طارق يقف بجانب سيارته أمام الفيلا، سلمى تبحث عنه بعينيها إلى أن تقابلت نظراتهما في ثوانٍ صامتة بينهما، حوار دار لم تكن ألسنتهما لتبوح به. الجميع واقف مندهش للغاية على شكل طارق، وما سواه في حالته المضحكة كثيرًا، التي كبتت ضحكتها هي ويوسف قدر ما يستطيعان، فنظر لها متعجبًا وقال: -إيه اللي طارق عامله في نفسه ده؟! إيه اللي حصل؟! رفعت نور منكبيها بعدم المعرفة وهي تنظر لأخيها ببلاهة:
-والله ما أعرف أنا ماسكة نفسي بالعافية الموضوع في أَن. قضب يوسف جبهته وهو يتساءل بغرابة: -وعرفتِ إزاي؟! ارتسمت على شفتيها بسمة جانبية وهي تقول بثقة: -وراه حاجة.. عيب أخويا وعارفاه. ضحكت سلمى رغم عنها، فالهيئة التي أمامها لا تستطيع المرء منا أن يراها دون أن يبتسم حتى، تعجبت من حاله وهي تنظر لنور متسائلة هي الأخرى: -غريبة إيه اللي بهدله بالشكل ده؟! هههههه. تنهدت نور بحيرة من أمر أخيها، فردت وهي لا تزال نظرها معلقًا
على طارق بتفكير: -علمي علمك بجد. شعر محمود بالحرج كثيرًا من تلك الهيئة الغريبة التي يرثى لها ولده، وتأخره عن الحفلة حتى انتهت، فأقبل على هاشم كي يرحلا سريعًا ويكفي ما حدث حتى الآن يستأذنه بالرحيل: -إيه اللي حصل لطارق؟! تعذر محمود بأي كلمة يبرر مظهر ولده: -مش عارف الظاهر حصل حاجة في الطريق، نستأذن إحنا على تليفونات بقى. صافحه هاشم وهو يقول مودعًا: -أكيد إن شاء الله.
نظر محمود إلى نور ففهمت مقصده، ودعت سلمى سريعًا وسابقت والديها على السيارة مقبلة على طارق وهي تضحك على هيئته بشدة، نظر لها بغضب فتغاضت عنه وأكملت ضحكها وهي تستقل السيارة. محمود في حالة غضب وإحراج شديدة، قال دون أن يلتفت لتهاني: -ابنك شكله عمل مصيبة، شايفة منظره. حاولت تهاني تهدئة روعه قليلًا وهي تقول بنبرة متوترة: -شكل العربية عطلت ولا حاجة. رد محمود قائلًا بحنق شديد: -حسابه معايا لما نروح.
وصلا إلى السيارة وقبل أن يستقل محمود نظر لطارق بحنق شديد ونظرة متوعدة حاول طارق أن يتفاداها، استقلا السيارة جميعًا ورحلا سريعًا. طوال الطريق يدعي طارق أن تمر هذه الليلة على خير، لأنه يعلم أن عقابه عسير عندما يصلون إلى المنزل، وهو يفكر في سبيل للخروج من هذه الأزمة.
