض الكلمات اللاذعة.
-يلا اتفضلي قومي مش عايزة تاخدي حريتك، أظن مافيش مكان أحسن من كده تاخدي حريتك فيه! يلا مستنية إيه؟ قدامك شقة طويلة عريضة مساحتها ١٥٠ متر، اتفضلي اقلعي لبسك كله. لو عايزة تقعدي من غير الفوطة كمان اقعدي، خدي حريتك على الآخر، على الأقل هنا مافيش حد غريب عنك ممكن يشوفك. حتى جوزك اللي هو أنا، مش هاكون معاكي، هانزل وأسيبك تاخدي حريتك اللي انتي عايزاها يا شذى... -انت مش جوزي!!
ولا يمكن أقعد معاك أو في بيتك ده، زي ما أنت مش عاوزني أنا كمان مش عايزاك. صرخت بها شذي، وقفت من على الأرض وأسرعت الخطى بصراخ مستمر لا ينقطع واتجهت نحو الباب. أنا مش هفضل هنا ثانية واحدة، أنا مش مجبرة إني أسمع كلام واحد مش معترف إني مراته أصلًا. غير في الأوامر اللي كل شوية يأمرني بيها، أنا هامشي من هنا يعني هامشي.
ولكنها توقفت أمام هذا الباب المصفح المزود بقاعدة إلكترونية ذات أزرار عديدة، تقبض بيدها الصغيرة على مقبضه، ولكن لا ينفتح. وفجأة شعرت بأن قدميها لا تلمس الأرض، ويديه مكبلاها بالكامل. يحملها بين يديه، ويتجه بها نحو الداخل باتجاه الغرف. لتعاود الصراخ مرة أخرى. ابعد إيدك دي عني، أنت موديني على فين؟ على أوضة النوم يا شذى، عشان أعترفلك إنك مراتي، بكل الطرق اللي أنتِ عايزاها، واللي مش عايزاها كمان...
أنا هعرفك إزاي تفكري في الكلام بعقلك ده قبل ما تخرجيه على لسانك بعد كده. وإذا به يدفعها على الفراش بكل قوته. وابقي عيطي بقى، اترعشي، خافي براحتك على الآخر هنا. أنا مش هخاف وأحن عليكي زي كل مرة، ولا حد ممكن يلحقك من إيدي. شذي وقد قفزت سريعا من على الفراش، وجرت إلى ركن بعيد في آخر الغرفة. حنية إيه اللي بتتكلم عنها دي؟ أنا ماشوفتش منك غير القسوة من يوم ما عرفتك، حتى لما بتعمل ليا حاجة!
بفرح من جوايا إنك افتكرتني، لكن برضه بتكون مغلفة بالقسوة وباين فيها الكره. أنت بتكرهني وأنا عارفة إنك بتكرهني، ومش مصدومة من ده، وأنا يعني كان إمتى حد حبني. بس سيبني في حالي بقى، وما تزودش قسوتك عليا أكتر من كده، مشيني من هنا ورجعني عند أمي، وصدقني مش هتكلم معاك، ولا هتحس بيا من أصله. مالك بجمود. مين قالك إني بكرهك؟ أنا لا بكرهك ولا بحبك.
وموضوع إنك تتكلمي وتتعاملي معايا ده، مش بمزاجك، أنتِ مراتي غصب عنك، لما أكلمك ترضى عليا. ثم حتة راضي بجوازنا أو لأ دي مش بتاعتك أنتِ خالص. شذي بصراخ، وقد تلفظت بما لا يحمد عقباه. أنت معقد يا ابيه! أيوه أنت معقد وبتطلع عقدك عليا، أنا مش عايزة أقعد هنا. الشقة دي لا يمكن تكون شقتي، دي شقة أنت كنت جايبها لغيري، وغيري دي سابتك وراحت اتجوزت غيرك. مشيني من هنا بقولك...
وأخيرًا صمت صراخها وصمت الكون كله من حولهم، حين غافلها بصفعة مدوية. من كفه الذي هوى على وجنتها بكل قوته، لتسقط على الأرض فاقدة للوعي. تركها بالغرفة وحدها ليسرع في خطاه للخارج. جلس وحده على الأريكة الموضوعة في ساحة الاستقبال الواسعة، بوجه محتقن من أثر الدماء النافرة في عروقه. يفكر من أين علمت بكل هذا الحديث، لابد أن والدته هي التي حكت لها. ما الذي أتى بهذه الذكرى المؤلمة الوحيدة بالنسبة له، على ذهن والدته.
