إندهشت نور وقالت ضاحكة: -ههههههه جيبتي التايهة، أها هيخطب قريب. وضعت سلمى الشطيرة على الطاولة بصدمة وقالت بفاجأة: -إييييه!! عادت نور بظهرها إلى الخلف، تنهدت وقالت بأريحية: -أها ربنا يسعده يا رب. كاد الفضول أن يقتلها لمعرفة من التي ملكت قلبه، فحاولت كشف ما في صدرها دون أن تثير اهتمامها وقالت: -متعرفيش هيخطب مين؟ ردت نور: -سارة زميلته في الكلية. زميلته!
إذا المعرفة جيدة بينهم لكي يقدم على هذه الخطوة، تبقى سؤال يكاد الفضول ينهش في أعماقها، ولا تعلم لما تشعر بالخوف من الإجابة. فقالت سلمى بتساؤل وعدم اكتراث مصطنع: -على كدة بيحبها بقى؟ زفرت نور وقالت بتفكير: -على ما أعتقد بيحبها، أصله ما بيتكلمش عليها كتير. هانت وترتاحي من مقابلته أسبوع عشان ترتيبات الخطوبة.
سهمت سلمى فجأة بعد حوار نور، كانت تبدو طبيعية من الخارج إنما من الداخل تشعر بالغرابة من نفسها، على إحساسها بالضيق المفاجئ لما سمعت من خبر خطبته، وإنه من الممكن يحبها. حاولت بقدر الإمكان أن تزيل هذه الفكرة من رأسها وسوف تتعامل مع الخبر بلامبالاة كأنه شيء عادي. **************
مر أسبوع ولم يحدث طارق سلمى في هذه الفترة، ذهب بصحبة أسرته ليتقدم لسارة، فتم قراءة الفاتحة. فلم يكن محمود يروق له تصرف ابنه، لكنه تركه يفعل ما يريد فهو في نهاية المطاف من يتحمل نتيجة اختياره، فتركه يتحمل المسؤولية قليلًا. وكانت علاقة سلمى وطارق جافة للغاية كالعادة بعد ذلك، ناقر ونقير. فقد تغيرا أكثر بعد معرفة كل منهم ارتباط الآخر. وعند عودتهم للعمل معًا لا يتحدثان إلا في الضروريات لا أكثر.
مر أسبوعان حاول طارق التقرب من سارة أكثر، على الرغم من محاولتها تبادله نفس الشعور. بدأوا في تجهيز ترتيبات حفلة خطوبتهما. وعلى ذلك فقد أجل موعده الأخير مع سلمى، التي شعرت بالضيق بداخلها ولكنها تصنعت اللامبالاة وعدم الاكتراث لشعورها بأقصى ما يمكن، وفضلت التركيز مع عاصم ومستقبلها معه فهو في نهاية المطاف زوج المستقبل وشريك حياتها القادم، لأن كتب كتابهم يقترب ويجب أن تشغل تفكيرها قليلًا عن طارق.
يوسف دائمًا ما يطمئن على أخبار نور دون أن تلاحظ، ولكن سلمى من لاحظت اهتمامه بها. انشغل عاصم بأعمال الشركة، وبين الحين والآخر يتهاتفون عبر مكالمة لا تتعدى ثلاثين دقيقة فقط لا غير، محاولة منه أن يكون لطيفًا معها حتى موعد عقد قرانهما. *************
يوم الخطبة، كانت في قاعة كبيرة وكل الحضور من كبار رجال الأعمال، وعلى رأسهم هاشم الجوهري. محمود وتهاني يستقبلون المدعوين، بينما الأخيرة كانت تحاول إظهار البهجة في هذه المناسبة السعيدة، لحظة خطبة ابنها الوحيد. فهي غير راضية عن هذه الزيجة بالمرة ولا تعرف كيف تلتقط السعادة في مثل هذا اليوم.
نور كانت ملازمة لطارق في كل شيء هي وإيهاب، الذي كان سعيدًا حقًا لفرحة صديقه، فاعتبر ما مر كأن لم يكن، إلى أن أقبل عليهم يوسف مؤخرًا مهنئًا إياه لخطبته، فأراد طارق سؤاله عن حضور سلمى ولكنه تراجع في نهاية المطاف، فشعر بأنها لن تأتي.
