يقف داخل مكتبه بغضب شديد. يعلم أن صديقه لم يخطئ. لم يرفع عينيه على صغيرته. يعلم أيضًا أن عشقه وغيرته لها قد تخطت حدود المعقول. زفر بضيق محاولًا تهدئة نفسه، ثم استدار ونظر إلى صديقه الجالس أمامه. كمال: فهد أنا فعلًا ما رفعتش عيني فيها. فهد بضيق: عارف يا كمال بس... زفر بضيق ثم أكمل بقلة حيلة: بس أعمل إيه بغير عليها... بغير... بغير من الهدوم اللي لامسة جسمها يا كمال انت متخيل... أنا وصلت لمرحلة صعبة أوي...
مرحلة ما ينفعش فيها الشفا... انت متخيل. كمال: متخيل يا فهد. نظر إليه فهد بتفاجئ، فلاحظ الحزن البادي على صديق عمره. اقترب منه وجلس بجواره. فهد: مالك يا كمال. كمال بتنهيدة: أقولك إيه بس يا فهد. تنهيدة أخرى خرجت منه بحرارة جعلت قلق فهد يزداد على صديقه. فهد: مالك يا كمال، انت مش طبيعي. نظر له كمال مطولًا ثم سرد عليه ما شعر به ناحية لين. استمع له فهد بانصات، ثم سكت قليلًا حتى تحدث بهدوء قائلًا:
كمال أنا طبعًا مش هكلمك على فرق السن اللي بينكم، لأن أنا سبق وغرقت قبلك ومش هاممني فرق السن الكبير اللي بينا، رغم إنه مخوفني جدًا. لا تحب حد من سنها ولا حاجة، ودايمًا حاطط إيدي على قلبي ومش بنام. بس أنا هكلمك على حاجات تانية كتير. أولهم مراتك منى، الست الطيبة الجدعة البشوشة، واللي وقفت جنبك في أصعب الأوقات. فاكر أيام محنتنا يا كمال، وقفت جنبك ولا أجدع راجل. مراتك ست محترمة وعلى قدر عالي من الجمال، ومدياك انت وابنكوا كل اهتماماتها. مش كل شوية سفر وخروجات ونوادي وحفلات سيدات المجتمع
(يقصد بحديثه رانيا) . ده غير إنها فعلًا ست بيت كويسة، واخده بالها من نفسها. مش خلفت بقى وسابت نفسها وكده لأ. انت مالكش أي حق تبص لغيرها. بالعكس، المفروض تتكسف من نفسك جدًا على اللي انت حاسس بيه ده. كمال محاولًا الحديث ولكن بحرج: يا فهد آأ... قاطعه فهد بصرامة: كمال اتقي الله، انت مش ناقصك حاجة زيي أدور عليها بره. مراتك أي حد يتمناها ومخلفالك ابن زي الفل. انت بقى في المقابل عملت إيه؟
شاغل كل وقتك بالشغل، ولو في وقت فاضي بتقضيه سهر في الكباريهات. ورايح تجري ورا بنت صغيرة تقولها كلام حلو، كلام بطلت تقوله لمراتك. ويا ريت حتى البنت دي سنجل، لا دي كمان مرتبطة. مرتبطة بواحد من سنها، وهو كمان شكله بيحبها. مستني إيه بقى؟ تضيع منك بيتك وابنك، وكمان في الآخر مش هتبقى ليك. كان كمال يستمع لحديث فهد ويشعر وكأن أحدهم أسقط عليه دلو ماء مثلج، فاستفاق من دوامة كانت ستسحبه إلى اللا شيء. نظر له فهد ثم قال أخيرًا
له: كمال لما يبقى معاك حاجة حلوة، ماتحولش تدور على الأحلَى، عشان ساعتها هتخسر الاتنين وتخسر نفسك معاهم. أومأ كمال برأسه وهو يبتسم لصديق عمره الذي دائمًا ما يساندُه في وقت الضيق، وهو عازم على تصحيح أي تقصير ناحية زوجته الحنونة دائمًا. نظر له كمال ثم أردف بمزاح: صدق اللي قال الصديق وقت الضيق. قهقه فهد عاليًا ثم قال بمرح: طب يلا بقى من غير طرود كده، روح فسح مراتك وابنك... يلا أنا عايز أطلع لقطتي.
