حاولت نور الاتصال بسلمى كثيرًا. الهاتف مغلق أو غير متاح. سألت عنها السكرتارية، فعرفت بأن لديها عمل في الخارج، ومن المفترض أنها أنهت زيارتها للمشفى مبكرًا لحضور الاجتماع، ولكنها تأخرت. *** سلمى لا تزال تبكي بشدة مما رأته، وهي تحاول إفاقة طارق بصياحها: "أستاذ طارق.. طارق طااااارق فوق أرجوك.. حد يلحقنا."
في هذه الأثناء تجمع كل من بالمشفى من أطباء وخلافه حولهم. طارق فتح عينيه أخيرًا وهو ممسك ذراعه من الألم. فقد أصابت الرصاصة منكبه. بينما هو غارق في ألمه ودمائه، نظر لها وحاول تهدئة روعها قليلاً. لأول مرة يرى ضعفها. "أنا كويس الحمد الله.. جات سليمة." مسحت سلمى دموعها وصاحت به: "سليمة إيه بس مش شايف بتنزف؟ بألم ونبرة صادقة بالفعل: "المهم أنتِ كويسة؟ أجابت بنبرة شبه هادئة، تناست فيها خلافهما تمامًا نوعًا ما:
"كويسة.. المهم أنت سيبك مني دلوقتي." لم يجب عليها فقد تم حمله على الترولي وإلى غرفة العمليات على الفور، فقد نزف كثيرًا من الدماء. هدأت سلمى قليلًا ولكن قلبها ما زال متوترًا ويداها ترتعش. تخشى أن يحدث له شيء بسببها. بعد قرابة نصف ساعة خرج طارق من غرفة العمليات، وتمت إزالة الرصاصة بسلام وتم نقله إلى غرفة عادية كي يستريح.
قرابة الخمس دقائق دخلت سلمى بعد خروج الطبيب. جلست بجواره حتى يستفيق. ارتسمت بسمة لا إرادية عندما وجدته يحاول فتح عينيه، فأقبلت عليه بهدوء قائلة: "حمد الله على سلامتك." رد طارق باسمًا بعفوية: "الله يسلمك." استردت حديثها بنفس النبرة: "أنت كويس دلوقتي؟ أجاب طارق بإرهاق بسيط: "الحمد الله بقيت أحسن." رغم ما حدث ولكن سلمى الفضول كاد أن يقتلها. يوجد شيء لا تعلمه. تطلعت إليه وتغيرت نبرتها إلى علامات استفهام قائلة:
"الحمد الله.. هو إيه اللي حصل بالظبط عشان يحصل كل ده؟ توتر طارق من نبرتها، فكيف يبرر ما حدث. اقترح بأن يخبرها الحقيقة فقال: "مفيش.. كنت واقف برة عند العناية لقيت مرة واحدة الأستاذ ده بيقولي أنت مين وبتعمل إيه، سؤال عجيب هو ماله أصلًا وقام دبّت خناقة." تفاجأت سلمى من كلماته فشعرت بالضيق والدهشة، ولكن رد بهدوء تام وجدية: "امممم أفهم من كده إنك ممشيتش واستنيتني. لو كنت مشيت مكنش حصل اللي حصل."
نظر لها طارق لا يعرف ماذا يقول. هو نفسه لا يعلم لما فعل هذا من الأساس. لا يستطيع أن يعترف أمامها إنه كان ينظر إليها ويراقبها خلف زجاج العناية بدون هدف أو مبرر محدد، وإلا سوف يكون في موقف محرج له للغاية. فلن يدع لها الفرصة كي تستخف به أو تحدثه بأسلوبها المستفز هذا مرة أخرى. فلم تكن هي هدفه الأساسي لزيارة المشفى في هذا التوقيت، فرد ببرود سريعًا: "هو أنا واقفلك مثلًا، ما أقف في المكان اللي يعجبني."
شعرت بالغرابة أكثر والضيق من رد فعله. فنظرت له وقالت بنبرة جادة ومنفعلة: "لا والله.. ربنا ستر على اللي حصل ده. مكنتش جيت مكنش حصل كده." حاول طارق التغاضي عن انفعالها، وكأنها محور الكون كي يتركه ويذهب خلفها أينما تكون. وعلى صميم بأنه يراقبها، فمهما قال لن تصدق أن لقاءهما كان مجرد مصادفة ليس إلا. تنهد بقلة صبر ورد بألم:
"أولًا أنا جيت في الأساس عشان أجيب تحاليل وأشعة والدتي، وقلت بالمرة أطمن على أستاذ هاشم، يعني مش جايلك مخصوص ولا ماشي وراك." نظرت له ولم ترد. تكره انتصاره عليها بهذا الشكل. ظلوا في هذا الوضع بضعة دقائق وكل منهم أدار وجهه في ناحية مختلفة متجنب الآخر. ليقطع صمتهما بفضول وتساؤل: "آه صحيح هو مين الحيوان اللي ضربني ده؟ نظرت له سلمى باستنكار وهي ترفع إحدى حاجبيها قائلة: "امممم الحيوان ده يبقى خطيبك."
نزلت تلك الكلمة على طارق كثقل الجبل فوق رأسه. مشاعر متداخلة وغير مفهومة. حزن، ضيق، وإحراج. لجم لسانه وعقله لحظة واحدة. فلم يكن لديه اكتراث من قبل كي ينظر إلى يداها. لا يعرف لما يشعر بالحزن عندما علم بشأن خطبتها. لا يعرف توضيح مشاعره. فاكتفى بالاعتذار منها قائلاً: "احم.. أنا آسف مكنتش أعرف إنه خطيبك." شردت لحظة في حزن ثم تنهدت ونظرت له قائلة بنبرة هادئة:
"ده يبقى ابن شريك بابا، ماسك شغل باباه لأنه مسافر 6 شهور حاليًا عقبال ما يرجع.. وطبعًا الطرفين عشان يكبروا الصفقة لازم بمشروع جواز." طرق في ذهنه سؤالاً بديهيًا، فقال دون تفكير: "وعلى كده بتحبيه؟ لم تستطع التغاضي عن هذا السؤال. فلن تسمح له بالاقتراب منها هكذا أو يقتحم حياتها الشخصية بهذه البساطة. لن تسمح له على أي حال. فرمقته بنظرتها وقالت بجدية بالغة: "أظن دي مسألة شخصية ملكش إنك تدخل فيها وﻻ إيه يا أستاذ طارق!
