الفصل 8 | من 40 فصل

رواية صفقة حب الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء جوهر

المشاهدات
20
كلمة
2,587
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

أطمأنت سلمى على والدها بإعطائه الدواء، والإشراف على غذائه. استقلت سيارتها متجهة إلى الكلية. قادت بغيظ وهي تتذكر مكالمة نور لها، ورأت أن التصرف الذي بدر منها سليم، نظير ما فعله في الحفل، كنوع من العقاب. ولكن لا تدري أي نوع من أنواع العقاب، ما شأنها حول عدم مجيئه أو حضوره بوجه عام، فهي دائمًا على خلاف معه، ولكن شيئًا ما بداخلها جعلها تشعر بذلك. كانت نائمة واستيقظت على رنين هاتفها، مدت يداها على الكومود بحثًا عن الهاتف،

ردت فأتاها صوت نور: -إيه يا بنتي صحي النوم، كل ده الضهر هيأذن. ردت بصوت نائم: -ليه، الساعة كام دلوقتي؟ أجابت نور باستعجال: -الساعة 12 يا هانم، قومي يا بت ورانا محاضرات. اعتدلت سلمى جلستها وهي تقول: -طيب طيب قايمة خلاص. قالت نور بتلقائية: -ألا صحيح طارق جاي دلوقتي. قطبت سلمى حاجبيها بدهشة وتساؤل: -جاي فين؟ ردت نور سريعًا: -ركزي يا حاجة، جايلك يعني، يطمن على أنكل هاشم ويعتذر عن عدم الحضور. زفرت سلمى بعدم اهتمام:

-طيب يعني ما يجي وأنا هعمله إيه، مش بردو عشان العربية عطلت وكده. لم تستطع نور كبت ضحكتها وهي تقول بخبث: -ههههههه أصلك متعرفيش اللي فيها يا بنتي. قطبت سلمى حاجبيها باهتمام شديد: -حصل إيه؟!! أجابت نور بحذر: -من الآخر كده طارق كان بيحاول يزوغ من الحفلة علشان متتقبلوش. صاحت سلمى بها بضيق: -نعم!! بقى كده هو أنا مسكاله العصاية! ومين قالك إني كنت عايزة أشوفه أصلًا! ردت نور بابتسامة خبيثة:

-اممممم عليا بردو ده أنتِ عينك مبطلتش تدوير. شعرت سلمى بالإحراج، لم تكن تعلم بوجود من يراقبها، أو معرفة ما يتوق به عيناها، فردت سريعًا متنحنحة كي تنفي كلامها: -احم بطلي هبل ها. شعرت نور بإحراجها، فضحكت وهي تستكمل الحديث: -ههههه طيب مكنش عايز يروح، مش كفاية اللي بيحصل في الشركة بهدل نفسه زي ما شوفتي. قال يعني إنه كان بيصلح العربية. ردت سلمى بعد تفكيرها في حديث نور، بنبرة وعيد: -اها قاصد يعني. طيب.

قلقت نور من نبرتها ألا يعرف طارق ما حدث، فخفضت نبرتها وردت بحذر: -بقولك إيه، متقوليش لحد إني قلتلك، محدش يعرف الموضوع ده حتى بابا وماما. عكس ما توقعت سلمى، فتساءلت باهتمام وفضول: -أومال أنتِ عرفتي إزاي؟ تنحنحت نور وقالت مداعبة: -احم مصادري الخاصة يا بنتي. ضحكت سلمى وقالت بمرح: -ههههه يا جامد أنت، طيب متقلقيش. تنهدت نور وهي تنهض وأردفت: -طيب قومي اجهزي قبل ما يجي، هو في السكة ناو. نهضت سلمى هي الأخرى

وهمت بإنهاء المكالمة: -اوك يلا سلام نتقابل في الكلية. أنهت نور باسمة: -سلااام. أغلقت سلمى بغضب وهي تقول في سرها بتوعد "أما وريتك يا طارق... ****************** صعق إيهاب من قرار طارق، كان متوقع خطبتها ولكن الخبر مفاجئ بالنسبة له. نظر له طارق وأكمل بجدية: -اها زي ما سمعت المفروض كفاية كده نعرف بعض من أولى كلية. تطلع إليه إيهاب وأردف بتأكيد: -طارق أنت بجد متأكد من مشاعرك ناحيتها؟ رد طارق بثقة: -أكيد طبعًا.

