الفصل 5 | من 40 فصل

رواية صفقة حب الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء جوهر

المشاهدات
22
كلمة
4,267
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

فضوله بشأن شخصيتها الغامضة أمامه جعله ينجذب نحوها، وهذا طبيعي لأي شخص منا يقترب نحو المجهول. كادت نور أن تبدأ بالحكي، قاطعها طارق قائلاً: -أنتوا أصحاب مش كده؟ نظرت له نور وهي تعقد حاجبيها بضيق، ثم ردت بنبرة تحذيرية: -متقاطعنيش يا أما مش هحكي حاجة. أردف طارق مسرعاً: -لا خلاص كملي. تنهدت نور بنفاذ صبر، ثم استردت حديثها:

-بص يا سيدي.. سلمى صاحبتي من أولى كلية، اتعرفنا على بعض وشوية شوية بقينا صحاب. بجانب الدراسة كانت بتساعد باباها في الشغل. حصل اللي حصل وباباها من سنة عمل حادثة ودخل في غيبوبة. طبعاً الشركة والمصنع بقوا من غير رئيس، مفيش غير سلمى واخوها هما اللي مسكوا الشركة في الوقت ده لحد دلوقتي. بس كده. فكر طارق قليلاً في حديث نور، ولم يجد بعد الإجابة على تساؤلاته. لماذا هي هكذا؟

من داخله يشعر بأن هناك شيئاً ما أثر على تعاملاتها معه بهذا الشكل. نظر لها وجاء في خاطره الحادث، ليتحدث بغيره خفية: -ألا صحيح.. إزاي شخصية زي سلمى ترتبط بواحد زي عاصم؟ ده بجح ومتهور. قبلت بيه على إيه ده؟ أوعي تقولي بتحبه. ابتسمت نور على نبرة أخيها في الخفاء، وأجابت على سؤاله:

-قبل كده سلمى اتخطبت لعاصم ابن شريك باباها، يعتبر شريك مهم اللي معاه شغل كتير. المهم اتخطبوا. عاصم حاطط مناخيره في الشركة بكل كبيرة وصغيرة وبيعملها بقسوة مرة وبرقة مرة حسب مصلحته منها. واستحملت كتير عشان الشراكة اللي بينهم وعشان باباها. يمكن تكون في مشاعر بس مش عارفة بصراحة. بص معتقدش.. بس بحس التعود، بقالهم 3 سنين مخطوبين. إنها بتحاول تأجل موضوع الجواز لحد ما تحبه أكتر. بس معرفش إن ممكن تكون بتحبه فعلاً ولا لأ.

طارق منصت ومندمج تمامًا لحكيها، وهو متعجب من قوة تحملها الخارجية. أدرك من داخله أن علاقتها بعاصم قد غيرت أو هي من عوامل تصرفاتها على هذا النحو. تنهد وهو يردف قائلاً: -ياااا حياتها غريبة.. واستحملت كل ده عشان مستقبل الشركة! تنهدت نور بحزن وأردفت: -كان نفسي تتجوز اللي قلبها يختاره، بس أقول إيه.. نصيب. تنهد طارق ورد بهدوء وهو يبدو عليه الشرود: -فعلاً ونعم بالله. يلا بقى روحي نامي.

عقدت ذراعها وهي ترفع إحدى حاجبيها اعتراضاً. فأردفت بضيق طفولي: -بقى كده يا سي طارق تستفرد بيا وتعرف اللي عايزه وتكرشني كده؟ أنا مخمصاك، ثم سيادتك اللي تهوينا، دي أوضتي. ضحك طارق واقترب منها يدغدغ وجنتيها بمزاح قائلاً: -ههههههه بقى كده.. ماشي بلاش غلبة، تعبان بجد عايز أنام. ضحكت نور وقالت: -هييييح طيب، على فكرة أنا في أوضتي. يلا تصبح على خير. ضحك طارق وقال باسمًا وهو يهم بالخروج: -وأنتِ من أهله يا قمر.