.. على العموم حمد الله على السلامة مرة تانية." شعر بالإحراج للمرة الثانية. يبدو سلمى تخصص وضع من أمامها في هذه المواقف. ويبدو أن سؤاله ليس مناسبًا على ما يبدو عليه داخل غرفة بمشفى. لحظات وسمعت نغمة هاتفها. تناولته واستأذنت لتخرج وتجيب. كانت المتصلة نور: "ألو أيوه يا نور." اندفعت نور عندما سمعت صوتها وصاحت بها: "أنتِ فين يا بنتي؟
روحتلك الشركة السكرتيرة قالتلي عندك شغل برة وعارفة إنك رايحة المستشفى.. أتاخرتي ليه كل ده مش عارفة إن عندك اجتماع! تذكرت سلمى ارتباطها بالشركة. فتحت فاها بشدة وطرقت كفها على جبهتها وهي تستجمع ذاكرتها لترد بصدمة: "يا خبر!! .. أنا اتلخمت في اللي حصل لي ونسيت موضوع الاجتماع ده خالص." صاحت بها نور بنفس النبرة: "حصل إيه؟ أنا من ساعتها قلقانة عليكِ."
قصت عليها سلمى ما حدث. قلقت نور للغاية ولم تصدق بأن عاصم تصدر منه تلك التصرفات المشينة. صاحت بها في قلق: "يا خبر.. أنتِ فين دلوقتي؟ .. كويسة؟ تنهدت سلمى بعمق ثم ردت بكل هدوء: "الحمد الله.. المهم هو اتضرب بالنار بسببي." أنهت معها نور المكالمة في لهفة: "طيب طيب أنا جايلك سلام."
أنهت سلمى المكالمة وعادت لطارق مرة أخرى. جلست والفضول كاد أن ينطق من عينيه يريد معرفة من المتصل لتخرج ترد هكذا بهذه السرعة. فلا يعرف من أين أتى بهذا الفضول نحوها. فأجابت عليه دون التفوه بكلمة كأنها تشعر بما يدور في عقله. فنظراته لها كانت تنطق قبل لسانه: "سوري كانت صاحبتي بتطمن عليا.. كان عندي اجتماع بس اللي حصل نساني كل حاجة." اطمأن ولكن شعر بالأسف على ذلك. فرد سريعًا:
"يا خبر.. أنا آسف الظاهر إني اتسببت لك في مشاكل بمجيئي هنا." نظرت له بضيق وكأنها تقول له هلا تذكرت الآن واعترفت. ولكن تغاضت عن مجادلته فتنهدت بعمق وردت بنبرة ضجرة: "اللي حصل حصل خلاص مفيش داعي.. للأسف هو اللي متهور شوية أنا اللي بتأسف لك عن اللي حصل بسببي." ارتسم على ثغره بسمة صغيرة وهو يقول: "لا مفيش داعي للأسف.. كمان أنا قلقت عليكِ من تصرفاتها."
اكتفت بابتسامة مجاملة ولم ترد. مرت عشر دقائق وسمعا قرع على الباب. دخلت الطارق وكانت نور. اقتحمت بلهفة وهي تقول: "ألف سلامة عليك يا... لجم لسانها عندما رأت طارق بجوار سلمى. ما هذا!! وهو أيضاً تفاجأ بوجودها. شعرت سلمى بالغرابة من هذا الموقف فلم تفهم سر تجهم وجهها بهذا الشكل. فأقبلت عليها حتى لا تشعر بالإحراج قائلة: "أهلًا يا نور.. إيه مالك في إيه؟
لم تنتبه نور لحديثها، فقط تركيزها منصب على وجود طارق وهو طريح الفراش هكذا. ركضت إليه وصاحت به بلهفة وهي تتفحص وجهه وجسده: "طارق!! أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت كويس؟ إيه اللي حصل؟ تطلع إليها بغرابة. من أين تعلم بتلك الحادثة. فقال سريعًا: "أنتِ اللي بتعملي هنا إيه يا نور؟ تجلس سلمى بينهم ولم تفهم أي شيء بعد. من أين يعرفون بعضهم البعض. ولماذا أقبلت عليه بتلك اللهفة والشوق؟ وماذا يحدث بينهم؟! ***
عاصم في وقت هروبه من المشفى، قاد سيارته بسرعة جنونية والخوف والرعب يتملكه بشدة. وﻻ يعرف ماذا يفعل بعد ما حدث. اعتقد بأن الرصاصة أدت إلى وفاته. أوقف سيارته بسرعة على جانب الطريق وقام بمهاتفة صلاح. انتظر إلى أن تم الرد عليه فصاح به بغضب وإنفعال: "ألو أنت فين يابني؟! تفاجأ صلاح من انفعاله وصاح به بلهفة هو الآخر: "في الشركة إيه مال صوتك؟ رد عاصم بنفس النبرة: "أنت لسة هتسأل يلا تعالي مستنيك في كافيه...
أغلق صلاح معه مسرعًا: "طيب طيب مسافة السكة." قاد سيارته واتجه إلى المكان المنشود. دقائق ووصل صلاح وهو يبحث عاصم. إلى أن رآه يشتعل في مكانه وهو يشرب سيجاره بكل انفعال وغضب. جلس على طاولته وهو يقول في قلق: "خير اللي حصل؟ مين اللي بهدلك كده؟ قص عليه عاصم ما حدث. كل هذا ويستمع إليه صلاح بدهشة. فرد بصدمة: "يا خبر ضربته بالنار وبعدين... رد عاصم بنبرة منفعلة: "مش عارف أنا اتعصبت منه طلعت المسدس ضربته وهربت على طول."
صلاح بنفس النبرة والدهشة: "طب وهو حصله إيه؟ مات؟ عاصم بنفس النبرة وهو يطلق الدخان في الهواء بعصبية: "مش عارف، مصيبة ألا يكون جراله حاجة لازم نتصرف بسرعة." شرد صلاح قليلاً ثم قال بتردد: "طب وهتعمل إيه ف... لم يستطع إكمال حديثه، فصاح به عاصم: "ما تنطق في إيه." ابتلع غصته وقال بقلق: "أنت ناسي إن سلمى شاهدة على اللي حصل. أفرض لو جراله حاجة هتشهد عليك."
