عندما يكون الضغط فوق الاحتمال، تنفجر الأعصاب تلقائيًا دون سابق إنذار، مثل مشاعر الإنسان عند إخفائها لإرضاء من حوله في سبيل سعادته، ويعود إليه بالسوء مرة أخرى، يا لها من مقدرة تحمل البشر. قلقت نور كثيرًا من اختفاء سلمى المفاجئ، فلم تذهب إلى الشركة ولا الكلية منذ يومين. كذلك هاتفها مغلق أو غير متاح، لا تستطيع الوصول إليها إلى أن جاءتها فكرة، ولكنها ترددت كثيرًا كي تقوم بتنفيذها، فهي حقًا تشعر بالخجل.
تناولت هاتفها وقامت بالاتصال على يوسف، فلا يوجد حل سوى هذا، يجب الاطمئنان عليها بأي طريقة. نور بتوتر: -ألو أستاذ يوسف. فرح يوسف كثيرًا عندما رأى اسمها ينير شاشة جواله، فرد على الفور باسمًا: -أهلًا آنسة نور، أخبارك إيه؟ ردت نور بنبرة هادئة: -الحمد لله تمام، المهم سلمى فين؟ فونها مقفول ولا بتروح الشركة ولا الكلية، طمني عليها لو سمحت. تنهد يوسف ورد بحزن:
-من ساعة اللي حصل وهي حابسة نفسها في أوضتها، لا بتشوف حد ولا بتكلم حد، وبسمع عياطها كل ما بعدي عليها، صعبانة عليا أوي بجد حاسس إني متكتف ومش عارف أعملها حاجة. تنهدت نور بقوة وردت بحزن هي الأخرى: -طارق كمان نفس الوضع والله أنا تعبت، ربنا يعدي الموضوع ده على خير بس، طيب أنا مضطرة أقفل عشان رايحلها. رد يوسف بهدوء: -تمام، مش عايزة حاجة؟ نور وهي تغلق هاتفها سريعًا: -لا شكرًا، سلام.
أنهت معه المكالمة وهي تتناول حقيبتها وخرجت من مكتبها إلى خارج الشركة. استقلت سيارتها وقادت مسرعة إلى أن وصلت إلى فيلا الجوهري. فتح لها الخادم وصعدت إلى غرفتها على الفور. قرعت على الباب عدة مرات لا تستجيب، إلى أن سمعت صراخًا من الداخل يقول: -إيه مبتفهموش؟ مش عايزة أشوف ولا أتكلم مع حد، سيبوني في حالي بقى. سقطت بعض العبرات من نور تأثرًا بحال صديقتها وأختها. قرعت عدة رقعات متتالية وهي تقول بإصرار:
-افتحي يا سلمى أنا نور. دقائق وسمعت صرير الباب، دخلت نور لترى حالة سلمى المزرية، سواد كبير في أسفل عينيها، التي أصبحت مثل البندورة من شدة تورمها من كثرة البكاء. تسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطوات سريعة بكل عصبية، وتعلم نور جيدًا تلك الحالة عندما تكون فقدت صبرها. نور بحيرة صاحت بها: -يا بنتي اقعدي بقى خيلتيني. ردت سلمى بانفعال دون النظر إليها: -أقعد إيه وزفت إيه دلوقتي، كفاية اللي أنا فيه. اقتربت منها نور
تربت عليها محاولة تهدئتها: -اهدي بس عشان تعرفي تفكري كويس. صاحت بها سلمى بعنف: -هو بقى فيها تفكير؟ ما خلاص. صاحت نور هي الأخرى بخوف وحب: -يا حبيبتي أعصابك مش كده، أنت عارفة نتيجة اللي بتعمليه ده كويس. نظرت لها سلمى وابتسمت بسخرية: -لا ما خلاص أنا أخدت على كده، مبقتش تفرق. مسكت نور يديها وهي تسير بها إلى أن اقتربت من فراشها: -يعني إيه؟ لا طبعًا، طب اقعدي عشان خاطري. جلست سلمى وهي تقول بصدمة:
-هو أنا ما صدقت أفوق من عاصم شوية، أدخل في دوامة طارق؟ أنا تعبت. شرعت في البكاء وارتمت في أحضان نور تربت عليها بحب وحنان، التي أدمعت هي الأخرى. *** عادت نور منزلها وهي لا ترى شيئًا أمامها، صديقتها من ناحية وأخيها من ناحية أخرى. صادفت المربية وهي تصعد درجات السلم فألقت عليها السلام بتعب: -سلام عليكم يا دادة. المربية بقلق: -وعليكم السلام يا بنتي، شكلك مرهق. التفتت لها نور بإرهاق لتقول بهدوء: -أوي يا دادة، على آخري.