خرج طارق وذهب إلى غرفته وهو يفكر في حديث شقيقته.. متعجبًا من الجدية البالغة التي ترتسمها على وجهها وتصرفاتها، وبداخلها قلب مليء بالرقة والحنان تحتاج من يحنو عليها ويأخذ بيديها، ولكن هذا ليس كل شيء. *** هدأ عاصم من روعه قليلاً عندما علم بشأن طارق بأنه على ما يرام.. وذلك عندما أرسل صلاح إلى المشفى للتحقق عن حالته، إن كان قد توفى أو أصابه مكروه. فأخبره الطبيب بأنه بخير وخرج برفقة من كانوا معه.

منذ ذلك الحين وهو يحاول الوصول إلى سلمى بشتى الطرق، ولكن لم تكن ترد على اتصالاته بعد، حتى في الشركة تتجنب رؤيته منذ الأمس. يجلس في مكتبه وكأن لم يحدث شيء من أول أمس.. يتحدث في هاتفه بإنسجام مع ذات الفتاة. -ها وأنتِ عاملة إيه؟ أقبلت عليه بقلق قائلة: -كويسة، طمني أنت عليك. إيه اللي حصل امبارح؟ اندهش عاصم من معرفتها ما حدث، فلم يعرف سوى صلاح وسلمى فقط. فتساءل باهتمام شديد: -حصل إيه؟ آه.. عرفتي منين؟

تغاضت الفتاة عن النبرة التي يتساءل بها، كل ما يشغل تفكيرها معرفة ما حدث. فردت بنفس النبرة القلوقة: -مش مهم عرفت منين.. إيه اللي حصل؟ عاد عاصم للخلف وهو يضع قدمًا على أخرى، يتأرجح بمقعده المتحرك. فأجاب بثقة بالغة ونبرة متغطرسة: -واحد بيحاول ياخد حاجة بتاعتي يبقى لازم أقطع أديه قبل ما يفكر يمدها. صاحت به بشدة: -اها بس متوصلش إنك تطلع المسدس وتقتل، أنت كنت هتروح في داهية ساعتها. انفعالها وغضبها أثار الشك في داخله،

فقال بنبرة استجواب: -هو أنتِ تعرفيه ولا إيه يا حبيبتي؟ توترت الفتاة من نبرة تساؤله، فردت نافية على الفور: -وأنا هعرفه منين يعني؟ ارتعاش صوتها زاده شكًا بأنها على معرفة به. فحاول استدراجها قائلاً: -أومال بتدفعي عنه بقلب جامد كده ليه؟ شعرت بزيادة خفقان قلبها، حاولت التماسك بالقدر المستطاع ثم قالت بجدية: -أنا مبدفعش عنه، أنا خايفة عليك أنت اللي كنت هتروح ورا الشمس.

نبرتها جعلته يتغاضى قليلاً عن شعوره الداخلي. فأعطته نوعًا من زيادة الثقة بالنفس الشديد دون أن تدري. فقال بثقة مبالغ فيها: -لا متخافيش، أنا أعجبك أوي. حتى لو كان جراله حاجة كنت هتصرف. أدرك بأنه يستطيع فعل أي شيء باستغلال نفوذه وسلطته. فردت بعدم اطمئنان: -يا خوفي من دماغك دي. ضحك عاصم بشدة سعادة على تلك الجملة، فرد مسرعاً: -ههههههه أنتِ الأصل يا أستاذة، منك نتعلم. ردت الفتاة بتعجب:

-لا والله عيب عليك، ده أنت مفيش في دماغك اتنين. سمع قرعًا على الباب، دخلت السكرتيرة بعد إذن منه قائلة: -أستاذ عاصم، الإجتماع جاهز والكل منتظرك. رد مسرعاً: -طيب روحي أنتِ وأنا جي وراك. أردفت السكرتيرة وهي تهم بالخروج: -حاضر يا فندم. خرجت السكرتيرة وأكمل مكالمته بشيء من العجالة: -بقولك إيه يا حبيبتي، سلام دلوقتي. ردت بحزن مصطنع: -ليه بس كده، ملحقناش نتكلم مع بعض. رد بعجالة:

-أشوفك بليل بقى عشان عندي اجتماع مهم النهارده. فقالت الفتاة بدلال: -اممم زعلانة منك.. حاضر يا سيدي، هستنى لبليل. ينهي عاصم المكالمة ضاحكاً وهو بالقرب من الباب: -ههههههه بموت فيك، يلا سلام. الفتاة بدلال: -سلام يا حبيبي. ***

ذهب عاصم إلى غرفة الاجتماعات، وجد الجميع حاضر من بعض الشركاء وكبار الموظفين. جلس أمامها وحاولت التغاضي عنه كأنه غير موجود، بلامبالاة كبيرة مما أدى بالغضب الشديد لعاصم. حاول الإمساك بأعصابه بالقدر المستطاع. دخلت السكرتيرة ووضعت أمام سلمى مستندًا وهي تقول: -اتفضلي يا آنسة سلمى، الأوراق اللي حضرتك طلبتيها. ردت سلمى بجدية بالغة: -تمام، اتفضلي أنتِ.. احم، أظن إن أستاذ عاصم موجود، نبدأ الإجتماع بقى.

لم يبعد عينيه عليها أبداً وهو يشعر بالغضب الشديد من تعاملها بالتجاهل هكذا، وهي تشعر بنظرته كالسهام في جسدها، تكاد أن تحرقها. فبدأ بمشاكساتها وإلقاء اللوم عليها قائلاً: -طبعًا زي ما أنتوا عارفين، إحنا متأخرين جدًا في الطلبية الأخيرة بسبب الآنسة سلمى وتأخرها بتاع امبارح اللي أجل اجتماعنا النهارده. نظرت إليه سلمى بكل حنق، كأن ما حدث ليس جزءًا منه. فردت بتحدي كأنها ترد نفس اللوم عليه:

-أظن يا أستاذ عاصم إنك عارف الظروف الطارئة اللي خلتني محضرتش الاجتماع وإللي حضرتك جزء منه. نظر لها أحد الشركاء بتساؤل: -جزء من إيه يا آنسة سلمى؟ ارتسم على ثغرها بسمة تحدي وانتصار، وعيناها منصبة عليه بضيق بالغ لتقول: -أبدًا، مشكلة بسيطة بسبب الشغل. يبقى متجيبش الغلط والتقصير عليا يا أستاذ عاصم، ولا إيه؟ رد الشريك مردفاً: -ولا يهمك يا بنتي.. بس أهم حاجة إننا لحقنا الوضع، لإنها بضاعة بملايين. نظرت له باسمة ثم ردت بجدية:

-أنا عارفة كويس يا انكل، وأنا عمري ما قصرت في الشركة ولا في شغلها والحمد لله المنتجات كلها اتوزعت على الصيدليات اللي بنتعامل معاها ومن غير ما ندفع الشرط الجزائي. أدرك بأنها أشعلت الحرب بينهم. سار الاجتماع بشكل جيد، وكل مرة يحاول جعل سلمى مخطئة بقراراتها أو برأي تتخذه، وكانت تتجاهله كثيرًا ببرود ولامبالاة شديدين، فأشعلت النار أكثر بداخله.

نور كانت تجلس تراقب قذائف كلماتهم وجه بعضهم البعض، فتتدخل للدفاع عنها في صميم العمل فيزداد حنق عاصم أكثر. في نهاية الاجتماع، رمقها بالهجوم على الجوار في البداية: -الحمد لله بس يا رب متتكررش تاني. ابتسمت بسخرية وقالت بحزم: -والله يا أستاذ عاصم، مش حضرتك اللي تحدد يحصل ولا ميحصلش. دي ظروف طارئة لا بإيدي ولا بإرادتي. أظن إن الاجتماع خلص، عن إذنك.

