الفصل 29 | من 41 فصل

رواية ساكن الضريح الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ميادة مامون

المشاهدات
18
كلمة
3,857
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

أسرع حامد في قيادته، حتى أنه بدا وكأنه يسابق الريح، إلى أن ابتعد عن الرجال قليلاً. ومن خلفه ترك باقي سيارات أقاربه تلتحم معهم في المشاجرة، وقد توصلوا للدفاع عنهم وإعاقة خصومهم في عدم الوصول إليهم. إلى أن ابتعدوا عنهم وهدأت الأوضاع، فهتف حامد: -أوف الحمد لله نجينا منها على خير، تقدر تتعدل يا دكتور. رفع مالك جزعه العلوي من عليها. أردفت بحذر: -خلاص عدينا مرحلة الخطر أخيراً.

نظر لبطن تلك المنحنى على وجهها، مسكينة بطريقة غريبة، ليحاول أن يعدلها هو مردفاً: -خلاص يا حبيبتي الخطر زال، قومي اقعدي عدل يا شذى. صمت قليلاً منتظراً إياها أن ترفع رأسها، لكنها فاجأته بعدم استجابتها له. ربت على كتفها بخفة، ورفع رأسها ليفهم ما بها. -شذى قومي يا حبيبتي اتعدلي خلاص احنا بقينا في أمان. وهنا تلقى الصدمة، إنها مغشي عليها وفاقدة الوعي تماماً. نظر له حامد في مرآة السيارة مستفهماً: -في حاجة ولا إيه يا دكتور.

وضح له مالك ما يحدث بها وهو يحاول رفعها لتتنفس براحة جانبه. -أغمى عليها يا حامد. ليردف حامد محاولاً المساعدة: -طب أغير الطريق وأطلع على المطار يا دكتور. نفى مالك قوله: -لأ ماتغيرش طريقك وتروح في أي حتة، أنا لما نوصل هعرف أفوقها بس يا رب ما يكونش اللي في بالي حصل. أومأ حامد برأسه داعياً لها: -إنشاء الله خير ربنا يجيب العواقب سليمة.

عاد بها إلى بناية صديقه، وحملها بين ذراعيه وصعد بها إلى تلك الشقة المقيمين بها، ثم صعد خلفه والد صديقه، والذي بدوره ألقى اتصالاً بزوجته حتى تأتي لهم وتكون بجانبه في تلك المحنة، حين حدثه ابنه عن حقيقة الأمر المروع الذي حدث لهم. فتح له والد حسام باب الشقة ووقف يتحدث مع حامد تاركاً له مساحة ليدلف بها إلى غرفة النوم. ليردف الرجل بهدوء: -إيه اللي وصل الأمور لكده. أردف حامد بوجه واجم:

-والله يابا البت دي كتر خيرها إنها استحملت لحد ما ركبت العربية، دا إحنا رجالة بشنبات أهو وكنا خايفين، ما بالك بقى بيها، الله يكون في عونها، دول كسروا علينا إزاز العربية وأنا سايق على ١٢٠ في شارع جانبي عرضه ما يزيد عن أربعين متر، تخيل إنهم كانوا عايزين يخطفوها وأنا سايق على السرعة دي. أومأ والده رأسه بتأثر: -إوعى يكون حد مشي وراكم بعد كده وعرفوا طريقهم. حامد مؤكداً:

-عيب عليك يابا، دانا حامد الجزار، بص أنا أول ما خرجت من الشارع، دوست بنزين على الآخر لحد ما عديت العيال بتوعنا وبعد كده سدوا هما عليهم الطريق وبدأوا يتعاملوا معاهم. وأخيراً أمره والده بأن يذهب: -طب بطل غلبة ويلا روح شوف أمك ماجتش ليه. ليردف حامد مشاكسًا والده: -طب والعربية اللي باظت دي يابا مين اللي هيصلحها، ده ما فيش حتة في الإزاز سليمة. –أنا اللي هصلحها ليك يا حامد.

