عقب انتهاء محمود من تناول الطعام، وبعد أن هدأ من روعه قليلًا، دخل غرفة مكتبه ليفكر مليًا في الخطوة القادمة، وكيف يبعد تلك الفتاة عن طريق ابنه، من الواضح أنها لن تتركه وشأنه. أوصت تهاني بإحضار فنجان من القهوة وتقديمها لمحمود في مكتبه، أما هي فخرجت للحديقة تحاول أن تفهم ما وصل إليه طارق من تفكير، لم تتوقع أنه ما زال على علاقة بسارة طوال هذه الفترة، يجب أن توقف الشجار والحدة التي بينه وبين محمود، وأن توقفه هو شخصيًا.
فتناولت هاتفها وقامت بالاتصال به، رد بعد وقت، فقالت بحزم: -أنت فين يا طارق؟ رد طارق بلهفة: -أنا في العربية، خير يا ماما، في حاجة؟ صوتك مش مريحني. أردفت تهاني بنفس اللهجة: -لما تيجي هتعرف، ما تتأخرش. أردف طارق بلهفة أكبر وهو يزيد من سرعته: -مش وقته يا ماما، أنا في طريقي للمستشفى، سلمى فاقت. صاحت به تهاني بفرحة حقيقية: -أنت بتتكلم جد؟! ابتسم طارق تلقائيًا على فرحة والدته، ليقول بحب:
-أيوه بجد، لسه الدكتور قافل معايا ما فيش دقايق. تهاني بفرحة قالت: -ماشي يا حبيبي، تبقى تكلمني لما توصل وتطمني عليها. ابتسم طارق وقال: -حاضر إن شاء الله. نهضت تهاني سريعًا لتخبر محمود بهذه البشرى السارة، ونسيت تمامًا ما كانت تجري المكالمة بشأنه، وفي ذات الوقت كي تزيح عنه أي هم أو ضيق، لعله يسعد لسماع هذا الخبر. ***************
وصل طارق إلى المشفى وركن سيارته جانبًا، أخذ يهرول ركضًا إلى غرفة سلمى، فتح الباب بسرعة ولهفة ودخل على الفور يلتقط أنفاسه وعيناه تعلقت بعينيها، فرحته الداخلية بإفاقتها لم يلاحظ وجود الطبيب معه بالغرفة.
ظل ثابتًا في مكانه ينظر إليها فقط دون أي رد فعل آخر، أما سلمى تنظر إليه بتعب وعدم تركيز، تشعر بأن رأسها تؤلمها بشدة، ولكن كانت متعجبة حقًا من تلك اللمعة التي تراها في عينيه من شوق، من قوة تطلعه إليها، حاولت أن تتلاشى تلك الأفكار التي أتت إليها وأبعدت عينيها عنه. انتبه طارق إلى صوت الطبيب وهو يقول له: -محتاجة راحة وتبعد عن أي توتر، وإن شاء الله هتكون كويسة. رد طارق بهدوء: -تمام.
بمجرد أن خرج الطبيب وأغلق الباب خلفه، اقترب طارق منها وجلس بجوارها على أحد المقاعد يتطلع إليها في هدوء. منذ أن استعادت وعيها وهي صامتة، تجيب على قدر السؤال المطلوب، مشاعر متداخلة ومضطربة، تحاول أن تتماسك وتكون أقوى من قبل خاصة أمامه، ولكن لاحظت أن منذ جلوسه بجوارها لم يزح عيناه عليها، توترت وشعرت بالضيق من نظراته. قطعت الصمت الدائر بينهم لتقول بجمود دون النظر إليه: -هتفضل متنحلي كده كتير؟!
فاق على صوتها فابتعد عن النظر إليها، وقال مغيرًا لمجرى الحديث بعدما شعر بالإحراج: -حمد لله على السلامة. ردت دون النظر إليه: -الله يسلمك، شكرًا. اندهش، فنظر لها وقال يتساءل: -على إيه؟ أردفت وهي على نفس الوضع: -الدكتور قال لي إنك فضلت جنبي. تنهد طارق وقال بلامبالاة: -حاجة بسيطة، مش خطيبتي بردو؟! قاطعته سريعًا وهي تحاول استيعاب تلك الكلمة لتصيح بعدم فهم: -إيه حكاية خطيبتك دي! رد ببسمة متهكمة:
-يا ستي مش المفروض كنت هاجي أتقدملك بس حصل اللي حصل. رفعت إحدى حاجبيها لتقول بعدم فهم أكثر: -نعم!! اللي هو إزاي يعني؟ رد بهدوء وابتسامة لم تصل لعينيه: -أتقدمتلك من أبوك، وقرينا الفاتحة وأنت نايمة. رفعت حاجبها بدهشة بعدم تصديق ليتجاهل هذه النظرة ويستأنف حديثه بهدوء مقاطعًا إياها قبل أن تتحدث: -واضح إنك قوية وهتعدي المرحلة دي بسرعة وهترجعي لنرفزتك تاني. نظرت له بحدة شديدة وصاحت بغضب: -أنا نرفوزة!!
