الفصل 6 | من 40 فصل

رواية صفقة حب الفصل السادس 6 - بقلم شيماء جوهر

المشاهدات
15
كلمة
3,436
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

قد يكون الشيء سارًا في ظاهره، ولكن عندما نقترب منه أكثر فأكثر يصبح عكس ذلك، وقد يكون باطنه خافيًا عما تُجمِله الأيام وما إلى ذلك. فلا نعلم أي منهم خيرًا لنا. تفاجأت الممرضة وهي تزيح الستار عن النافذة بتحريك هاشم يديه. لم تستوعب إلا عندما رأته وهو يحاول فتح عينيه ببطء. تفاجأت مما حدث للتو وركضت سريعًا كي تبلغ الطبيب. دقائق وعادت سريعًا مصطحبة معها الطبيب، فوجد هاشم ساكنًا في مكانه وعيناه مغلقة، كأنه لم يفق بعد.

اندَهش الطبيب والممرضة ثم نظر لها وصاح بها موبّخًا إياها: -فين ده اللي فتح عينيه؟ مش تشوفي كويس؟ تفاجأت الممرضة ولا تعرف ماذا تقول، فقد رأته بأم عينيها مفتوح العينين أمامها. ردت في حيرة من أمرها والتوتر يملأ صوتها: -والله يا دكتور لسه مفتح عينيه دلوقتي. عاد هاشم مرة أخرى وفتح عينيه. لاحظت الممرضة وأخذت تصيح في لهفة بالغة كأنها رأت أشباح: -أهو يا دكتور بيفوق، فتح عينيه. صاح بها بسرعة:

-ناديلي الدكتور اللي متابع حالته حالًا! ركضت الممرضة سريعًا ومعها الطبيب، وعين هاشم ثابتة لا تتحرك. ******************

سلمى في منزلها ومعها نور. تجلس أمام حمام السباحة شريدة، تبتسم تارة وتدمع تارة. لقد اشتاقت لوالدها كثيرًا. فقد ترك عليها حملًا كبيرًا. كانت تظن في مقتبل الأمر بأنها على قوة كاملة لتحمل تلك المسؤولية، وبالفعل كانت كذلك، ولكن ما لم تستطع تحمله هو عاصم. تدريجيًا أزال القناع الذي يخفي حقيقته، ولا تعرف أن ما تخشاه كان صحيحًا أم لا.

خاصة بعد حادث المشفى، شعرت بأنها لا تعرفه من قبل، شخص غريب عنها، بعيد كل البعد. فلا تزال تعيد شريط الأحداث أمام عينيها. تنهدت نور وهي تربت على منكبيها، مردفة بحزن: -كفاية تفكير في اللي حصل بقى. مسحت عبراتها وردت وهي تنظر للأمام شريدة: -مش بفكر في عاصم. هل يا ترى أنا بحبه فعلًا؟ لو كنت بحبه ليه مش مبسوطة لما بشوفه؟ ليه مش برتاح في الكلام معاه؟ لكن بابا وحشني أوي يا نور، سنة و6 شهور دلوقتي بعيد عني، نفسي يرجع تاني.

تنهدت نور بحزن فهي تشعر بحزنها وبمأساتها وهو بعيد عنها من جميع النواحي، فقد تحملت الكثير ولا تعرف كيف تهون عليها. فربتت على يديها وقالت بنبرة حانية: -إن شاء الله. تعرفي أنا متفائلة بالموضوع ده، إن شاء الله هيفوق قريب. مش الدكتور قالك من فترة إن قريب هيفوق؟ ثقي بالله يا حبيبتي وربنا ييسر أحوالك مع عاصم. متنسيش إنك هتبقي مراته بعد كده، لازم تتفهموا أكتر من كده. ابتسمت بتهكم وأردفت:

-ونعم بالله، أنا حاسة بكده بردو. ربنا يستر بجد. إنما عاصم مفتكرش إني ممكن أكمل معاه بعد كده. تكاد نور الرد على جملتها الأخيرة، فدخلت الخادمة مقاطعة إياها قائلة: -آنسة سلمى، تليفون عشانك. التفتت إليها سلمى وردت بهدوء: -من مين؟ أجابت الخادمة: -واحد بيقول المستشفى. صاحت بها سلمى بلهفة كبيرة: -إييييييه!! قامت تركض سريعًا ترد على الهاتف وخلفها سلمى. أنهت المكالمة وهي تضحك بشدة وتكاد أن تطير فرحة، فظلت تقفز في الهواء.