حاول إيهاب جس نبضه قائلًا: -طب وهي؟ أجاب بنفس الثقة: -بتحبني كمان زي ما بحبها. اندهش إيهاب من هذا القرار المفاجئ، فقال باهتمام: -اشمعني يعني الخطوة دي دلوقتي؟

تنهد طارق بأريحية وهو يعود بظهره إلى الخلف، هو ذاته لا يعرف، أو بالفعل يعرف ولكن ينكر، كأنه يشعر بالهزيمة عندما علم بزواجها، كأن شيئًا ما كاد أن يتكون وتحطم واختفى فجأة، لا يعلم حقًا، فهناك أشياء كثيرة مبهمة بداخله تحتاج لترتيب، فأخبر إيهاب بالجزء الظاهر فقط من الحقيقة، أو بمعنى أصح شبه الحقيقة: -المفروض كنت هاخد الخطوة دي من زمان، بس زي ما أنت شايف كل مرة يطلع حاجة تبوظ الموضوع.

لا يعرف إيهاب إن كان ما يشعر به صحيحًا أم لا، ولكن في نهاية الأمر القرار يعود له، فربت على منكبه قائلًا: -على العموم ربنا يعمل اللي فيه الخير. نظر له طارق ورد ساهيًا: -ونعم بالله عندك حق. حاول إيهاب إنهاء الحوار سريعًا فقال: -طيب يلا روح على الشركة عشان متتأخرش أكتر من كده. نهض طارق وهو يفكر في قراره: -ماشي يلا سلام. نتكلم بعدين. ابتسم إيهاب ولوح له بتفكير وشرود هو الآخر: -اوك سلام.

تركه طارق وذهب إلى الشركة، طوال الطريق يفكر في قراره مليًا. لا يعرف ما اتخذه من قرار صحيح أم لا، أوقات يشعر بأنه الحل المناسب وأنهم في نهاية المطاف أقدارهم سوف تجمعهم سويًا، وأوقات يشعر بأنها لا تشعر به ولا تشبهه في تفكيره حتى. وفي نفس الوقت يشعر بأن هذا القرار ليس نابعًا من صميم فؤاده، بل يوجد شيء خفي بداخله يجبره على فعل ذلك ولا يعرف حتى الآن ما هو. ******************

على الرغم من مكوث هاشم في المنزل وعدم عودته للشركة بعد، إلا أنه بدأ يعمل في مكتبه، بمراجعة بعض الأوراق القديمة قبل دخوله المشفى. دخل يوسف وتعجب مما رأى، ثم ارتسم على ثغره بسمة صغيرة، فمن لديه عادة من الصعب إيقافها، والعمل بالنسبة له عبادة. أقبل عليه يوسف قائلًا: -مش كفاية شغل يا بابا، صحتك يا حبيبي. يلا قوم ارتاح شوية. رد هاشم دون النظر إليه: -هخلص الورقتين الأول اللي في أيدي دول.

جلس يوسف على المقعد قبله، وهو يتمعن فيه باسمًا. لاحظ هاشم بمراقبته فتطلع إليه بعدما ترك الأوراق والقلم من يداه قائلًا بتعجب: -مالك بتبصلي كده ليه؟ أجاب يوسف وهو مازال محتفظًا ببسمته: -مفيش فايدة، عارف إنك بتحب شغلك قد إيه. عرفت دلوقتي سلمى طالعة لمين. ضحك هاشم وهو يقول: -ههههههه عارف إن سلمى بتحب شغلها ومعندهاش هزار في الموضوع ده. رد يوسف بنفس البسمة: -طبعًا من شابه أباه فما ظلم. ضربه هاشم على يداه

بخفة ومداعبة وهو يقول: -بس يا ولد، ركز أنت في المصنع بس. لاحظ يوسف من بين مداعبة أبيه وابتسامته، كأنه يخفي شيئًا، قطب حاجبيه في تساؤل: -لا من الناحية دي متقلقش. مالك يا بابا شكلك مضايق ليه؟ تنهد هاشم بعمق وهو يقول بتفكير: -أختك يا سيدي مش عارف أعمل فيها إيه. نظر له باهتمام وهو يقول بقلق: -ليه إيه اللي حصل؟ زفر هاشم ورد بتعجب: -طارق كان هنا الصبح يطمن عليا وقابلته مقابلة وحشة، مشي وهو مضايق، ليه بتعمل كده؟

