حاول عاصم مجددًا استرجاع سلمى بين يديه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل. ظل يلاحقها في جميع الأماكن المقبلة عليها، وهي تضع بينها وبينه سدًا كبيرًا وسورًا عاليًا لا يستطيع تجاوزه. وبالفعل وصل ما حدث لسمع حامد وهاشم، اللذين على حد علمها اشتد الأمر لبركان منصهر، لذا كان تدخل عاصم وبهذا الإلحاح الشديد كان أساسه رغبة والده حتى لا تتعطل مصالح الشركة والشراكة بينهم، لأن إتمامها يشترط هذا الزواج.
آخر مرة تجنبته سلمى، وكاد منظرهما أن يكون عرضًا ساخرًا لجميع موظفي الشركة، إلى أن شعرت بالإحراج تناولت حقيبتها ورحلت على الفور. *************** في ذلك الوقت لم يتحمل هاشم ضغط حامد عليه، فكان حوارهما ساخنًا للغاية، به نبذة تهديد لضياع مصلحة الشركة من بين أيديهم فتكلم مع سلمى مرارًا وتكرارًا، ولكن لن تنسى قط ما حدث في أول مرة وهي تقص عليه ما حدث وهي في شدة انفعالها.
فظلت تنتظره بالساعات إلى أن أتى متأخرًا، فلن تستطيع تأجيل الموضوع للصباح الباكر على الإطلاق. استقبلته سلمى وتركته قليلًا إلى أن يستريح في غرفة مكتبه، وعند مغادرته إياها وكاد أن يصعد درجات السلم وقف على نبرتها قائلة: -بابا حضرتك هتنام؟ التفت إليها هاشم وقال بإجهاد: -أيوه يا سلمى عايزة حاجة؟ تنهدت وهي تقول بجدية: -آه، عايزة حضرتك في موضوع مهم جدًا. هاشم وهو يبدأ في الصعود:
-بعدين يا حبيبتي أنا راجع مجهد وتعبان، بكرة الصبح هنتكلم براحتنا زي ما تحبي. ركضت سريعًا إلى أن أصبحت خلفه، فقالت منفعلة وحزم: -لا مش هينفع، الموضوع ميتحملش التأخير أبدًا، لازم تعرف قراري الأخير. أدار وجهه بفضول واهتمام شديد، فالجملة الأخيرة أثارت ريبته فقال بتركيز: -إيه اللي حصل؟ تنهدت بقوة وهي تستجمع قواها وشجاعتها لتقول: -بابا أنا سبت عاصم. نظر لها هاشم بقوة ولم يصدق ما تقوله، فقال بذهول: -أنتِ بتقولي إيه!
إيه اللي حصل أنتوا كتب كتابكوا قرب وجاية تقولي سبنا بعض! سلمى بانفعال ردت سريعًا: -أيوه لأني خلاص مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده، كل إنسان وله طاقة وأنا طاقتي خلاص بح. تنهد هاشم بحيرة وحاول تمالك أعصابه ليفهم ما حدث، فقال بنفاذ صبر: -يا بنتي أنتوا على طول كده تتخانقوا وترجعوا لبعض هي عادتكوا ولا هتشتروها، إيه اللي جد المرادي؟ لم تحتمل مقلتيها عما بداخلها بعد، لقد فاض بها الكيل فانفجرت بالبكاء وهي تقول منفعلة:
-اللي جد إنه خاين، أيوه خانني يا بابا ومتلبس كمان شوفته بعيني وهو.. مش عارفة أقول إيه.. ودي مش أول مرة. هاشم جن جنونه لما سمع، فقال منفعلًا: -مستحيل عاصم يعمل كده. انفعلت سلمى وهي تقول: -هو أنا هتبلى عليه يعني، أسأله بنفسك مع إني عارفة إنه هينكر. تفاجأ هاشم وسلمى من وجود يوسف، الذي كان حاضرًا في منتصف الحوار وهو يقول باندفاع: -المرادي مش هسيبه ومحدش يمنعني.
قلقت سلمى على أخيها ألا يدخله تهوره في مشاكل بخطأ صغير، سحبت منه هاتفه الذي سحبه من جيب سترته وهي تقول بخوف وقلق: -لا يا يوسف، متوديش نفسك في داهية عشان حيوان زي ده، كفاية الفسخ هيضيع عليه الصفقة في الشركة. قالتها وهي تنظر إلى هاشم بتحدي، الذي نظر إليها بدهشة وغضب، ثم أكملت حديثها قائلة: -تعالى بس معايا.. يلا. *********** سحبته عنوة وهي تصعد به درجات السلم إلى أن وصلا غرفته، دخلا وأغلقت الباب بإحكام.