لاحظت نور نظرات محمود التي يخطفها من المرآة كل حين على طارق، وهو ينظر له بحنق شديد وهو يستغفر بهمس، وهي تضحك بشدة دون صوت، إلى أن غمزها طارق في ذراعها كي تصمت. وصلوا المنزل وترجل محمود سريعًا إلى الداخل وخلفه تهاني، أما طارق ونور يسيران ببطء هو يفكر في مخرج وهي تضحك، إلى أن أصبحا في مواجهة والدهما، فقالت له بهمس وهي تبتعد عنه: -استلقي وعدك يا حلو. رد بنفس الهمس: -ربنا يستر. اقترب منه محمود وصاح بغضب:
-ممكن أفهم إيه اللي حصل النهاردة ده؟! خليت رقابتي زي السمسمة. لم تحتمل تهاني أن ترى انهيار زوجها أمامها، ويحرق في أعصابه هكذا، فنظرت لطارق وصاحت فيه معاتبة: -إيه اللي أخّرك يابني مش معاك ميعاد مع أبوك! رد طارق مدافعًا عن نفسه: -أعمل إيه كنت جاي في السكة والطريق زحمة بالليل. استرد محمود صياحه بنفس النبرة: -وإيه اللي أخّرك يا أستاذ.. أنا مكلمك من بدري جاي بعد 3 ساعات إن شاء الله. أردف طارق متذمرًا بعناد:
-الله مش أنا جيت في الآخر أهو، جيت أنا ولا مجتش! وضع محمود يدًا على الأخرى وهو يصيح بحنق: -بعد إيه يا حبيبي بعد ما كسفتني قدام الراجل والحفلة ما خلصت، ما لسه بدري. حاول طارق بشتى الطرق أن ينهي هذه المحاكمة الآن قائلًا: -خلاص يا بابا اللي حصل كان غصب عني. أخذ محمود يتفحص ملابسه بغرابة، ثم قال منفعلًا: -وإيه اللي أنت عامله في نفسك ده! .. إيه اللي بهدل هدومك كده؟! رد طارق بمنتهى المبالاة وكأنه لم يفعل شيئًا:
-منا كويس أهو. حرك محمود رأسه نحوه وهو عاقد ذراعه وأردف في حزم: -بص لنفسك في المرايا يا أستاذ وأنت تفهم. لم تستطع نور كبت ضحكتها على قسمات وجه أخيها وهو يجيب بشكل طفولي، تعالت صوت ضحكتها وهي تقول بأنفاس متقطعة: -هههههههه شكلك مسخرة ههههههه يا خراشي.
هيئة طارق يبدو بملابس متسخة، ثنى بنطاله حتى ركبتيه بشكل غير مهندم، واضعًا حلته السوداء على منكبيه بطريقة عشوائية، بالإضافة إلى ربطة عنقه على منكبه الآخر وهي هاوية، غير أن قميصه أصبح رمادي اللون من أثر هباب السيارة بعدما كان أبيض، حتى وجهه وذراعيه لم يسلما من لون قميصه، إلى هيئة شعره الهائشة كأنه تعرض لصاعق كهرباء لتوه. نظر طارق لنفسه وبرر قائلًا:
-وأنا جاي في السكة العربية عطلت مني قعدت ساعة مفيش عربية فاضية قولت أصلحها حصل اللي حصل واتبهدلت. فهم محمود ما قد نوى عليه طارق من نبرة حديثه ونظرة عينيه التي يعرفها جيدًا، فقبل أن يتغاضى عما حدث ويرى ما أخّر أفعاله هذه: -ماشي يا طارق هعديها لك المرادي.. قسمًا بالله لو اتكررت تاني حسابك معايا أنت عارفه كويس.. بكرة تروح لهاشم وتعتذر له وتسلم عليه كفاية الموقف البايخ اللي حطيتنا فيه. طارق بهدوء ونبرة مستسلمة:
-حاضر يا بابا. تركه محمود وهو يرمقه بنظرته الغاضبة وصعد إلى أعلى، أقبلت عليه تهاني بضيق لتقول: -كان لازم تزعل أبوك يا طارق، يلا يا ولاد تصبحوا على خير. صعدت تهاني خلفه ولم يتبق سوى طارق ونور، التي منذ أن غادر محمود لم توقف ضحكتها، نظر لها بحنق شديد وركض خلفها وهو يتوعد لها، وهي تصيح بالاستغاثة ضاحكة. توقفت قليلًا وهي تلتقط أنفاسها من الضحك الشديد والركض في ردهة الفيلا لتقول وهي ما زالت تضحك:
-هههههههههه أحمد ربك إنها عدت على خير. أشار إليها طارق الذي خارت قواه ووقع على الأرض يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يقول: -تعالي أنتِ بقى اللي مبطلتيش ضحك طول الطريق بتضحكي على إيه. ضحكت نور وقالت بسخرية: -إيه يا عم مش شايف منظرك كنت مهاجر ولا إيه شبه السمكرية كده ههههه. قام طارق وهو يقول: -بطلي يا رخمة.. طيب يا نور. وضعت نور يدها على قلبها وهي تقول ضاحكة:
-متخيل منظرك قدام سلمى ويوسف هههه بجد آخر فصلان.. موضوع العربية ده مش مريحني إيه الحكاية؟! حاول طارق الهروب من نظراتها التي يفهم مقصدها جيدًا، فهندم ملابسه بشكل مضحك وقال وهو يصطنع الجدية: -ولا حكاية ولا رواية أنا طالع أخد شاور وأنام تصبحي على خير. غمزت له نور وهي تدرك إنه يهرب من مواجهتها، فردت بمداعبة: -كده ماشي بس الموضوع في أن برده.