ما تلم نفسك يا أستاذ أنت مسمحلكش. صاح بها بسخرية: -أهو شوفتي ما جبتش حاجة من عندي. صاحت غاضبة أكثر وهي تعقد ذراعها اعتراضًا على حديثه: -بقولك إيه يا طارق حل عن دماغي ها، أنا فيا اللي مكفيني ومش ناقصة وجع قلب، يا تقول كلمة عدلة يا تتكل على الله. فتح فاه بتعجب من ردها، ولما الغرابة فهذا المتوقع منها، عصبيتها وضيق خلقها، فصاح بها: -هو ما فيش فايدة فيك حتى وأنت تعبانة، أقولك كلمة تردي بتقرير. نظرت له وأردفت بغضب عارم:
-أعملك إيه ما أنت اللي جاي تحدف دبش وعايزني أسكتلك. صاح بها بحنق: -خلاص خلاص حقك عليا، يا خربيت اللي يزعلك يا شيخة بكابورت واتفتح في وشي. شعرت بالدم يغلي في عروقها تحركت بألم وكادت أن تقذفه بالوسادة لتقول بحدة: -أمشي من هنا يا طارق أحسنلك. ضحك بسخرية ليقول باستفزاز: -همشي بس قبل ما أمشي أحب أقولك أن أستاذ هاشم بخير وخرج من المستشفى. شعرت باطمئنان وسلام داخلي لمجرد سماع سلامة والدها، ولكن أخفت
مشاعرها لتقول بجمود وبرود: -هو حد سألك!! شكرًا يا سيدي، أتفضل مع السلامة. كتم ضحكته على هيئتها، فنهض وهو يقول متجهًا إلى الباب: -كويس إني اطمنت عليك، سلام يا عروسة. أشارت له بسبابتها ناحية الباب بقوة وغضب بمعنى اخرج، بمجرد أن خرج وأغلق الباب خلفه ولم يستطع كبت ضحكاته بعد، فضحك بقوة شديدة وتزداد عندما يتذكر وجهها وهو يتحول إلى ثمرة البندورة.
استقل سيارته وغادر سريعًا، يبتسم ما بين الحين والآخر عندما يتذكر تعابير وجهها الغاضبة، فتبدو مضحكة للغاية وهي منفعلة، تناول هاتفه وأجرى مكالمة قبل أن يتجه إلى المنزل. ********************* قرر قبل أن يذهب إلى المشفى لرؤية شقيقته أن يمر على الشركة أولًا، وفي نفس الوقت يرى نور، أو بمعنى أصح تعتبر السبب الرئيسي لمجيئه إلى الشركة.
شاهد إحدى الموظفات بيدها ملف متجهة إلى المكتب، أسرع في خطواته إلى ما وصل إليها، أخذ منها الملف واقترب من المكتب، أقرع على الباب ثم دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. ابتسم وهو يقترب منها بهدوء، وجلس قبلها وهو يتأملها وهي تعمل، مد يداه بالملف وما زال محتفظًا بابتسامته، مدت يداها هي الأخرى لتأخذه دون أن ترفع وجهها عن تلك الأوراق التي أمامها، تطلعت فيه ثم قطعت الصمت وهي ترفع رأسها وتقول: -فين الـ...
قطعت حديثها بمجرد أن رأته جالس أمامها، اندهشت من وجوده في هذا الوقت، استردت حديثها لتقول: -حضرتك هنا من أمتى؟ أجاب يوسف باسمًا: -يعني ما فيش خمس دقايق كده، وأنت مش واخدة بالك خالص. تنهدت نور وأردفت وهي تعيد ظهرها للخلف بإجهاد: -آه سوري قدامي شغل أد كده ومش مركزة في غيره. يوسف باسمًا: -الله يعينك، آه أنا كنت جاي أطمن عليك، (تراجع بارتباك بعدما نظرت إليه) قصدي على الشغل وعليك كده يعني.