ابتسمت المربية بحنان وقالت بحب: -ارتاحي شوية عقبال ما أحضر الغدا، البيه مستنيكي لما ترجعي. تنهدت نور بإرهاق لتقول: -مش قادرة بجد هموت وأنام، لما أصحى هاكل. تنهدت المربية في حزن وقالت بشفقة: -هو أنت وطارق كمان. ردت نور بتساؤل وحزن: -هو كمان لسه ماكلش؟ المربية بحزن: -آه يا بنتي من ساعتها. ردت نور وهي تكمل صعودها: -طيب شوية وصحيني. المربية بحب: -حاضر يا بنتي، تصبحي على خير. نور دون الالتفات إليها: -وأنت من أهله.
رحلت المربية مكان ما أتت. نور دخلت غرفتها وألقت بحقيبتها على أقرب مقعد، وبعدها جسدها على فراشها بكل تعب وإرهاق، فما زالت يومين تعمل بالشركة وتحل مكان سلمى بالإضافة إلى دراستها بين العملي والنظري. لم تشعر بنفسها وذهبت في سبات عميق. *** لا تزال أعين تهاني بين كل فترة وأخرى تنظر إلى الساعة، تنتظر رجوع محمود. منذ أن طلب رؤية طالب لم يعُد بعد، وهي تشعر بالقلق الشديد وأن شيئًا ما قد حدث.
لم تنتظر رجوعه أكثر من ذلك، فدخلت غرفة مكتبه ورفعت سماعة الهاتف وقامت بالاتصال بالشركة، ولكن دون جدوى فلا يوجد رد. في هذا الوقت حالة من الحيرة تسيطر على المكان منذ يوم الاجتماع، كان العقل واقفًا عن التفكير لاتخاذ أي قرار مصيري لا يهدد حياة أشخاص اعتبارية فقط، إنما حياة أفراد طبيعيين شبه سُلبت حريتهم واختياراتهم. يجلس محمود واضعًا رأسه بين كفيه، مسندًا على ساعديه، شارد الذهن على وجهه نوع من الحيرة والحزن.
قطع الصمت صوت هاشم الحزين: -وبعدين يا محمود، العمل إيه دلوقتي؟ زفر محمود بشدة وهو يقول بهدوء: -العمل عمل ربنا، القرار الأول والأخير في إيدين الولاد، هما اللي يقرروا مش إحنا. نظر له هاشم بضيق وقال بشراسة: -عارف معنى كلامك إيه؟ يبقى الدنيا اطربقت فوقينا كلنا. طرق محمود بكفه على سطح المكتب بحدة وهو يقول بجدية وانفعال، فلم يتحمل الطريقة التي يعامل بها هاشم أولاده:
-أصل مش معقول يا، الموضوع ده يتم والشركات تكون تمام يا نجلب التعاسة ليهم. رمقه هاشم نظرة لا مبالاة لما يقول ببرود: -جوازهم مصلحة كبيرة للشركة، فيها إيه لو يستحملوا شوية، دي في الأول والآخر كل حاجة هترجعلهم. محمود: -بس مش بالشكل ده، شوفت عملوا إيه لما عرفوا بقرار زي ده، ثم مقدرش أجبر ابني إنه يتجوز بالأسلوب ده، مفكرتش في بنتك ذنبها إيه في كل ده، ولا سارة خطيبة طارق وعاصم لا يمكن يوافق بحاجة زي دي.
رد هاشم بلا مبالاة وبرود: -أنا مستعد أعمل عكس اللي قولته بس أنت عارف النتيجة كويس، وبنتي أنا عارف مصلحتها كويس، ثم عاصم في الأول وفي الآخر أسهمه معانا فهيهمه مصلحة الشركة أوي ومقدر الخسارة اللي عليها إزاي. لم يتحمل محمود السماع تلك المهاطرات أكثر من ذلك، فهو مهما قال لا يغير موقفه، سيكون البرود والقسوة جزء منه، فنهض وقال بحدة وجدية: -أنا قولتلك اللي عندي والقرار الأول والأخير ليهم هما، عن إذنك.