حتى تضعف كفته أمامها بهذه الصورة، على كلٍ سيكون له معها حديث طويل، حتى يعرف لماذا تحكي سره القديم، للفتاة الوحيدة التي أصرت هي بنفسها أن تزوجها له. أفاق من شروده هذا على صوت رنين الإنتركام الخاص بالباب، ليرفع سماعته ويتحدث بكلمة واحدة. مين. اتاه من الخارج صوت الحارس الأمني. الطلبات اللي حضرتك طلبتها وصلت يا دكتور. فتح الباب، وأخذ من يده الحقائب، وأملي عليه أوامره.
أنا نازل دلوقتي، ورايح المستشفى مش عايز أي إزعاج للهانم، ولا أي حد يجي ناحية الباب ده. الحارس بطاعة. تحت أمر حضرتك طبعًا، عن إذن حضرتك يا فندم. مالك وهو يعطيه بعض النقود. اتفضل أنت، ومتشكر أوي. وبعد أن رحل الحارس، وضع الحقائب على طاولة الطعام، وأخرج هاتفها من جيب بنطاله، ووضعه بجانبهم. ثم اتجه إلى حيث وضع هاتفه وأشيائه، وأخذهم وبلمح البصر كان خارج الشقة مغلقًا الباب خلفه، وموصدًا بمفتاحه الخاص. ***
أفاقت من إغمائها وحدها لتشعر بألم يسري في عظامها، ورأسها كونها ارتطمت بالأرض بقوة. اعتدلت من رقدتها وفتحت عيناها بروية لتجد نفسها تجلس وسط ظلام حالك، فاتوجست الخيفة والحذر. وقفت معتدلة بخطوات بطيئة غير منظمة، تبحث عن المكبس الخاص بمصباح النور، وهي تنادي عليه. شذي لنفسها. لأ مش ممكن يكون عملها وسابني لوحدي هنا، ابيه مالك يا ابيه مالك. أنت روحت فين وسبتني، أوعى تكون عملتها والنبي يا ماااااااااالك...
لكن لا يوجد مجيب عليها، ولا تلقى رد. جرت خارج الغرفة سريعا، تتخبط في الظلام إلى أن رأت ضوء القمر يأتي من زجاج الشرفة الرئيسية، فجرت نحو الضوء تبحث عنه، وهي تصرخ باسمه. وحين وقفت بجانب الباب الرئيسي، حاولت فتحه دون فائدة لقد أوصدها عليها. بحثت عن أي شيء تحاول الاتصال به عليه، فوجدت الهاتف الأرضي، موضوعًا على طاولة صغيرة، فأمسكته بيدها سريعا.
لتدق على أرقامه، لكن مهلًا، هي لا تحفظ رقمه، ولا حتى رقم منزل خالتها، ولا رقم هاتف والدتها. فألقته بيأس، جلست على الأريكة خائفة، إلى أن استمعت إلى صوت خرفشة الحقائب البلاستيكية، عندما داعبها الهواء. أخافها صوتها، وقفت حتى تزيحهم من مكانهم، وتضعهم في مكان آخر بعيدًا عنها، وعندما حملتهم، رأت هاتفها موجودًا على الطاولة بجانبهم، علمت أنه كان بحوزته طيلة هذا الوقت.
ألقت ما بيدها، وأمسكت هاتفها الذي وجدته مغلقًا بفعل فاعل معلوم لها طبعًا، تأففت بغضب ضاغطة على زر تشغيله، وهي تعض على أصابعها بخوف. حين أنار جلست على مقعد الطاولة، تبحث عن الاسم الوحيد المسجل عليه، ضغطت على الاتصال به هامسة بترجٍ. يا رب ترد يا مالك، والنبي ترد وما تسيبنيش لوحدي. عاودت الاتصال به مرات عديدة دون أن يجيبها، كلما أقبل عليها الليل، زاد معه الظلام بداخل الشقة.
هي حقًا مرتعبة، بدأ جسدها ينتفض من الخوف تارة، ومن البرد تارة أخرى، وذلك لأنها فتحت باب الشرفة الرئيسية، وجلست بها حتى تستأنس بنور القمر. ليس بيدها حيلة الآن، إلا أن تبعث له بعض الرسائل عبر السوشال ميديا، وكانت بداية رسائله. رسالة اعتذار عما تفوهت به. أنا آسفة حقك عليا، عارفة إني ماكنش ينفع أقول حاجة زي دي، أو أتدخل في حاجة ما تخصنيش من أصله، بس وحياة خالو عندك، ترجع أنا بجد هاموت من الخوف. الرسالة الثانية.