ابتسمت نور من توتره واهتمامه بها، وقررت ألا تعلق على حديثه حتى لا يزيد من ارتباكه، فقالت على الفور: -الشغل تمام، شوية حسابات بتخلص بس وبعدين هعدي على سلمى أشوف فاقت ولا لسه. تنهد يوسف بحزن وهو يقول: -والله مش عارف أقولك إيه، ربنا يستر من رد فعلها لما تفوق، أنا قلقان، اللي حصل ما كانش شوية. ردت نور بحزن: -فعلًا، أنا عارفة، بس إن شاء الله سلمى هتكون قدها، ولازم تستحمل الوضع ده سواء بإرادتها أو غصب عنها.
قطع حديثها صوت رنين هاتفها، تناولته من سطح المكتب وجدت المتصل أخاها، فردت باهتمام على الفور ويوسف يتابعها في صمت: -ألو، أيوه يا طارق، بتتكلم جد! أمتى ده حصل؟ طيب طيب الحمد لله، لا أنا مسافة السكة وهكون هناك، سلام. نهض على الفور بقلق واهتمام بمجرد نهوضها، تناولت حقيبتها وهاتفها وهي تنظر إليه لتقول متعجلة: -بسرعة سلمى فاقت. يوسف بلهفة: -يا منتا كريم يا رب، يلا.
خرجا معًا من الشركة سريعًا وكل منهم استقل سيارته ويقودان سويًا، حتى وصلا إلى المشفى ومنها إلى غرفة سلمى، بمجرد فتح الباب دون إنذار ركضوا إليها وقاموا باحتضانها بقوة، أغلقت عيناها وارتسم على محياها واستسلمت لضماتهم وهي تشعر بالراحة. ابتعدوا عنها وتنهدت بقوة ولا تزال البسمة مرتسمة على محياها، ربت يوسف على وجهها بخفة وهو يقول: -حمد الله على سلامتك يا حبيبتي. تنهدت لتقول: -الحمد لله، الله يسلمك أنا بخير ما تقلقش.
نظر يوسف لنور بقلق لا يعرف من أين يبدأ الحديث، ولكنه حاول إخبارها بأسلوب مزاحي قليلًا فقال: -الحمد لله بابا فاق وبقى كويس. ابتسمت بحزن وهي تحاول أن تتماسك لتقول: -اممممم عرفت، طارق قال لي. نظر لنور باطمئنان ثم التفت إلى سلمى قائلًا: -طب كويس والله، الحمد لله الأزمة ما طولتش معاها في اليومين دول. نظرت له بدهشة كبيرة، تحاول التأكد مما سمعت لتقول بعدم فهم: -يومين إيه؟ نظر لنور ثم أكمل حديثه: -هو طارق ما قالكيش ولا إيه؟!
أنت بقالك يومين فاقدة الوعي وشبه غيبوبة. فتحت فاها بدهشة وهي تحاول استيعاب ما يقول: -إيه ده بجد! لا ما قال لي حاجة. تنهد يوسف وقال باسمًا: -المهم إنك بقيتي كويسة دلوقتي، عايزك كده تشدي حيلك عشان اللي جاي متوقف عليك. شعرت بشيء غريب دار بينهم ولم تعد تفهم شيئًا، فقالت مستفسرة: -عايزة أفهم اللي حصل في اليومين اللي فاتوا دول. ابتسمت نور وأردفت هي قائلة:
-مبروك يا عروسة كلها أيام وهتكتبوا الكتاب، الفيلا بتجهز والشغل عال، مش ناقص غير إنك تفوقي، عايزين نسد بوق الشركة دي ونخلص، كلموا بابا كتير على فكرة. شعرت بقبضة في قلبها من سماع تلك الأخبار، هي تعلم جيدًا بشأن زواجها من طارق، ولكن عندما أيقنت بأنه على وشك الاقتراب لا مفر منه، ما هذه السرعة التي حدثت وهي غير موجودة، شعرت بالخوف والقلق، ها قد أصبح أمر واقع. *******************
على نهاية اليوم أصرت سلمى من مغادرة المشفى والعودة إلى المنزل، لم يكن لديها خيار آخر ولا مكان تذهب إليه، ولكنها بقدر الإمكان تحاول تجاهل هاشم وعدم الحديث معه في الوقت الحالي. نظرًا لحالته الصحية التي لا يزال بها بعد، وعدم مشادتها بالحديث معه حتى لا تنفعل بكلمات تلوم نفسها عليها بعد، فالْتزام الصمت أفضل شيء يمكن فعله في الوقت الحالي.