خرج محمود وأغلق الباب خلفه بعنف وغضب، فضحك هاشم بشدة بكل برود. *** عاد محمود المنزل وهو يشعر بثقل شديد فوق رأسه، لا يعرف ماذا يفعل، أصبح منحصرًا بين حدين ولا يستطيع الاختيار بينهم لأن النتيجة ستكون عكسية ومدمرة للخيار الثاني. استقبلته تهاني بلهفة وشوق وهي تحتضنه بشدة، قبل رأسها بهدوء وصعدا معًا لغرفتهما، قص عليها ما دار بينه وبين هاشم الجوهري. انفعلت تهاني بشدة لتقول: -الراجل ده إيه ده؟ معندوش ريحة الدم!
يا ساتر على البرود، مكنتش عارفة إنه قاسي أوي كده، يا عيني عليك يا سلمى يا بنتي وعلى اللي بيجرالك. جلس محمود بجانبها بعدما أنهى من تبديل ملابسه وهو يقول بانفعال: -الراجل اتجنن خلاص، كل همه الفلوس والسلطة ومفيش في دماغه أي حاجة تانية، ولا ولاده ولا مراته الله يرحمها اللي راحت بسببه. تنهدت تهاني بحزن وهي تقول: -الله يرحمك يا فريدة، ياما استحملته وفوتت كتير، وفي الآخر دفعت حياتها التمن. محمود بتحذير:
-إياك تجيبي سيرة الموضوع ده قدام ولادها، خاصة سلمى، لو عرفت ممكن تنهار، ولا حتى نور تعرف، مفهوم! تهاني بقلق: -متقلقش يا محمود محدش هيعرف حاجة، المهم الموضوع رسى على إيه؟ تنهد بعمق وهو يقول بهدوء: -القرار الأول والأخير في إيد سلمى وطارق، ومهما كان قرارهم أنا موافق عليه. ***
مرت الأيام دون حديث أو أي اتصال بينهم، متجنبين بعضهم البعض غير كل مرة. في هذه المرة الوضع يختلف أشد الاختلاف، ومهلة الرد والتفكير أوشكت على الانتهاء، ومن المفترض الرد في أسرع وقت بقرارهم المصيري الذي سوف يدفعون ثمنه باقي حياتهم، فهذا القرار لا يتخذ بسهولة قط، ولم يجد أحد منهم وسيلة للفرار من هذه الأزمة. في صباح اليوم التالي، استيقظت نور وهي تشعر بألم كبير في أنحاء جسدها، كأنها لم تنم جيدًا منذ سنوات.
نهضت واغتسلت وصلت فرضها، بدلت ملابسها استعدادًا للذهاب إلى الشركة. نزلت ومرت على الحديقة كي ترى والدتها، وجدتها بالفعل تجلس وتحتسي فنجان الشاي المعتاد. جلست نور بجوارها بعدما طبعت قبلة على وجنتيها، لتقول باسمة: -صباح الخير يا مامي. ردت تهاني باسمة: -صباح النور يا نور عيني، صحي النوم. نور باطمئنان: -طارق خرج ولا فوق؟ تهاني بحزن: -لسه فوق، متعرفيش الموضوع رسي على إيه ما بينهم؟ نور تنهدت بحيرة وحزن لتقول:
-معرفش بجد، سلمى حالها متغير بتفكر كتير وطارق نفس الكلام على طول ساكت، معرفش آخرة الموضوع ده إيه، هي سلمى ناقصة أصلًا، لو كانت طنط فريدة عايشة مكنتش سمحت بده أبدًا. تهاني ابتسمت بحزن عندما تذكرت فريدة، انتبهت لنور وهي تتنهد وتقول بحزن: -عندك حق، الله يرحمها، ربنا يستر، هي علاقتها بطارق إزاي؟ نور بحماس: -مش طايقين بعض من الأول والموضوع زاد أكتر، ربنا يستر أنا هطلعله.
