عاد جالساً مرة أخرى معهم، وبيده وثيقة زواجه منها، مقدمًا إياها إلى عمها. "اتفضل يا حاج سيد، دي قسيمة جوازي من بنت أخوك." حاول الحاج سيد إرجاع يده مؤكدًا بأنه يصدقه. "يابني أنا مصدقك من غير ما توريني القسيمة، أنا بس اللي زعلني إن بنت أخويا تتجوز وماكنتش أنا وكيلها، أظن أنا ليا حق في كده، لكن أنا إن كان عليا ماتمناش لبنت أخويا واحد أحسن منك أنت، ألف مبروك يا دكتور."
صاحت ماجدة بلوم لأخته: "لو كنا نعرف إنك هاترحب وتوافق كنا اتصلنا بيك يا سيد، بس إحنا بصراحة خفنا لا نلاقي اللي يخلق لنا المشاكل تاني." صاحت أم أشرف: "أهو اتحبس يا أختي عشان ترتاحي إنتي وبنتك، اتهموه بالباطل واترمي في الحبس، والسبب في كدمين المعدولة بنتك." أخيرًا خرجت الحاجة مجيدة عن صمتها، إذ قالت بصوت هادئ:
"بقولك إيه يا أم أشرف، ما تجيبي يا أختي من الآخر وتقولي لنا سبب الزيارة الشريفة دي إيه، أصل بصراحة حكاية إنكم جاين تاخدوا البت وأمها دي أنا مش بلعاها خالص." وهنا صاح السيد نافيًا حديثها باستنكار: "لا إله إلا الله، ليه كده بس يا حاجة؟ هو إنتي مش شايفة إنك قصادك راجل قد كلمتي؟ أيوة يا جدعان على الكلام اللي يزعل." حاول الشيخ حسان التدخل ليطفئ هذا اللهيب المشتعل.
"استهدي بالله بس يا حاج سيد، أكيد الحاجة ماتقصدش تزعلك، مش كده يا حاجة؟ ما تقولي حاجة أومال." استردفت الحاجة مجيدة كلامها، منتظرة الرد من تلك الخبيثة، التي تعي معنى كلامها جيدًا. "صلى على النبي يا حاج سيد، أنا يا أخويا ما قصدتكش أنت بالكلام ده، أنت زيارتك على عيني وعلى راسي من فوق، نكرمك لوجه الله تعالى، دا كفاية إن أختي في شدتها مالقتش غيرك يقفلها، هي وبنتها ويكون سند بجد ليهم...
لكن بقى أختك يا ترى إيه اللي خلاها تغير رأيها، بعد ما طردتهم من بيتهم، لأه وبتقول إن ابنها اتحبس بسببهم كمان." ابتسم الطبيب على حديث والدته، والتي بتلك المراوغة الصغيرة، كشفت الستار عن أعين هذه المرأة، لتقول برعونة: "ومين قالك إني جاية أخدهم حبًا فيهم، لأ يا أختي أنا جاية عشان خاطر ابني برضه، الواد هايضيع مني في شربة ميه يا ناس، والحكاية كلها واقفة على شهادة بنتك في النيابة يا ماجدة." "قولتيلي بقى!!
" هتفت بها الحاجة مجيدة ساخرة منها. "طب يا أختي ما تفهمينا، الحكاية دي نحلها إزاي؟ أم أشرف معلنة عن نواياها صريحة: "المحامي قالنا إن إدلعادي المحروس ابنك قدم للظابط اللي ماسك قضية محمد تسجيل على تليفون شذى." حثتها مجيدة بأن تكمل، ناظرة إلى وجه ابنها المحتقن. "وبعدين... أم أشرف مكملة: "وهي فيها بعدين يا أم مالك، مانتي عارفة إن بنت أختك هاتروح وتشهد، بس إحنا بقى عايزينها بدل ما تقول حصل، ترجع في كلامها وتقول ما حصلش."