تنهد يوسف بأريحية بأن شقيقته بخير، ثم ضحك على كلام أبيه. فقد تذكر ما يحدث بينهم بمجرد هذه الجملة، فقال: -هههههههه مفيش فايدة بردو زي القط والفار. نظر له هاشم وتساءل بعدم فهم: -قصدك إيه؟ أردف يوسف قائلًا: -أصلهم على طول معاملتهم مع بعض جافة ومرخمين على بعض، بس شغلهم مبيتأثرش بالكلام ده زي ما حضرتك شوفت. هتف هاشم بحزن: -يا خبر ليه كده؟ أردف يوسف بتفكير:

-أنا عن نفسي مش عارف إيه سبب المعاملة دي لبعض، بس بصراحة بيفصلوني ضحك. ضحك هاشم هو الآخر ليقول: -ههههههه عشان كده المعاملة لما قابلته، ربنا يصلح الحال. تنهد يوسف بأريحية وقال: -آمين. تنهد ثم نظر له مجددًا: -أومال هي راحت فين دلوقتي؟ رد يوسف سريعًا: -خرجت من حبة وكانت مستعجلة جدًا. يا إما راحت تشوف محاضراتها اللي بسبب الشغل مبقتش بتحضرها أصلًا، يا طلعت على الشركة. ********************

بعد الانتهاء من المحاضرات توجهت نور وسلمى إلى الشركة، لم تكن نور لتعرف أن ما قصته سوف يزعجها بهذا الشكل، ظنت أنها سوف تتجاهل الأمر وتتغاضى عنه. فقد قصت لها سلمى ما حدث بينها وبين طارق بكل غضب وانفعال، وتحاول نور تخيل المشهد وتضحك. -ههههههههه مش قادرة أمسك نفسي. رمقتها سلمى نظرتها الحارقة، فصاحت بها بغضب: -بس بقى الله مش كفاية هو. شوفتي بيبصلي إزاي. مازالت نور تضحك فردت سريعًا:

-أومال مستنية رد فعله إيه بعد اللي عملتيه! كأنك بتطفشيه بالذوق. صاحت سلمى بانفعال: -استفزني اللي عمله. أعمل إيه يعني. ثم ما أنتِ عارفة إنه رخم. ابتسمت نور وقالت بحب: -شكلك متعرفوش كويس، هو اها بيحب يغلس بس طيب وحنين أوي. هدأت سلمى من روعها قليلًا ثم ردت بهدوء ولامبالاة وهي عاقدة أصابعها، تهتز بمقعدها يمينًا ويسارًا: -وأنا مالي هو أنا هناسبه. عمومًا هانت. رفعت نور إحدى حاجبيها وهي أردفت بدهشة:

-هو أنتوا بتاخدوا بعض بالجزم وأنتوا بتشتغلوا؟! والله لو ضراير مش هتعملوا كده. ردت سلمى بجدية: -هو اللي بيستفزني بكلامه وفي الآخر بيزعل. اللي بيني وبينه شغل والمرة الجاية على دماغه. تنهدت نور بأريحية ثم نظرت إليها وقالت بمداعبة: -هييييح يا عالم بكرة مخبي إيه. ابتسمت سلمى وقالت: -فكرتيني يوسف بعتلك السلام. توترت نور بمجرد سماع اسمه، فقامت على الفور وهي أردفت مسرعة: -عليه السلام، أنا يدوب أروح بقى مكتبي عشان الشغل وكده.

تفهمت سلمى إحراجها، فضحكت بشدة على حالها وهي تقول: -ههههههه ماشي يا نور نتكلم بليل أو بعد ما تخلصي. ردت نور وهي تسير: -اوك سلام. خرجت نور وهي تدعي بأن ما حدث مر على ما يرام، وشكت بأن سلمى لاحظت ارتباكها ولكن تغاضت عن الأمر. عادت لمكتبها وبدأت بالعمل تنشغل به تدريجيًا. ******************** قبل أن يغادر طارق الكلية حاول الاتصال بسارة، كي يراها قبل أن يذهب. ولكن وجد هاتفها مشغول أو غير متاح حاليًا.