انتظر عاصم خروج جميع من بالقاعة كي يختلي بها، ولا يزال ينظر إليها بغضب شديد، وهي تقوم بإلمام بأوراقها ولا تعطيه أي اهتمام على الإطلاق. قامت من مقعدها وكادت أن تخرج، فقام بسد منافذها بذراعه. نظرت له بحنق شديد وتحدي. فقال بغضب: -أنتِ فاكرة اللي حصل ده هيعدي بالساهل؟ لم تحتمل طوال الفترة السابقة السكوت أكثر من ذلك. فصاحت به بإنفعال شديد: -أنت ليك عين تتكلم بعد اللي عملته؟ إيه مفيش دم؟

مش كفاية المصيبة اللي حصلت بسببك دي. صاح بها هو الآخر بغضب: -لما أشوف خطيبتي معاها واحد غريب من ورايا وبيتقابله، يبقى لازم أحط حد للموضوع. لم تحتمل سلمى اتهامه لها بهذا التصور، فزاد انفعالها وصاحت به بشدة وجدية بالغة: -أنت اتجننت!! حاسب على كلامك شوية. أنت شوفتنا فين، كباريه ولا شقة مفروشة؟ كنا في مستشفى بنزور بابا. عربيتي عطلت وأصر يوصلني وأنا مردتش. أول مرة يخرج معايا في حتة. صاح بها بغضب أكثر:

-سلمى، متعليش صوتك عليا، متنسيش إني خطيبك وبغير عليك. نظرت له بازدراء. وابتسمت بسخرية وهي تقول بحنق: -أنت اللي نسيت إني خطيبتك يا أستاذ.. عن إذنك. خرجت ومعها نور من غرفة الاجتماعات ومن الشركة بأكملها، وعادت إلى شركة الجوهري، وأثناء الطريق وهي تردد كلمات غير مفهومة وبمنتهى العصبية، ونور تحاول منها تهدئة روعها قليلاً. ***

منذ إن رأت سارة ذراع طارق المربوط وهي تشعر بالضيق الشديد، وأحيانًا ما تشرد. وها هي تجلس في كافتريا الكلية إلى أن رآها إيهاب بمفردها من بعيد، ابتسم وهم بالإقتراب منها وجلس بجوارها فلم تشعر به بعد. تنحنح وهو ينادي عليها: -احم.. سارة. لكن سارة لم تجب. أشاح بيديه أمام عينيها وهو يقول: -سارة، أنتِ سمعاني؟ فاقت من شرودها وهي تقول: -ها.. اها معاك، هكون فين يعني؟ نظر لها إيهاب بغرابة مردفاً:

-مش باين.. من ساعتها بكلمك ومبتردش. تنهدت سارة وردت بهدوء: -سوري يا إيهاب، مخدتش بالي. ابتسم إيهاب ثم تطلع إليها بتمعن وقال: -ولا يهمك.. مالك بقى ساكتة وسرحانة كده ليه؟ نظرت له بضيق ثم قالت بلامبالاة: -لا عادي يا إيهاب، عايز إيه؟ شعر إيهاب بالضيق من طريقة تعاملها، ولكنه تغاضى عنه الآن. فأجاب بهدوء: -بطمن عليكِ، بلاش يعني؟ مالك يا سارة، أنا مبقتش عارف انتِ عايزة إيه بالظبط. تنهدت بضيق ثم نظرت له متسائلة:

-هتفرق في إيه لو فهمت؟ آه صحيح، شوفت طارق النهارده؟ بعد المحاولات للاطمئنان عليها تقوم بالسؤال عن طارق، لا يعرف ماذا يفعل. قام إيهاب بوجه مقتضب. فأوقفته سارة بنبرة متسائلة بها رجاء: -إيه يا إيهاب، رايح على فين.. استنى معايا شوية. لم يستطع التحمل أكثر من هذا، فصاح بها في انفعال: -أنتِ إيه يا سارة، مبتحسيش! أقعد معاكِ عشان إيه ها! أنا مش استبن تخليني أقعد أو أمشي زي ما أنتِ عايزة.