ترددت سلمى كثيرًا قبل ذهابها إلى الحفل، لا تعرف سبب تغير حالها من دهشة عليها بما يلازمها شعور غريب من الضيق غير المفهوم، لمجرد خطوبته. فكرت كثيرًا عدم مجيئها إلى الحفل، ولكن لا لن تكرر نفس فعلته الحمقاء بها، فقررت مواجهته وتحدي نفسها لا شخص آخر، وإنه مجرد حفل لا أكثر وعدم الاكتراث لأي شيء، وبالفعل ذهبت برفقة والدها وأخيها.
طارق وسارة جالسان في مكان العروسين مبتسمين بعضهم لبعض عندما يختلس كل منهم النظر إلى الآخر، ولكن في بعض الأحيان تشرد منه وتبقى ساهمة يبدو عليها القلق، إلى أن تذكرت آخر مكالمة أجرتها مع شخص غريب، بعدما قام طارق بتوصيلها إلى المنزل وهي تفكر بحواره. تناولت هاتفها وأجرت مكالمة. صاحت سارة بعصبية قائلة: -ألو كنت فين من ساعتها؟ برن عليك من شوية ما بتردش ليه؟ أجابها صوت من الجانب الآخر بنبرة هادئة:
-ما فيش يا حبيبتي، في الشركة هكون فين. ثارت به سارة بنفس الأسلوب: -صحيح اللي سمعته ده؟! رد بعدم فهم متسائلًا: -سمعتي إيه؟ صاحت سارة بنبرة جافة: -أنت هتستعبط عليا؟ هو في غيره! ضحك وهو يقول بنبرة استفزازية: -ههههههه أنت عرفتي! طيب ما فيش مبروك؟! شعرت بالضيق الشديد من ضحكته الساخرة، فصاحت به بعدم تصديق: -أنت بتهزر كمان! دي آخرة حبي ليك تسيبني بالسهولة دي! صاح بها بجدية مصطنعة وهو يقول:
-أسيبك إيه يا عبيطة هو أنا أقدر أستغنى عنك! أردفت سارة بشك وعدم اطمئنان: -طيب أما نشوف. قبل أن تكمل حديثها قال سريعًا باهتمام: -ألا صحيح عرفتي إزاي؟ تنهدت وهي ترد بضيق: -مش مهم عرفت إزاي كفاية إني عرفت وخلاص. حاول تغيير مجرى الحديث فقال: -ماشي يا سارة، وأخباره معاك إيه؟ ردت بسخرية: -شوف المفاجأة بقى، الظاهر كدة قريب هتخطب يا حبيبي. عاصم بدهشة: -إيبييه خطوبة؟! ردت سريعًا بتحدي:
-آه أتخطب، ما أنت هتتجوز وتعيش حياتك، مش من حقي أعيش حياتي أنا كمان ولا إيه؟ لا يعرف ماذا يقول فهي محقة، فما له أن يرد بضجر وتحدي هو الآخر: -مممممم ماشي يا سارة على البركة، بس عارف إنك هتاخدي كفايتك ومصلحتك منه وهترجعيلي تاني. استفز سارة طريقة حديثه، فأنهت معه المكالمة بضيق: -اممممم طيب أقفل دلوقت طارق ويتنج، سلام. ظلت غارقة في شرودها وبحر أفكارها إلى أن انتشلها طارق بصوته وهو ينادي عليها: -سارة.. سارة روحتي فين؟