مر يومان على خروجها من المشفى، كانت تستعد وتهيئ نفسها لليوم الموعود، أكثر يوم تشعر فيه بالقلق والتوتر، ولا تعرف ماذا تفعل ولا توقف هذا الشعور بداخلها. نور هي التي تحمل الشركة على مناكبها بكل حب طيلة هذه الفترة ولم تكل أو تعترض، وبعد العمل تذهب إليها. في صباح الساعة الحادية عشر ظهر، ما زالت سلمى نائمة في سبات عميق، كأنها لم تنم منذ سنين، نست تمامًا بأن اليوم هو يوم زفافها ولم تشعر بالوقت مطلقًا.
والهاتف بجانبها على الكومود يضيء تنبيهًا لوجود اتصال عدة مرات، ولكن لا حياة لمن تنادي. نور في مكتب سلمى بالشركة، ويجلس يوسف في المقعد المقابل لها، ينظر لها بلهفة واهتمام وهي تنظر في ساعة يدها تارة وتجري مكالمة تارة أخرى. زفرت بشدة وضيق ولا تعرف ماذا تفعل الآن. نظر لها يوسف قائلًا باهتمام: -ها لسه مردتش؟ أجابت نور دون الالتفات إليه: -أيوه لسه، مش معقول كل ده تكون نايمة يعني، الساعة داخلة على 11 ونص.
يوسف بحيرة رد قائلًا: -أنا متأكد إني صحيتها قبل ما أنزل، بس للأسف مردتش عليها، كانت على الساعة 8. رفعت رأسها ونظرت إليه لتقول: -وأنا كان ورايا شغل كتير جدًا مينفعش يتأجل، كفاية الشركة اللي بتمر بيه حاليًا، ولما أخلص أطلع على سلمى على طول تكون بدأت تجهز نفسها، لكن بالوضع ده أشك. رد يوسف سريعًا تأكيدًا لما بدر بذهنه: -ممكن تكون راحت عليها نومة!
نور اتسعت عيناها لهذه الكلمة وبدأت تتخيل الوضع. تحركت من مكانها في صدمة تفاجأ بها يوسف نفسه وهي تصيح: -يا نهار أبيض راحت عليها نومة!!! لا بتهزر زمانها صحيت، عن إذنك. قالتها وهي تأخذ حقيبتها وحقيبة من الورق المتين في اليد الأخرى، وخرجت مسرعة من المكتب وخلفها يوسف. كل منهم استقل سيارته وقادا بسرعة إلى فيلا هاشم. نزلت من السيارة وركضت للداخل ومنها صعدت على أدراج السلم ركضًا وخلفها يوسف.
أخذت تلتقط أنفاسها ثم قرعت سريعًا على الباب، لم ترد. فتحت ودخلا وتفاجأوا بالمشهد الذي أمامهم، سلمى تنام على فراشها بأريحية تامة كأنها قتيلة وضامة الوسادة بين طياتها. نظر يوسف ونور لبعضهما البعض في دهشة، ثم ضحك يوسف على هذا المشهد وهو ينظر لنور ليقول: -لا واضح إنها بتجهز، مش قولتلك راحت عليها نومة. أرمقته نظرة غاضبة ثم ذهبت نحو فراشها وجلست بالقرب من سلمى تحاول أن توقظها بصياح: -أنت لسه نايمة!!
يا برودك يا شيخة، قومي يا بنتي الساعة 12، بت يا سلمى. فتحت سلمى عيناها بصعوبة شديدة من قوة ضوء الشمس المنسدل من النافذة، التي قام يوسف بفتحها بمجرد دخوله الغرفة، تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها ومن الذي يحدثها في هذا الوقت المبكر من الصباح من وجهة نظرها. ارتسم على محياها نصف ابتسامة وهي تقول: -حد يصحي حد على الصبح كده سيبيني شوية، أنت مين أصلًا. نظرت لها نور بضيق وهي تعقد ذراعها أمامها: -أنا مين؟!
أنا اللي هجيب أجلك النهارده لو مقومتيش، نموسيتك كحلي يا عروسة، فزي يا بت وقومي. فتحت سلمى عيناها بتعب وإرهاق شديد وقالت بصوت نائم: -هو أنتِ! في إيه يا ست نور مش عارفة أنام ساعتين على بعض. ضحك يوسف على هذا المشهد والحوار الطريف الذي يجري بينهن. فتحرك بضعة خطوات حتى وصل إلى فراشها وجلس على أطرافه وهو يقول ضاحكًا: -هههههههه تبقي تنامي بليل في بيتك زي ما أنتِ عايزة، قومي يا سلمى النهارده فرحك يا بنتي ياخربيت الكسل.