شعرت سلمى بأن ما حدث كان على ما يرام. أقبلت عليها نور بلهفة واهتمام: -حصل إيه، طمنيني. صاحت سلمى فرحة: -بابا فاق يا نور، بابا فاق. ابتسمت نور بشدة وصاحت بها: -إيه بجد!! مش قلتلك؟ يلا بينا بسرعة. ************* ركضت نور وسلمى سريعًا إلى الخارج. ركبتا السيارة وقادت الأخيرة بسرعة جنونية. عشر دقائق ووصلتا إلى المشفى، فسبقت سلمى نور بسرعتها إلى العناية المركزة بكل فرحة وحماس.

فتحت الباب ووجدته ينظر إليها وهو يحاول الابتسام. بكت سلمى من فرحتها وركضت نحوه تقبّل عطر يمناه. أجشت في البكاء فرفع يديه بصعوبة وربت على رأسها. رفعتها وهي تمسح عبرتها التي أصبحت كالشلال، فأقبلت عليه بشوق ولهفة: -ألف حمد الله على سلامتك يا بابا. مش مصدقة نفسي، أخيرًا رجعتلي تاني. رد هاشم بصوت ضعيف ومهزوز: -بلاش دموع يا حبيبتي، أنا جنبك أهو. ابتسمت سلمى وردت بنبرة باكية: -غصب عني بجد من فرحتي، ربنا ما يحرمني منك أبدًا.

ابتسم هاشم وقال: -ولا منك أنتِ وأخوكِ. كل هذا ونور كانت تقف عند الباب بعدما لحقت بسلمى، وشاهدت المشهد المؤثر بينهم، فأدمعت عيناها وقالت باسمة: -ألف حمد الله على السلامة يا أنكل، عقبال ما تقوم لنا بالسلامة. رد هاشم: -الله يسلمك يا نور. فين يوسف يا سلمى؟ سلمى مسحت عبرتها وهي تبحث عن هاتفها بلهفة: -يوسف هكلمه حالًا، انشغلت بيك. المستشفى لسه مكلماني، ملحقتش أكلمه. ابتسمت نور، فهي تحاول مساعدتها، فأقبلت عليها مردفة:

-روحي كلميه وأنا معاه. ابتسمت سلمى وقالت وهي تركض للخارج: -طيب يا نور. ******************* اتصلت سلمى بيوسف وأخبرته بإفاقة والدهما. كانت فرحته لا توصف. في قرابة ربع ساعة كان بالمشفى ولقاؤهما كان حاسمًا للغاية. بعد الاطمئنان عليه اتصلت نور بوالدها وفرح كثيرًا هو وتهاني على عودة محمود سالمًا. أما طارق كان سعيدًا بعودة هاشم إلى الشركة ويكون المشروع تحت قيادته.

بهذه المناسبة قرر يوسف وسلمى إقامة حفلة لعودة هاشم بعد فترة غياب، وبالطبع الكثير من المدعوين من ضمنهم عاصم. محمود في حديقة الفيلا، أقبل على تهاني قائلًا: -جهزي نفسك بقى كمان تلات أيام الحفلة اللي عاملينها ولاد هاشم، هتكون على الساعة 7. هاجي من الشركة ألاقيكي جاهزة. بقولك من قبلها أهو عشان مرجعش ألاقيكِ مش جاهزة. تساءلت بهدوء: -تمام متقلقش. هتبلّغ طارق مش كده؟ نظر لها وقال وهو يهم بالخروج:

-أكيد هقوله يحضر، ده أهم واحد، وزمانه عرف. يلا عن إذنك. ****************** خلال الأيام الثلاثة لا تزال سلمى تباشر العمل في الشركة مثلما كانت تعمل من قبل، وتعود مبكرًا كي تراعي والدها. أما عاصم فتفاجأت بتغير معاملته لها للأفضل، الرد بهدوء، يتغاضى أحيانًا عن عصبيتها وعنادها. كانت مندهشة حقًا عن سر تغيره المفاجئ بنسبة 180 درجة منذ عودة والدها. ولم تعرف السر بعد.