انتبهت له وقالت بعدم تركيز: -ها أنا معاك أهو. ابتسم طارق وقال برقة: -بتفكري في إيه أنتِ مش معايا خالص. ارتسمت سارة على ثغرها ابتسامة مصطنعة: -معاك بقلبي يا حبيبي. ضحك طارق بشدة وهو يصيح مداعبًا: -الله أكبر كان فين الكلام الحلو ده من زمان! ردت معاتبة والبسمة تحتل شفاتها: -هو أنت كنت بتسيبلي فرصة أكلمك أصلًا، وبعدين أدينا بقينا مع بعض على طول أهو. مسك طارق يداها وطبع عليها قبلة رقيقة وهو يقول باسمًا:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبتي. ردت سريعًا بنفس البسمة: -ويخليك ليا أنا كمان. ************* الجو العام مليء بالفرحة من جانب العروسين، إلى أن بدأت أصوات الموسيقى والأغاني تعلو في المكان. قام طارق وسارة إلى المنطقة المخصصة للرقص ومعهم أصدقاؤهم. تجلس سلمى على طاولتها ساهمة لا تتحرك، ونور تقف من بعيد بيدها هاتفها تلتقط بعض الصور ومقاطع الفيديو للحفل، لاحظت بقرب أحدهم ناحيتها ومتمعن بها جيدًا، إلى أن سمعت
صوت تعرفه ينادي باسمها: -آنسة نور. قطعت شرودها وهي تقول بفجأة: -أستاذ يوسف خضيتني. ابتسم وقال وهو ينظر إلى حلبة الرقص: -مش مشتركة معاهم ليه؟ قوست نور شفاتيها للأعلى وقالت بلامبالاة: -لا مليش في الجو ده، ثم مش شايفني بصور. ضحك يوسف ثم قال بتساؤل وجدية: -بس شكلك مش مبسوط. تنهدت نور بحزن ثم سهمت في الفراغ قائلة: -عادي خطوبة أخويا وأنا فرحانة عشانه بس مش مرتاحة. شعر يوسف بنبرة الحزن تتسلل على صوتها، فأردف بجدية واهتمام:
-ليه كده؟ زفرت نور وهي ت رد بحيرة: -مش عارفة.. عمومًا مادام بيحبها يبقى خلاص ربنا يسعده ودي نهاية أي اتنين بيحبوا بعض. نظر لها يوسف بعمق وأطال نظرته، فقال بابتسامة عذبة ونبرة حب: -عقبالك إن شاء الله. شعرت نور بإحراج شديد من نبرة صوته، التي خرقت قلبها هي وكلماته البسيطة. حاولت الخروج من الموقف سريعًا، فردت بارتباك: -احم ميرسي وحضرتك كمان ونفرح كلنا بسلمى يلا نروحلها قاعدة لوحدها.
سبقته بخطوات سريعة وهو يبتسم بشدة من خجلها وارتباكها، الذي يجذبه نحوها أكثر، تجعل قلبه يخفق بشدة. ذهبوا لسلمى فلم يجدوها!! ************** مر الحفل بسلام بالتهاني والقبلات، اصطحب طارق سارة للاحتفال بخطوبتهما سويًا وبمفردهما، وعاد كل حي إلى حيث أتى. فكرت سلمى كثيرًا فيما حدث بالحفل وهي تشعر بالضيق، فمنذ أن عادت إلى المنزل وهي شريدة، متكئة على وسادتها تفكر. تجلس سلمى على طاولتها تشاهد طارق وسارة يرقصون (سلو)
. عرض عليها يوسف الرقص معه ولكنها أبت بسبب أنها لم تكن في حالة مزاجية سيئة، لمجيئها رغماً عنها. بعد الانتهاء من الرقص، قررت مباركته لكي تثبت لنفسها بأن ما يحدث لن يشكل فارقًا معها، وإن وجودها مجرد تأدية واجب ليس إلا. نهضت سلمى وسارت تقترب منه، وهو نظره منصب عليها إلى أن لاحظتها سارة واشتعلت الغيرة في قلبها. أقبلت عليه بابتسامة صغيرة: -مبروك يا أستاذ طارق. بادلها الابتسامة قائلًا: -الله يبارك فيكِ عقبالك أنتِ كمان.