عاد عاصم بظهره إلى الخلف وهو يطلق دخان سيجاره بشدة. وعلى ثغره بسمة خبيثة. تطلع إليه ثم قال بكل ثقة: "لا متقلقش سيبك منها دلوقتي أنا هعرف أتصرف معاها كويس." *** سارة منذ أن خرجت من الشركة أصابها الجنون. ﻻ تعرف إلى أين قد رحل كل هذا الوقت. حتى هاتفه لم يتم الرد عليه. مرت عدة ساعات وعادت إلى الشركة مرة أخرى ولم يأتي بعد. بعد مدة من اليأس هاتفت إيهاب.
يجلس إيهاب في منزله. تلقى العديد من الرسائل النصية مرسلة من سارة. لا يريد فتحها أو قراءتها حتى كنوع من العقاب. دقائق وسمع رنين هاتفه وجد المتصل سارة. تردد كثيرًا فتناول هاتفه ورد على مضض: "ألو أيوه يا سارة في إيه تاني." صاحت فيه سارة بغضب: "صاحبك فين يا إيهاب! من الصبح وهو مبرددش عليا ولا بيكلمني.. حتى أنت كمان مطنش مسدجاتي هو في إيه بالظبط؟ تنهد بضجر ثم قال بضيق:
"ولا حاجة يا ستي هيكون في إيه يعني أكيد في الشغل يعني." ردت بإنفعال كبير، لأنها على يقين بأنه لا يقول الحقيقة: "شغل! شغل إيه ده أنا لسة جاية من الشركة لتاني مرة ومش موجودة." شعر بالقلق بالفعل. لقد تأخر في موعده مع سلمى. هدأ من روعه قليلًا كي يحسن التفكير، ثم تساءل باهتمام: "هي الساعة كام دلوقتي؟ تنهدت بضيق ثم قالت: "داخلة على 5 كده."
لا لقد تأخر عن المعتاد. حاول أن ينهي معها حاليًا حتى يستطيع الاطمئنان على صديقه ويعرف ما حدث. فرد بنفاذ صبر كي لا تشعر بشيء: "طيب وإيه المطلوب مني دلوقتي يا سارة." شعرت بالبرود من أسلوب حديثه، فقالت بغرابة: "مالك يا ايهاب بتكلمني كده ليه؟! شعر إيهاب بأنه أطال في معاملتها الخشنة. رق نبرته قليلًا ثم قال بهدوء: "مفيش حاجة يا سارة مش في المود شوية أنا معرفش حاجة لو عرفت هكلمك." أمسكت أعصابها قليلًا فردت قائلة:
"ماشي يا إيهاب.. سلام." زفر إيهاب ورد بنفس النبرة: "سلام يا سارة." أنهى معها المكالمة وهو يؤنب نفسه. ولكنه يرى بأنه أنسب عقاب لنفسه وليس لها. فقد تماسك طوال المكالمة حتى لا تشعر سارة بشيء متعلق بطارق عندما علم بشأن عدم عودته بعد، خاصة مجيء سارة إلى الشركة مرتان. نظر إلى ساعته وقام بمهاتفة طارق، ولكن لم يرد عليه فزاده القلق أكثر. أين ذهب يا ترى؟ فسر كل منهم مع الآخر. فقرر الاتصال بمحمود ألا يكون عاد إلى المنزل. ***
يجلس محمود في الحديقة وبيداه جريدة متمعن في قراءتها. دقائق وسمع تهاني تنادي عليه من الداخل: "مش يلا يا محمود الغدا، استنيتك في ميعادك وأتأخرت.. كفاية كده؟ ترك الجريدة وأدار وجهه لها وهو يقول: "مش نستنى الولاد الأول بالمرة، بما إني مريح شوية هنا.. معرفش اتأخروا كده ليه.. هي كلمتك؟ اقتربت تهاني منه وردت قائلة: "كلمتني الساعة 2 كده وقالت لي إنها هتعدي على صاحبتها بعد الكلية ولسة مجتش." نظر في ساعة يداه ثم قال:
"طارق كمان أتأخر كان المفروض يكون في الشركة من بدري بعد معاده مع سلمى بس مرجعش.. كده الشركة لوحدها." جلست تهاني بجواره وتساءلت: "وعرفتِ إزاي؟ نظر لها محمود بغرابة ثم قال: "نعم! أنتِ ناسية إني صاحب الشركة!! .. ثم إيهاب صاحبه لسة مكلمني دلوقتي بيسأل عليه وقال إنه من الساعة 1 ومرجعش الشركة وتلفونه مقفول." تنهدت تهاني بحيرة فقالت: "خير يا رب.. أكيد أتأخر معاها ولا شكله راح هنا ولا هنا متقلقنيش معاك." نظر لها وقال باسمًا:
"خير إن شاء الله الغايب حجته معاه زمانهم جايين." *** سلمى لا تزال لا تفهم شيء على الإطلاق فيما يدور حولها. فصاحت بهم بغرابة: "في إيه يا جماعة أنتوا تعرفوا بعض؟ .. تعالي يا نور." جلست نور على أقرب مقعد وهي ما زالت متفاجأة، وأيضًا طارق. فردت بثقة بالغة: "أيوه طبعًا عز المعرفة.. ده طارق أخويا." نظرت لها سلمى ببلاهة ولم تستوعب بعد ما تقوله، حيث رفعت إحدى حاجبيها وهي تقول: "نعم؟!