عملها مع طارق كان يسير كما هو إلا إنها شعرت بتسارعه في العمل عكس ما كان في السابق، حسبت حالة الاستعجال التي عليها بسبب عودة هاشم وأراد إنهاء الصفقة سريعًا. فلم يروق لها الطريقة التي يعمل بها، طالما أحبت كل تفصيلة تأخذ حقها. فنشب بينهم الخلافات على أدق التفاصيل، فسرعته جعلتها تشعر بأنها مقيدة بالوقت. فعاد إلى حالته الأولى لمعرفته بها، لم يتحمل عنادها وعصبيتها، ولكن لا يعرف أن لكل فعل رد فعل، وما بدر منه كان رد فعل طبيعي لما فعله، لأنه يعرف كيف تحب عملها وجديتها به. فلم يعودا يتحملا سيرة كل منهم.

جاء يوم الحفلة والمقامة في فيلا هاشم الجوهري. استعدت سلمى وكانت في منتهى الجمال والأناقة. ارتدت فستانًا فضيًا فاتح اللون، بحمالة رفيعة مجسم من الجزء العلوي، مطرز بفصوص صغيرة جدًا لامعة، صففت شعرها للأعلى. أما نور كانت ترتدي فستانًا وردي اللون، مصففة شعرها على ظهرها وكانت جميلة حقًا، لدرجة لم يستطع يوسف إبعاد عينيه عليها بإعجاب، فلم تلاحظ نور ذلك.

في تمام الساعة السابعة نزلت سلمى ويوسف لاستقبال المدعوين. ونور كانت تساعد سلمى في الإشراف على البوفيه. نور طوال الوقت تنظر في ساعة يديها بقلق، لا تعرف سر تأخر أسرتها. فقد أصبحت الساعة الثامنة والحفلة مستمرة. لاحظ يوسف انسحابها من الحفلة بوقفها جانبًا، فاقترب منها متسائلًا: -مالك يا آنسة نور؟ التفتت إليه وردت بشرود: -ها، لا مفيش حاجة. استرد يوسف باهتمام: -شكلك قلقان من شوية، وبتبصي في الساعة. أنتِ مستنية حد؟

أجابت بهدوء: -أه، بابا وماما اتأخروا فبستغرب تأخيرهم. ابتسم يوسف وقال لطمأنتها: -أكيد في حاجة عطلتهم، متقلقيش. ردت نور دون النظر إليه: -أه يمكن بردو. قرر يوسف خف توترها قليلًا، دقائق وقطع الصمت قائلًا: -طب يلا نروح لسلمى. أثناء الحفل سلمى لم تزِل عينيها من البوابة وتنظر في الساعة، منتظرة شخصًا ما. حتى عاصم لاحظ ذلك، الذي كان يراقبها طوال الحفل. أقبل عليها يوسف ونور قائلًا: -الجميل سرحان في إيه؟ فاقت سلمى

من شرودها وهي تقول بشرود: -يوسف خضتني، لا أبدًا مش سرحانة ولا حاجة. نظر لها باسمًا وكأنه يتحدث بالألغاز: -تعرفي أنا حاسس إن في حاجة هتحصل النهاردة، بس مش عارف إيه هي. سلمى بتفكير: -حاجة زي إيه مثلًا؟ رد يوسف بتخمين: -خبر، قرار مش عارف أحدد. الجو العام عند بابا وأنكل حامد بيقول غير كده. تنهدت سلمى وقالت بلامبالاة: -أكيد بيتكلموا في شغل كالعادة يعني، ما أنت عارف مفيش جديد. ابتسمت نور وقالت بمرح:

-يا خبر النهاردة بفلوس بكرة يبقى ببلاش. نظر يوسف لسلمى وهو يقول: -هنعرف قريب. عمومًا عندك حق. آه صحيح أومال فين طارق؟ شعرت بالضيق لمجرد ذكر اسمه، فردت بلامبالاة: -طارق مين؟ أه تقصد طارق الإبياري؟ ضحكت نور وردت بمرح كالعادة: -ههههههه اسمع بتقولك طارق مين، شكلك مش طايقاه يا سلمى، هو رخم حبتين. نظرت لها سلمى بضيق ثم نظر يوسف لها ضاحكًا: -هههههههه أه فعلًا، أنتوا اتخانقتوا ولا إيه؟