اتجه إلى الشركة سريعًا كي يخبر والده بقراره. عند وصوله كان التردد يملئه، تشجع وقرع على الباب. دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. وجد محمود منشغلًا بمكالمة هاتفية، أشار له بمعنى الجلوس، جلس قبله وانتظره حتى ينتهي من مكالمته. تنحنح طارق كي يبدأ الحوار. قال محمود بجدية رافعًا عينيه: "أهلًا يا طارق، جاي متأخر النهارده يعني؟ رد بهدوء: "أبدًا، خلصت مشواري وجيت على طول." أردف محمود باهتمام: "تمام وإيه الأخبار؟ رد طارق بضيق خفي:

"لأ تمام." نظر له محمود بتمعن، فهو يعرف ما وراء تلك النبرة الهادئة، فقال: "ها خير، شكلك بيقول في حاجة." رد طارق بتردد: "بصراحة آه." عقد محمود يديه أمامه وهو يقول باهتمام: "اممممم سامعك." ابتلع غصته وقال سريعًا قبل أن يرجع عن قراره: "من الآخر كده أنا عايز أخطب." اندهش محمود من طلبه، فأردف سريعًا في تساؤل واهتمام: "نعم!! تخطب مين؟ أجاب طارق سريعًا بثقة: "سارة... اتسعت عيناه دهشة أكثر، ثم صاح به قائلًا: "أنت بتهزر!!

رد طارق بضيق: "ليه بس يا بابا، فيها إيه يعني؟ زفر محمود بنفاذ صبر وحاول أن يكون هادئًا، فقال بتماسك: "يا ابني يا حبيبي، نسيت اللي عملته معاك زمان؟! دي كانت هتوديك القسم، دي شلق.. هي دي اللي عايزها تكون شريكة حياتك؟! هتدخلك في مشاكل، ثم دي مش زي تفكيرك من أساسه." حاول طارق التمسك بقراره، فرد بجدية: "الموضوع ده قديم وسارة بقت كويسة زي ما حضرتك شايف."

رجع محمود بظهره إلى الخلف وهو يتنهد بقوة حيرة من أمره، فحاول استكشاف ما بداخله قائلًا: "يعني أنت مصمم؟ شعر طارق بعدم موافقة والده، فنظر له ورد بجدية: "حضرتك على اعتراض في إيه.. هي ولا المبدأ؟ رد محمود بضيق: "هي طبعًا.. هيييح شوف اعمل اللي يريحك بس مترجعش تندم في الآخر، أنت كبرت والمفروض تتحمل مسئولية شوية، مع إن بنت إبراهيم صاحبي أحسن منها بكتير." نهض طارق بعدما انزعج من حديثه: "ماشي يا بابا، عن إذنك."

تحرك وقبل أن يصل إلى الباب أوقفه صوت محمود محذرًا، فالتفت إليه وهو يقول: "عشان يكون في علمك، جوازك منها مش هيكمل." لم يرد عليه وأكمل طريقه للخارج، كان يعلم محمود بعدم رده، فقد كان على قصد من قول هذه الجملة كي يفكر مليًا، فمن الممكن أن يختار الطريق الصحيح ويعود عن قراره. *******************

تتابع العمل في اندماج شديد، حتى قطع تركيزها صوت قرعات الباب، توقعت الطارق إما نور عادت من جديد أو يوسف الذي يمر عليها كالعادة بين الحين والآخر، وليس بكل تأكيد طارق، فلا يحضر إلا بميعاد سابق، خاصة بعد الفصل المحرج الذي وقع به منذ قليل. سمحت بالدخول دون أن ترفع رأسها وهي تكمل عملها. نظر لها باسمًا ثم جلس في المقعد المقابل لها وقال بنوع من المرح: "أحبك وأنت مركز يا جميل."