قالها مالك وهو يمسك بيده ورقة مدون عليها بعض أسماء الأدوية. ليردف حامد مدعيًا الحزن والسخرية منه: -اخص، إنت سمعتني بس، على العموم ما تجيش منك انت برده يا دكتور، عربية إيه بس اللي بتتكلم عنها، فداكم ألف عربية يا عم الناس، أنا بس بتشاكس مع أبويا شوية مش أكتر. ليه أكد مالك صدق حديثه قائلاً: -معلش، ده حقك برده، هو انت يعني ذنبك إيه عشان تتحمل كل ده. وهنا هتف والده برعونة وانزعاج:

-الله في تمام ما يحصل أبداً، امشي يا واد روح هات أمك. حاول مالك النفي والإصرار على رأيه: -لكن يا عمي أنا... –أنت كده تبقى بتشتمنا يا مالك يا ابني، عايز تدي أخوك حق وقفته جنبك، ما تجيش منك انت برده، المهم هي عاملة إيه دلوقتي. –عندها صدمة عصبية يا عمي هي اللي مخلياها فاقدة الوعي كده، معلش يا حامد هتقل عليك بزيادة بس ابعت حد يجيب لي العلاج ده من الصيدلية. أخذ حامد منه تلك الورقة وهتف بموافقة:

-حاضر يا دكتور، عيوني طبعاً والف سلامة عليها. اتجاه حامد نحو الباب الرئيسي للخروج ليجد والدته تثلج منه ملكية السلام قبل الدخول: -السلام عليكم جميعاً، يا واد يا حامد بتجري كده ليه يا ولد. تخطى حامد باب الخروج من جانبها وأردف وهو على عجالة: -ادخلي وانت تعرفي يا بطوط. وإذا بها تسبه وتتركه ذاهبة نحو زوجها: -عمرك ما هتكبر أبداً يا طويل يا اه... –انتِ لكِ السلام على مالك وترحب به بحرارة:

-حمد الله على السلامة يا مالك، إيه يا ابني اللي بيجرى لكم ده انت وعروستك. مد مالك يده ليسلم عليها: -الله يسلمك يا خالتي فاطمة، إزي صحة حضرتك. –أنا بخير يا حبيبي الحمد لله، المهم انت وعروستك، ده أنا قلت انتم جايين تقضوا شهر عسلكم هنا، اتفاجأت باللي بيجرى ده كله. –قطرنا بقى يلا الحمد لله على كل حال. –لا تدخل أخيراً زوجها منهياً هذه الحديث المؤلم:

-ما لوش لازمة الكلام ده دلوقتي يا حاجة، ادخلي شوفي البنية اللي مغمى عليها جوه دي وخليكي جنبها لحد ما تفوق. –حاضر يا أخويا، بس الولاد طالعين ورايا بصواني الأكل، أبقى افتح لهم. –حاضر بس ادخلي انت يلا. جلس مالك على مقعد خلفيه تحت ذقنه: -ومين بس له نفس للأكل، ما كانش له لزوم التعب ده. والد صديقه جالس على مقعد بجواره هاتفا:

-وهي قلة الأكل هتنفعك بإيه بس، ولا مش عايز تأكل لقمة معانا، على فكرة خالتك فاطمة جابت الأكل هنا عشان عارفة إنك مش هترضى تيجي عندنا، ولا انت بقى معتبرنا أغراب عنك. –كل ده واغراب! قالها مالك ساخراً على ما أورطهم به مكملاً: -طب كان ناقص إيه تاني أو مراتكم فيه. تعجب والد حسام من حديثه وإذا به يوبخه: -تورطنا، طب بذمتك مش عيب عليك تقول كده، ده إحنا أهل يا مالك.