ابتسم طارق على وضع سلمى وهي تجلس بينهم كالبلهاء. وصدمتها الكبرى لكونه أخيها. ثم نظر إلى نور وقال باهتمام: "نور أختي يا سلمى.. بس أنتِ بتعملي إيه هنا؟ ضحكت نور وهي تنظر إلى طارق وقالت ببلاهة: "أنت اللي بتعمل إيه هنا.. سلمى صاحبتي وجاية أطمن عليك." تطلعت سلمى إليهم ثم قالت بعدم تصديق: "مش معقول.. أنتوا أخوات؟! تذكرت نور مشهد أخيها. تناست تمامًا الحالة التي يبدو عليها فنظرت له وقالت باهتمام: "أيوه أنتِ متعرفيش ولا إيه؟
هو إيه الحكاية سلامتك يا طارق إيه اللي حصل؟ رد سلمى هي بشرود وما زال عقلها لم يستعب بعد تلك العلاقة: "أنا اللي عايزة أفهمك." كتم طارق ضحكاته كي لا تلاحظها كلاً من سلمى ونور. نظر إلى الأخيرة وقال بهدوء: "سلمى يا ستي تبقى شريكتي في الصفقة الجديدة يا نور اللي بابا قالك عليها قبل كده." لم تستطع نور كبت ضحكاتها عندما تذكرت الحوار الذي دار بينها وبين والدها والوضع الذي تبدو عليه الآن. فردت وهي ما زالت تضحك:
"اها هو أنتِ يا ست سلمي ههههههه ما كنت تقولي إنك داخلة شغل جديد معانا كنت زماني قولتلك طارق مين." ما زالت سلمى في حالة البلاهة التي عليها: "هو في إيه؟ ضحكت نور واستردت بحماس: "أصل طارق مبطلش كلام عنك يعني عن شريكته في الشغل الجديد.. وبابا قالي إن الشركة داخلة صفقة أدوية كبيرة بس مكنتش أعرف إنها مع شركتك كل ده من غير ما أعرف." سلمى بعد تفكير وربط الأحداث بعضها ببعض. نظرت لطارق بشك وترقب موجهة حديثها لنور:
"صدفة عجيبة.. بس كلام إيه ده اللي بيقوله؟ كتمت نور ضحكتها وهي تنظر لقسمات وجهها المتوعدة لطارق. ثم ابتسمت لطارق وغمزت له. همس لها بمعنى "هتضربي لو اتكلمتي". ضحكت ثم قالت بمرح: "لا يا ستي أكيد كل خير يعني." شكت سلمى من همساتهما. فردت بعدم ارتياح وضيق: "امممممم ماشي يا نور." ضحكت نور وهي تنظر لكل منهم وعلى وجهه علامات تفهمها جيداً. ثم قالت بمرح: "هههههه مالكوا انتوا الاتنين.. شكلي هضرب منكوا دلوقتي." ردت
سلمى بهدوء وهي تنظر لطارق: "أنا كمان معرفش إنك تبقي اخت طارق.. فرصة سعيدة." طارق بابتسامة مجاملة: "أنا أسعد." لا تزال نور في حيرة من أمرهم. فنظرت له باهتمام متسائلة: "هو إيه الحكاية يا طارق.. مفهمتش من سلمى حاجة." لم يريد طارق فتح الحديث بوجود سلمى. فأجاب بهدوء: "لما نبقي نروح بقى يا نور.. أهم حاجة إن سلمى كويسة دلوقتي."
مرت دقائق في صمت عجيب بينهم. فقط ينظروا إلى بعضهم البعض دون إبداء أي كلمة. شعرت سلمى بالإحراج فقررت قطع الصمت بينهم فقالت: "الحمد الله.. احم سمعت وأنا برة الدكتور كتب لك على خروج.. الحمد الله إن الرصاصة جات في كتفك." ضربته نور بمزاح على ذراعه وقالت: "ألف حمد الله على سلامتك يا بطل تعيش وتاخد غيرها." ***
بعد مدة قليلة خرجوا من المشفى بعد تصريح مباشر من الطبيب. نور وطارق وصلا الفيلا بالطبع بعد قيادة نور للسيارة. فطوال الطريق ساد الصمت بينهم. منتظرة أن يصلا إلى المنزل أولاً لتفهم سر علاقة عاصم بأخيها وكيف انتهى المطاف بلقائهما سوياً. ولكن ماذا تقول لوالديها عندما يروا طارق في هذه الحالة. لابد أن تجعله يصعد أولاً ثم تتحدث إليهم.
بعد انتظار طويل سمعا صوتهما بالداخل فخرجوا لاستقبالهم. ليتفاجئوا بذراع طارق المربوط. ركضا نحوه في لهفة وتهاني تصيح بنور بقلق: "ابني.. إيه اللي حصل لاخوكِ يا نور؟ محمود بنفس اللهفة والصياح: "إيه اللي حصل مال دراعك يابني؟
لم يستطع طارق الإجابة على كل هذه التساؤلات. ﻻ يزال ذراعه يؤلمه. حتى نور نفسها ﻻ تعرف ماذا تجيب. فما توقعته وتخشى منه قد حدث بالفعل. وهي ﻻ تعلم شيئاً بعد. فقررت أن تنهي الأمر على الفور وذلك عندما التفت إليها طارق بنظراته لنجدته. فنظرت لهم وقالت وهي تحاول إنهاء الأمر في هذه اللحظة: "مش وقته كلام دلوقتي يا ماما سيبوه يستريح وأنا هحكيلكوا كل حاجة."
سندت نور اخيها إلى غرفته واطمأنت إنه استغرق في النوم من شدة إرهاقه. أغلقت الباب بهدوء ونزلت للاطمئنان والديها. فقصت لهم ما حدث وعن المشكلة التي وقع فيها لولا وجود طارق. تذمر محمود لما حدث. فضرب كف على الآخر وصاح بضيق: "مش معقول ده إنسان طايش و متهور." تهاني بحزن: "الحمد الله، سلمى لا حول لها ولا قوة، ربنا يعينها على المفتري ده." نور نظرت لوالدها وقالت بعتاب:
"ايووو بس حضرتك مقولتليش إن الشغل الجديد مع سلمى الجوهري، دي صاحبتي لولا كده كنت نبهت طارق قبلها، مكنش عاصم اتهجم عليه ولا ضرب عليه نار." وقف محمود في غضب شديد ثم صاح منفعلًا: "عاصم تعدى حدوده، يتعدى على ابني ويضرب عليه نار!! .. هاشم اللي حط بنته في الموقف ده من الأول عشان الشركة تكبر يجوز بنته من ابن شريكه وهي من حقها تختار شريك حياتها هنقول إيه بقى ربنا معاها." قلقت نور من انفعال أبيها. اقتربت منه
أكثر وهي تحاول تهدئة روعه: "يا رب، كل مشكلة ولها حل.. متعرفش ده بيعاملها في الشركة إزاي يا بابا قرف بجد ربنا يهدي." صاح محمود بشدة وطرق بيده على سطح الطاولة: "أنا هأدبه بمعرفتي عشان يفكر تاني يضرب نار على ابني." قاطعته نور سريعًا كي لا تحدث مشكلة كبيرة: "متتعبش نفسك يا بابا.. طارق هيعمل معاه الواجب وزيادة." تنهدت تهاني بحزن وقالت: "واخوكِ عامل إيه دلوقتي؟ ردت نور وهي تهم بالمغادرة:
"الحمد الله، سيبوه يستريح شوية بكرة الصبح هيكون أحسن بكتير، هطلع أنا كمان لأني تعبت تصبحوا على خير." ردت تهاني ومحمود: "وأنتِ من أهله يا حبيبتي." تركتهم وصعدت إلى غرفتها كي تستريح قليلاً. ولكن الحوار بين محمود وتهاني لم ينتهي. "عجبك اللي حصل ده؟! .. كلي زي ده يضرب ابن محمود الأبياري بالنار.. ليه كل ده وعشان إيه؟ ربتت على يديه محاولة تهدئة من روعه: "سيب ابنك يتصرف معاه يا محمود.. هدي نفسك بس." زفرت بشدة واسترد بغضب:
"هو أنا لسة هستناه لما يتصرف.. أنسي يا تهاني." عم الصمت بينهم وتهاني تدعو الله أن يمر ما حدث بسلام على الجميع. يكفي أن ولدها الوحيد يبيت بين أحضان جدران هذا المنزل معها وإنه بخير وعلى ما يرام الآن. *** فكرت كثيرًا أن تعود إلى الشركة مرة أخرى، ولكن الحادثة جعلتها مشوشة للغاية وعديمة التركيز. تحتاج لمزيد من الراحة كي تستعيد ربط ما رأته اليوم من مصادفة عجيبة. فقررت أن تعود للمنزل أفضل.