تركتها نور وصعدت لأخيها، وذهبت هي للعيش مع ذكرياتها مع فريدة. *** صعدت نور وقرعت على الباب عدة قرعات، دخلت بعدما سمعت الإذن بالدخول. تنحت نور وقالت بابتسامة ومرح: -يا صباح العسل. ابتسم طارق فهي الوحيدة التي يسمح لها بدخول غرفته، شقيقته الصغرى والأقرب إلى قلبه. فقال بحب: -تعالي يا نور. اقتربت منه وجلست على طرف فراشه وقالت بمرح: -ها يا سيدي عامل إيه دلوقتي؟ تنهد طارق ورد بهدوء: -زي ما أنا مفيش جديد.
ربتت على قدميه وقالت بحزن: -معلش يا حبيبي أكيد لها حل وبكرة هتتعدل، وأعذر سلمى بردو مهما كانت شايفة الضغط عليها إزاي. صاح بها طارق بعنف: -طيب وأنا يا نور مش بني آدم بردو ولا إيه؟! لا يمكن هتجوز بالأسلوب ده أبدًا، من حقي أتجوز اللي بحبها وتحبني مش واحدة لا أنا ولا هي طايقين بعض. قالت نور بحيرة من أمرهم: -مش عارفة أقول لكوا إيه بس طيب.. هتعملوا إيه دلوقتي؟ رد طارق بحنق: -اديني بفكر أنا تعبت بجد يا نور.
نور بابتسامة اقتربت منه وهي تحيط ذراعها بمنكبيه لتقول بحب: -إن شاء الله ليها حل، يلا قوم نفطر سوا وقوم شوف حالك يا أستاذ عندك شركة وكلية. أعاد بظهره إلى الخلف وهو يقول بشرود: -لا مليش نفس يا نور. ابتعدت عنه وجلست قبله وهي تقول بطفولة: -عشان خاطري لازم تفوق لنفسك شوية يا طارق وسيب الموضوع على ربنا، يلا بقى. ابتسم طارق على طفولتها ونهض ليغتسل وصلى فرضه ونزلوا سويًا.
فرحت تهاني لسماع صوت طارق أخيرًا، نهضت وركضت ناحية الصوت وقامت باحتضانه، وهو قام باحتضانها بشدة وعلى ثغره ارتسمت ابتسامة عريضة، لقد اشتاق بالفعل لحضن والدته كثيرًا. قطعت نور هذه اللحظة الجميلة بمرحها كالعادة وهي تقول باسمة: -إيه يا توتو ده غاب عنك كام يوم أومال لو شهر ولا سنة كنت عملتي إيه. ضربها طارق بخفة على جبهتها وهو يقول بغضب: -أطلعي منها أنتِ بس يا لمضة، أنتِ مالك أمي. ردت نور بطفولة وغضب:
-يا سلام ما هي أمي أنا كمان. ضحكت تهاني على طفولتهما، فما زالوا منذ صغرها وهما ناقر ونقير. احتضنتهما وهي تقول بحب: -ربنا ما يحرمني منكوا أبدًا يا حبايب قلبي، كان لازم تطلع نور عشان تنزلك يا طارق؟ ابتسم طارق وهو ينظر لنور بحب: -أعمل إيه رغم اللي بتعمله مقدرش أستغنى عنها. أرسلت له نور قبلة في الهواء وقالت بحب: -حبيبي يا طروق، على قلبك.
أدمعت تهاني عيناها فرحة على علاقة أبنائها وهي تدعو الله أن يحفظهما، ويمر تلك الأيام العصيبة عليهم على خير. بعد انتهاء هذه اللحظة الرائعة تجمعوا وتناولوا الفطور سويًا. ****************** في مكتب أنيق بإحدى الشركات يجلس عاصم على مكتبه، يشعل سيجاره بضيق بولاعة فضية أنيقة جدًا، يقذفها أمامه بكل عصبية. تجلس أمامه فتاة، التي كان يتحدث معها دائمًا، توترت من عصبيته لأنها تعرف ماذا من الممكن أن يفعل: -أهدى شوية مش كده.