التفتت إليه بانفعال: -إيه اللي كنت هتعمله ده، بابا كان لازم يتفاجئ باللي هعمله، كده كنت هتبوظ كل حاجة. انفعل هو أكثر وهو يقول: -سلمى أنا استحملته بما فيه الكفاية، وكل ما أجي أتدخل تمنعيني، ليه مش عايزاني أجيبلك حقك ليه؟!!! صاحت به بغضب: -لأن أبويا بجلالة قدره هو اللي وقعني في المصيدة دي ولا هيفكر إنه يطلعني عشان مصلحته تهمه أكتر، أجي أورطك أنت وأسيبك تتأذي بسبب واحد ميستاهلش؟ عايزني أخسرك يا يوسف؟!! أنت اللي باقيلي.
زفر يوسف بشدة وغيظ، فهي محقة لما تقوله، وفي الوقت ذاته يشعر بالأسف والعجز اتجاهها لعدم مقدرته على مساعدتها. هدأ من روعه قليلًا ثم قال: -ناوية على إيه دلوقتي؟ أردفت سريعًا: -ولا أي حاجة هروح الشغل عادي وهو يخبط راسه في أقرب حيطة، إن شاء الله تولع الشركة باللي فيها، خلاص كده حلو أوي. تنهد يوسف بشدة ثم قال وهو يهم بالخروج: -ماشي يا سلمى بس خدي بالك من نفسك، لو الحيوان ده اتعرضلك قوليلي. ارتسم على
وجهها بسمة خفيفة وهي تقول: -متقلقش. ابتسم وخرج دون إبداء أي كلمة. عادت إلى غرفتها قلقة، بالرغم من قوتها وتماسكها بالخارج إلا إنها تشعر بالتوتر وعدم الاطمئنان من داخلها. ************** في صباح اليوم التالي ذهبت سلمى إلى الشركة بثقة عالية، وهي على يقين بأنها تفعل المراد فعله منذ زمن. نعم بداخلها غضب كبير منه ولم تتحمل ما حدث، ولكن قررت أن تكون أقوى أمامه وأمام أي شخص يعترض طريقها.
شعوره بالغيظ الشديد تجاه معاملتها الجافة معه، لقد تحولت في يوم وليلة ولا يعرف كيف يحوزها كما يفعل سابقًا. في منتصف اليوم عاد إليها كي يجد حلًا. قرع على الباب ودخل بعدها على الفور، رفعت رأسها عن حفنة الأوراق التي أمامها بعدم اكتراث وأعادت نظرها إلى ما كانت عليه. اقترب وجلس قبلها ولم يزل نظره عنها، وهي لم تعيره اهتمام. كسر الصمت قائلًا: -وبعدين يا سلمى. ردت دون النظر إليه: -وبعدين في إيه؟ قال بضيق:
-في الوضع اللي أحنا فيه ده. نظرت إليه وهي تصيح بشدة: -مش أنت السبب في اللي وصلناله؟ حد قالك تخونني وتبص لواحدة تانية، خلاص يا عاصم كفاية مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده. قال سريعًا باستعطاف: -يا سلمى أنا بحبك صدقيني. قامت سلمى وتناولت حقيبتها، نظرت له بضيق وقالت وهي تهم بالخروج: -آسفة يا عاصم مبقتش مصدقاك، كفاية كدب بقى.
تركته وأسرعت خطواتها وهو يهتف بكل عصبية ويطرق على سطح المكتب بعنف، وهو يفكر ماذا يفعل كي يلين عقلها. ************** هم محمود بالخروج من مكتبه بعدما كان ينتظر الغداء كالعادة، قبل عودته إلى الشركة مرة أخرى. صدم بتهاني وهي تدخل بصينية القهوة. نظرت له بغرابة على حالته، يبدو غاضبًا وليس على ما يرام، فأقبلت عليه متسائلة بقلق: -مالك يا محمود مسهم كده ليه في حاجة حصلت؟ رد بوجه مقتضب: -لا مفيش حاجة. قالت تهاني بنفس النبرة:
-مفيش إزاي قوليلي حصل إيه؟ رد بنفاذ صبر قائلًا بجدية: -مشكلة كبيرة في الشغل، طارق فين؟ أجابت تهاني وهي لم تفهم شيئًا: -يا في النادي أو الشركة، بتسأل عليه ليه؟ صاح بها محمود وقال بجدية وحزم: -في حاجة مهمة لازم يجيلي الشركة حالًا بعد ساعة. أصاب القلق قلبها أكثر من قبل، فقالت باهتمام: -طيب إيه اللي حصل؟! تركها محمود وهي يقول باستعجال: -لما أرجع أبقى أفهمك سلام دلوقتي.