اندهشت سارة من انفعاله عليها بعدما كان هادئاً، لا تعرف ما حدث له. فصاحت به هي الأخرى: -في إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. أنت أضايقت كده ليه؟ كل ده عشان قولتلك أقعد معايا شوية! رأى إنه لا داعي للجدال معها بعد الآن. فقال وهو يهم بالذهاب: -مفيش فايدة ولا عمرك هتفهمي حاجة.. عن إذنك. تركها وأسرع في خطواته، بينما سارة أخذت تنادي عليه: -إيهاب، استني يا إيهاب. صادف في طريقه طارق، أوقفه بسرعة، وهو يستفسر عن ذهابه المفاجئ وهو ممسكًا

بذراعه: -إيه يا بني، استنى أنت رايح على فين؟ حرر ذراعه من يده وهو يسير. وهو يقول بضيق: -سيبني يا طارق دلوقتي، أنا مش ناقص. أوقفه طارق وصاح به: -أسيبك يعني إيه! إيه الحكاية؟ أنت اتخانقت مع سارة؟ حقًا لا يعرف ما يحدث ولا هو يشعر به، هكذا كان يتحدث إيهاب مع نفسه. فرد بضجر وهو يرحل: -سارة!! معلش يا طارق، عايز أكون لوحدي شوية، عن إذنك.

تركه ورحل وما زال طارق واقفًا في مكانه مندهشًا مما حدث، ما به كي يكون في هذه الحالة. اقترب من سارة ليستفهم منها ما حدث: -ماله ده، حصل إيه؟ ردت سارة بضيق: -مفيش يا طارق، أنا كمان معرفش. فقال باهتمام مرة أخرى: -طب متعرفيش مين اللي ضايقه؟ صاحت به سارة في حنق: -يوو يا طارق، سلام دلوقتي. تركته وذهبت ولا يعرف ما الذي أصابهم. وقف في مكانه متعجبًا للغاية: -الله! هو إيه اللي حصل؟ مالهم هم الاتنين؟ ***

سلمى منذ إن تركت الاجتماع وعادت إلى مكتبها، وهي تستشيط غيظًا وغضبًا من عاصم. ترى إنه من الجيد مواجهته حتى لا يتدخل في شؤونها مرة أخرى، لا تصدق البتة ما يفكر فيه على الإطلاق. تركتها نور قليلاً وعادت إلى مكتبها ترسل طلبًا عبر بريدها الإلكتروني. رفعت سماعة الهاتف واتصلت بعامل البوفيه، طلبت فنجالًا من القهوة. يوسف بالقرب من مكتبها بعد عدة دقائق. رأى عامل البوفيه كاد أن يدخل لسلمى، فوقفه قائلاً:

-استنى يا عم علي، لمين القهوة دي؟ أجاب الساعي: -دي للباشمهندسة سلمى. على الصينية كوبًا من العصير بجانب القهوة، فتناولها ثم قال: -طب هات الليمون ده، واعملي واحد نسكافيه. رد الساعي بهدوء وهو منصرف: -حاضر يا أستاذ يوسف. رحل العامل ثم قرع يوسف على الباب. دخل وجد حالة سلمى البائسة، اقترب منها وجلس على المقعد المقابل لها متسائلاً باهتمام: -في إيه يا سلمى، حصل إيه؟

رفعت رأسها ثم لاحظت الكوب، تذكرت الحادث وما فعله عاصم حينها. قررت أن لا تقول له عن المشادة التي حدثت بينهم فردت بهدوء: -مفيش.. إيه ده؟ فين القهوة اللي طلبتها؟ رد يوسف بجدية: -مفيش قهوة وأنتِ بالعصبية دي، اشربي الليمون يهديكي أحسن. إيه اللي حصل؟ لم تتحمل سلمى كبت ما تحمله بداخلها، يجب أن تحكي له ما حدث فسقطت عبراتها رغمًا عنها. ثم صاحت بإنفعال: -البيه بيشك فيا! مش كفاية عارفة عمايله وساكتة. أقبل

عليها يوسف بجدية وانفعال: -حصل إيه تاني؟ استردت سلمى بنفس النبرة: -كل ده عشان طارق قابلني في المستشفى لما جه يزور بابا. شك حاجة بيني وبينه.. تخيل وصل تفكيره لفين!! طرق على سطح المكتب بشدة بضجر وهو يقول: -إيه الهبل ده؟ بيستعبط باين له. أنا رايحله. قام يوسف وكاد أن يتحرك، أمسكت به سلمى بذراعه وقالت بقلق: -لا استنى، هتعمل إيه؟ الموضوع اتلم خلاص، مش ناقصة مشاكل. نظر لها وهو يرمقها بنبرة غاضبة، ثم قال: -سلمى...

