الفصل 28 | من 41 فصل

رواية ساكن الضريح الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ميادة مامون

المشاهدات
21
كلمة
3,055
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

صرخت شذى بخوف: -يعني إيه يعني كده أشرف هيخرج منها؟ لأ ده لو خرج هيعمل حاجة من الاتنين، يا هيخطفني يا هيدبحني يا مالك. -ممكن تهدي! كان هذا صوت مالك الذي تجمد في مكانه، موجهاً حديثه للمحقق مستنكراً ما يقول: -حضرتك ده واحد معترف بلسانه إنه قتل، تقدر تقولي هيخرج من القضية إزاي؟ هتف المحقق ينفي ما يلوحون به هم الاثنان:

-ممكن تهدوا انتوا الاتنين.. أنا ماقولتش إنه هايخرج منها، أنا كل اللي قولته إنه كده مش معترف بقتل أبوكي، ولا حتى بأنه هو اللي قتل محمود خطيبك السابق يا مدام. شذى ببكاء: -لكن قال إنه قتل. صمت المحقق قليلاً إلى أن أنهت شهقاتها، وصرح قائلاً: -بالظبط هو اعترف إنه قتل، وهنا بقى تبدأ مهمتنا إحنا، أشرف مش هايخرج من هنا إلا لما نعرف منه هو قتل مين بالظبط، عايزك تطمني، وما تقلقيش من ناحيته نهائي.

ربت مالك على يدها ضاغطاً عليها برفق، لتنظر له بريبة وتتساءل داخل نفسها، هل أغضبته وهي في وضعها هذا؟ لتصمت قليلاً محاولة تهدئة نفسها، لتقرأها في عينه دون أن يتحدث، يريدها أن تخفض من صوت شهقاتها!! بالله كيف يفكر ذلك المختل، أيظن أنها في وقت يسمح لها أن تعير لصوتها اهتمام؟

أم يريد أن يريها كم عشقه وغيرته عليها، حتى أنه يريد كما أخفاها عن الجميع، وحجب النظر عنهم، أن يصمتها للأبد حتى لا يستمع أحد إلى صوتها العذب، ودلالها حتى في صوتها. ليهتف قائلاً: -طب أظن كده مافيش أسئلة تانية ونقدر نمشي. ليجلسه المحقق قائلاً: -اقعد يا دكتور من فضلك إحنا لسه ماخلصناش التحقيق، وأكيد لما أخلص أنا بنفسي هقولكم مع السلامة. مالك بهدوء حذر: -طب اتفضل اسأل وخلصنا.

لكن قبل أن يستطرد المحقق أسئلته، انتفض الضابط مصطفى ينظر من نافذة المكتب، أثر استماعه لبعض الاشتباكات والصياحات المرتفعة أسفل البناية. ثم أسدل هاتفه متحدثاً فيه بهدوء حتى لا يرهب الموقف عليهم أكثر من ذلك، ويحاول التملص منهم للخارج سريعاً، لكنه همس في أذن المحقق قبل أن يذهب ببعض الكلمات، قبل أن يبرح باب الغرفة. -في حاجة ولا إيه؟ قالها مالك بقلق بعد أن رأه يذهب بهذه السرعة ولم يلتفت إليهم.

وهنا تحدث المحقق بمنتهى الجدية، ليغير لفت نظرهم من جهة باب الغرفة إليه: -مافيش يا دكتور، حضرة الظابط بيشوف شغله، أكيد الراجل مش هايفضل قاعد معانا وسايب الدنيا كده يعني، ماتنسوش إن في متهم في عهدته، نرجع بقى للتحقيق تاني. أومأت شذى برأسها وهمست هادئة: -اتفضل حضرتك. -تمام نيجي بقى لواقعة التحرش اللي اتعرضتِ ليها، هل هاتتهمي أشرف بيها برضو، ولا هاتتهمي حد تاني؟ تفاجأ هم الاثنان بسؤاله هذا، وخجلت الصغيرة، وبدل من أن

تجيب المحقق أجابت زوجها: -أنا ماعرفش مين اللي عملها، والله أنا كنت متخدرة ساعتها صدقني يا مالك. حزن زوجها من أجل تذكرها هذه الأحداث المؤلمة، وأمسك يدها هذه المرة ليطمئنها: -عارف يا حبيبتي ومتأكد من ده، ومصدقك طبعاً. قطع المحقق وصلة نظراتهم لبعضهم البعض هاتفاً: -بس انتي قولتي في المحضر، إن محمود ساعتها اتخانق معاكي، وركب المكنة بتاعته ومشِى بعد ما دخلك المدخل بتاع البيت بالضرب. -أيوه حصل.