تركها طارق وصعد لغرفته، استحم ودلف على فراشه، صعدت نور خلفه نفس الحالة وهي تفكر ماذا فعل يا ترى، فهي تشك به كثيرًا وتعلم بأنه خلفه كارثة. بعد رحيل محمود وأسرته نظرت سلمى إلى يوسف بتعجب مما رأوه، لم تكترث سلمى كثيرًا لما حدث ودخلا إلى الداخل بصحبة أخيها وأبيها. اتجهت إلى غرفتها ثم بدلت ملابسها واغتسلت متجهة إلى فراشها، تدثرت جيدًا وهي تشعر بآلام جسدها من إجهاد يوم طويل لتجهيز الحفل وما شابه.
تركت الأفكار تزحف إليها في سكون الليل وهدوئه فيما حدث بالحفل، ما حدث لطارق والأهم مفاجأة زواجها من عاصم دون علمها، تشعر بالخوف والقلق ولا تعرف إن كان بسبب دخولها في حياة جديدة أم هي غير راغبة في هذه الزيجة، إنها تحبه وإنما المفاجأة جعلتها ترتبك ولا تعرف السبب، فأصبح زواجها الآن أمر واقع. بعد فترة ليست بقصيرة سمعت طرقات على باب غرفتها، توقعت أن يكون يوسف، وبالفعل كان هو، أدخل رأسه وقال بهدوء: -لسه منمتيش يا سلمى.
تنهدت سلمى وردت بلا معالم بوجهها: -هيييييح لا مش جاي لي نوم خالص. قضب يوسف جبهته متسائلًا: -بتفكري في إيه؟! زفرت سلمى وردت بهدوء شديد: -في بكرة.. قرار جوازي المفاجئ ده مخليني أرتب أفكاري، جوازي منه صح ولا غلط؟! دخل يوسف وأغلق الباب خلفه، اقترب من فراشها وجلس على حافته، نظر إليها وقال بتفكير: -محتاجة تقعدي مع نفسك تفكري شوية. اعتدلت سلمى في جلستها وهي تردف بحيرة بالغة:
-مش عارفة أنا بحب عاصم تقريبًا، المفروض مكونتش قلقانة من الخطوة دي بس خايفة منه ألا ميتغيرش بعد كده. ابتسم يوسف وهو يربت على يديها، محاولة منه لطمأنتها: -كل أمورك هتبقى تمام محدش عارف الخير فين، مبروك يا عروسة. أدركت سلمى من حديث أخيها بأنه أمر واقع بالفعل، ارتسم على ثغرها بسمة باهتة وهي تقول: -الله يبارك فيك عقبالك. ابتسم يوسف بشدة ورد بكل شوق: -إن شاء الله.. مش هطول عليك أكتر من كده، تلحقي تنامي شوية تصبحي على خير.
قام يوسف متجهًا إلى الباب، فأردفت سلمى قائلة بابتسامة: -وأنت من أهله. في صباح اليوم التالي استيقظت نور ثم توجهت إلى الحمام وتوضأت وصلت فرضها، جلست على فراشها تعبث في هاتفها ثم صاحت على المربية، دقائق ودخلت لها قائلة بابتسامتها الحانية: -صباح الخير يا دادة. ابتسمت المربية وقالت بحب: -صباح الفل يا بنتي.. أحضرلك الفطار؟! حركت نور رأسها نافية ثم قالت بهدوء: -لا لا مش دلوقتي بعدين.. اعمليلي نسكافيه. ردت المربية بحنان وهي
ما زالت محتفظة ببسمتها: -على الريق كده.. مش كويس عشان صحتك. ضحكت نور فرحة من اهتمامها بها وردت متسائلة: -ههههههه متقلقيش عليا.. بابا وماما صحيوا. ردت المربية بهدوء: -البيه في الشركة وست هانم في الجنينة. تنهدت نور وهي تنهض: -ماشي يا دادة استعجلي لي النسكافيه بسرعة. خرجت المربية وخلفها نور، توقفت فجأة وهي في طريقها للأسفل، مارة على غرفة طارق، فسمعت حوارًا عجيبًا شد انتباهها بشدة، عادت إلى الخلف خطوتين.