قطعته سلمى سريعاً وأصطنعت البسمة وهي تقول بمرح: -ها بقى يلا نقوم نتغدى لإني هموت من الجوع بجد. حاولت سلمى تغيير الموضوع بأي طريقة، لأنها تعرف انفعالات أخيها جيدًا. من الممكن أن تحدث مشاكل عديدة هي في غنى عنها، فقد تحملت كل هذا من أجل والدها ولن تستمر في هذا القيد إلى أن يفيق.

أما يوسف يشعر بالضيق من تصرفاتها، ويعرف بأنها تغير مجرى الحديث كي تشغل تفكيره بسئ آخر، تتغاضى عنها وتسايرها وهو للأسف يعرف السبب جيدًا، يدعو الله من قلبه أن يزول ذلك السبب بأي شكل من الأشكال، حتى يستطيع أن يتحرك ويقدم على خطوة واحدة بدلًا من إحساس العجز الذي يقيده ولن تستطيع سلمى آنذاك إيقافه. ***

عاد إيهاب إلى طارق في الفيلا وهو يحاول إخفاء ما يشعره بالضيق، وذلك بعد اتصال طارق به وإلحاحه بوجوب الحضور لمعرفة ما به من تغيير حالته النفسية التي رآه عليها في الكلية. فترة وطارق ينظر له دون أن يبدي إيهاب. فصاح به: طارق: -لا حول الله ولا قوة إلا بالله.. قاعد في خلقتي ساعة، متتكلم يابني إيه اللي حصل؟ رد إيهاب لكي يحسم الأمر: -خلاص بقى فكك من الموضوع ده. نظر إليه طارق طويلًا ثم قال بهدوء: -بخصوص سارة مش كده؟

حاول إيهاب الهروب من سؤاله، فرد بإنفعال: -أنا اللي مضايق من فترة، المهم يلا نشتغل شوية، ألا الترم قرب يخلص. علم طارق بأنه يهرب من السؤال، فضحك تلطيفًا للجو: -ههههه مين ده اللي بيتكلم عن الشغل ده إيهاب!! نظر له إيهاب بضيق وقال: -أيوه إيهاب يا سيدي، صدق. ضحك طارق وقال: -طب كويس أوي، فرحتلك بجد. سمع قرعًا على الباب ثم دخل الخادم قائلاً: -أستاذ طارق، في مخبر عايزك تحت. تعجب طارق وهو يقول: -مخبر؟ عايز إيه ده كمان؟

نظر إيهاب لطارق وهو يقول بتفكير: -غريبة دي، يكنش بخصوص... قطع حديثه عندما وجد تهاني بالغرفة، فقد سمعت بوجود المخبر، فقالت بقلق: -في إيه يابني، كان عايز منك إيه ده؟ تنهد طارق فرد بهدوء: -مفيش يا ماما، كان عايزني بموضوع ضرب النار. ردت بنفس النبرة: -وهتعمل إيه؟ قام طارق وهو يهم بالخروج قائلاً: -هروح أشوف في إيه.

ذهب طارق وإيهاب إلى قسم الشرطة، وهو على دراية أكيدة بأنه بشأن الحادث. ظل يفكر طوال الطريق.. إلى أن وصلا إلى القسم ودخلا. أقبل طارق قائلاً: -خير يا فندم. أشار له الضابط على المقعد قائلاً: -كل خير يا أستاذ طارق، بخصوص الاعتداء اللي حصل عليك من السيد عاصم بشروع طلق النار عليك. رد طارق في ثبات: -حصل خير يا فندم، كان بينضف المسدس بتاعه، خرجت طلقة غصب عنه. شك الضابط به فقام بتساؤله: -يعني محاولش الاعتداء عليك؟ أجاب