وإذا بهم يتفاجأون بصراخ يعم المكان حين استيقظت عروسه من غفوتها، ولم يجدوا بجوارها تصرخ وتنادي باسمه وقد ظنت أنها قد خطفت بالفعل. –شذى. نظرت إلى أولاد حسام برعب تنادي زوجها بصراخ: -انت مين، ابعدي عني، مالك فين، عملوا فيك إيه يا مالك، يا مالك. حاولت والدة حسام تهدئتها دون أي استجابة منها: -اهدي يا بنتي وصلي على النبي، بسم الله الرحمن الرحيم، انت ملبوسة ولا إيه. –أنا هنا يا شذى.

قالها مالك وهو يلتفت إليها سريعاً ثم أخذها بين ذراعيه محاولاً السيطرة عليها. نظرت إليه بعينيها الجميلتين، كانت الرؤية بالنسبة لها مشوشة فهمست وهي تعود إلى غفوتها: -مالك. ارتطمت رأسها بصدره وأغمضت عينيها مرة أخرى ليضمها بخوف رابتاً براحة يده على وجنتها: -لا يا شذى عشان خاطري فوقي، مش هينفع كده، ما تستسلميش لخوفك بالطريقة دي. وهنا انحنت عليه والدة الصديق بتساؤل: -هي ملبوسة يا مالك، اجيب لها شيخ يقرأ لها قرآن.

مالك رافضاً ما تقوله تلك المرأة الحنون محتضناً حبيبته جيداً: -ملبوسة إيه بس يا خالتي وشيخ إيه، دي تعبانة شوية. أردفت والدة صديقه معنفة: -بسم الله الحفيظ، وايه يا ابني اللي وقعك الوقعة دي بقى، بعد ما عشت عادي بالفترة دي كلها تتجوز واحدة عندها ربع ضارب. بابتسامة سخرية ارتفعت على شفتيه ليوضح لها: -نصيبي وقسمتي يا خالتي، عارفة أم ربع ضارب دي تبقى مين. –مين يا أخويا، بنت حد أعرفه.

–يا سلام، ده انت تعرفيها عز المعرفة، دي تبقى بنت خالتي ماجدة، كل اللي أنا فيه ده بسببها هي وأمها. وهنا دق أحداً ما بالخارج على باب الغرفة لتصيح والدة صديقه: -مين اللي بره. هتف حامد من الخارج قائلاً: -أنا جبت العلاج اهو يا ياما، خذي دي للدكتور. –حاضر يا عين أمك، استناني أنا جاي اهو.

فتحت السيدة فاطمة الباب، وأخذت من يد ابنها الحقيبة المعبأة بالأدوية، وأجلته بنظرة من عينها ترجعه إلى حيثما أتى، فانفذ على الفور أمر والدته وعاد ليجلس بجوار أبيه. لتكمل هي الحديث معه قائلة… -امسك يا مالك، حامد جابلك العلاج اهو، قولتلي بقى دي تبقى بنت ماجدة، هي ماجدة رجعت واتصالحت مع مجيدة. أغمض مالك عينيه بأرهاق، فهو لا يقوى على خوض أي حوار، أو حتى يستغرق معها نصف دقيقة ليروي لها حكايته. مالك بنفاذ صبر:

-آه يا خالتي، اتصالحوا وأنا اتجوزت بنتها زي ما انتي شايفة، و أهي تعبانة أهه وأنا كمان تعبان، مش عارف هاعمل إيه معاها لما تفوق. تأسفت والدة صديقه على حاله هذا الذي لم تراه حزيناً أبداً، حتى وإن شغل عقله شيء يذهب إلى مكانه المعهود، ليلقي بهمومه ويريح باله هناك داخل الضريح. –يا ضنايا يا بني، ما انت لو كنت في الحسين دلوقتي، كان زمانك رحت لحبيبك وتشتكيله.