نظر لها عاصم وعيناه تطلق شرار وهو يقول: -أهدى يعني إيه أنتِ كمان، مش شايفة اللي حصل يعني إيه يتجوزها. رمقته نظرة جنونية وصاحت به بغيرة وشراسة: -مالك بتتخلق عليا ليه يا عاصم، ما أنا زيي زيك.. ثم تعالى هنا من أمتى دي تفرق معاك زيها زي غيرها. نظر لها عاصم بغضب وقال بشراسة:
-لا تفرق يا حبيبتي دي كنز من العيار التقيل أوي، ثم أنا ليا شغل مع أبوها ولا نسيتي الشراكة اللي بينه وبين أبويا.. وعشان أضمن كل حاجة تحت أيدي خطبتها فهمتي بقى. ضحكت سارة عندما اطمأنت بأنه لا يكن لها مشاعر، فصاحت بمرح: -هههههه أنت معلم ومنك نتعلم. ضحك عاصم وقال بخبث: -ما إحنا في الهوا سوا يا جميل ولا عايزة تفهميني إنك بتحبيه. ردت سارة بدلال وميوعة: -وإيه اللي يمنع منكرش إني كنت بحبه في الأول بس قبل ما أعرفك يا حبيبي.
تحولت نبرة عاصم للجدية ليقول: -كلمتيه ولا لسة؟ أجابت سارة بقلق: -بقاله أسبوع قافل تليفونه والكلية ما بيروحهاش، يا خوفي ألا يتجوزها فعلًا. تحول عاصم ورد بشراسة: -الجوازة دي لا يمكن تتم. انفعلت هي الأخرى وقالت بغضب: -على جثتي مش أنا اللي حد ياخد مني حاجة بتاعتي. *************** تناولت الفتاة حقيبتها وخرجت على الفور، وعقلها يفكر إلى أن كاد ينفجر، لا يمكن أن تتصور بأنه سوف يكون لغيرها بعد آخر مرة تحدثا فيها سويًا.
ركبت سيارتها وهي تتذكر. خرج من الشركة عقب الاجتماع، وبعد لقائه بإيهاب قرر بأن يواجهها. كل ما يشغل تفكيره الآن هو سارة، كيف يصارحها ويخبرها بأن زواجهم محتم عليه بالدمار، فقام بالاتصال بها. سارة بابتسامة: -خير يا حبيبي قلقتني. طارق بتوتر لا يعرف من أين يبدأ: -سارة ممكن أسألك سؤال وتجاوبيني بصراحة؟ سارة بقلق: -آه طبعًا قول في إيه. طارق بترقب: -سارة هل هيجي يوم وفي حاجة تأثر على علاقتنا مهما كانت؟
ابتسمت سارة وهي تقول بحب: -لا طبعًا ليه بتقول كده. اطمأن قلبه قليلًا، تنهد ثم قال بهدوء: -اسمعي اللي هقولهولك ده للآخر تمام.. بصي يا ستي..... قص عليها طارق كل ما حدث، والقرار الذي سوف يتخذه وهي تستمع إليه بصدمة، إلى أن أنهى حديثه وصاحت به بغضب: -أنت بتقول إيه أنت بتهزر يا طارق!! نظر لها طارق وقال بهدوء شديد: -اسمعيني بس. ردت سارة بنفس الحالة:
-أسمع إيه أنت مش شايف بتقول إيه، يعني إيه واحدة تانية تاخدك مني يعني إيه تتجوز ومن مين من دي. زفر طارق بقوة لم يتحمل صياحها وصوتها العالي، فرد بصوت حازم: -مش معقول كده أهدي شوية، كلمتك عشان تفكري معايا بعقل مش تزوديها عليا.. عشان خاطري أهدي. قالت بانفعال وهي تقول بغضب: -اديني هديت أهو، الموضوع مش داخل دماغي الموضوع بالساهل كده إنك تسيبها بعد كده. شعر بالغضب وقال بصوت عال:
-الموضوع ده يخصني أنا مش كفاية هيخلوني أتجوز واحدة مش طايقها غصب عني وده شرطي للصفقة دي ما تقلقيش فكيها بقى. نظرت سارة في الفراغ بحنق ووعيد وهي تقول: -ماشي يا طارق أما نشوف آخرتها. كانت تشعر حينها بأنه مجرد حديث عبثي وقت غضبه وسوف يعيد تفكيره مرة أخرى، ولكن تفاجأت باختفائه مدة كبيرة لا تعلم عنه شيئًا. ******************
نور أثناء قيادتها قامت بالاتصال بسلمى، كي تخرجها من حالتها هي الأخرى وتلتفت إلى مستقبلها، فكفى الأيام الماضية من حزن وسجن، بعد إلحاح شديد من نور وافقت سلمى على النزول للكلية، وكانت هي المرة الأولى ترى بها الشارع. تقابلوا في الكافتريا قبل المحاضرات، طيلة مدة جلوسها وهي شريدة للغاية لا تتحدث، قطعت نور الصمت وهي تقول: -عشان خاطري لازم تطلعي من حالتك دي أنتِ كمان. قطبت سلمى حاجبها بغرابة، تقصد من بنفس حالتها،