طارق بنفس النبرة الثابتة: -لا يا فندم، زي ما قلتلك. نظر له بشك وهو على يقين بأنه يتستر على عاصم: -على الرغم إن الدكتور قال في التحقيق إنه كان بيتخانق معاك قبلها وطلع مسدسه وضرب عليك نار.. غير والدك السيد محمود الإبياري تاني يوم الحادث جاه وقدم بلاغ ضده. تساؤلات كثيرة بداخل طارق، وما كان عليه إلا السكوت وعدم إبداء أي كلمة. تعجب الضابط من تسرعه وعدم الاعتراف عليه، فنظر له وقال بهدوء: -على العموم، هتحفظ القضية ضد مجهول.

قام طارق وقبل أن يهم بالخروج قال: -أقدر أستأذن دلوقتي؟ أشار له الضابط بيديه بمعنى المغادرة، ثم قال بتأكيد: -اتفضل، بس لو اتعرضلك تاني يا ريت تبلغ المرة الجاية. خرجوا من القسم وإيهاب متعجب من رد فعل طارق كثيرًا، ويستشاط غضبًا من نفيه. تماسك إلى وصلوا الفيلا. صاح به إيهاب بغضب: -إيه اللي أنت عملته ده؟ رد بلامبالاة: -عملت إيه؟ قال إيهاب بنفس النبرة: -ليه معترفتش على عاصم وقلت إنه فعلاً اتهجم عليك؟ رد طارق بقلق:

-عشان خاطر سلمى متبهدلش أكتر من كده، كفاية اللي حصل، كل ده كان بسببي. صاح به إيهاب معترضاً: -إزاي يعني؟ كان لازم تتكلم، كنت هتروح فيها لولا ستر ربنا، ولا نسيت؟ أرمقه طارق نظرة ثم رد بجدية: -لا منستش، بس أنت مش فاهم حاجة، يبقى تقفل على الموضوع أحسن. تنهد إيهاب في حيرة من أمره، لا يعرف ما الذي ينوي عليه في سكوته عن حقه هكذا. اقترب من ياسه فقام وهو يقول بضيق:

-أمرك عجيب بجد، أنا هتعب نفسي معاك على الفاضي. هناديلك نور تتصرف معاك أحسن. تحرك إيهاب نحو الباب، قام طارق مسرعًا ومنعه من الخروج وهو يقول بحزم وتفكير: -لا استني، مش لازم تعرف نور حاجة دلوقتي. اندهش إيهاب من رد فعله ثم عقد ذراعيه وقال بتذمر: -مش معقول تاني، ليه بس؟ رد طارق بشرود: -اسمع اللي بقولك عليه وخلاص. قرر إيهاب أن يستسلم لرغبته الآن، إلى أن يجد برًا يرسو عليه: -طيب أما نشوف آخرتها معاك إيه.

كانت نور بالقرب من الباب وسمعت الحوار الدائر بينهم. متعجبة كثيرًا من موقف أخيها وفي نفس الوقت تستجديه وتخاف عليه من موقفه أمام سلمى، ولا زالت في حيرة من أمره لماذا فعل كل هذا. وما الذي يخطط بشأنه يا ترى؟

في المساء عاد محمود إلى المنزل وقصت تهاني ما حدث، وبعد تساؤلات لم يعرف رد طارق عن المحضر، فلم يستطع أن يرى أحدًا ما يعتدي على ابنه وينتظر إلى أن يرى رد فعله هو. كان لابد أن يتحرك ولا يقف ساكنًا. أرسل في طلب طارق الذي تهرب من الإجابة ورد باختصار شديد حتى ينهي الأمر، ولكن محمود لم يكن مطمئنًا لتصرفه على الإطلاق، وشك بأنه فعل شيئًا ما. أما نور قررت أن لا تخبر سلمى بما حدث، وتترك ما سمعته إلى وقت يستلزم به الحديث.

مر أسبوعان ودخلت الممرضة غرفة العناية المركزة تزيح الستائر قليلاً. اندهشت من تحريك هاشم يديه. ركضت سريعًا لإبلاغ الطبيب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...