أقولك بعد ما تديها الحقنة والعلاج اللي بتديهولها ده اطلع كل لقمة مع عمك أبو حسام، وبعدها ابقى صلى ركعتين لله، وإن شاء الله القمر دي، هاتكون فاقت وبقت زي الفل. تنهد مخرجاً طاقته السلبية كاملة، وأومأ لها مؤيداً الرأي. ترجل إليهم بوجه حزين، جلس على المقعد ولم يتحدث، وكأن لسانه قد عجز عن النطق. نظر حامد إلى أبيه، يشير إليه برجاء أن يخرجه من هذا الوجوم. ليضع والد صديقه راحة يده على فخذه رابتاً عليه بعطف الأب قائلاً:

-سلمها لله يا مالك، اللي فيها ربنا ما يغرقش. مالك مؤيداً: -ونعم بالله يا عمي، كلنا اتكلنا عليه، أنا بس مش عارف أحلم إزاي بعد اللي شوفناه النهاردة ده. أردف حامد محاولاً فهم ما يقوله: -بعد إذنك يابا بدون قطع كلامك، هي إيه دي لا مؤاخذة اللي انت عايز تحلمها يا دكتور. مالك موضحاً لهم: -أصل شذى في كلية تجارة انجلش، وامتحاناتها كمان كام أسبوع، والمفروض إنها هتمتحن هنا. –هنا فين لمؤاخذة.

كان هذا حامد الذي هب واقفاً منزعجاً مما صرح به مالك. أوقفه والده لينبهه أن صوته قد ارتفع، ولربما يشعر مالك بضيق صدره، ويفسر حديثه بطريقة سيئة. -اقعد يا حامد واتكلم بهدوء، ماتنساش إن البنت تعبانة جوه.

–هدوء إيه يابا، انت عايز تجنني انت كمان، بقى إحنا لسه مخرجينها من بق الأسد دلوقتي، يجي هو يقولي كلية وامتحانات، طب مبنى النيابة وعرفنا نأمنه ونخرجكم منه لأن الحكومة كانت معانا وبتساعدنا، لكن هنأمن كلية بحالها إزاي بس يابا. وقف مالك هو الآخر منزعجاً، هذا الذي لم يعرف الرسوب في حياته يوماً، كيف يرضاه لها بل ويجبرها عليه بإرادته هو. -يعني أسيبها تسقط يا حامد، أضيع عليها السنة بإيدي.

–مش أحسن ما يضيع عمرك ولا عمرها في لحظة، بص أنا نازل أحسن ما أقول كلام يزعلك، ويرجع أبويا يبصلي. و هنا تدخل والده بهدوء، ليحد من هذا الأمر المزعج: -حامد بيتكلم صح يا مالك يا بني. نظر مالك إليه مستفهماً: -يعني انت كمان يا عمي موافق في رأيه ده.

–يا بني إحنا خايفين عليكم، طب فكر فيها كده، مراتك لما تروح تمتحن، هتبقى طول الطريق معاكم ومأمنينها كويس، لكن بعد كده، ولما تدخل الجامعة لوحدها، هتقدر تدخل معاها وتأمنها جوه يا مالك. جلس على مقعده خائفاً يفكر، هم معهم كل الحق، ألم يرى كثرتهم داخل مبنى النيابة، إذاً كيف سيتركها تلج داخل هذا المكان وحدها. جلس حامد هو الآخر يربت على قدمه…

-قلبتها في دماغك، عرفت إن أنا خايف عليكم، قوم يا راجل اما ناكل قوم، وأما ترجعوا بالسلامة ابقى حول ليها ورقها وتتعلم عندك هناك في القاهرة، وتبقى تحت عينك أأمن من الخوف والبهدلة اللي انتو فيها دي، وهي يعني لما هاتعيد السنة مش هاتلاقي وظيفة يا مالك.