كان الباب غير مرصود جيدًا، فرأته وهو يجلس على فراشه يتحدث في هاتفه. أقبل عليه إيهاب باهتمام: -إيه يا بني ما قولتليش عملت إيه مع أبوك امبارح؟ زفر طارق ورد بضيق: -اسكت، الحمد لله إنها عدت على خير، قولتله العربية عطلت. ضحك إيهاب وهو يقول: -ههههه بس شكلك أخذت نصيبك من التهزيء. أغمض طارق عينيه لحظات وهو يتذكر ثم قال بضجر: -بس ما تفكرنيش، كويس إنه ما حصلش حاجة. آه لو يعرف اللي فيها إني سافرت الساحل عشان أهرب من الحفلة.
قال إيهاب بحذر: -أحد من عندك شك في حاجة؟ ابتسم طارق وقال بثقة: -لا.. بس نور أعتقد، ما أنت عارف دماغها كويس إزاي تفضل ورا الحاجة لما تجيب قرارها. ضحك إيهاب لإنه يعرف كيف تفكر نور من حديث أخيها عنها: -ههههههههه ربنا يستر وما تتكشفش. ابتسم منتصرًا، وهو يقول بثقة: -لا اطمن، ما اعتقدش إنها عرفت حاجة.
اتسعت نور عيناها دهشة مما سمعته للتو، تأكدت الآن إنه كان يخفي شيئًا ليلة الأمس، وشكها كان بمحله. فقالت في سرها بنبرة متوعدة "بقى كده يا سي طارق.. اصبر عليا بس". اقتربت من الباب ودخلت عليه سهوًا بنظرة شك وتوعد، وعيناها على الهاتف. بلع طارق غصته بصعوبة وهو يقفل الهاتف وظل ينظر إليها في صمت. ثم صاح بها متلعثمًا: -إيه يا نور مش تخبطي!! استندت على الباب بذراعها وهي تعقده أمامها. ثم قالت بحزم وجدية:
-الباب كان مفتوح على فكرة.. كنت فين يا طارق امبارح؟ ارتبك طارق وهو يقول مندفعًا: -هأكون فين يعني وأنتِ مالك. ابتسمت بانتصار في خفاء. ثم أردفت وهي تهم بالخروج بجدية: -طيب ابقي سلمي لي على الناس اللي في الساحل. وقف طارق متفاجئًا بحديثها وأدرك بأن سره أصبح معلنًا للجميع. أوقفها وهو يقول بحذر: -استني يا نور.. احم أنتِ عرفتي؟ استدارت نور وهي باسمة. نظرت له وهي تقول بوعيد: -سمعت كل حاجة.. بقى كده إيه رأيك أقول لسلمى؟!
لا يمكن أن تعرف سلمى شيئًا عن سبب تأخره، فلا يسلم من حديثها ويكون أمامها هاربًا منها. أوقفها طارق: -لا سلمى مين بتهزري، اهدي بس واقعدي. ابتسمت نور وهي تقول بخبث بعدما جلست بجواره على الفراش: -اممممم بقى كنت بتهرب من سلمى عشان كده اتأخرت على الحفلة وما رضتش تيجي!! تنهد طارق بضيق ثم جلس على فراشه وهو يقول بضجر: -هو أنا بطيقها في الشركة لما أطيقها في الحفلة، الحمد لله إن أستاذ هاشم فاق عشان أكمل معاه المشروع.