ردت ولا تزال تلك البسمة تزين وجهها بتحدي: -قريب جدًا ما تقلقش.. مبروك يا عروسة. ردت سارة بابتسامة باردة وضيق: -الله يبارك فيكِ. شعرت سلمى بالضيق من طريقة ردها، لذلك قررت أن تنهي الحديث سريعًا وترحل على الفور، فردت بلامبالاة: -احم تمام قلت أجي أباركلك قبل ما أمشي. تجهم وجه طارق وشعر بالضيق فجأة لمجرد عدم وجودها، فرد بلهفة واهتمام: -تمشي ليه بس؟ ردت بنفس الأسلوب: -عادي بس مليش في الجو ده أوي، ثم ده واجب بردو ولا إيه.
طارق عاتب نفسه على الشعور بهذا الإحساس، في المقابل تلقى البرود في الرد، فدافع عن مشاعره قائلًا بالاكتراث: -امممم أكيد طبعًا. سلمى: -امممم طيب عن إذنك. ************** قطع شرودها صوت الباب، انتبهت وأذنت بالدخول. اعتدلت في جلستها بينما يوسف دلف للداخل باسماً: -لسة صاحية. ارتسمت على ثغرها بسمة صغيرة، فقالت بهدوء: -تعالى يا يوسف. اقترب منها بخطوات هادئة وجلس على طرف فراشها قائلاً باهتمام: -أنتِ كويسة يا سلمى؟
مشيتي بدري ليه؟ ابتسمت بسخرية ثم قالت بهدوء: -امممم متقلقش عادي صدعت قلت أروح أحسن. لم يصدق ما تقول، فتلك البسمة الساخرة خلفها الكثير، فتساءل بشك: -متأكدة إن مفيش حاجة مضايقاكِ؟ هزت رأسها نافية على الرغم أنها تعرف بأن ستارها انسدل قبل ذهابها للحفل. اكتفت بالصمت، إنما هو حاول نبش ما بداخلها ليعرف أكثر قائلاً: -طيب يعني مكنتيش عايزة تزوغي من الحفلة؟!
رمقته بنظرتها الغاضبة وتحولت من حالتها الهادئة إلى بركان ثائر كان خامداً وتحول لمجرد كلمة لتقول: -أنت عارف كويس إني مكنتش عايزة أحضر، ثم روحت عشان بابا وأنكل محمود ميزعلوش. ضحك يوسف تلطيفاً للحديث، فلم يقصد البتة إثارة غضبها فقال على الفور: -ههههههه طيب خلاص مضايقيش نفسك كده، مفيش فايدة فيكوا حتى المناسبات مش طايقين بعض. زفرت سلمى بضيق كي تنهي هذا الحوار بهدوء: -ماشي تصبح على خير.
خرج يوسف من غرفتها وعادت إلى وضعها الأول، وهي تشعر بغرابة إحساسها بالضيق. فقررت أن تطرد تلك الفكرة من رأسها وتنسى ضيقها منهم. مدت يداها لتغلق النور وخلدت للنوم في سلام. ************** وصل طارق الفيلا قرابة الواحدة بعد منتصف الليل، ترتسم البسمة شفتاه من بهجة تلك السهرة التي قضاها مع سارة.
وجد الجميع نيام، فبدل ثيابه واستحم بعد إنهاء مكالمته معها. كان سعيداً بالخطوة التي أقدم عليها، في نفس الوقت يحاول ترجمة نظرات سلمى له، هل هي عِند أم تحدي أم ماذا؟ تبدلت قسمات وجهه من فرحة إلى تسهيم. وبدأ يسأل نفسه: "يا ترى أنا اللي عملته ده صح ولا غلط؟ فعلاً بحب سارة ولا مجرد إحساس وهمي وخلاص؟ فعلاً بحبها ولا أنا بنتقم من إحساسي ولا لنفسي؟ أكيد الخطوة دي هتبان مصيرها في الآخر."