–عندك حق يا حامد، أنا هاروح بكرة أحول ليها ورقها وربنا يستر بقى، والله خلصت الورق ولحقت تمتحن هناك كان بها، ملحقتش يبقى تعيد السنة أو بلاها تعليم أصلاً بس هي تبقى كويسة إنشاء الله. ابتسم والد صديقه على حبه لها، والواضح جداً عليه مردفاً… -عين العقل يا بني يلا قوم كل لقمة عشان لما تفوق تكون جنبها. هتف حامد أيضاً وهو يكشف الطعام الموضوع على المائدة بطريقة مضحكة:

-قرب يلا يا مالك بسرعة، أمي عملالك وليمة، إنما قولي صحيح، إيه كمية العلاج اللي طلبتها ليها دي، هي حامل ولا إيه. رفع رأسه عن الطعام ناظراً له باندهاش، يعلم جيداً أنه جريء في الحديث، لكن هل يعقل أن يتحدث معه في ذلك الآن. لكن ولما لا، ألم تكن زوجته ومن الطبيعي جداً أن يرد بخاطرهم هذا السؤال، آه يا شذى لكم أتمنى تلك اللحظة بالفعل. -إيه يا بني روحت فين، ماترد على سؤالي يا عم. مالك منتبهاً له:

-هاه، لأ يا حامد هي مش حامل أصلاً، إحنا لسه متجوزين جديد. حامد ضاحكاً: -طب يا عم ألف مبروك، ونصيحتي ليك بقى ماتفكرش في العيال دلوقتي أحسن هيخلوك تكره الجواز بسرعة ههههههه. جلس بجوارها على الفراش، بعد أن رحل الجميع عنهم وتركوهما، كان قد بدل ملابسه وبدل لها هي أيضاً ملابسها. وكعادتهما سوياً رفع رأسها على قدمه، وبدأ في تلاوة بعض الآيات من سورة ياسين.

شعر بإفاقتها وبأصابع يدها المتشابكة في يده بدموعها التي تسترسل على وجنتها بهدوء. ليصدق على تلاوته ويحاول أن يرفعها إلى صدره، لكنها أبت وخبأت رأسها في فخذه، مع ارتفاع صوت شهقاتها. قرر التمدد بجانبها، حتى يتملك منها ويضمها إلى صدره، احتواها بين ذراعيه محاولاً تثبيت رجفة جسدها التي تملكت منها. -أهدي يا شذى، أهدي يا حبيبتي عشان خاطري، خلاص إحنا بعدنا عن الخطر، وانتِ في حضني أهو. شذى برعب:

-أنا خايفة، هيموتوني، أشرف لما يعرف إني شهدت عليه هايدبحني. مالك بحزن من أجلها: -أشرف مين ده اللي انتي خايفة منه كده، أولاً دا واحد مقبوض عليه يبقى مش هيقدر يعملك حاجة. ثانياً انتي خايفة منه ومش خايفة من ربنا، كنت عايزة تكتمي شهادتك يا شذى، طب ما هو انتي بشهادتك برضه ما أذيتيهوش أهو يبقى تكتميها ليه. دفعته في صدره بكل قوتها الهزيلة، حاولت النهوض من على الفراش، لكنها ترنحت في جلستها لتسقط على الوسادة مرة أخرى.

-ابعد عني سيبني بقى، انت ضعيف مش قادر تحمي نفسك حتى، يبقى هاتحميني أنا ازاي. هب واقفاً من على الفراش، منصدماً بما تقوله له، بعد كل ما حدث، تنعته بالضعف. نهرها معنفاً: -بعد كل ده بتشتميني وتقولي عليا ضعيف، لكن هاستني إيه من واحدة زيك، عايشة طول عمرها وسط البلطجية والص... هتقولي عليا أنا إيه غير كده. شذى بصراخ: -أيوه انت ضعيف، لولا الشرطة وأهل صاحبك ماكنتش قدرت تحميني، انت كنت مخبي راسك وخايف زيك زيي بالظبط.