ضحكت نور وقالت: -هههههه لدرجة دي مش طايقها، على العموم هتستريح منها قريب. قطب جبينه وهو يقول باهتمام: -اشمعنى يعني؟ ابتسمت بعدما رأت الاهتمام والفضول ينطق من عينيه قائلة: -ما تنساش تبارك لسلمى، كتب كتابها على عاصم كمان شهر. تفاجأ طارق كثيرًا بما قالته، وظهر عليه الحزن لا يعرف لماذا، فلم تلاحظ نور. بعد دقيقة من الصمت رفع رأسه إليها وقال باهتمام شديد: -إيه بتتكلمي جد؟ امتى ده حصل؟ تنهدت نور وهي تقول:
-امبارح في الحفلة.. بابا عاصم وأنكل هاشم اتفقوا على كل حاجة. أردف طارق بحذر مترقبًا جوابها: -وهي موافقة؟ أجابت نور بثقة: -طبعًا ده خطيبها يا ابني، مصيرهم لبعض للجواز، ثم بيحبوا بعض. تنهد طارق بضيق خفي ثم أردف بلا مبالاة: -طيب كويس.. ربنا يهني سعيد بسعيدة. ابتسمت نور وهي تغمز له: -عقبالك كده أنت وسارة. ارتسم على وجهه بسمة باهتة وقال: -اها إن شاء الله قريب.. مش لما أفرح بيكي الأول. ضحكت وهي تقول بمرح:
-هههههه لا يا عم أنت الكبير الأول. ربت طارق على وجنتيها ضاحكًا وهو ينهض: -هههه ماشي يا لمضة. نظرت له نور بتساؤل: -رايح الكلية ناو ولا إيه؟ تنهد وهو يجيب: -اها إن شاء الله، عايز كمان أشوف سارة. أقبلت عليهم تهاني متسائلة: -نازل يا حبيبي؟ ابتسم طارق وهو يقول: -اها يا ماما ما تستنينيش على الغدا. تساءلت تهاني باهتمام: -هتتغدي بره ولا إيه؟ غمزت له نور مداعبة: -على فين العزم؟ أزاحها عن طريقه بخفة وهو في طريقه إلى الحمام:
-بس يا لمضة، رايح أقابل أستاذ هاشم. ابتسمت تهاني وقالت: -فيك الخير يا ابني وبالمرة تعتذر له على اللي حصل امبارح. التفت إليها وقال بهدوء: -اها أكيد يا ماما.. يلا عن إذنكوا. تركهم وذهب إلى الحمام ثم بدل ملابسه وقاد سيارته متجهًا إلى منزل هاشم. نور بمجرد أن تأكدت من خروج طارق، ركضت إلى غرفتها واتصلت بسلمى. ******************
وصل طارق فيلا هاشم، ضغط على الجرس بعد دقائق فتح له الخادم مرحبًا به وقاده إلى الصالون. تركه وبعد دقائق أقبلت عليه سلمى، التي كانت على اضطرار لمقابلته بناءً على رغبة والدها. رحبت به بوجوم قائلة: -أهلًا يا أستاذ طارق اتفضل. رد بهدوء وهي يجلس: -شكرًا. عقدت أصابعها وهي تنظر له وقالت بجدية: -امممم خير.. إيه سبب الزيارة. تعجب طارق وشعر بالضيق من طريقة حديثها الجافة، فنظر لها بضيق وهو يجيب بنبرة جازمة:
-أنا جاي أطمن على أستاذ هاشم وأعتذر له عن عدم حضوري امبارح، لكن يبدو الوقت مش مناسب. ردت سلمى بلا مبالاة: -بابا كويس الحمد لله.. اطمن. لم يتحمل طارق أسلوبها المهين وقرر الرحيل على الفور، وبالفعل نهض وهم بالانصراف وهو متجاهل وجودها، توقف أثر مناداة هاشم له على درجات السلم: -إزيك يا طارق.. أهلًا بيك مالك أنت ماشي ولا إيه؟ رد طارق بضيق موجهًا الحديث لهاشم، بينما نظره منصب على سلمى:
-اها كنت جاي أطمن على حضرتك وأعتذر لك عن موقف آخر مرة. أشار له هاشم بالجلوس وهو يقول: -طب اتفضل يا ابني، تشرب إيه؟ .. قدمتي له حاجة يا سلمى؟ ابتسم طارق بسخرية وهو يقول: -آنسة سلمى عملت الواجب وزيادة. نظرت له سلمى بحنق وتعجب، فبادلها النظرة بجانبية. التفت لهاشم ومد يداه يصافحه باسمًا: -طب أستأذن أنا وهبقى أجي لحضرتك وقت تاني. أوقفه هاشم بحزن: -ما يصحش يا بني تمشي كده على طول حتى ما شربتش حاجة.
ابتسم طارق وقال له مودعًا: -ما لوش لزوم المرة الجاية إن شاء الله.. عن إذنك. سارت معه سلمى لتودعه، فالتفت إليها قبل أن يخرج وقال بلا مبالاة: -اها نسيت نسيت أبارك لك. تساءلت سلمى بغرابة: -على إيه؟ ابتسم بتهكم وهو يقول: -على الجواز طبعًا. زفرت سلمى وردت بابتسامة باردة وهي تقول: -اها ميرسي الله يبارك فيك وعقبالك. رد طارق بنفس الابتسامة: -قريب إن شاء الله.. على فكرة طريقة حياتك بالشكل ده هتتعبك فعلًا.. سلام.