فقالت بعدم فهم: -أنا كمان! تنهدت نور وقالت بحزن: -آه يا ستي طارق بنفس حالتك دي ولا بيروح الكلية ولا الشركة، سيبيها على ربنا. اندهشت سلمى مما سمعت، فلم تتوقع بأنه يكون بحالها، اعتقدت بأنه يعيش حياته كأن ما حدث لم يكن، ولكن اتضح عكس ذلك. كادت أن تتعاطف معه ولكن فاقت من مشاعرها وقالت بغضب: -ونعم بالله بس مش ممكن أتجوز أخوكِ المجنون ده، شوفتي بيعاملني إزاي!! ضحكت نور على طريقة حديثها وهي تقول:
-ههههه أنا معاك إنه ساعات بيرخم بس طيب أوي والله. رمقتها نظرة وقالت بضيق: -رخم على نفسه بقى. ضحكت نور بشدة وقالت: -فصلتيني بجد يلا قومي نخلص المحاضرة دي ونكمل مشروع التسليم كمان يومين وفكيها شوية. ابتسمت سلمى، فنور القادرة على إخراجها من هذه الحالة بروحها المرحة، فقالت ضاحكة: -هههه حاضر يلا يا لمضة. استردت نور قائلة: -هتعملي إيه بعد الشغل؟ تنهدت بعمق ثم قالت باسمة: -هروح لعمتو.. محتاجة أتكلم معاها أوي. صفقت
نور بطفولية وقالت بإلحاح: -الله.. خديني معاكِ عشان خاطري.. طنط سميحة وحشاني خالص. ضحكت سلمى وقالت: -حاضر يا ستي أمري لله. ****************** نفس محاولات نور مع سلمى، تتكرر بإيهاب مع طارق، الذي لم يستطع الوصول إليه، فذهب إلى الشركة لعله يجده هناك. اقترب من السكرتارية وبعد دقائق من التساؤلات اتجه إلى مكتب طارق، قرع على الباب ودخل بعدما سمح له بالدخول.
عندما رفع طارق رأسه ووجد إيهاب أمامه ابتسم، فلقد افتقده طيلة هذه المدة، نهض وتبادل الأحضان وذهبا ليجلسا. فقال إيهاب بعتاب: -إيه يا ابني فينك مختفي كل ده ليه! تليفونك مقفول والكلية ما بتجيش سألت عليك في البيت مامتك قالتلي إنك نزلت الشركة ما صدقتش. طارق بهدوء أشبه بالبرود: -موجود تشرب إيه الأول؟ رد إيهاب بهدوء: -مفيش داعي. ابتسم طارق وقال بنفس النبرة وهو يرفع سماعة الهاتف ويطلب القهوة المعتادة:
-لا إزاي عشان نتكلم براحتنا. ثم تنهد وهو يسترد حديثه قائلًا بهدوء شديد اندهش منه إيهاب: -كنت محتاج أقعد مع نفسي شوية في هدوء.. ولا عايز أتكلم ولا أشوف حد. إيهاب بغرابة من حديثه اليوم قال: -حتى أنا!! كويس بس خد بالك من الكلية شوية وركز في مستقبلك. ابتسم طارق عندما تذكر الحوار الذي دار بينه وبين نور صباح اليوم ليقول:
-عارف يا إيهاب، أنت اللي بعرف أتكلم معاه.. نفس كلام نور بالضبط هي اللي فضلت فوق دماغي وطلعتني من الكهف وخلتني أنزل الشركة.. إن شاء الله هنزل من بكرة. ضحك إيهاب بإعجاب وهو يقول: -هههههه تصدق نور بتفهم أهو.. والله جدعة عامل.. إيه مع سلمى؟ عبث وجه طارق بمجرد ذكر اسم سلمى، فرد بوجوم: -مفيش، متجنبين بعض تمامًا حتى سارة أسبوع ما كلمتهاش مش ناقص صداع أنا عارف هتقول إيه. إيهاب باهتمام قال: -هو الرد أمتى؟
تنهد طارق وهو يقول بتفكير: -كمان أسبوع كده. رد إيهاب بمفاجأة: -إيه ده بسرعة كده! سمع صوت رنين هاتفه، تناوله وجد المتصل سارة.. وجم وجه نظر لإيهاب وقال وهو يرد بضيق: -سارة يا سيدي.. ألو أيوه يا سارة. صاحت به سارة بشراسة: -أنت فين يا طارق.. أسبوع معرفش حاجة عنك. لم يكن بحالة لمجادلتها فرد ببرود: -معلش يا حبيبتي أنتِ عارفة الفترة اللي فاتت كنت مضغوط إزاي. ردت سارة بنفس الطريقة: -وأنا مش خطيبتك برضه متسألش فيا؟
عايزة أشوفك. تنهد طارق بحيرة وشرود، نعم هو مضغوط ولكن ما ذنب سارة لتتحمل كل هذا؟ هدئ قليلًا ثم قال بهدوء: -متزعليش حقك عليا، أنا كمان محتاج أشوفك، هبقى أكلمك بعد الشركة تمام. هدأت سارة هي الأخرى قليلًا وهي تقول بحب مصطنع: -ماشي يا حبيبي متتأخرش عليا. رد طارق سريعًا وهو ينهي معها المكالمة بهدوء: -ماشي متقلقيش سلام.