مالك بصوت مرتفع يحاول أن يدافع عن نفسه: -أنا كنت خايف عليكي انتي، حنيت جسمي عليكي عشان خوفت لحاجة تأذيكي، انتي ما كنتيش حاسة بالازاز اللي بيتكسر فوق دماغك يعني. –كنت حاسة بضعفك وخوفك بس. –اخرسي. كادت راحة يده أن ترتطم بوجهها، ليضمها في قبضة قوية ويتركها ويذهب من الغرفة بأكملها مغلقاً الباب خلفه بقوة. حاولت الاعتدال ببكاء حار تشهق وتنتحب، لا تعلم إذا كان ما قالته هو الصواب أم أنها قد أخطأت في حقه مثل كل مرة.

بينما جلس هو بالخارج يفكر في حديثها، أهذه التي كانت تقول له وتمدحه في الصباح بطلها وفارسها الذي تتمناه، ما الذي حدث حتى تغير نظرتها فيه بهذه السرعة. على كلٍ سيعود بها إلى والدتها، وإن كانت تريد أن تتركه، فلتتركه ويعطيها حريتها، وإن كان قد أخطأ فيمن يعطيها قلبه كالسابق، فالله قادر على أن ينسيه حبها هي الأخرى.

أشرقت عليه شمس اليوم الثاني وما زال جالساً على مقعده، فاعتزم أمره على أن يذهب إلى الجامعة، وينهي لها أوراقها، ثم يأتي ويأخذها ويغادروا تلك البلدة التي هي بالنسبة له مصدر حزنه، ما إن وطأت قدماه أرضها. ولج داخل الغرفة، ليجدها مستيقظة، ومع ذلك لم تنظر إليه، ليتفوه أمراً لها: -حضري نفسك يا هانم ولمي حاجاتنا لحد ما أرجع، عشان هنسافر على طول. انفزعت من كلامه وكأن ثعباناً قد قرصها: -نسافر فين وامتحاناتي!

انت نسيت إني عندي امتحانات، ولا مش هاتوديني الكلية كمان عشان مش هاتقدر تحميني وخايف على نفسك. عجيب أمر هذه الفتاة، تصر أن تثير غضبه، تريده أن يدق عنقها، كيف سيتصرف مع هذه اللعينة دون أن يقتلها ويريح نفسه وعقله من تلك الثرثارة. بكل برود أجابها وهو يشلح جزمته…

-آه يا شذى أنا مش هاوديكي الكلية عشان خايف على نفسي، أنا مش هقدر أحميكي يا ستي، أصل بالعقل كده يعني واحد دكتور زي طول عمره متربي على الأخلاق والدين، يحشر نفسه ليه وسط عالم رعاع زي دول، تفتكري هاكسب إيه لما أتصاب وما أقدرش أمارس مهنتي، أنا واحد مابيعرفش يمسك في إيده غير أدوات الجراحة عشان أعالج الناس، مش هتيجي واحدة زيك على آخر الزمن تخليني أمسك سلاح، وأضرب وأكسر عشانها، ليه دا كله، تولعي يا شذى، هو أنا حتى عارف أبقى زوج شرعي ليكي، عشان تجبريني إني أحميكي.

آسف يا مدام، أنا دلوقتي هاروح الكلية وهاسحب ورقك من هناك ولما نرجع القاهرة هبقي أقدم ليكي هناك. لتجري خلفه قبل أن يذهب، وتصيح بصوت جهور: -اعمل حسابك إنك هاترجع مش هاتلاقيني هنا، أنا هامشي وهاسيب ليك البيت ده. وقف معطياً ظهره إليها أن أنهت حديثها ثم هتف:

-طب وعلى إيه، استنى لما أرجعك لأمك، وأطلقك ساعتها هتبقي حرة، وساعتها تقدري تعملي كل اللي انتي عايزاه، إن شاء الله حتى ترجعي تبرئي ابن عمتك ده، وابقى خليه بقى هو يحميكي. لقد أخطأت في حديثها معه والآن ستجني ما زرعته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...