إلى أن غلبه النوم من كثرة التفكير. مر أسبوعان والحياة اختلفت عليهم بكل المقاييس، بدأ طارق وسلمى الهروب من بعض وتجنب مقابلتهم، حتى في العمل كانت تتعمد سلمى تجاهل نظراته وعدم الاطلاع عليه، ولكن قد يخطف أحد منهم نظرات خاطفة للآخر دون أن يشعر بذلك... إلى أن جاءت خطوة غيرت مجرى حياتهم على الإطلاق. **************
في فترة تجنب سلمى التعامل مع طارق، حاولت من الناحية الأخرى الاقتراب من عاصم باعتباره شريك حياة المستقبل فيما بعد، وزوجها المستقبلي لا بد أن تتقبل واقعها المفروض عليها وتفيق من أحلامها. عاصم لاحظ هو الآخر بتغير سلمى إلى الأفضل قليلاً واندهش من تغيرها المفاجئ كثيراً، فبادلها القرب أيضاً، ولكن ما زال من لديه خصلة لن تزول عنه في النهاية، فخيانة المشاعر عرق دساس لا نستطيع التخلص منه سوى بقطعه.
ذات يوم خرجت سلمى من مكتبها متجهة إلى مكتب عاصم، تحتاج توقيعه على بعض الأوراق. قرعت على الباب ودخلت على الفور، أفلتت ما تحمله بين يداها وفاها فاغر من الصدمة. عيناها متسعة دهشة والدمع يسيل من مقلتيها بغزارة لما رأته من مشهد قاس على قلبها بشدة.
لم تصدق بأن ما تراه هو عاصم يقبل السكرتيرة الخاصة به بهيام وهي مستسلمة له. تفاجأ لصوت ارتطام الملفات أرضاً ولم يستطع اللحاق بسلمى، التي ركضت مسرعة على الفور بعدما أن رمقتهما نظرة احتقار. ركض عاصم خلفها متجهاً إلى مكتبها فلم يجدها، عاد لمكتبه وتناول مفاتيح سيارته وهاتفه وسترة بدلته وركض سريعاً كي يلحق بها.
قاد سيارته وأخذ يبحث عنها إلى أن وجدها. ظل يسير خلفها إلى أن وصلت لمنزلها، نزلت وهي منهارة من البكاء وهو خلفها ينادي عليها. جذبها من يداها ليوقفها قبل أن تصعد درجات السلم. قال عاصم مبرراً: -استني يا سلمى متفهميش غلط. أزالت قبضته من معصمها بكل غضب. صاحت به بعصبية مفرطة ولا يزال الدمع ينهمر من عينيها: -أنت مستوعب اللي بتقوله؟! أفهم غلط إيه بعد اللي شوفته ده؟!
الهانم في حضنك وبتبوسها وعايزني أفهم صح بتاع إيه ده. أنت إيه يا أخي مفيش دم مبتحرمش. أصبح في مأزق كبير لا يعرف الخروج منه، فقد رأته متلبساً بالفعل. نظرت له شزراً واحتقار فلا يوجد مبرر لفعلته، قامت على الفور بنزع الدبلة وخاتم الخطبة وألقت بهما في وجهه بعنف وشدة ثم تركته وركضت مسرعة إلى الأعلى، لم تعطيه فرصة واحدة للحديث سدت عليه جميع منافذه. استجمع ما تبقى من كرامته ورحل.
انهارت من البكاء حتى غطت في نوم عميق، كي تهرب من واقعها المحزن الذي لم ترَ فيه يوم جيد على الإطلاق. قررت بالفعل إخبار والدها بانفصالها وهي تعرف إن مثل هذه الخطوة سيغضب منها هاشم كثيراً، فخطبتهما كانت أساس بنى عليه علاقته مع حامد، فسوف تثار مشكلة كبيرة على تلك الفعلة بكل تأكيد. لكن بلا فلن تكترث للنتائج المترتبة لما يحدث الآن، فقد اكتفت منه ولن تستطيع تحمل أساليبه الخادعة بعد، فقد سئمت منه. إذا فليكن ما يكون.