وبالفعل عادت بأرهاق شديد وصعدت لغرفتها مباشرة. مرت على غرفة هاشم ولم تستطع الانتظار أمامها كثيراً. غالبت مشاعرها ودخلت غرفتها. مددت بتعب وإرهاق شديدين على فراشها وهي تفكر. كأن شريط سينما يمر أمام عينيها. أيكون تلك الشخصية المستفزة شقيقًا لصديقتها المقربة؟ لا يشبهان بعض على الإطلاق. وكيف تتصرف معه بعد الآن؟ وكيف لم تلاحظ تشابه الأسماء بينهم وشركة والد نور التي تتعامل معها منذ سنوات؟ كيف لم تنتبه لكل هذا من قبل؟
أكانت مغيبة أم الظروف التي تمر بها دعلتها تفقد تركيزها؟ إذا أدركت هذا من قبل لما كانت علاقتها تصل به لهذا الحد. لم يصب بسببها قط.
تفكر بما حدث اليوم وعن تلك المصادفة العجيبة. وعن تصرف عاصم الأحمق. لا تتصور بأنه يصل إليه الجرأة ويطلق عليه الرصاص. إنه متهور لا تنكر ولكن ليس لدرجة القتل. صدمت منه كثيرًا وتحمد ربها على أن طارق بخير وأصبح على ما يرام. فهي لن تتحمل إذا حدث له أي مكروه بسببها. ولكن ما يكون رد فعله على شروع قتله من عاصم؟
قلقة كثيراً ففكرت بوالدها حتى يفيق حتى ينجدها من ذلك الذئب البشري الذي يسمى خطيبها. فلن تتحمل كوارثه بعد ذلك. ولكن لا يجب أن يعلم يوسف بأي شيء مما حدث. لا يجب. زفرت بشدة بضيق على الحالة التي وصلت إليها فقامت بدلت ملابسها وجلست قليلًا تعمل على حاسوبها.
عاد مساء يوسف وذهب مباشرة لغرفة شقيقته كما اعتاد أن يفعل. دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. ابتسم عندما رآها تعمل في سلام. أقترب منها وجلس على فراشها وهي بدورها رفعت رأسها باسمة وأغلقت الشاشة منتبهة له. قطع الصمت ليقول: "إيه أخبار يومك النهارده؟ تلاشت البسمة عندما تذكرت. وهو لاحظ ذلك ولم يعلق. ولكن ابتسمت بتصنع: "الحمد لله... عادي متشغلش بالك."
أدرك من طريقة حديثها القلقة بأن أمرًا ما قد حدث وهي لا تريد أن تخبره بشيء. تخشى شيئًا ما بخصوص عاصم. فهو المحور الأساسي الآن لأي شيء يعكر صفوها. فقرر استدراجها ليعرف ما تخفيه: "آه بالحق.. إيه أخبار شغلك مع طارق؟ توترت وشعرت بالضيق قليلًا عندما سمعت أسمه. فحاولت أن تبدو طبيعية: "الحمد لله الشغل ماشي تمام لحد دلوقتي." لم يشعر بالراحة لنظراتها أبدًا. ها هي تخفي شيء بخصوص طارق هو الآخر. تنهد ثم قال بجدية:
"أومال مالك من ساعة ما أخدتك من المستشفى وأنا حاسك متغيرة." هربت بعينيها منه. تخشى أن تواجهه وتفضح كل شيء: "ارهاق يا يوسف ما أنت عارفه."
تنهد بضيق كبير. فقد اقترب صبره من النفاذ. تهرب من عيناه وترد على قدر السؤال هاربة منه. وتتعدى ما يحاول أن يصل إليه منها بطريقة غير مباشرة. ولكن أسلوب حديثها ككل فضح كل شيء تحاول تخفيه. فقد سأم. فرنا إليها وهي ارتبكت من نظراته لها. ابتلعت غصتها منتظرة رد فعل إلى متى سيظل هكذا. وفي داخلها تدعو الله أن لا يذكرها. وقال بنبرة صارمة وجدية: "هتفضلي كده لحد أمتى؟ كادت أن تتحدث لكنه قاطعها بصرامة جعلتها تفقد النطق حتى:
"تخبي تخبي ومفيش كلام.. مفكراني نايم على وداني وحاجة زي دي ممكن تعدي عليا عادي كده؟!! .. لا يا باشمهندسة.. أنا عدتلك كتير يا سلمى إنك تخبي اللي بيضايقك عشان عارف إنك في الآخر بتعرفي تتصرفي وبيضايقني جداً إنك بطلتي ترجعيلي عشان متهورش.. لكن لما الموضوع يوصل لشروع في قتل لا وألف لا يا سلمى.. مش هسمحلك."