خرج وتركها تشتعل من نظرته ونبرته لها، ولم تفهم مقصده بعد من هذه الجملة. أغلقت الباب بعنف وركضت على غرفاها وهي غاضبة للغاية، كيف ينتصر عليها بهذا الشكل، وكيف يرد عليها بلا مبالاة هكذا. حياتها ليست باختيارها من الأساس. أما طارق كان يقود سيارته متجهًا إلى الكلية وهو يشعر بالضيق الشديد نحوها، مغتاظ كثيرًا من نبرة التعالي والبرود التي تحدثه به، وأسلوبها المستفز. *******************
وصل الكلية وجلس في الكافتريا منتظرًا سارة تنتهي من محاضراتها، هاتفه إيهاب وأقبل عليه. قص عليه كل ما حدث في مقابلة سلمى، وأخذ يهدأ من روعه قليلًا. -اهدي يا ابني بقى بنت تعمل فيك كده. رد طارق بغضب دون أن يلتفت إليه: -هتجنني يا إيهاب من تصرفتها، مش عارف بتعمل ليه كده. ربت إيهاب على منكبيه وقال: -خلاص هانت ومش هتتعامل معاها تاني مش صاحب الشركة فاق خلاص؟ ابتسم طارق بتهكم وقال: -والجديد اللي عرفته من نور هتتجوز كمان شهر.
رد إيهاب بلا مبالاة: -ده بجد ومالك زعلان ليه؟ نظر له طارق بضيق وقال: -وهي تفرق معايا إيه عشان أزعل، المهم أنا قررت قرار. قطب جبينه قائلًا باهتمام: -إيه هو؟؟؟ رد طارق بتحدي وقال: -إن شاء الله قررت إني أخطب سارة. اتسعت عين إيهاب بصدمة وقال: -ايييييه!!! ******************
فكرت سلمى كثيرًا في كلام طارق، ولكن ما يزعجها حتى الآن قرار أمس المفاجئ. تشعر بشيء غريب بداخلها، ترفض قرب عاصم لها رغم تغيره المفاجئ منذ استيقاظ هاشم، عاد عاصم التي كانت تعرفه من قبل، الحنون والمحب، ذو الاهتمام البالغ. أين كل هذا طيلة سنة ماضية عندما كانت تحتاجه بشدة أكثر من أي وقت؟ لماذا ظهرت حاليًا؟ لماذا الآن؟ ما الذي يخطط له يا ترى؟
قررت أن تهتم بدراستها الآن قبل أي شيء، فعليها الاستعداد الآن للذهاب إلى الكلية، فصعدت لأعلى سريعًا. ******************
عاصم يشعر بالسعادة والانتصار الكبير الذي حققه ليلة أمس. أخيرًا ستصبح سلمى ما بين يديه الآن، بل قريبًا ومن ثم يستطيع أن يتسلل إلى شركة الجوهري بطريقته الخاصة معها، ولكن سلمى قد تغيرت تمامًا منذ ركود هاشم في غيبوبة، فتعامله معها يجب أن يكون بحذر شديد، فمثلما استطاع الارتباط بها من قبل بحيلة ما يستطيع بنفس الطريقة فعل أي شيء. يجب أن لا يلاحظ تغير تعاملاته معها كأنه متواجد بينهم قبل سنة أو أكثر.