قامت من فراشها وبكل تحدي تناولت هاتفها واتصلت بنور. يجب أن تطفئ نار قلبها المشتعل بالحديث مع أحدهم كي تشفي غليلها منه، ولن تجد أقرب من نور وأخيها. اتفقتا على اللقاء في منزلها بعد الانتهاء من العمل، وبالفعل وصلت في موعدها. صعدت إليها وجدتها غاضبة للغاية، وأثر الدمع طابع على وجنتيها. ضمتها إلى صدرها وهي تحاول فهم ما حدث، فهي لم تفهم شيئاً من صراخها وعصبيتها. ربتت نور على يداها برفق كي تهدأ من روعها قليلاً وهي تقول:
-ممكن أفهم سبب عصبيتك إيه دلوقتي؟ ردت سلمى وكأنها لم تسمع شيئاً، بشيء من الغضب الشديد: -وأنا قلت إنه اتغير وانصلح حاله شوية. بس أقول إيه ديل الكلب عمره ما بيتعدل أبداً، أنا اللي غلطانة زي الهبلة أسامح مرة واتنين وتلاتة عشان ميحصلش مشاكل بس المرادي لا لاااااااا على جثتي أرجعله تاني. التفتت إلى نور وصاحت بعصبية:
-الحيوان اللي اسمه خطيبي بيخوني رابع ولا خامس. المرادي بقى غير كل مرة متلبس رسمي، ومع السكرتيرة تاني البيه بيبوسها وحاضنها. الواطي يا ربي. أعمل إيه ها أعمل إيه أكتر من كده قربت منه عشان أتنيل على عيني وأقدر أكمل حياتي معاه لكن ده ميطمرش فيه حاجة أبداً. تسمع نور لحديثها باهتمام ولا تصدق أن الأمر وصل لهذه الدرجة، فهي الأخرى قد اكتفت من تصرفاته، حاولت تهدئة روعها قليلاً فقالت بضيق وحزن على حالها:
-حيوان يا بنتي ميستاهلش دمعة من عينيك أبداً. يروح في داهية أنتِ استحملتي وجيتي على نفسك كتير أوي عشانه. كفاية بقى يا سلمى. ردت سلمى بنفس الحالة: -ومين قالك إني هكمل معاه تاني؟ أنتِ بتهزري؟! إن شاء الله الشركة باللي فيها تولع بس مش على حساب كرامتي أكتر من كده. خلعت الدبلة والخاتم ورميتهم في وشه، بكرة هبعتله كل حاجته مش عايزة حاجة تربطني بيه. كويس إنه حصل كده قبل كتب الكتاب وإلا كنت اتورطت توريطة سودة.
قالت نور بنبرة تشجيعية: -جدعة كويس إنك عملتي كده ومش مهم أي حاجة تانية. بس هتقولي لأنكل هاشم إيه؟ نظرت لها وقالت بتحدي: -هقوله كل حاجة ومش هخاف منه ولا من أبوه. هستنى بس لما يرجع. اسمعي يا نور مش عايزة طارق يعرف أي حاجة عن الموضوع ده خااااالص خالص. تمام؟! أومأت نور رأسها إيجاباً ثم قالت بثقة: -ما يكونش عندك فكرة. زفرت سلمى بارتياح وهي تفكر بما سوف تفعل فيما بعد. **************
في المساء عادت نور إلى المنزل وهي تشعر بالغيظ الشديد من عاصم، وكانت على وفاق مع سلمى لتركها له في الوقت المناسب قبل عقد قرانها عليه. لما سمعت أنين صوت قفل الباب أيقنت إنها نور. فنادت عليها وأقبلت عليها على غير العادة بوجه يشوبه الضيق. جلست قربها ووجدت والدها حاضراً أيضاً. سألها محمود عن سبب وجومها أخبرته بما حدث. زفر بضيق وهو يخبط كف بأخرى: -لا حول ولا قوة إلا بالله بقى الحيوان يعمل فيها كده. أقبلت تهاني بحزن قائلة:
-واطي صحيح مش مكفيه أنها مستحملاه وجاية على نفسها عشان أبوها. بس أقول إيه هو أول مرة يعملها. تفاجأ محمود من تلك الكلمة الأخيرة فقال بذهول: -هو كمان نيلها أكتر من مرة؟! أومال بعد الجواز هيعمل إيه؟ هاشم مش هيسكت من رد فعلها. شعرت نور بالضيق أكثر فانفعلت قائلة: -يعمل اللي يعمله يا بابا كفاية كده. بس أهم حاجة سلمى اشترطت عليا إن طارق ما يعرفش حاجة عن الموضوع ده خااااالص خالص.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!