-وإن أشرف كان واقف على القمة ساعتها. -صمتت قليلاً ثم أجابت، أيوه بس أنا طلعت جري ساعتها، والنور كان مقطوع، ماشوفتش مين اللي كان ورايا. -طيب خلاص إحنا كده خلصنا، تقدروا تمشوا دلوقتي، بس اعملي حسابك إنك هاتروحي تشهدي في المحكمة بعد ما أشرف يعترف بكل حاجة. -هو لسه فيها محكمة؟ صرخت بها ثم هبت واقفة تحث زوجها على الذهاب: -أنا مش هاجي هنا تاني يلا بينا يا مالك. وهنا!

فُتح الباب عنوة، وولج منه الضابط مصطفى بشبه همجية، مقتحماً عليهم جلستهم: -بعد إذن حضرتك يا سيادة المحقق، حضرتك خلصت تحقيق. اندهشوا جميعاً من ظهوره أمامهم بهذه الطريقة، ووقف مالك أمامها يخفيها خلف ظهره كحصن منيع، بينما هتف المحقق بوجهه مرتاب: -في إيه يا حضرة الظابط، إزاي حضرتك تدخل علينا بالطريقة دي. -يا فندم فيه اشتباكات جامدة بين أهل المتهم وأهل القتيل، وفيه خطورة جامدة على الشاهدة ولازم تمشي من هنا.

تشبثت بيدها في ملابس زوجها، تكاد تغرز أصابعها في جسده من شدة رعبها. ليصرح المحقق: -التحقيق انتهى بالفعل، وتقدروا تمشوا. لكن مالك اهتاج بجسد صلب متشنج: -إزاي هنخرج وسط الحشد ده كله، ويسبونا في حالنا يا حضرة الظابط، أنا مش فاهم حضرتك لحد دلوقتي ليه ما حولتش تقبض عليهم. -ده اللي حالياً بيحصل بالفعل يا دكتور، وأظن حضرتك أذكى من إنك تفتكرني هاخرجكم توجهوهم لوحدكم اتفضلوا معايا دلوقتي.

-نروح معاك على فين، أنا مش هنزل بيها وسطهم حتى لو كانوا مقبوض عليهم. لقد سئموا من هذا الحديث، لذلك قرروا الإفصاح له عن ما ينتووه. المحقق بوجه محتقن: -ما تقلقش يا دكتور، حضرتك والمدام هاتنزلوا من سلم الطوارئ الخاص بالموظفين وبينا، في حالة حدوث أي اشتباكات والسلم ده هاينزلكم على بوابة في الشارع الخلفي تقدروا تمشوا من هناك، من غير أي مواجهة مع أي حد. كما أردف الضابط بكلمته أيضاً:

-وكمان حضرتك تقدر تتصل برجالتك اللي جايين معاك، عشان يتحركوا ليك، أنا لمحتمهم بيبعدوا بهدوء، وأخدوا جنب لوحدهم، برغم إن رجالة عيلة العسال حاولوا يستفزوهم أكتر من مرة، لكن بصراحة هما كان عندهم ثبات انفعالي غريب وماتدخلوش في أي حوار، وفضلوا الفرجة من بعيد لبعيد. مالك فاتحاً هاتفه: -أنا فعلاً كنت هعمل كده، ضغط على اسم أخو صديقه وبدأ يجري معه محادثة بصوت مرتفع، والكل يعرف مغزاها. -الو أيوا يا حامد إنت فين؟

أتاه صوته من الجهة الأخرى مجيباً الاتصال سريعاً: -إنتوا اللي فين يا دكتور دي العركة دايرة هنا على الآخر واقتحموا عربية الترحيلات، تقريباً كانوا فاكرين قاربهم ده فيها، دول كمان حاولوا يتعاركوا معانا إحنا. مالك بنفاذ صبر: -اسمعني يا حامد أرجوك، تقدروا تلفوا لينا من الشارع التاني. -آه طبعاً من عند البوابة الخلفية، إنتوا هاتنزلوا من سلم الطوارئ. -أيوه كويس إنك عارفه، دلوقتي استنوا هناك وأنا هاجيلكم حالاً.