"تشهد زور يعني؟ " صاح بها مالك الذي انتصب واقفًا بغضب. أم أشرف بلهجة سوقية: "آه يا أخويا تشهد زور، مش أحسن ما ابن عمتها ينحبس، الله وأعلم بقى الواد يتحكم عليه بإيه." "يعني إنتي كل اللي همك حكم القاضي، وما خوفتيش على بنت أخوكي من حكم ربنا؟ إنتي أصلًا عارفة حكم الشهادة الزور عند ربنا إيه؟ "ربنا أعلم بالنوايا يا شيخ مالك، مانا مش هارمي ابني في الهلاك وأقف أتفرج عليه."
مالك متعصبًا: "تقومي ترمي مراتي أنا مش كده، طب نفرض إنها راحت وقالت ما حصلش، ما التليفون الحكومة محرزاه والتسجيل سمعوه، يبقى شهادتها بالنفي مش هاتنفع حد، بالعكس دي هاتضرها هي." لمعت عين تلك المرأة بمكر واضح واردفت: "لأ ما تخافش، الحرز ده لعبتنا إحنا، هي بس تروح وتقول ما حصلش والباقي علينا إحنا." أغمض مالك نصف عينه غير مستوعبًا مدى مكر تلك السيدة. "وهاتعملوها إزاي دي؟
"مالكوش فيه بقى،" وقفت معتدلة من على تلك الأريكة تحث أخيها على النهوض ليذهبا من حيث أتيا، مكمله: "إنتوا كل اللي عليكم إنكم لما تروحوا، تفهموا المحروسة مراتك إنها تقول ما حصلش، يلا يا سيد خلينا نرجع بلدنا قبل الدنيا ما تليل علينا." لكن ماجدة أوقفتها قبل أن ترحل. "خايفة على ابنك لا يتحبس ومش زعلانة ولا همك دم أخوكي اللي سال على الأرض؟ كان تهديدها الآن واضحًا للجميع، حين استدارت لهم قبل أن تبرح ساحة المنزل،
محذرة بعين كالجمر: "أحسن ما يسيل دم تاني يا ماجدة، وصدقيني ابني لو راح مش هايروح لوحده، فوتكم بعافية.... *** لم يقو أي منهم على إرجاعه عنها، بمجرد ما أغلق باب المنزل خلف هذان الضيفان الغير مرغوب فيهم، صعد الدرج سريعًا إلى تلك المختبئة داخل غرفته. جرت خالته خلفه، خائفة من بطشه على ابنتها. "استنى يا مالك، والله لو مديت إيدك على بنتي ما هايحصل كويس." هتفت والدته أيضًا تحاول اللحاق به، ناهية عصبيته المفرطة:
"يا واد اهدي وصلي على النبي، دي عيلة يا مالك لسه ماتفهمش حاجة." مالك مرددًا بصوتٍ مرتفع: "ارجعوا إنتوا الاتنين من ورايا، يمين بالله لو واحدة فيكم اتدخلت لتكون طالق مني، إنتوا فاهمين." أخرست كلمته ألسنتهم، وألجمتهم في مكانهم، كما استمعتها هي الأخرى من الداخل وشقت قلبها إلى شطرين. "افتحي البااااااب." قالها بصياح عالٍ يكاد يخترق أذنيها، لكنها تستحق كل ما سيفعله بها وستتقبله منه.
تحركت سريعًا نحو الباب وفتحته، ووقفت منحنية الرأس منتظرة عقابها. أوصد الباب جيدًا واستدار في مواجهتها، إذا به يقبض على شعرها بقبضة من حديد. مالك مجبرها على النظر في عينها: "إيه اللي نزلك من غير نقابك ونزلتي ليه من أساسه؟ أنا مش منبه عليكي ماتنزليش، ولا هو كلامي مابيتسمعش يا شذييييي." صرخت متأوهة من قبضته القوية، وانهمرت دموعها على وجنتيها الملتهبتان. "شذي" بتألم: "ااه سيبني يا مالك، إيدك بتوجعني."