تصنمت سلمى لدقيقة عندما سمعت الصوت، تحاول تمييزه جيدًا وتصدق بأنه هنا بالفعل، رفعت رأسها وتفاجئت به بالفعل بابتسامته التي لم ترها منذ فترة طويلة وهي لا تزال متعجبة. تركت القلم من يدها وعقدت أصابعها وهي تنظر إليه بجديتها المعتادة، وهي مقررة منذ أمس ألا يمر اتفاقهم بسلام، حاولت أن تصطنع الموافقة نوعًا ما أمام أخيها وصديقتها، ولكن المواجهة الحقيقية تكون أمامه، فقطعت الصمت بلهجة حادة: "جاي هنا ليه؟

رفع حاجبه بدهشة واستنكار من رد فعلها، وتذكر الحوار الدائر بينه وبين صلاح قبل أن يقرر الذهاب إليها وهو متردد من رد فعلها، فحاول تثبيتها كالعادة ما يفعل ويفشل في النهاية: "بقى دي مقابلة تقابليها لي بعد ما قطعت كل المشوار ده عشان أشوفك.. مفيش وحشتيني.. إزيك.. أي حاجة كده." زفرت سلمى بقوة وعلى وجهها لا توجد أي مشاعر على الإطلاق، فردت بنفس الطريقة:

"وإحنا من إمتى بقى كان في بينا الكلام ده إن شاء الله.. أنجز يا عاصم ورايا شغل.. عايز إيه؟ شعر بالضيق الشديد من رد فعلها المعتاد، والذي زاد هذه المرة، لم يتحمل وهو لا يعرف السبب، فهو ما يدركه في الوقت الحالي أن ما يخشاه قد يحدث الآن، فتعالت نبرة صوته بخشونة وضيق شديد: "في إيه يا سلمى.. مالك بتكلميني كده ليه.. ناسيه إني خطيبك ومن حقي أجيلك أشوفك في أي وقت؟! شعرت بالضيق أكثر، لترد منفعلة:

"لأ مش ناسيه.. بس سيادتك نسيت إن ده مكان شغل وبس، مش مكان تيجي وتقابل فيه خطيبتك.. وجودك هنا في مكتبي يبقى له علاقة بالشغل وبس مصلحة بينا وبس.. إنما تيجي تضيع وقتي والكلام الفاضي ده لأ أنا مش هسمح." اتسعت عيناه دهشة وغرابة ولم يصدق ما سمعه منها للتو، لقد تغيرت كثيرًا وانقلب حالها رأسًا على عقب، زفر وصاح بها بحنق: "ممكن أعرف سبب تحولك الفظيع ده إيه؟ اقتربت بمقعدها نحوه أكثر وهي شابكة أصابع يدها، لتنظر له وتجيب بجدية:

"أنا متغيرتش ولا اتحولت يا عاصم.. اسأل نفسك أنت السؤال ده، أنت اللي اتحولت لـ180 درجة من ساعة ما بابا رجع لوعيه مش أنا." نظر لها ولا يعرف ماذا يقول، لم يجد الرد المناسب لأنه يعلم بأنها محقة، ولكن الكبر سيطر عليه ليجعله ينفي ذلك: "أنتِ اللي مكنتيش عاطياني فرصة أقرب منك يا سلمى، ومكنتيش شايفة كل ده." ضحكت بعدما سمعت كلامه وبسخرية أردفت: "نعم!! مين معلش اللي بيحاول يقرب لمؤاخذة مسمعتش كويس!! .. ده اللي هو أنا يعني؟!

عاصم أنت مصدق نفسك بجد!! مستوعب اللي بتقوله؟!! .. ولا عايز تلبسني بأي غلطة والسلام وأبقى أنا الوحشة وأنت الملاك البريء اللي مبيغلطش." سلمى قوية.. نعم أصبحت قوية بالفعل.. لم تخش منه كما كانت تفعل من قبل، بل لا تبالي به على الإطلاق والعتاب أصبح على الملأ، لم يستطع الانتصار عليها هنا ولا حتى الرد عليها.. فحاول الرد عليها بإفراغ الغضب والضيق عليها: "لأ مقولتش إني ملاك بس أنتِ كل اهتمامك بالشركة وبس." نظرت له بمكر