نظرت له في صدمة مما يقول. كيف له أن يعرف بهذه السرعة. معه حق في كل كلمة تفوه بها. ولكنها تخاف عليه كثيرًا. فهو ما تبقى لها في هذه الدنيا. أيقنت أن نظراته وطريقة تحديثه منذ البداية لها دافع. استجمعت شجاعتها وقالت بصوت مهزوز: "أنت مين قالك؟ صاح بها بغضب: "هو ده كل اللي همك!! مين قالك!! .. ومش همك اللي دمه ساح والمشكلة اللي ممكن تحصل على عملة خطيبك الطايش.. أدعي بس أن طارق ميتهورش. لإنه مش هيسكت على حقه." هنا انفجرت
فيه غاضبة عندما تذكرت: "وهو حد قاله يستناني وأنا جوة عند بابا." نظر لها بصرامة، بأنها دون أن تدري باحت بكل شيء. عقد ذراعه أمامه وقال بجدية: "أيوه بقى، اللي جاب طارق الإبياري المستشفى." قامت سلمى بهجوم واعتدلت جلستها. فقد شعرت بنبرة اتهام من أخيها. فصاحت مدافعة:
"وأنا مالي يروح مطرح ما يروح.. أنا اتفاجئت بيه في المستشفى داخل معايا، قلت أكيد جاي لحد هنا وأنا مالي، بس لقيته مكمل معايا الطريق لحد العناية، ولما سألته قالي إنه جاي يطمن عليه، فمتجيش تعاتبني على حاجة مليش يد فيها." نظر لها ورد بعتاب: "أنا مش بعاتبك يا سلمى، بس لما الأمور توصل للخطر كان لازم تعرفيني عشان أتصرف. أفرضي كان جرالك حاجة ساعتها كنتِ عملتي إيه؟ وأنا كان هيبقى حالي ازاي من بعدك؟
.. أنتِ عارفة إني مليش غيرك أصلًا ً في الدنيا دي.. فأنتِ غلطانة ولازم تعترفي بغلطك." تعرف سلمى جيدًا أن كل كلمة محق بشأنها، ومعترفة خطأها. ولكن تلقي اللوم الأكبر على طارق. فلا تشعر بشيء الآن سوى بالضيق الشديد منه ومن عاصم. خاصةً هذا الأخير. نظرت له وهي عابسة: "ماشي يا سيدي أنا غلطانة.. اللي حصل حصل بقى وأهو بقى كويس الحمد لله.. ممكن تقفل الموضوع لحد كده؟
تنهد يوسف بعمق وحيرة. تمنى أن تكون استعابت ما قاله لها، وحقاً كفى إعطاء الموضوع أكبر من حجمه. خرج وتركها تفكر في حيرتها وكيف ستواجه مصيرها معهم بعد ذلك حتى غلبها النوم. *** في صباح اليوم التالي لم يستطع طارق الذهاب إلى الشركة بسبب كسره. فاتجه إلى النادي. فكانت سارة بإنتظاره تبحث عنه بنفس حالة الأمس. وكانت تنوي أن تتشاجر معه. ولكن عندما رأت ذراعه المربوط قلقت كثيراً وأقبلت عليه بلهفة: "إيه ده مال دراعك حصل إيه؟
طارق كان يخشى أن تعاتبه عما حدث البارحة. فهو ليس لديه مجال للجدال معها الآن. نظر لها ورد بضيق: "مفيش حمد الله على السلامة الأول.. الحمد الله جات سليمة." اعتذرت منه سارة وقالت: "سوري يا حبيبي قلقت عليك.. إيه اللي حصل؟ تنهدت بضيق وهو ينظر إلى ذراعه: "رصاصة بسيطة كان في شغل متشغليش بالك." عندما ذكر كلمة شغل استشاطت منها غضبًا: "إزاي يعني؟ آه شغل مع ست سلمى الجوهري هي اللي شلفطتك كده." تنهد طارق بعمق وضيق.
فنظر إليها ورد بحزم: "متتكلمي عليها عدل.. بلاش، متنسيش إنها شريكتي ها ومش هي اللي هتضربني بالرصاص يعني ده واحد معتوه." ردت بنفس النبرة: "آه ومتنساش إنك حبيبي ها مين ده اللي ضرب عليك نار؟ تنهد ثم قال بحنق: "خطيبها يا ستي اللي اسمه عاصم." تفاجأت سارة من تلك الكلمة التي نزلت على رأسها دلو ماء ثلج. وأخذت تردد الاسم في سرها. لاحظ طارق شرودها وصدمتها أثر كلامه. فقطع شرودها باهتمام: "إيه ده أنتِ تعرفيه؟ ظهر توترها وهي تقول:
"لا وأنا أعرفه منين يعنى." نظر لها طارق بغرابة ثم قال بشك: "ماشي يا سارة يلا عشان عندك محاضرة." لم يكن يشعر بالراحة من تعلثم سارة وتوترها. فلم يكترث الأمر كثيراً. أما هي تدعو بمرور اليوم على خير. بعد ساعتان قابل إيهاب فأقبل عليه بحفاوة الذي بدوره صدم مما رأه: "حمد الله على سلامتك، إيه يابني إيه اللي حصلك؟ تنهد طارق بضيق ثم قص عليه: "خطيبها اتهجم عليا يا سيدي وأنا كنت بالمستشفى بعد ميعاد." رفع إيهاب حاجبه بعدم فهم:
"مستشفى إيه أنا مش فاهم حاجة واحدة واحدة عليا كده.. أنت من امبارح مختفي متأخر ومبتردش عليا." رد بنفاذ صبر: "البنت اللي خبطتها ف الكلية واللي شوفناها في المستشفى هي سلمى الجوهري." إيهاب بغير استيعاب: "لا بتتكلم جد!! إيه ده وهي كمان مخطوبة؟! كأنه تذكر ما حدث. فرد بعصبية: "آه واحد همجي مبيتكلمش إلا والمسدس في أيده." أقبل عليه إيهاب باهتمام: "ها وبعدين إيه اللي حصل؟ استرد حديثه قائلاً:
"بعد ما خلصنا شغل كانت نازلة تشوف باباها في المستشفى، وأنا روحت أجيب أشعة وتحاليل أمي، جاه اللي اسمه عاصم معرفش ظهر منين شكله بيراقبنا وأتخانق معايا." استنشق إيهاب الصعداء بأريحة وهو يقول: "الحمد الله إنها جت على قد كده، أبعد عن الجدع ده مش مستريحله من كلامك عنه." قوس شفاتاه بضجر وهو يقول: "ولا أنا بطيقه الصراحة." قرر إيهاب تغيير الموضوع فقال: "ها هتعمل إيه النهارده.. هتطلع على الشركة؟ نفى مسرعاً:
"لا الشركة محتاجة كتابة ومجهود وأنا مش قادر بسبب دراعي ولا ليا نفس أروح الكلية كفاية.. كفاية نزلت شوية أغير جو.. أنا هروح بقى سلام." تركه طارق وقاد سيارته مسرعًا يفكر بضيق لما حدث. نظر لذراعه وابتسم لوهلة. أما إيهاب يخشى على طارق من المدعو عاصم كثيرًا. وما يمكن أن يفعله فيما بعد. *** يجلس محمود وتهاني على مائدة الطعام. منشغل بقراءة الجريدة الصباحية كالعادة وهو يتناول فطوره. وتهاني تصب له فنجال من الشاي وتقدمه له.