قطع تفكيره قرعات الباب ليدخل صلاح مهلهلًا: -إيه يا عم الأخبار الحلوة اللي على الصبح دي. ضحك عاصم بغرور: -مش قلت لك سلمى في يوم مصيرها ليا. ضحك صلاح وبتشجيع: -هنيالك يا عم.. صيدة كبيرة أوي. صاح به بضيق مصطنع: -أنت هتقر فيها ولا إيه.. الموضوع محتاج تكتيك.. أنت عارف الوصول لسلمى مش بالساهل، وسكوتها ده مش مريحني. ضحك صلاح باستنكار:
-ومن امتى سلمى بتتكلم يعني.. ما أنت عارف اللي فيها.. ما تقدرش تقول لأبوها لا إلا يروح فيها.. فأي قرار بتاخذوه بتسلم ليه. ضحك بمكر وهو ينظر إليه: -ما ده الخيط اللي بأمسك عليه سلمى لما تجيب آخرها في العناد.. هي بتحبه وبتخاف عليه.. بس لا مش ده اللي أقصده. صلاح بعدم فهم قضّب جبينه: -أومال تقصد إيه؟ عاصم وضع يداه على ذقنه وبتفكير:
-سلمى حاسس إنها بقت قوية. كل اللي اتعرضت له خلى قلبها جامد. مكنتش كده أبدًا. لو فكرت تطيح بحد في يوم هيكون أنا. وده اللي مخوفني. هز رأسه نافيًا ما يقول: -لا يا سيدي اطمن. سلمى شخصية مسالمة جدًا وأغلب ما تكون. أنت بس عليك تضحك بعقلها كلمتين وتبقى في جيبك. رمقه ثم قال بعد تفكير: -تفتكر؟! رد صلاح بثقة مبالغ فيها: -أراهنك بألف جنيه أما تيجي في يوم وتستعجل وتقولك اتجوزني.
ضحك عاصم لمجرد التخيل ونيل ما يتمنى، وأخيرًا سوف تصبح سلمى ملكه إلى الأبد. ضحكت نور بشدة على تصرفات طارق، وهي تفكر في طريقة تجعله يحسّن معاملته مع سلمى ولم تجد على الإطلاق. سمعت صوتها تهاني، التي قرعت على الباب ودخلت تنظر إلى نور بغرابة شديدة. اقتربت منها وجلست على فراشها وهي تنظر لها بتساؤل: -كنتِ بتكلمي مين ومسخسخة كده؟ ابتسمت نور وردت: -هيكون مين غيرها يعني. دي سلمى يا ماما. ابتسمت تهاني وقالت:
-هي صحيح هتتجوز عاصم الشهر الجاي؟ تلاشت ابتسامتها لتقول بجدية: -للأسف آه. اختفت ابتسامتها هي الأخرى بقلق: -ليه للأسف يا بنتي. مش بيحبوا بعض؟! أومأت برأسها نافية ثم تنهدت بحيرة: -لإنه من الآخر كده ميستاهلهاش. يبان إنه من برة بيحبها. بس الحقيقة اللي زي عاصم ده مبيحبش إلا نفسه وبس، جوازه منها عشان يضمن الشراكة بين أبوه وأنكل هاشم. تحسي كده جوازة ملهاش مشاعر من الطرفين. تنهدت تهاني بحزن وهي تتمتم:
-الله يرحمك يا فريدة. لو كنتِ عايشة مكنش حصل كل ده. ابتسمت نور وقالت بحب: -أد كده كانت شخصيتها قوية؟ ابتسمت تهاني وأكملت: -جدًا. وكان هاشم بيعملها ألف حساب. وجودها كان عامل مؤثر جدًا على حياتهم خاصةً سلمى متعلقة بيها جدًا عن يوسف. تنهدت وقالت بحزن: -ربنا يفرحها بجد ويسعدها لأنها تستاهل ده وأكتر. أيًا كان اللي هيحصل لازم تكون مقتنعة بقرارها. حاولت تهاني تغيير مسرى الحديث الحزين لتقول بمرح وهي تضع يدها على وجه نور بحب:
-ها مش هتروحي الكلية النهارده ولا إيه. قبل أي حاجة مش هسيبك إلا لما تفطري. شغل المكاتب والكلية ده مبحبوش. ضحكت نور وردت بمرح وهي تبعد يداها وتقبلها: -هقوم ألبس ونازلة دلوقتي. ثم يا ست الكل أنا بيتفتح نفسي وأنا في الكلية مع سلمى. أهو بنشجع بعض. اصطنعت تهاني الضيق: -بقى كده يا ست نور. احنا بنقفل نفسك. ضحكت نور وردت بسرعة:
-أبدًا يا ستي مش قصدي. بس مباكلش إلا على بعد المحاضرة الأولى، على الأقل أكون حرقت ذهنيًا ونفسي تتفتح كده. ضحكت تهاني وهي تنهض وتهم بالخروج: -طيب قومي الساعة هتعدي وأنتِ قاعدة كده. خرجت ونهضت نور هي الأخرى بسعادة، تحمد الله كل دقيقة على نعمة وجود والدتها، فهي نعمة عظيمة وغالية ولا تقدر بأي ثمن على الإطلاق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!