هو المفروض إنه يكون معزوم. أنتِ معزمتوش ولا إيه؟ ردت سلمى عليهم بضيق ولامبالاة: -لا متخانقناش بس هو فعلًا رخم، خليت السكرتيرة تكلمه. ثم أنا مالي هو راح فين عمومًا هو حر. ابتسمت نور وردت بمرح: -إيه يا حبيبتي أنا أقول رخم. لاحظي إنك بتتكلمي عن أخويا، شكلكوا أنتوا الاتنين عايزين تضربوا بعض. لم يتحمل يوسف كبت ضحكاته، فهو يعرف مناغشاتهم التي لا تنتهي، فالتفت إلى سلمى وقال ملطفًا: -مفيش فايدة منك يا لوما.

ﻻ ده العادي من ساعة ما اشتغلوا سوا. حاولت نور تغيير الموضوع تلطيفًا للجو العام، فغمزت لسلمى باسمة وأردفت مازحة: -بس إيه يا عم الحلاوة دي بس ولا رجعت ابتسامتك تاني. ابتسمت سلمى وردت قائلة: -أنتِ كمان زي القمر.. وبعدين الابتسامة دي سببها بابا.. بجد يا نور مش مصدقة أخيرًا فاق. ترددت نور قبل أن تسأل، لإنها تعرف الإجابة جيدًا: -آه صحيح وأخبار الشركة إيه؟ أجابت بأريحية:

-كويسة وأخيرًا بقى هرتاح من الصفقة دي.. مش المفروض بابا يمسكها؟ ضحكت نور فكما توقعت الإجابة، فلا تعلم بأن وقت الراحة لم يحن بعد، فصدمتها لتقول: -هههههه باباكي حالته الصحية متسمحش دلوقتي هو آه اتحسن بس لسه. أغمضت سلمى عيناها في غضب لما سمعته، هذا يعني عليها احتمال طارق قليلًا، فردت بتذمر: -اممممم قولي كده.. يا ستي سيبيني أفرح شوية. اقترب منهم عاصم، أقبل على سلمى باسمًا وبمرح: -إيه الحلاوة دي بس.

ابتسمت سلمى باصطناع وردت: -ميرسي يا عاصم. نظر لها مطولًا ثم قال بتردد: -ممكن نتكلم مع بعض شوية يا سلمى؟ نظرت لها نور وغمزتها، بمعنى يجب التحدث بمفردكم قليلًا.. التفتت إلى يوسف وقالت: -طيب هسيبك أنا دلوقتي، يلا يا أستاذ يوسف. فهم يوسف نظرة نور، فذهب معها وهو ينظر لسلمى وعاصم: -يلا عن إذنكوا يا جماعة. انتظرت سلمى مغادرتهم ثم التفتت إلى عاصم وهي عاقدة ذراعها، متسائلة بجدية: -ها يا سيدي عايز إيه؟

ابتعدوا قليلًا ثم أشارت لها نور لكي تعطي له فرصة ليتحدث.. فقطع عاصم الصمت: -حرام عليك يا سوسو أسبوعين بحايل فيك يا حبيبتي موضوع وعدي وأنتِ عارفة أد إيه بغير عليك. عندما تذكرت ما حدث لم تتحمل، فصاحت به غاضبة: -دي مش غيرة يا عاصم ده شك.. عارف أنت خليت شكلي إزاي. نظر لها وقال بحب: -بحبك يا سلمى.. أنتِ حبيبتي وخطيبتي وقريب هتكوني مراتي.. أنتِ عارفة إن مفيش في القلب غيرك. نظرت له بعدم تصديق وقالت بضيق:

-لا واضح إنك بتحبني فعلًا.. طالما بتحبني ليه عمايلك معايا كل شوية بالشكل ده!! ما أنا كمان بغير عليك يا عاصم بس مش بالشكل بتاعك ده وقلت كتير هيتغير بس مفيش نتيجة يا أخي. حاول عاصم تغيير الموضوع فقال بلهفة: -سيبك بس من الكلام ده.. المهم وحشتيني. لم تستطع سلمى تصديق ما يقول، فرفعت حاجبها باستنكار قائلة: -مممممممم لا والله!!! نظر لها عاصم بحزن وقال: -إيه مش وحشتك؟ تنهدت سلمى وقالت بجدية: -عمايلك دي اللي مش بتخليك توحشني.