ضحك فهد، كمال على صديقه العزيز ثم خرج عائدًا لبيته وهو عازم على تعويض زوجته الجميلة والحنونة دائمًا عن أي تقصير صدر منه، فهي فعلًا كانت دائمًا نعم الزوجة والأم والحبيبة، تعطي دون مقابل على أمل أن يهتم بها زوجها يومًا ولو نصف اهتمامها هي. دخل كمال منزله وهو سعيد، عازمًا على التغيير. نادى على زوجته وهو يبحث عنها. كمال: منى... يا منى.
ثوانٍ وخرجت إليه امرأة بشوشة بابتسامة صافية، كانت جميلة حقًا بشعر ذهبي جميل وبشرة بيضاء ناعمة وعيون خضراء تشع حنان وحب. نظر إليها مطولًا، كم أخطأ هو، أي رجل هذا الذي يترك هذا الجمال وينظر لأخرى. أخرجته من محاسبته لنفسه بصوتها الحنون. منى: كمال مالك يا حبيبي. ابتسم لها كمال بحب ثم احتضنها، مما جعل عينيها تتسع من الصدمة، فهي اعتادته جافًا جدًا في التعامل معها. منى بصدمة وعينين متسعتين زادتاها جمالًا: كمال...
مالك يا كمال... انت تعبان ولا حاجة. قالت الأخيرة وهي تتحسس جبينه بقلق حقيقي. ضحك هو عاليًا بمرح وداخله حزن من نفسه، فهي لم تعتاد منه سوى على الجفا فقط. كمال: اممم... في... في إني غلطان... وغبي و... قاطعته بغضب: لأ ما تقولش على نفسك كده. كمال: لأ هقول... بصراحة أستاهل... عشان ما فيش حد عاقل يسيب الجمال والحلاوة والطيبة دي ويقضيها شغل في شغل (طبعًا مش هيقولها على السهر والخروجات) منى: بجد يا كمال الكلام ده ليا.
كمال: امم... الكلام ده ليكي... بس استنى كده. نظر لها بمكر: هو آدم فين. منى ببراءة: نايم. كمال: نايم. منى: آه. كمال وهو يحملها: يا شيخة وسيباني مقضيها كلام بس. ضحكت هي عاليًا. ثوانٍ وكأنه يغرقها في دوامة عشقه. عشقه الذي استفاق له قبل أن يخسره بإهماله. ***
في قصر المنياوي، بعد ذهاب كمال، خرج فهد مسرعًا من مكتبه ذاهبًا إلى صغيرته فقد اشتاق لها بطريقة موجعة. دخل غرفتها دون أن يطرق الباب كعادته، فوقف مصدومًا من وضع حبيبته الذي انخلع قلبه له. فقد وجدها جالسة على أرضية الغرفة وهي تضم قدميها إلى صدرها، دافنة رأسها بينهما وهي تبكي بشدة وشهقاتها تعلو وتعلو مما مزق نياط قلبه. فجرى إليها بقلب موجوع وحملها بين ذراعيه، ثم جلس على فراشها ووضعها في حضنه. لم تكن تشعر بشيء، كل ما تشعر به هو صوت رانيا بحديثها المسموم.
كاد قلب فهد أن يتوقف وهو يرى معشوقته ومصدر تنفسه بهذه الحالة التي تمزق القلب وتسحب الروح من الجسد. فهد: حبيبتي... مالك يا روحي... إيه اللي ضايقك. لم يستمع ردًا منها، فقط شهقاتها تعلو وتعلو فيتمزق داخليًا أكثر. فهد بقلب موجوع: ليلة حبيبتي... عشان خاطري يا روحي قوليلي مالك... حبيبتي اتكلمي عشان خاطري... هموت والله من القلق عليكي. أيضًا لا رد، البكاء الحار فقط كان هو الجواب. فهد بحنان ممزوج بالوجع عليها: ليلة حبيبتي...
ردي عليا... أنا فهد... طب. طب إيه اللي حصل عمل فيكي كده. أخذ يمسد على خصلاتها بحنان محاولًا تهدئتها إلى أن شعر بانتظام أنفاسها، فعلم أنها قد أُغفيت. فنظر لها بحب ثم تمدد على الفراش وهو ملصقها به بحب وتملك، فنام وهو محتضنها، واضعًا رأسها على صدره، وأغمض عينيه مستمتعًا بنعيم تلك اللحظة وهذا الوضع. ***
في قصر فريد النجار، كان يجلس وهو ممسك بهاتفه ويتصفح صور ليلى التي احتفظ بها على هاتفه. ثوانٍ وصدح صوت هاتفه معلنًا عن اتصال. فالتقط الهاتف وقام بالرد عليه، ولم يكن سوى مدحت المنير. فريد: الو. مدحت: الو... أيوه يا صديق السوء. فريد: ههههههه. إزيك يا مدحت. مدحت: قولت أفكرك بمعاد فرحي... عارفك واطي وزبالة. فريد: ياسيدي والله ما ناسي إنه الأسبوع الجاي. مدحت: عقبالك بقى... مش ناوي تتجوز. فريد: إيه عندك ليا عروسة.