زفر بقوة وحيرة، أغمض عينيه بتعب وإرهاق كبير، يشعر بأنه في دوامة كبيرة لا يستطيع الخروج منها. زواجه من سلمى الذي لم يتخذ فيه قرار بعد من ناحية، وارتباطه بسارة وغيرتها من ناحية أخرى، فلا يريد ظلمها معه، والشركات من ناحية ثالثة. عقله وقف من كثرة التفكير بلا جدوى. قلق إيهاب على حالته وهو يشعر بالضغط الذي يمر به، قطع الصمت عدة دقائق ليقول: -ها مالك؟ طارق رفع رأسه وهو يجيب بشرود: -مفيش بفكر هعمل إيه؟
تنهد إيهاب وتساءل باهتمام: -هتقابلها النهاردة؟ تنهد طارق وعاد بنظره إلى الخلف وهو يفكر ليقول: -آه لازم، ربنا يستر شكلها متعصبة على الآخر. لازم أنهي الموضوع ده بأسرع وقت. نهض إيهاب وهو يهندم ملابسه، يشعر بالأسف على الحال الذي مر به، ليقول بهدوء: -تمام هكلمك بعدين وأبقى طمني. رد طارق بهدوء: -ماشي تمام. إيهاب وهو يتجه نحو الباب: -يلا سلام دلوقتي كمل شغلك. *****************
بعد الانتهاء من موعد الشركة قام طارق بالاتصال بسارة، وتم الاتفاق على أن يتقابلا في كافيه. وصل قبلها بعدة دقائق وهو يفكر ماذا يقول. وصلت سارة ووجهها يطلق الغضب والشرار، فقال في نفسه "ربنا يستر ويعدي اليوم على خير". قام وقال باسمًا: -إزيك يا سارة؟ ردت سارة بغضب مصطنع وهي تجلس: -أنت لسه فاكرني! جلس طارق قبالتها وهو يقول بضيق: -قدري ظروفي سارة لو مكاني هتعملي إيه؟ مضغوط من كل ناحية. فصاحت به بغضب:
-وأنا أعمل إيه أنا كمان يا طارق ها! هتعمل إيه دلوقتي؟ طارق بضيق قال: -بفكر يا سارة بفكر. نظرت له سارة بتوعد وهي تقول محذرة: -خليك فاكر الجوازة دي على جثتي. لم تروق له النبرة التهديدية التي تتحدث بها، لا فهو طارق الإبياري لا يعتريه التهديد على الإطلاق، لينظر لها بغضب ويقول بشراسة: -لا فوقي يا سارة مبتهددش. مش وقته خناق فيا اللي مكفيني. مش بدل ما نقعد مع بعض شوية تقلبيها خناق.