تركها في حيرتها تنهش في عقلها قبل قلبها ولا تعلم ماذا يحدث حولها. صعدت غرفتها وتناولت هاتفها كي تقوم بالاتصال بطارق وتخبره عما حدث. ************** تركت الشركة وهي تشعر بالاختناق، قادت السيارة بعنف وهي تفكر في حديثه ولا تعرف كيف تقوم بتصديقه وإعطائه فرصة أخرى. كانت بحاجة إلى التحدث لأقرب ما لديها، فتوجهت إلى الكلية لرؤية نور. جلست في الكافتيريا منتظرة إياها حتى تنتهي من المحاضرة، اتصلت بها وأتت إليها حيث جلست.
جلست نور قبلها وهي ترى ملامحها الجامدة فقالت بحيرة: -إيه اللي حصل المرادي؟ ردت سلمى بحنق: -مش عايز يسيبني في حالي أعمله إيه ده، كل شوية عمال يترددلي عشان أرجعله. ردت نور بعد برهة من التفكير: -تصدقي اللي زي عاصم ده مش هيتلم إلا لما يشوفك مع واحد تاني ويتأكد إنك خلاص مبقتيش من نصيبه. رفعت سلمى حاجبها باستنكار وقالت بغير اقتناع: -نعم! ارتبط تاني!! لا أكيد بتهزري. تنهدت نور بحزن قائلة:
-ليه بس يا بنتي.. فكي بقى وعيشي حياتك أنتِ محبتيش عاصم أصلاً عشان توقفي حياتك عليه. رمقتها سلمى نظرة غاضبة وهي تقول بضيق: -مين ده اللي أوقف حياتي عليه بتستهبلي يا نور. تنهدت في حيرة ثم قالت: -أومال إيه بقى. ردت بثقة: -اللي يتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي، لا يمكن أكرر غلطتي مرتين. زفرت بحزن وقالت: -كده غلط مش كل الناس وحشة ولا زي بعضها، ربنا يقدملك اللي فيه الخير. تنهدت سلمى وردت بهيام: -يااارب بقى.
بعد قليل تلقت سلمى رنين هاتفها، تناولته سريعًا وقامت بالرد: -ألو أيوه يا بابا.. في الكلية شوية وهطلع على الشركة.. خير في حاجة؟ .. طيب طيب مسافة السكة. أنهت سلمى المكالمة وظهر على قسماتها الاندهاش والحيرة. تساءلت نور باهتمام: -في إيه يا سلمى مالك؟ ردت سلمى ساهِمة وبنبرة هادئة: -مش عارفة والله يا نور، بابا بيكلمني وبيقولي تعالي الشركة دلوقتي حالًا. قالت نور باهتمام: -إيه اللي حصل؟ في حاجة؟ تنهدت سلمى وهي تفكر
في سبب استدعائها وقالت: -علمي علمك، بس حاسة إن في حاجة حصلت. قامت نور على الفور باهتمام: -خير يا رب، طب يلا بينا. قامت سلمى ورحلت هي ونور في طريقهما إلى الشركة. ************** كالعادة يستيقظ طارق، إما أن يذهب إلى كليته لحضور محاضراته أو يتوجه إلى النادي ليلتقي بسارة وإيهاب. وكالعادة تنظر له سارة بإعجاب شديد ونظرات غاضبة في الوقت ذاته أثناء اللعب. عند الانتهاء، ذهب بخطوات سريعة لتبديل ملابسه ثم عاد إليهم.