مالك عشان خاطري والنبي تيجي بقى، النور مقطوع وأنا مرعوبة، وبردانة من قعدتي في البلكونة، تعالي بقى أنا خايفة يا مالك. الرسالة الثالثة وكانت رسالة يأس. طب لو قربك مني وإنك تاخد حقك هيرضيك تعالي، أنا مش هامنعك، ولا هخاف منك تاني، بس ارجع بقى أنا تعبانة وشكلي أخدت برد، بطني عمالة توجعني، تعالي بقى ولا حتى رد عليا يا مالك... الرسالة الأخيرة. الحقني يا مالك أنا النزيف رجعلي تاني، أنا حاسة إن روحي بتتسحب مني، رد عليا بقى...
بعثت آخر رسالة وهي تعلم أنه لم يرى أيا منهم، ولسوء حظها قد فرغ شحن هاتفها وانغلق. في هذا البرد القارص، بدأت شذي تتعرق وينتفض جسدها، أثر تلك الحمى التي تملكت منها. وما زاد من سوء حالتها، غزارة الدماء التي بدأت تبلل ملابسها، وتلك الأريكة الصغيرة التي تتكور عليها. *** قضى ليلته بالكامل داخل غرفة العمليات، شغل نفسه بمداواة قلوب مرضاه، وترك جرح قلبه هو ينزف، أثر تلك الذكرى المؤلمة، التي ذكرته بها فتاته الصغيرة العنيدة.
فتاته الجميلة، لا يعرف إذا كان انجذب إليها حقًا، ويريدها له. أم هو فعلاً كما قالت عليه، فقط يريد الانتقام لنفسه ولرجولته من حبيبته الأولى، متخيلها في أي أنثى. اللي واخد عقلك يا دكتور. قالها الطبيب الشاب حسام صديقه الوحيد. مالك وهو جالس على مقعده خلف مكتب مدير المستشفى. عادي يعني أنا قولت أريح شوية بس، قبل ما أدخل العمليات تاني. حسام متفاجئًا من رده.
تدخل تاني أنت لسه ماهدتش يا مالك، عملت تلات عمليات قلب مفتوح ولسه عايز تدخل تاني، أنا قولت هاخرج ألقيك روحت، ولا حتى نايم. قول أعوذ برب الفلق يا أخي، امسك الخشب أنا كده مش هالحق أروح أصلًا. حسام بريبة في أمره. مالك أنت فيك حاجة مش طبيعية، من ساعة ما جيت امبارح. وأنت قافل تليفونك، ومش راحم نفسك في الشغل، ما تقول فيك إيه يا بني، وتريحني.
مالك ولأول مرة يشعر بأنه لا يريد أن يبوح لصديقه، أو يتحدث معه عن شيء خاص جدًا بالنسبة له. مافيش يا حسام أنا بس كنت حاسس إني مقصر في شغلي، عشان كده حبيت أهتم شوية. ماتنساش إن المؤتمر قرب، ومش هبقى موجود فترة كبيرة. تمام قافل تليفونك ليه بقى. عادي يا بني كنت هافتحه، ولا هاخده معايا ليه وأنا داخل العمليات. الله مش يمكن العروسة تكون عايزة تكلمك، أو تبعت ليك حاجة حلوة على الواتس مثلاً.
لأ اطمن يا أخويا إحنا لسه مأخدناش على بعض للدرجة دي، وادي يا سيدي التليفون أهو اتفتح، عشان أثبتلك إن مافيش حاجة من دي أصلًا. بمجرد أن أنار هاتفه لم يخمد رنين الرسائل وإشعارات المكالمات التي أتته. لتتملك من صديقه نوبة من الضحك، وهو يشير عليه بأصبعه. مالك بغضب. خمسة وتلاتين مكالمة تليفون يا جبارة، و إيه كمية الرسايل دي، فتحها قاصدًا قراءتها بلا مبالاة.
ولكن مع قرائتها، بدأت ملامح وجهه تتغير من الجمود إلى الخوف، في غضون لحظات كان يقف ويتجه إلى المرحاض الخاص بمكتبه، قاصدًا تبديل ملابسه وفي ظرف ثوانٍ كان بالخارج. حسام مندهشًا من تحوله هذا. الله أنت مش قولت إنك هتدخل العمليات تاني، هاتمشي ولا إيه. مالك وهو يأخذ هاتفه، ومفتاح سيارته ويرحل سريعا. مش هاقدر أعمل العملية دي ادخل أنت بدالي، شذي تعبانة ولازم أروح دلوقتي. نأجلها وأجي معاك.