أمسك يداها وقال بحماس: -أنا بقى محضرلك مفاجأة هتعجبك قوي. ابتسمت سلمى وردت متعجبة: -مفاجأة إيه دي؟ ابتسم لها بحب وقال: -هتعرفي دلوقتي. نور ويوسف لا يزالان في مكانهم لمراقبة الحال، إذا تهورت سلمى كعادتها.. وأثناء حديثهم تنهدت نور وهي تقول بهدوء: -ربنا يصلح الحال ما بينهم مصيرهم في الآخر الجواز لازم يتفاهموا سوا. رد يوسف بهدوء، فكان على إعجاب بطريقة تفكيرها:

-يا رب الفترة اللي فاتت وعلى طول بيكلمها عشان تصالحوا بس برافو عليكِ إنك خليتينا نمشي. نظرت له وردت بجدية: -مكنش في حل إلا كده. ******************* عاد محمود من الشركة على أمل أن يجد تهاني مرتدية ملابسها ومستعدة.. دخل إلى مكتبه وهو ينادي عليها: -يلا يا تهاني أنتِ لسه ملبستيش اتأخرنا زمانهم مستنينا. أقبلت عليه تهاني وهي تحمل حقيبتها قائلة: -أنا خلصت أهو أنت إيه اللي أخرك كده؟ رد محمود وهو يفرغ حقيبته

من الأوراق والمستندات: -كان في أوراق مهمة في الشركة مكنش ينفع تتأجل، يا دوب خلصتها وجيت على طول.. فين نور؟ ردت تهاني مذكرة إياه: -ما أنت عارف.. نور مع صاحبتها من الصبح. نظر لها وقال باستعجال: -آه صحيح زحمة الشغل نستني.. طارق موجود في أوضته؟ ردت بتفكير: -لا شكله مع أصحابه ولا حاجة. عقد حاجبيه ورد بغضب: -أصحاب إيه دلوقتي هو مش عارف الأستاذ إن في ميعاد منبه عليه. حاولت تهاني تهدئة روعه قليلًا:

-طيب براحة بس وشوف هو راح فين. **************** الهروب من الواقع بالنسبة له أسلم حل، لا يعرف إنه مهما هرب مصيره بالعودة والمواجهة.. فرغم علمه بشأن الحفلة إلا إنه قرر الابتعاد بشتى الطرق، فذهب بعيدًا مع أصدقائه. يجلس طارق أمام شاطئ البحر في شرود تام، جلس إيهاب بجانبه وقال: -إيه يا بني من ساعة ما جينا وأنت قاعد كده يبقى إيه لزمته مجيتنا. رد طارق بجدية دون أن يلتفت إليه: -لو زهقت ممكن تنزل عادي مفيش مشكلة.

شعر إيهاب بضيق طارق، فحاول الاستفهام منه عما حدث: -لا يا سيدي مش كده.. طب فيها إيه لو كنت روحت يعني. التفت إليه طارق وصاح به بغضب: -هو أنا كنت بطيقها في الشركة لما أجي الحفلة، ثم أنا جي هنا ليه مش عشان كده.. دي حتى مش هي اللي عزمتني خلت السكرتيرة تكلمني، كمان عايزني أروح! لم يعرف إيهاب أن يحمل عنه، فرد بهدوء: -ربنا يستر وأبوك مش يكلمك عشان تروح. كاد أن يرد طارق فسمع رنين هاتفه، تناوله بكلل ثم نظر إلى إيهاب وقال

بضيق بعدما رأى اسم المتصل: -قريت فيها يا عم أهو أبويا بيتصل. لم يتحمل إيهاب نظرته فضحك بشدة: -ههههههههههه. تغاضى عنه طارق ورد على المتصل قائلًا: -ألو أيوه يا بابا. رد محمود بكل غضب: -أنت فين يا أستاذ مش عارف إن في ميعاد منبه عليه النهاردة.. أنت فين دلوقتي. لا يعرف طارق ماذا يقول بشأن سفره المفاجئ، حسم أمره وقال: -أيوه يا بابا أنا في الساحل. اتسعت عين محمود صدمة ودهشة، لا يعرف كيف يفكر هذا الابن العنيد.. تعالت نبرة