مدحت: يااااه يا كمال، أما أنا من يومين شفتلك حتة بنت... إنما إيه حكاية. فريد بتنهيدة وهو ينظر لصورة ليلى التي بيده: لأ مش عايز. مدحت: اسمع بس دي بنت جميلة أوي، عيون واسعة وشعر طويل جداً وبيضه بياض. كان كمال يستمع باستغراب، يشعر أنه يصف ليلى التي أُغرم بها. ثم أكمل مدحت: بس فيها مشكلة صغيرة... شكلها كده صغيرة. استبعد فريد أن تكون هذه ليلى، فكيف لها أن تتقابل مع مدحت في صدفة. فقال: لا ياسيدي مش عايز. مدحت: اممم...
مش عارف ليه حاسس إن في واحدة معينة في دماغك. فريد بتنهيدة: ويا ريتني عارف ألاقيها. مدحت: نعم. فريد: ما تاخدش في بالك... ركز أنت بس يا عريس في فرحك اللي كمان أسبوع ده... أوعى تكسفنا. مدحت: عيب عليك يا برنس. فريد: ههههههه هنشوف يا خويا. مدحت: هههه أوكي. أسيبك أنا بقى عشان غادة وصلت خلاص. فريد: أوكي سلام. أغلق الخط وهو ينظر لصورة ليلى وهو يزفر بقلة صبر قائلًا بشرود: ياترى هشوفك إزاي بس. ***
استيقظ فهد على صوت طرقات الباب، فوجد حبيبته تنام فوق صدره وهو محتضنها بشدة. نظر للساعة، إنها السادسة ليلاً. يالله، لقد غفا أكثر من ثلاث ساعات. يشعر براحة وكأنه نام دهرًا. كم هو النوم مريح بأحضان صغيرته. بحياته كلها لم يحظ بنوم هادئ وعميق هكذا. ياللهي، لقد أصبحت راحته وإدمانه. خرج من دوامة مشاعره على طرقات الباب مرة أخرى، فقد كانت عمته وفاء قد عادت من الخارج. ثوانٍ ونادت من الخارج: ليلة... ليلة انتي نايمة يا حبيبتي.
قام فهد بوضع ليلى على الفراش وقام بتغطية جسدها، فكانت ما تزال ترتدي ثوبها القصير المغري. فهو لن يتحمل أن يراها أحد غيره هكذا، حتى لو كانت عمته. ثوانٍ وكان يخرج إليها، وقد تفاجأت كثيرًا من وجوده بالداخل مع ليلى، وأيضًا يظهر عليه أثر النوم. وفاء بزهول: فهد. انت كنت جوا مع ليلى. فهد: احمم.. أيوه. وفاء: ونمت كمان جوا. فهد: آه، فيها إيه يعني. وفاء: فيها إيه... فيها كتير أوي...
انت عمرك ما نمت غير في جناحك، وياما رانيا اتحيلت عليك تنام معاها في سريرها يوم طالما رافض إنها تنام في جناحك، بس انت عمرك ما وفقت. ابتسم فهد، فهو حقًا لم يفعل ذلك من قبل، ولكن ليلى كسرت كل القواعد، وبدون قصد جعلته يصنع قوانين جديدة خاصة بها. وهذا ما أيقنته وفاء أيضًا. فنظرت لفهد بابتسامة وهي ترى الراحة واضحة على معالم وجهه الذي طالما كان مجهدًا ومرهقًا. وفاء بحنان: ربنا يهنيك يا حبيبي.
فهد: احمم. كنتي جاية لليلة ليه يا عمتو.. في حاجة. ابتسمت عليه قائلة: لا بس منه قالتلي أندهالها على ما تقيس الفستان عشان ليلة تشوفه عليها. فهد: ما هي ليلة نايمة. وفاء: طيب خلاص هروح أقول لمنه. ثم غمزته بمشاكسة. ابتسم فهد عليها، ثم نزل سريعًا إلى مكتبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!