"إنتي لسه شوفتي وجع؟ انطقي ماسمعتيش كلامي ليه؟ لفت يدها حول خصره، تضرب جبهتها في صدره بصراخ حار. "ااااه عشان إنت ماكنتش هتعرف تتفاهم معاهم." "ليه مش شيفاني راجل قدامك، مش هاقدر أحميكي وأجبلك حقك؟ رفعت رأسها للأعلى حتى ترى عينه الجامدة، تسطعتفها لتجبره أن يلين قلبه لها، محاولة إرضائه والسيطرة على شهقاتها. "لأ لاء طبعًا ياااا حبيبي، بس إنت أنضف منهم، وماتعرفش تتعامل مع الأشكال اللي من عينة عمتي دي أصلًا."
نفضها بعيدًا عنه، قبل أن يرق قلبه لها، ملقيًا عليها أوامره كالعادة: "اسمعي بقى يا بت، أنا أكتر حاجة بكرها في الدنيا إن حد يصغرني ويقلل من شأني قصاد الناس، فمش هتيجي حتة عيلة زيك اللي تعملها على آخر الزمن، وحسك عينك يا شذى أشوفك واقفة قدام أي حد من غير نقابك، حتى لو كان الحد ده أبويا، مفهوم." قال جملته ووقف يبدل ملابسه إلى جلباب أبيض حريري الصنع. "شذي" بتوتر من حديثه: "بس أنا كده مش هبقى على راحتي زي ما قولتلي."
"ط.. في راحتك يا أختي، هو إنتي عايزة ترتاحي وتعصبيني أنا." قال جملته وهو يفتح باب الغرفة ويترجل منه، لتصرخ هي سائلة: "طب إنت رايح فين دلوقتي؟ بغضها بكلماته اللاذعة وتركها وذهب: "روح ولا أجيه مايخصكيش، إنتي مالكيش دعوة بيا نهائي، تسمعي اللي أقوله تنفذيه من غير ولا كلمة، وابقي حاولي تكسري كلمة من كلامي أو تتلاعبي بيا زي ما عملتي امبارح، يمين بالله ما هبقى على زمتي ساعة واحدة بعدها يا شذى."
أفزعتهم صفعة الباب، اندهشوا وهم جالسين على الأريكة بجانب بعضهم حين رؤوه يترجل بوجهه الغاضب، دون أن يلتفت إليهم، وعلى ما يبدو أنه قد شملهم هم أيضًا بالخصام. *** همت ماجدة بالجري صاعدة للأعلى لتطمئن على ابنته. تحاول شقيقتها تهدئتها بكلمات ساخرة: "بتجري كده ورايحة على فين يا مخبلة إنتي." ماجدة ملقية عليها نظرة غاضبة: "رايحة أشوف بنتي اللي سامعة صريخها من فوق بوداني، وابنك لَجمني خلاني ماقدرتش أحوشها من إيده." وقفت
الأخرى على مضض تناديها: "هيه استنى يا أختي أما اتسند عليكي، مانا مش جيلي من وراكم غير وجع القلب." تعجلت ماجدة في خطواتها بانزعاج: "اطلعي براحتك يا مجيدة، هو أنا لسه هاستناكي." هزت مجيدة رأسها بأسف على شقيقتها: "ماتخفيش أوي كده، اطمني مالك عصبي آه بس مش عنيف مش هايضربها يعني يا بت." فتحت باب ابنتها وهي تصيح لها: "ومال صريخها دا كان إيه يا مجيدة، كان بيزغزها يا أختي." "شذي! "عمل فيكي إيه يا قلب أمك؟
كانت جالسة مكانها على الفراش، شعرها أشعث، عيناها تزرف الدمع بغزارة، تكاد لا ترى من كثرة بلل أهدابها. "مالك خاصمني تاني يا مامااااااا." قالتها بصراخ، لتجحظ عين والدتها، وتتعجب على حب ابنتها المفرط له. ماجدة بغيظ منه: "بقى بتصرخي عشان مالك خاصمك واللي هو عامله فيكي ده، مالوش أي تأثير على كرامتك، ولا إنتي خلاص مبقاش عندك كرامة."