ما زالت سارة تتابعه بنظراتها الغاضبة وهو يتصنع عدم الرؤية حتى لا يثير الجدل، وهو في حالة طارئة لا وقت لديه. فتحولت نظراتها الغاضبة إلى قلقة وهي تقول: -مالك يا حبيبي مستعجل كده ليه؟! اندهش إيهاب هو الآخر من عجالته وقال: -مالك يابني، في إيه؟ رد طارق سريعًا: -بابا عايزني في الشركة حالًا وصوته مش مريحني، أروح أشوف في إيه. ردت سارة بقلق: -إن شاء الله خير، ما تقلقش. رد إيهاب سريعًا وهو غير مطمئن لهذه المكالمة:
-سوق على مهلك يا طارق وتبقى طمني عليك. قال طارق متذكرًا: -تمام، تبقى وصّل سارة في سكتك معلش يا إيهاب، عربيتها في الصيانة. نظر سارة وإيهاب سريعًا لبعضهما البعض. ارتبك قليلًا وقبل أن يعتذر، نظر طارق إليهما وسبقه بالحديث قائلًا وهو يسير باستعجال: -طيب سلام دلوقتي، نتكلم بالليل. تركهم طارق ورحل على الفور، فتلك النبرة لا تبشر بالخير على الإطلاق. قاد سيارته وأثناء الطريق كان يفكر عما قد يحتاجه محمود فيه وهو في هذه الحالة.
فظلوا على هذه الحالة قرابة خمس دقائق. مروا سريعًا وقاموا بالتحرك في هدوء بدون أي كلمة، دون أن ينظر إليها حتى، أما هي فكانت تنظر له بين الحين والآخر وهما يسيران بالقرب من بعضهما وما يفرق بينهما خطوات كبيرة، تنظر له في حيرة من طريقته معها. ************** في ذات الوقت تقود سلمى سريعًا وهي تفكر. سمعت رنين هاتفها وردت على الفور بهدوء: -أيوه يا بابا. رد هاشم بجدية: -أنتِ فين دلوقتي؟
اندهشت قليلًا من نبرته ولكنها تغاضت عنها وأجابت بهدوء كي تستوعب ما يحدث: -في العربية مسافة السكة وهوصل. استكمل حديثه بنفس الجدية: -تعالي على شركة الإبياري. اندهشت سلمى كثيرًا، فتساءلت سريعًا باهتمام: -ليه؟! ظهر في صوته بعض الانفعال، وصارت نبرته أكثر جدية وصرامة ليقول: -تعالي وهتعرفي. يلا ما تتأخريش، سلام. أنهت معه المكالمة باندهاش وهي تقول بعدم فهم وشرود: -أوك سلام.
صمت عمّ عدة دقائق، فانحرفت بسيارتها وكادت نور في الوقت ذاته أن تستفهم ما حدث، وجدتها تسير في اتجاه معاكس. فقالت سريعًا: -رايحة على فين؟ ده مش طريق الشركة. ردت سلمى بهدوء: -لا إحنا طالعين على الإبياري. رفعت نور حاجبها باندهاش لتقول: -شركتنا؟! إيه اللي حصل؟ قوست سلمى شفاتها للأعلى ورفعت منكبيها لتقول بقلق: -مش عارفة، قلبي مش مطمن يا رب استر. نظرت لها نور بعدم فهم وعمّ الصمت طوال الطريق، وفي خاطر كل منهن تساؤلات عديدة.
************** يقود طارق بتوتر ويدعو الله أن كل شيء سيكون على ما يرام. وصلت سلمى وتقابلت السيارتان أمام مدخل شركة الإبياري. تقابلت أعين الثلاثة في دهشة، خاصة بين طارق وسلمى بما لديهم خلافات عديدة سويًا، بالإضافة إلى عدم رؤية كل منهم للآخر وقلة معاملاتهم منذ فترة. دخلت سلمى سريعًا كأنها لا تريد الحديث معه وطارق خلفها إلى أن صعدوا وتوجهوا لغرفة الاجتماعات.
قرعت سلمى الباب ودخلوا على الفور، اندهشوا من تجمع الجميع في ذات الوقت كأن ما يحدث مرتب له سابقًا. هاشم ومحمود وعاصم بصحبة والده وبعض الأفراد المهمين بالإدارة للشركات الثلاثة. مرت دقائق وفاقوا على صوت هاشم قائلًا: -هتفضلوا متنحين لبعض كده كتير؟ ادخلوا اقعدوا. انتبهوا الثلاثة لحديثه بشرود: -ها!! تقدموا بضعة خطوات وجلسوا في أماكنهم على الطاولة الخاصة. قالت نور بعدم فهم: -في إيه اللي حصل؟
لا يعرف محمود من أين يبدأ، فتنهد بقوة وعمق. نظر إلى سلمى وطارق ووجه حديثه إليهم بكل جدية قائلًا: -شوفوا واسمعوا كلامي أنتوا الاثنين. تقابلت أعينهم سريعًا وضربات قلوبهم بدأت في الارتفاع. وبدأ القلق والتوتر يتسرب لقلوبهم وقسمات وجوههم يترقبون ما يحدث بشغف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!