ثم تبسمت وهي تقول بهمس: "مش الشركة دي اللي اتهمتني بالتقصير والإهمال فيها؟ .. حولتها دلوقتي لاهتمامي!! زاد حنقه وغضبه منها، تتذكر كل كلمة وكل تصرف يصدر منه، كأنها وحدة للذكريات المخزنة، لم يستطع أن يكسبها أو يضعفها بكلمة، ترد على كل كلمة بتقرير وتتجادل معه بكل صراحة، فصاح بها: "مش معقول بجد.. أنتِ خنيقة مكنتيش كده قبل كده." طرقت على سطح المكتب بضيق ثم نهضت ولكن ردت بهدوء ونبرة صارمة:

"تعرف ليه يا عاصم.. عشان كنت هبلة.. كنت بفوت مرة واتنين وتلاتة.. وأقول معلش يا سلمى استحملي عشان خاطر الشركة وأبوكِ، مهما كان ده خطيبك.. لكن رصيدك بيخلص وبينتهي.. وأنا مقصرتش، عطيتك فرصة مرة واتنين وعشرة.. وأنت بتستغل إني بفوت وأسامح وبتزيد في اللي بتعمله.. وكل مرة بدوس على قلبي ومشاعري ولا تعملي أي اعتبار.. فلحد هنا وكفاية أوي يا عاصم." حاول عاصم السيطرة على الوضع بأي شكل من الأشكال، يشعر بنبرتها

الانسحاب أو الانفصال منه: "سلمى حبيبتي.. أنتِ عارفة كويس أنا بحبك قد إيه.. اديني فرصة وأنا هثبت لك مدى تمسكي وحبي ليكِ." رنت إليه فترة تحاول أن تحلل كلامه، نبرة صوته وتعبيرات وجهه، فلم تجد بهما أي صدق، تشعر بأنها تسير في تيار معاكس، اضطرت ألا تساير عقلها وتعطيه آخر فرصة له، فقريبًا سوف يكون زوجها. قطعت الصمت الذي دام بينهم قرابة عدة دقائق، والذي كان عاصم آنذاك الوقت يتحرى شوقًا لسماع ردها:

"لأ والله محصليش الشرف إني أعرف.. شوف، مش قادرة أتكلم دلوقتي ودماغي مش فيا.. ربنا يعمل اللي فيه الخير." نهض عاصم ورد بعدم فهم: "يعني إيه؟ ردت سلمى بجمود: "يعني اتفضل دلوقتي يا عاصم.. أخذت وقتك وزيادة كمان.. متعطلنيش أكتر من كده." نظر لها قليلًا ثم غادر وكل الغضب والانفعال الزائد مرسوم على وجهه، لم تكن هي خطيبته التي يعرفها، لم تكن هي على الإطلاق، ولم يفهم ردها ماذا كان قبول أم رفض.

فشعورها الآن يختلف، فقد أفصحت ما بداخلها.. راحة داخلية عميقة للغاية تغمر حالتها النفسية.. هكذا أفضل بكثير لها وله، أغمضت عينيها والبسمة تزين ثغرها. دخلت نور مكتبها وهو خارج ورأت حالته العصبية التي لم يلاحظ مرورها بجانبه، رفعت حاجبها بدهشة فلأول مرة تراه بهذا الشكل.. ما الذي جرى بينهما يا ترى..

دخلت على الفور ووجدت سلمى جالسة خلف مكتبها في هدوء شديد على عكس ما كانت تتوقع.. جلست أمامها والدهشة تملأ وجهها وتساؤلات كثيرة تدور في عقلها، سندت على المكتب لتقول بدهشة: "لأ بقى ما أنا لازم أفهم.. متسبنيش كده." ابتسمت سلمى ورفعت رأسها قائلة: "مالك بس يا قلبي.. داخلة حامية كده ليه؟ صاحت بها بنفس النبرة: "ماله عاصم خارج ضارب في وشه كده؟ تنهدت سلمى وشردت بحزن:

"قلت له اللي المفروض يتقال من زمان.. فطبيعي يخرج بالحالة دي." لاحظت سلمى بانشغال نور بهاتفها، فنظرت لها بفضول: "بتكلمي مين بتركيز كده؟ أجابت دون النظر إليها: "ده طارق.. متتخيليش مفقوع منك قد إيه." شردت قليلًا واختفت البسمة من وجهها وشعرت بالضيق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...