شذي بدفاع عن زوجها: "إنتي فاكرة عمل إيه يعني، هو ما عملش حاجة، أنا اللي ما احترمتوش، قللت منه قصاد واحدة ماتستهلش حتى إنها تقعد معاه." ماجدة صائحة بغيظ: "وضربه ليكي ده تسميه إيه؟ "ما ضربنيش، ولا مد إيده عليا، كل اللي عمله إنه مسكني من شعري، زعقلي، وعاقبني بأني ما أقلعش النقاب خالص طول ما أنا هنا في البيت، واديه رجع خاصمني تانييييي." ولجت مجيدة إليهم منبهة عليها:
"ويكون في علمك طول ما إنتي صوتك عالي كده ومش بتسمعي كلامه، هايفضل يعاملك بالطريقة دي." انتبهت لها شذي ورَمَقتها بنظرة غاضبة، لتصيح فيها: "إنتي السبب أصلًا." شهقت مجيدة رابضة بيدها على صدرها: "أنا يا بت؟ "ليه يا أختي، هو أنا اللي قولتلك تقفي بقلة أدبك دي وتعلي صوتك وسط الرجالة." شذي نافية برأسها، مؤكدة بلسانها:
"لأ لاء بس مش إنتي اللي قولتليلي إني لازم أكون قوية، مش لازم أفضل العيلة الضعيفة اللي بتعتمد على غيرها في كل حاجة." مجيدة مؤكدة: "فيه فرق بين إنك تكوني قوية وإنك تكوني قليلة ال... يا... أمك، هو إنتي يوم ما تكوني قوية تبقى قوتك على حساب كرامة جوزك." أحنت رأسها بحزن وهمست: "لأ طبعاً أنا ماقدرش أعمل كده." مجيدة معنفة إياها: "اديكي عملتيها يا أختي، شوفي بقى هاتصالحي اللي عملتيه ده إزاي." "أصلحه إزاي بس؟
"بإنك تسمعي كلامه، وتحاولي توطي حنجرتك دي شوية، وما تقفيش قصاده تاني." شذي ببكاء: "طب هو راح فين دلوقتي، ده خاصمني وسابني ونزل." جلست الحاجة مجيدة بجانبهم على الفراش، وبلا مبالاة مما يفعلوه هما الاثنان، تمددت لتريح جسدها.
"هايكون راح فين يا عين خالتك، راح الضريح عشان يصلي الجمعة، واطمني مش هايجي من هناك إلا لما يهدي خالص، قوموا يلا روحي إنتي وأمك حضروا الغدا وسيبوني أرتاح شوية بقى، ألا قريبكم دول جم قلوا راحتنا من صباحية ربنا." *** ما زال على وضعه، وجهه مكفهر، حاجبيه منعقدان، لا يتحدث مع أحد، فقط يشغل نفسه بتنظيف المسجد، وفرش الحصائر، استعدادًا للصلاة.
لكن ما يشغل تفكيره الآن، هي كلمة أبيه، التي ألقاها على مسامعه قبل أن يرحل عنهم، ويتركه على عنده وتعصبه هذا. أغلق باب المنزل، وقف خلفه يحاول أن يهدأ ويفكر في تهديد تلك السيدة اللعوب والذي كان واضحًا جدًا لهم جميعًا. إلا أن يد أبيه بدأت تخرجه عن تفكيره، حين وجده يربت على كتفه بهدوء. "الشيخ حسان" "والله و جه اليوم اللي نلاقي فيه ناس غريبة عنا، لا نعرفهم ولا يعرفونا، جاين لحد بيتنا يهددونا، وعايزنا نشهد بالزور يا دكتور."
رفع حاجبه الأيمن، متسائلاً أباه الحل؟ "طلقها وسيبها يا مالك.... انتفض أثر تلك الكلمة اللعينة! أدار رأسه له بغضب، بالفعل قد أخطأت لكن ذلك ليس بعقاب هين، هو أيضًا لن يقوى على بعدها عنه بعد أن صرح لها بأنه عاشق متيم في حبها. "إنت بتقول إيه يا أبويا، صحيح هي غلطت وأنا أقدر أعاقبها لكن مش لدرجة العقاب ده." فتح الشيخ حسان باب المنزل منفعلًا: "خلاص إنت حر، بس أنا بأقولك أهو طول ما البنت دي على زمتك، مش هتشوف من وراها خير."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!