صوته وانفعل بغضب شديد: -بتقول إيه؟ ساحل إيه ده كمان!! أنت تنزل لي دلوقتي حالًا. تنهد طارق بضيق شديد ثم صاح بضجر: -يا بابا مش عايز أجي هو بالعافية.. ثم حضرتك وماما ونور كفاية قوي. انفعل محمود أكثر ورد بنبرة تهديدية محذرًا إياه: -اسمع.. هتيجي الحفلة حالًا وإلا هيكون في تصرف تاني. رد طارق بحزم: -يا بابا..... ولكن لم يستطع إكمال حديثه، فقد قطع محمود الخط. كاد أن يهشم هاتفه غيظًا وغضبًا، فوقفه إيهاب سريعًا..

فتنهد بحيرة وهو يقول: -ها مفيش فايدة برضه؟! صاح بغضب: -قفل في وشي السكة. ربت إيهاب على منكبه وقال بحسم: -مفيش مهرب هتعمل إيه دلوقتي أنت مضطر تروح. تنهد طارق بعمق ورد بشرود وتفكير: -هييييييح مش عارف أفلت من الحفلة دي إزاي.. بس هتصرف. ******************** أغلق محمود الخط وهو في منتهى العصبية والانفعال، وأطلق ما تبقى منها على تهاني التي تحاول تهدئة روعه قليلًا، فصعد ليستعد ورحلا معًا إلى الحفلة.

بعد السلامات والحديث عن صحته أخذا يتحدثان في أحاديث عامة ومن ضمنها العمل: -شركتك نورت يا هاشم، إيه يا راجل الغيبة الطويلة دي. تنهد هاشم ورد بشرود: -حاسس إنهم مية سنة. ربت عليه محمود باسمًا: -عمومًا حمد الله على السلامة والشركة في غيابك ماشية زي الفل البركة في سلمى. ضحك هاشم وهو يفكر في حديث محمود: -مصدقتش إن سلمى تعمل كل ده طلعت بميت راجل صحيح.. وطبعًا طارق المجهود اللي بنهم في المشروع الجديد. ابتسم محمود ورد قائلًا:

-ربنا يخليهالك وتفرح بيها إن شاء الله. ابتسم هاشم وهو ينظر حوله كأنه يبحث عن شيء وهو يقول: -إن شاء الله قريب جدًا في أخبار كويسة، أومال طارق فين مشوفتهوش لحد دلوقتي. توتر محمود من كلماته، فأردف وهو يسير: -آها ثانية واحدة هشوفه. تركه وذهب إلى تهاني وهو في قمة غضبه وإحراجه قائلًا: -ممكن أفهم ابنك فين لحد دلوقتي.. كده يكسفني قدام هاشم! ردت تهاني وهي تتلفت حولها.. ثم قالت بصوت منخفض وهي تحاول تهدئته:

-اهدى بس ألا حد ياخد باله. نظر لها وصاح بها بصوت يكاد أن يكون مكتوم: -يعني مش شايفة عمايل ابنك اللي هتجنني! ردت مدافعة عنه وإعطاء عذر له: -زمانه جي.. أكيد في حاجة عطلته. قال بغضب دون أن ينظر إليها بحزم: -ابنك ده علاجه الوحيد هو الجواز اللي هيربيه ويتحمل المسؤولية بجد. تنهدت تهاني بحزن وقالت يائسة: -أنت عارف رأي ابنك في الموضوع ده. نظر لها بجدية وهو يقول بنبرة تنذيرية: -بعدين هنتكلم فيه المهم أشوفه فين دلوقتي.