نهض على الفور فلن يتحمل الحديث معها بعد الآن. كاد أن يتحرك أمسكت بيديه في غضب وهي تصيح: -إيه ده أنت رايح فين وسايبني! أفلت يديه من قبضتها وقال بضيق شديد: -لما تهدي يبقى نتكلم، سلام تعبان عايز استريح شوية نتكلم بعدين. تركها وخرج سريعًا، جلست في مكانها تبكي على غبائها، ليس من المفترض أن تقوم بإغضابه في هذا التوقيت. *****************
في صباح اليوم التالي، تحديدًا شركة الجوهري. يجلس هاشم على مكتبه بكل وقار ومعه مكالمة تليفونية، أنهاها وهو يتنهد بقوة وظهر عليه الحيرة. تطلع إليه محمود الذي لا يعرف سبب تجهمه، فقال بتساؤل: -خير دول الجماعة؟ هاشم رد بتجهم دون الالتفات إليه: -أيوه بيقولوا إن ميعاد التنفيذ قرب ومفيش أي رد. رد محمود سريعًا وقد ظهر عليه الضيق واليأس من تنفيذ الشرط: -معنى كده إن الولاد لازم ياخدوا قرارهم في أسرع وقت. رد هاشم بجمود:
-بالظبط كده مفيش حل تاني. يا إما كده يا إما الـ 3 شركات هتتنصف النص. مسح محمود وجهه بغضب وهو يحاول تهدئة أعصابه: -يا ربي طيب فاضل قد إيه؟ هاشم بنفس الجمود: -الأسبوع ده بالكتير، ولازم يكونوا على الأقل مكتوب كتابهم. يا إما كده يا أنت عارف الباقي. وقف محمود ولم يستطع التحامل على أعصابه أكثر من ذلك ليقول بانفعال: -بجد مش عارف أفكر إزاي، هقول لابني الموضوع ده ونفس القرار هيبقي صعب على سلمى. نظر له هاشم ببرود ليقول:
-عندك حل تاني؟ طرق محمود على سطح المكتب بعنف وهو يقول بقلة حيلة: -مفيش، بس ربنا يستر على قرارهم بقى. رد هاشم ببرود: -إن شاء الله خير. ****************** مر يومان في التفكير والمهلة تقترب أكثر وأكثر، ولم يتوصل أحد منهم على حل بعد. طارق في غرفته في حيرة كبيرة، يفكر محاولة منه الوصول إلى حل بديل ولم يجد، إلى أن توصل لحل ليفاجئ الجميع. تناول هاتفه وقام بالاتصال بسلمى على الفور ليبلغها بقراره أولًا.
تتنهد بقوة وهي تتصفح إحدى المواقع بملل شديد لإنهاء عملها. وجدت هاتفها ينير بوجود اتصال جديد، تناولت هاتفها وجدت طارق المتصل. شعرت بالغرابة والضيق في ذات الوقت، ترددت كثيرًا قبل الرد ثم حسمت أمرها وبدأت المكالمة: -ألو. رد طارق بهدوء: -أيوه يا سلمى أخبارك إيه؟ تنهدت بضيق ثم قالت ببرود: -كويسة عايز حاجة؟ تغاضى طارق عن نبرة صوتها الباردة ليقول: -ممكن نتقابل بكرة؟ اندهشت سلمى من طلبه، فمنذ الاجتماع الأخير لم يحدثها قط،
فقالت ببرود: -بخصوص إيه؟! تنهد طارق وقال بنفاذ صبر: -الكلام مش هينفع في التليفون. سلمى بعد تفكير ردت بنفس البرود: -تمام عدي عليا في الشركة. رد طارق سريعًا بجدية وحزم: -أفضل مكان عام عشان ناخد راحتنا في الكلام أكتر. سلمى بعد تفكير وهي تتغاضى هي الأخرى عن نبرته، لترى ما نهاية هذا الأمر: -تمام ماشي فين وإمتى؟ تحدث طارق بهدوء هذه المرة وقال: -إيه رأيك بكرة في... الساعة 2 كويس؟ سلمى بنفس النبرة: -تمام كويس يلا سلام.
وأنهت المكالمة على الفور، ليقول طارق ببرود: -سلام. أنهت معه المكالمة وهي تفكر فيما يكون يريدها بشأنه، خطر على تفكيرها شروط الصفقة، ولكن قررت أن تنتظر للغد. شعر بالغيظ من طريقتها المستفزة وقرر ترويدها، لا يعرف كيف سيتعامل معها بهذا الأسلوب يا ترى؟! قفلت معاه وهي محتارة من المكالمة دي يا ترى عايز إيه واشمعنى التوقيت ده. هو حسم أمره وواجه وبيدعي ربنا إن الخطة تمشي مظبوط يا ترى بكرة هيحصل إيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!