نظر لها وقال في اهتمام: "أخبار طارق إيه دلوقتي؟ دقق قلبها وشعرت بقشعريرة تسير في جسدها عندما ذكر اسمه. تخشى من رد فعله عندما يعلم بما حدث. فيعلم الله بأنها حاولت منعه قدر المستطاع ولكن هو لا يستجيب لها وصمم على تنفيذ أهواءه. فعندما ذهبت إلى غرفته لتطمئن عليه تفاجئت به وهو أمام المرآة يرتدي ملابسه. اندهشت كثيرًا واقتربت منه وهي تصيح: "ممكن أفهم لابس كده ورايح فين على الصبح؟
تنهد بعمق. فهو يعلم جيدًا أن خروجه من المنزل وهو في هذه الحالة لن يمر مرور الكرام على والديه. ولكن يجب أن يخرج. ألتفت إليها وقال بنبرة هادئة نوعًا ما: "خارج يا أمي.. في مشكلة؟ عقدت ذراعها أمام صدرها باعتراض: "على فين يا طارق وأنت لسة تعبان وخارج من المستشفى امبارح." تنهد مرة أخرى وابتسم محاولًا ألا ينفعل: "رايح النادي يا حبيبتي.. ثم أنا مش تعبان للدرجة اللي أنت متصورها.. الحمد الله يا أمي رصاصة في الكتف."
رفعت تهاني حاجبها مستنكرة لما يقول. واستهزاءه بتلك الرصاصة لتقول: "وهي يابني الرصاصة اللي في كتفك دي بالساهل.. أفرض كان جرالك حاجة.. مفيش خروج يعني مفيش خروج." تذمر طارق ورد بضيق: "أمي أبوس أيدك سيبيني أخرج.. أنا مخنوق وموجوع وفيا اللي مكفيني." تحولت نبرتها إلى الجدية. لن يستجيب معها إذا ظلت تجادله كثيرًا هكذا: "بقى كده يا طارق.. أنا هناديلك أبوك يجي يتصرف معاك عشان أنا خلاص تعبت." كادت أن تخرج وقف أمامها مسرعًا.
وقال برجاء: "ماما أرجوكِ أنا مخنوق من قاعدة البيت ومحتاج أغير جو.. هطق." شعرت بشيء من الاستسلام لطلبه. فكسرت عليه قلبها من حالته النفسية وتلك الحادثة التي مر بها. تنهدت بقلة حيلة: "عارف أبوك لو صحي هيعمل مشكلة يا طارق.. وأنت عارفه كويس." قبل وجنتيها وقال بحنان: "البركة فيكِ أنتِ بقى يا ست الكل هاتتمنى أن تراه سعيدًا. ويصعب عليها حالها عندما يكون حزين. فقلب الأم من يحركها في نهاية الأمر. ولكن ردت
عليه بنبرة جادة وتحذيرية: "متتأخرش يا طارق.. إياك." ابتسم طارق وهو يغادر الغرفة: "متقلقيش.. سلام." فاقت من شرودها على صوت محمود يناديها: "تهاني.. تهاني.. في إيه يا حبيبتي روحتي فينن." نظرت له في قلق: "ها.. لا أبداً سرحت شوية." استأنف سؤاله مرة أخرى: "بسألك طارق أخباره إيه دلوقتي؟ .. جهزتيله الفطار." توترت ونظرت له ثم قالت بتردد: "ماهو.. خرج الصبح وراح النادي." تغيرت معالم وجهه إلى الغضب وكاد أن يرد بانفعال
قاطعته كي تحسم الموقف: "والله ما في حد مدلعه غيرك.. الولد تعبان يقوم ينزل النادي." ربتت على يداه وقالت بحنو: "ولا مدلعاه ولا حاجة.. سيبه بس يغير جو هيزهق وتلاقيه داخل علينا دلوقتي." مرت قرابة العشر دقائق وسمعا صوت جرس الباب. ذهب الخادم ليفتح دلف طارق للداخل مارًا بغرفة الطعام وعلى وجهه ابتسامة مصطنعة: "أهو يا ست الكل متأخرتش زي ما قلتي." ابتسمت وردت سريعًا: "جيت بدري عن العادة." تنهد وهو ينظر إلى والده يراقب رد فعله:
"زهقت وتعبت.. قلت مادام غيرت جو شوية أروح أستريح شوية بقى." نظرت تهاني لزوجها بابتسامة انتصار: "مش قلتلك هيزهق ويجي على طول." نظر لها محمود وابتسم. لقد فهم محاولتها في تعدي الأمر والتستر على طارق. يفهم قلبها الحاني واستعمال أمومتها في الوقت اللازم: "ماشي يا طارق.. ممكن بقى تفهمني سبب المشادة بينك وبين عاصم إيه.. ملقتش غير ده وتتخانق معاه." تعصب طارق ورد بانفعال على هذا الاتهام:
"أولاً مش أنا اللي اتخانقت معاه هو اللي زي الهمجي ضربني.. كنت رايح في أمان الله بعد الميتنج مع سلمى أشوف أشعة ماما لقيت سلمى بالصدفة داخلة معايا المستشفى تطمن على أبوها قلت بالمرة أطمن عليه وأشوفه لقيته جاه بتعمل إيه ومعرفش إيه وإللي حصل حصل بقى." شعر بشيء من الراحة عندما سمع ما حدث منه بشخصه. قرر تركه الآن وهو سيتصرف بمعرفته في الأمر: "خلاص يا طارق الحمد لله إنها جت على قد كده.. أطلع أوضتك استريح دلوقتي."