لأ هاخد رانيا، هي هاتنفعني عنك دلوقتي، كلمها وخليها تحصلني على الجراج، سلام بقى. سلام ربنا معاك، ابقى طمني طيب. *** كانت تجلس بجانبه داخل السيارة منفزعة من سرعته الفائقة، تكاد تجزم بأنه سيرتطم بإحدى السيارات بين اللحظة والأخرى. رانيا بخوف وحيرة في نفس الوقت. نالله إحنا مش رايحين الحسين، إيه اللي طلعك على الكورنيش. مالك متحفزًا، وهو يعاود الاتصال بها. عشان إحنا نقلنا في شقتي امبارح.
طب ما تهدي السرعة، وتسيب الموبايل من إيدك يا عم، كده مش هنلحق نوصل. مالك بخوف واضح عليه. أنا عايز ألحقها هي، يا ريتني ما نقلتها، وسبتها لوحدها ونزلت، إزاي قدرت أعمل فيها كده. عملت إيه يا مالك، هو النزيف ده من إيه بالظبط أوعي تكون... مالك معنفًا إياها، نافيًا ما تظنه به. اخرسي يا رانيا، لأ طبعًا، اللي في دماغك ده ما حصلش.
ليتوقف بالسيارة أخيرًا، ويجرو داخل البرج السكني سريعا، ليصعد إليها راجيًا من الله بألا يكون قد أصابها مكروه. *** فتح الباب على مصراعيه، ودلف إليها كطفل مرعب يبحث عن أمه. مالك بصوت جهور. شذييييييي أنتِ فين؟ ردي عليا شذي... بالطبع قادته قدماه إلى مكانها، حيث أنها أعلمته في رسائلها أنها مقيمة بالشرفة. وأخيرًا ما وجدها، وبقلب مفطور عليها، حمل جسدها المتشنج والغارق في الدماء بين يديه ودلف بها للداخل.
لتصرخ رانيا من هول ما رأت. يا خبر أسود، دي بتنزف جامد يا مالك. مالك بجدية وهو يتجه بها نحو المرحاض. حرارتها عالية جدًا، يا رانيا، شنطة هدومها جوه في أوضة النوم افتحيها. وحضرليلي منها لبس نضيف، لحد ما أحاول أنزل الحرارة دي بالماية الباردة شوية، وأغسلها جسمها من الدم ده. رانيا بدون تردد. حاضر حاضر. شلح مالك عنها ملابسها، وفتح المياه عليهم هم الاثنان، احتضنها بيد وغسل جسدها بيده الأخرى.
أنا آسف غصب عني هاعمل كده، أنتِ لو فايقة دلوقتي، كان زمانك لميتي عليا العمارة كلها... شذي وهي تهذي دون وعي. أنا بحبك أوي يا ابيه. فتحت عيناها لتغرقه، مثل كل مرة في بحرها. مالك مسحور بها و بكلمتها. قولتي إيه يا شذى قوليها تاني. شذي بدون وعي. أوعى تسيبني تاني، أنا أنا... مالك بجنون يريد أن تقولها. قوليها يا شذى، أنتِ إيه قوليها يا حبيبتي.
لقد غشي عليها مرة ثانية، وتجهم وجهه أثر كلامها، أغلق صنبور المياه، سحب مأزر الاستحمام الخاص به، وألبسه لها مغلقًا عليها بإحكام، ليحملها ويخرج بها متجهًا إلى غرفة النوم. وجد رانيا تنتظره بها. سيبها يا مالك وغير هدومك أنت، وأنا هلبسها. مالك بجمود. لأ معلش أنا هلبسها، وأغير هدومي، شوفي أنتِ العلاج اللي هتحتاجه، عشان يوقف النزيف ده، وأنا هانزل أجيبه ليها، هو والحاجات اللي لازمها كلها.
وابقي خليكي أنتِ معاها، مش عايزك تبلغي أمي بحاجة يا رانيا. اندهشت رانيا من تقلبه هذا، ضمت حاجبيها معبرة عن عدم فهمها. أهذا الذي كان منذ قليل متلهفًا لرؤيتها، الآن يتحدث بهذا البرود. أهذا الذي كان يدعو الله بألا يصيبها مكروه. حقًا، إن الرجل متقلب المزاج. مثله مثل ثمرة الطماطم يوم بالطالع ويوم بالنازل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!