****************** مر الوقت قرابة ساعة والحفلة تسير على ما يرام، تعجبت سلمى من عدم حضور طارق مع والديه، بعدها أدركت بأنه يمكن لا يريد رؤيتها بعد الخلافات بينهم، تغاضت عن تلك الفكرة وهي لا تزال تفكر في سر تأخره. منذ أن تركها عاصم وقلبها غير مطمئن، تشعر بتدبير شيء ما حولها.. فأقبل يوسف عليها وعلى وجهه علامات تعجب قائلًا: -صحيح اللي سمعته ده يا سلمى؟ تفاجئت سلمى من بداية حديثه الغامضة، فردت بتساؤل واهتمام: -سمعت إيه؟

ألقى عليها يوسف المفاجأة الكبرى: -عاصم حدد ميعاد الفرح مع بابا لقيته بيتكلم أنكل حامد مع بابا. اتسعت سلمى عيناها دهشة، إذن هذه كانت المفاجأة التي أراد عاصم أن يصدمها بها!! .. يا ويلها منهم، صاحت به في صدمة وانفعال: -إييييييه.. كده من نفسه مش المفروض ياخد رأيي في حكاية زي دي! ربتت نور على يداها كي تهدئ من روعها، فقد تعالت نبرة صوتها دون دراية منها أثر انفعالها، وبدأت الأنظار تلتف حولها:

-كده كده المفروض إنكوا مخطوبين وهتتجوزوا بالنسباله مش فارقة تعرفي ولا متعرفيش طالما باباه وأنكل هاشم اتفقوا على الميعاد. ضربت سلمى كفًا على الأخرى وهي ناظرة لها بحنق، لتقول في غضب شديد: -بذمتك لو كنت مكاني هتقولي الكلمتين دول، احنا في زمن سي السيد ولا إيه.. بقى كده يا عاصم هي دي المفاجأة اللي محضرهالي مش معقول بجد.. وأنا اللي قلت هيصالحني على عمايله بتاعة الفترة اللي فاتت دي. ضحكت نور وصاحت بمرح:

-هههههههه ولا وهتدبسي يا جميل. صاحت بها سلمى بغضب، وقالت قبل أن ترحل: -بس يا نور هو أنا ناقصة؟ لازم أفهم اللي بيحصل كويس. ذهبت سلمى بخطوات سريعة أشبه بالركض لتستفهم عن تلك المهزلة التي حدثت منذ قليل، لأنها يجب أن تتحدث مع عاصم ووالدها سريعًا. ركضت نور ويوسف وراءها لأنهم يعرفون جنونها وعصبيتها جيدًا في تلك المواقف.

وجدت عاصم يقف مع هاشم ومحمود وحامد، أي تجمع بموافقة الأغلبية ولا كأنها هي من تتزوج. تنظر إليهم بصدمة وغضب شديد، رآها هاشم فأشار إليها قائلًا: -تعالي يا سلمى خلاص اتفقنا على ميعاد كتب الكتاب الشهر الجاي. نظرت له سلمى ببلاهة وعدم تصديق، ولم تتفوه بكلمة. أقبل عليها حامد باسماً: -ألف مبروك يا ولاد عقبال فرحكم إن شاء الله. نظر لها عاصم باسماً ورد بنبرة مرحة: -ألف مبروك يا حبيبتي، إيه رأيك في المفاجأة دي؟

أرمقته بنظرة غاضبة ومنفعلة للغاية، لا تريد سماع صوته حتى. وأيضًا لم تتفوه بكلمة، اندهش الجميع من سكوتها غير المعتاد، فالتفت إليها هاشم متسائلًا: -ها إيه رأيك يا سلمى؟ ابتسمت بتهكم، ثم ردت بضيق: -هو يفرق رأيي يا بابا بعدما قررتوا! ولا كأني صاحبة الشأن ولا اللي هتتجوز أساسًا. بس إيه القرار المفاجئ ده؟! أرمقها هاشم بنبرة غاضبة، فلم تروق له الطريقة التي تحدثت بها أمامهم، تغاضت عن نبرته ورأت إن ما فعلته هو الصواب.

أقبل عليها حامد ورد قائلًا: -ولا مفاجئ ولا حاجة انتوا مخطوبين بقالكم 3 سنين كفاية كده عايزين نفرح بيكم. ردت سلمى بثبات وحزم: -تفرحوا بينا لما تاخدوا رأيي الأول، لاحظ حضرتك إنك بتتكلم بصيغة الجمع مش المفرد، مش تقرروا براحتكم ولا كأني هنا. عن إذنكوا. حالة من الصمت والإحراج الشديد والتعجب مما بدر من سلمى، ولا يعرف ماذا يقول هاشم معتذرًا لهم.