-إلا عارفه يا دكتور، دي إسكندرية كلها عرفاه، خلي انت بس الشرطة يأمنوك كويس لحد ما تطلعلي من البوابة دي وسيب الباقي على الله وعلينا إحنا. -تمام يا حامد الله يطمنك يا أخويا، سلام وأنا جايلك حالاً دلوقتي. أغلق معه الهاتف ناظراً إلى الضابط، ووجهه واجم، يريد أن يخبره بعدم الاطمئنان لكن على كل حال، هو أيضاً لا يريد أن يزيد من خوفها. هتف الضابط على عجالة: -خلاص فهمتهم هنعمل إيه، نقدر نتحرك دلوقتي. مالك مستفهماً:

-أيوه بس حضرتك متأكد إن السلم ده أمان؟ -أيوه طبعاً ومتخافش فيه عناصر من الشرطة واقفين عليه دلوقتي وعندهم أوامر بالضرب في المليان لأي حد يحاول يتعرض لينا. مالك ممسكاً يديها في راحة يده، يحثها على التحرك: -تمام استعنا على الله، يلا بينا يا شذى. -أنا خايفة يا مالك، هايخدوني منك ويموتوني. قالتها شذى بخوف واضح، وليرفع ذراعه بعفوية مغلقاً عليها، ضاممها تحته بتملك ومتحرك بها.

-شذى ثقي فيا يا حبيبتي، خليكي متأكدة إن أي حد عايز يلمس شعرة منك لازم يواجهني أنا قبلها، وإذا حد لمسك يا شذى، يبقى أكيد هتكون روحي فارقت جسمي يا حبيبتي. -بعد الشر. قالتها الجميلة الصغيرة، بصرخة متلهفة محتضنة خصر زوجها بالكامل. ليهتف الضابط متأثراً بهم: -إن شاء الله مافيش حاجة من دي هاتحصل، يلا بينا بقى الوقت كده مش في صالحنا. -استنوا…. قالها المحقق أمرهم بالانتظار، ليلتفتوا جميعاً له.

-امضي على أقوالك يا مدام شذى، ويا ريت يا حضرة الظابط تخرجهم من الباب الخاص بيا بلاش تتواجهوا مع حد بره. أومأوا له ومضت على أقوالها، وبدأ يترجلون من الباب الذي أشار لهم وكيل النيابة عليه. اطمأنت وهدئت عندما وجدت الرواق فارغاً. فحاولت أن تبطئ في خطواتها، إلا أنها كادت أن تتعثر في أدنائها بسبب خطوات زوجها السريعة. ليلتقطها مالك قبل أن تسقط، فيصيح متلهفاً: -حاسبي لا تقعي يا شذى، على مهلك يا حبيبتي. شذى ببكاء:

-على مهلك انت يا مالك، انت اللي هاتوقعني. ضحك مالك على طفولتها، كما ضحك الضابط أيضاً فبرغم من جمالها وأنوثة جسدها الطاغية على نقابها وأدنائها المحتشم، إلا أنها تتذمر مثل الأطفال. مالك بأسف حقيقي، مشفقاً على صغيرته وما يحدث لها… -آسف يا حبيبتي حقك عليا، طب أشيلك يا شذى. شذى بخجل: -لا لا لاء أنا خلاص بقيت تمام، يلا بينا نمشي من هنا بقى. مالك مؤيداً رأيها: -حاضر يلا بينا.

بدأ يترجلون على الدرج بانتظام وحرص، يتقدمهم الضابط وتليه شذى ويليها مالك محتويها ومتحفزاً عليها بيديه من الجانبين، وهم يشاهدون الجنود تصطف على الدرج في انتظار هبوطهم للأسفل. لكن لم يزد هذا المنظر سوى الرهبة في قلبها، فهي خائفة لأبعد حد ممكن أن يتصوره إنسان، زوجها يحاوطها، والشرطة تحميها، ورجال ليس لها بهم أي صلة تدافع عنها وكل هذا ضد من؟

يا الله ماذا فعلت تلك الفتاة في حياتها، حتى يريد أقرب الناس إليها أن يزهقوا روحها، هل يحدث لها كل هذا فقط، لأنك منحتها كل هذا الجمال! لكن الجمال في هذه الحالة ليس بمنحة أو نعمة، هو نقمة ليس إلا. تشنج جسدها فجأة وتوقفت عن السير دون إرادتها، حين وجدت الضابط وقد تقدم مع بعض الجنود إلى الباب الرئيسي، مظهراً سلاحه بيده رافعه للأعلى، ساحباً صمام الأمان.

التفتت دون إرادتها تلقي بنفسها بين ذراعي زوجها، تختبئ في صدره من المجهول، تهمس له بخوف: -مالك أنا خايفة، هو إيه اللي بيحصل ده. حاول مالك تهدئتها، لكن كيف وهو أيضاً خائف عليها ولا يعلم ما يحدث: -شششش أهدي يا شذى ما تخفيش يا حبيبتي، أنا باتصل بحامد أشوفه فين. -الو أيوه يا حامد إنتوا فين دلوقتي وإيه الدوشة اللي عندك برة دي.