نظر لهم طارق بصمت وصعد إلى غرفته. وتبادلت النظرات الصامتة بين محمود وتهاني في قلق. *** منذ حادثة أمس وسلمى تتجنب رؤية عاصم والحديث معه بشتى الطرق. ﻷنها ﻻ تعرف رد فعلها إن رأته. في نفس الوقت ﻻ تعلم شيئًا عن طارق. في منتصف اليوم قرعت نور باب مكتبها ثم دخلت. كانت منشغلة تمامًا في حفنة الأوراق التي بين يداها. تنحنحت وهي تقول: "احم نحن هنا." سلمى رفعت رأسها وقالت باسمة: "نور تعالي يا حبيبتي."
اقتربت منها وجلست على المقعد المقابل لها. ثم قالت بحماس: "أخبارك إيه النهارده.. طمنيني عليكِ." كان التردد يملأ عقلها. تريد الاطمئنان عليه ولكنها محرجة. حسمت أمرها وتنحنحت قائلة: "الحمد الله عدت على خير.. احم أخبار طارق إيه؟ نور: "نام أول ما روحنا سيبناه يستريح شوية صحيت الصبح أطمن عليه.. بس إيه اللي في وشك ده حصلك حاجة؟ الحمد الله إنها جات على قد كده."
تنفست سلمى الصعداء بأريحة بعدما تأكدت أنه بخير الآن. تحسست وجهها تذكرت بأنها قد أصابت أمس. ابتسمت وقالت بنبرة هادئة: "اها فعلاً الحمد الله." فتحت نور حقيبتها وأخذت منها حفنة من الأوراق. فقالت وهي تمد يداها: "خدي هتنسيني محاضرات النهارده أهي، آه وخلي بالك الأسبوع الجاي في عملي ها لازم تحضري يعني." تناولت منها الأوراق ووضعتها في حقيبتها. نظرت لها وكاد الدمع أن ينفر من عينيها. فقالت بحب:
"مش عارفة أقولك إيه ربنا يخليكِ ليا بجد، أنتِ اللي مهونة عليا الشغل مع الكلية." ابتسمت نور وهي تربت على يداها بحنو: "عيب يا بنتي متقوليش كده." دقيقة وسمعن قرعات على الباب. دخل يوسف ومنذ إن شاهد نور ارتسم على ثغره بسمة عريضة بكل تلقائية. وأكمل خطواته نحوها مرحبًا بها: "أهلاً ازيك يا أنسة نور أخبارك إيه؟ شعرت نور بصوت ضربات قلبها فجأة. فتنحنحت بإحراج قائلة: "احم الحمد الله تمام." سلمى تراقب نظراتهم وتبتسم. فقطعت
إحراج نور قائلة بمرح: "احم مفيش ازيك يا سلمى ولا إيه." نظر لها يوسف متوعداً لقطع هذه اللحظة بينهم. فقال بمزاح: "لا طبعاً أزاي بس يا لمضة." ضحكت على حالته وقالت: "هههههه طيب ماشى." دقيقة وقال يوسف وهو يتطلع إلى نور: "يلا عشان نتغدى قلت مادام المحاضرات خلصت بدري فرصة نتغدى سوا، يلا معانا يا آنسة نور." شعرت نور بالإحراج. تناولت حقيبتها وقامت وهي تنظر لسلمى. تحاول بقدر الإمكان التغاضي عن النظر ليوسف وهي تقول:
"احم لا معلش مش هقدر، استأذن أنا عشان هروح أطمن على طارق.. عن إذنكوا." خرجت نور مسرعة ولم تبتعد عيناه عنها إلى أن اختفت عن ناظره. كل هذا وسلمى تتابعهم. فتنحنحت وهي تحاول المزح معه: "احم نحن هنا يا سيدي." رمقها بنظرة تحذيرية وهو يقول: "بس يا لمضة اقعدي ساكتة.. عايزة إيه." لم تتمالك سلمى نفسها من الضحك وهي تقول بدلال: "هههههه ولا حاجة.. ها هتغديني إيه بقى." ***
في المساء ظل طارق إلى غرفة نور. ففضوله عن سلمى بدأ يكبر. قرع على الباب ثم طل برأسه مازحًا: "ممكن أدخل يا نور؟ ابتسمت نور واعتدلت في جلستها وقالت: "اها طبعاً اتفضل، عامل إيه دلوقتي يا طارق؟ اقترب طارق وهو يجلس قبلها على الفراش ثم قال: "الحمد الله تمام أحسن من الأول." تنهدت نور بأريحة. ثم نظرت له بشك وهي تقول باسمة: "امممم خير قعدتك دي فيها حاجة قول قولى." أدرك طارق جيداً بأن شقيقته من تشعر به وما يدور بخاطره.
فضحك على هذا وهو يقول: "ههههه أنتِ على طول فقساني كده." ضحكت نور بشدة وهي ترد بمزاح: "هههههه عيب عليك يا طروق أنا نور برده.. ها أتكلم." طارق متردد كثيراً كيف يسأل عنها وبأي حجة: "بقولك إيه حكاية سلمي دي؟ نظرت له نور ببسمة خبيثة وقالت: "امممممم وأنت عايز تعرف عنها إيه بالظبط." طارق باهتمام: "عايز أعرف كل حاجة." عقدت نور حاجبيها بغرابة عن سؤاله. فردت بسؤال: "اشمعنى يعني ها؟
ارتبك طارق وﻻ يوجد لديه حجة مقنعة ليجيب عليها. فرد سريعاً: "مفيش.. مجرد فضول.. مش بشتغل معاها بردو، ثم عايز أعرف كتلة الاستفزاز والبرود دي سببها إيه." رفعت حاجبها باستنكار. وردت بضيق: "لاحظ اللي بتغلط فيها دي صاحبتي ها.. مسمحلكش على فكرة." تنهد بكل ثم رد سريعاً: "مش دي الحقيقة يعني!! .. وبعدين يلا عشان خاطري." ابتسمت نور وبدأت بالقص: "لا مش حقيقة (تنهدت) ماشي يا سيدي سلمى كده باختصار...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!