رحلت سلمى وهي تشعر بداخلها بقليل من السلام النفسي، تحسنت قليلًا عندما أطلقت ما كبت في داخلها، لو لم تتحدث فكاد أن يحدث لها شيء. وعلى الرغم من ذلك فهي على علم ودراية كبيرة أن ما حدث لن يمر مرور الكرام لهاشم أبدًا، فهي غير مبالية لما يحدث، فعلت ما يرضي عقلها فقط.

لقد تفاجأ يوسف ونور بحديث سلمى، ولكن كان على يقين بأنها لن تصمت وهي تراهم يقررون حياتها دون علمها، بناء على شخصيتها وكان في باطن نفسه سعيد بما حدث حتى لا يفهموا صمتها ضعفًا منها، وفي نفس الوقت يخشى ما يحدث بعد الحفلة. عادت سلمى إلى أدراجها وهي تشع غضبًا وانفعالًا: -عجبك اللي بيحصل ده؟ كده يتفقوا من غير ما أخد قرار حتى. رد يوسف بحماس:

-إحساسي كان في محله. كما توقعت في حاجة هتحصل. بس أنتِ كنتِ جبارة يا بنتي ثبتيهم كلهم. قالت نور بحزن عما حدث: -هي حاجة تضايق إنهم ماخدوش رأيك بس مصيركوا هتتجوزوا يا سلمى. ردت سلمى منفعلة: -عارفة يا نور بس أنا لسة مش مستعدة للجواز أخدوني على سهوة. أردف يوسف بجدية: -اللي حصل يا سلمى كده كده دلوقتي أو بعدين هتتجوزوا، ثم مش هتعرفي تعترضي على بابا.

تنهدت سلمى بضيق شديد، فالخبر جاء بموعد غير مناسب، كأنهم يضغطون على قرارها بحالة هاشم. فردت بضيق: -عارفة حالته الصحية متسمحش. أعمل إيه بس يا ربي دبرني. يوسف بتفكير: -كده مفيش حل إلا إنك تقعدي مع بابا وعاصم وتتفاهمي معاهم. ضحكت سلمى بسخرية: -لا أنسى. بابا لا يعني لا مفيش نقاش، بذمتك مش ناسي اتخطبنا إزاي؟

عاصم هيتحجج لي بمية حاجة وباباه شور يعني هيأثر عليه بقالكم كام سنة مخطوبين ومش عارفة إيه، ومش هيلغوا قرار كتب الكتاب ولا هعرف آخد منهم حق ولا باطل. اللي مضايقني في الموضوع ده كله مش عاطيني أي أهمية في أخذ القرار وبيتصرفوا على كيفهم. ربتت نور وقالت ضاحكة: -معنى كده مبروك مبدئيًا. مبروك يا لوما والله وأشوفك عروسة. نظرت لها سلمى بغرابة وقالت: -أنتِ خلاص عملتيني عروسة. ضحك يوسف على طريقة نور، ثم نظر إليها باسماً:

-عقبالك يا آنسة نور. شعرت نور بالإحراج من نظرته وابتسامته، فتنحنحت مردفة: -أحم إن شاء الله وأنت كمان. لا يزال يوسف معلقًا نظره عليها: -يا رب. لا تعرف كيف تهرب منه، شعر بها فابتسم. غيرت الموضوع قائلة: -أحم غريبة أوي كل ده وما جاش. تساءل بتأكيد: -مين ده طارق؟ ردت نور بجدية: -أها اتأخر أوي. سلمى كل حين تختلس عيناها خلسة وتنظر إلى الباب. مرت ساعتان وانتهت الحفلة بعدم مجيء طارق، وهذا ما جعل محمود يزيد في غضبه.

فسأله هاشم عن سر غيابه: -إيه اللي حصل يا محمود ما جاش ليه لحد دلوقتي؟ نظر محمود للساعة بلهفة، ثم قال بقلق: -أنا قلقت والله كلمني وقالي إنه في السكة. ركضت نور نحو محمود وصاحت بلهفة: -بابا طارق وصل أهو، يا خبر إيه ده.... ذهب معها محمود ثم صاح عندما رآه: -هو فين ده؟ إيه اللي عمله في نفسه ده؟ طارق يقف بجانب سيارته أمام الفيلا، سلمى تبحث عنه بعينيها إلى أن تقابلت نظراتهما في ثوانٍ صامتة بينهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...