-إحنا ورا المبنى زي ما قولتلي يا مالك ومستنيك بالعربية قصاد البوابة على طول، بس خلي بالك وانتوا خارجين عشان فيه نوش هنا برضو ومستنينكم تخرجوا. هتف مالك ضاغطاً على جسدها بذراعه: -يعني إيه يا حامد مش هنعرف نخرج من هنا. تأفف حامد منزعجاً على ما يهرتل به صديق شقيقه، ليصيح فيه بطريقة عشوائية وبصوت جهور:

-ما قولناش كده يابا، بنقول لك إيه يا دكتور، والنبي تنجز وتناول الظابط اللي معاك الموبايل وأني هانكلمه ونعرفه الوضع بره عامل إزاي. لم يكن بيده إلا أنه أنصت جيداً لما يقول، ثم توجه بخطوات متثاقلة، نظراً لتلك الملتصقة به، إلى الضابط معطياً له الهاتف. أخذ الضابط منه الهاتف وبدأ الحديث… الضابط مصطفى: -أيوه. حامد رامقاً الجميع بعينه: -أيوه يا باشا مع سيادتك حامد صاحب الدكتور مالك. الضابط مصطفى:

-معاك يا حامد قولي الوضع عندك أخباره إيه. -الوضع ما يبشرش بخير يا باشا، العيال دي زي ما تكون عارفة اللي بتفكر فيه، دول قاسمين نصهم على البوابة الرئيسية، والنص التاني عاملين نوش وبيتعاركوا هنا في الشارع الخلفي. صمت الضابط يفكر قليلاً ثم أردف له… -تقدر تدخل بعربيتك من البوابة الحديد يا حامد. -لو سمحولي بده يا باشا هادخل، أنا واقف قصاد البوابة الحديد أصلاً.

-تمام يا حامد أنا هاخرج ليك دلوقتي، وهحاول اشتبك معاهم، وأقبض عليهم وفي الوقت ده انت تدخل بعربيتك، ويركبوا فيها في حوالي خمس دقايق تكون طاير بيهم من الشارع كله يا حامد مفهوم. -أوامر يا باشا على راسي، في انتظار سيادتك. أغلق الهاتف والتفت له معطيه إياه، مسرعاً في حديثه وهو يعدو سريعاً للخارج مشيراً لرجاله بالتقدم:

-سمعت طبعاً كلامي يا دكتور، وفهمت قصدي إيه، إنتوا هاتخرجوا ورا العساكر بالظبط، لحد عربية حامد، أرجوكي ركزي يا مدام شذى أول العساكر ما تخرج من البوابة، إنتوا هتكونوا في قلب العربية، وتقعدوا في الدواسة لحد ما نختفوا من هنا، ولو حصل غير اللي بقوله، أنا مش هبقى مسؤول عنكم. صرخت شذى متعلقة في عنق زوجها… -أنا خايفة يا مالك…. أردف مالك قائلاً وكأن ليس بيده حيلة أخرى: -قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا يا شذى.

ضغط براحة يده بخفة على رأسها من الخلف إلى صدره، قاصداً ألا يريها ما يدور أمامها. ترجل على الدرج سريعاً، حين لمح شقيق صديقه يقف ينتظرهم بالداخل ويفتح لهم باب السيارة الخلفي. دفعها بقوة داخل السيارة مجبراً على الانحناء بالأسفل، وجلس بجانبها مغلق الباب سريعاً وهو يصيح بقوة في وجه حامد الذي جلس على مقعد القيادة متأهباً للرحيل: -يلا بسرعة يا حامد.

كانت شهقة حامد أسرع من قيادته للسيارة، حيث شاهد الرجال يتشابهون مع الشرطة وقد تضاعف عددهم ازدادت قوتهم، حين انضم إليهم الباقية من الرجال الآخرين وحاولوا اقتحام البوابة الحديدية. ليهتف حامد ضاغطاً بكل قوته على موقد السيارة: -إتكل على الله يا دكتور، وصلي على اللي هيشفع فيك معانا يا رب، يا مرسي يا أبو العباسسسسس.

إن لقت السيارة وسط الجمع الغفير دافعة كل من يحاول أن يعوق حركتها، والغريب أن بعض الرجال لم يهاب سرعتها ظلوا يرشقو السيارة ببعض الأسلحة البيضاء حتى تم تكسير زجاجها بالكامل، إلى أن اضطر حامد لإشهار سلاحه الناري وأطلق منه رصاصة في الهواء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...