فتحت سلمى عيناها سريعًا وهي تتذكر مكالمة مساء أمس، بالفعل سوف تتزوج اليوم، شعرت ببرودة تسري في أنحاء جسدها وشعرت بالضيق لتقوم على الفور معتدلة جلستها، لتتنهد وهي تقول بضيق: -صباح النكد، بتفكرني ليه بس. تنهد يوسف وقال بجدية: -ده على أساس إنك نسيتي. نظرت له سلمى وقالت بوجع وجدية: -معنديش فرصة للنسيان يا يوسف، بس على الأقل بحاول أتناسى. حاولت نور التدخل وتغير مجرى الحديث، حتى لا يتعكر صفو الكل في بداية اليوم:
-كله هيعدي يا سلمى متقلقيش، كفاية إنك وطارق متفقين. نظرت لها سلمى مطولًا بألم فهي لا تعلم ما في صدورهم، يكفي لهم ما يظهر أمامهم، فأصطنعت ابتسامة على محياها لتقول بألم: -على رأيك كله هيعدي، أقوم أنا بقى آخد شاور، عن إذنكوا. قامت سلمى واتجهت إلى الحمام الداخلي لغرفتها وتركتهم يندبون حيرة على هدوئها، خاصة نور.
طارق يجلس على مكتبه وأمامه حاسوبه المحمول يكتب عليه باهتمام. يجلس أمامه إيهاب بعدم تصديق لما يراه من برود ولا مبالاة، لم يستطع كبت ضحكاته بعد الآن فانفجر وأطلقها على الفور. رفع طارق عيناه عن الحاسوب ينظر له بغرابة وضيق وانتظر حتى ينتهي ليقول بضحك: -لا والله ده من إيه ده على الصبح، بتضحك على إيه يلا. نظر له إيهاب وقال شبه ضاحكًا: -عليك أنت يا فالح. عقد طارق حاجبيه ليقول: -ليه بقى؟ إيهاب بضحك ومزاح:
-بقى يا راجل حد يوم فرحه يفضل في الشغل لحد دلوقتي! مش المفروض واخد أجازة يابني! أبوك لو شافك هنا في الشركة يومك مش هيعدي وهيطلع عليك القديم والجديد. رد عليه طارق بسخرية: -ده على أساس إنه جواز بجد، إش حال أنت عارف اللي فيها سيبت للغريب إيه. سند إيهاب ذراعه على سطح المكتب واقترب بجسده نحوه قليلًا ليقول بجدية: -ما عشان أنا عارف اللي فيها بقولك أن وجودك في الشركة دلوقتي غلط، على الأقل للناس والموظفين اللي مش عارفين حاجة.
زفر طارق بضيق وهو يفكر ثم نظر له وقال: -كلام الناس لا بيودي ولا بيجيب. رفع إيهاب حاجبه بدهشة على عدم اهتمامه ليصيح به: -يا عم ماهي معروفة بس على الأقل عشان سمعتكوا أنتوا الاتنين، من الأفضل إنك تمشي وأنا هاخد نص يوم وهحصلك، متنحليش كده يلا قوم. تنهد طارق ثم نهض بصمت وخرج. ظل يتابعه إيهاب وهو يحتار في أمره ولم يعد يفهمه بعد وما يدور في عقله.
عاد إلى المنزل فلم يجد به إلا تهاني التي تفاجأت بوجوده في هذا الوقت هنا، تحاول بقدر الإمكان ألا تصدق بأنه كان في الشركة، فلم يسمح لها ببدأ الحديث وصعد سريعًا إلى غرفته. ودخل الحمام المرفق بالغرفة ليستحم، في هذه الأثناء كان هاتفه يرن كثيرًا لعدة دقائق، رنات متصلة ويبدو أنه لم يسمعه من الداخل، مع العلم أن المتصل كان على نار أحر من الجمر، تهتز ساقها بشدة في غيظ وضيق وتأقلم أظافرها بأسنانها بشيء من العصبية والانفعال.
قطع الصمت الذي دام مدة خمسة عشر دقيقة صوت ذلك الشخص الذي يجلس بجوارها وهو يملس بشعرها: -بردو مبيردش. نظرت له وقالت منفعلة: -مش فاهمة بجد بيعمل إيه كل ده، مش معقول كمان يكون في الشركة النهارده. شرد هذا الشخص بعيدًا وهو يفكر، فتحولت قسمات وجهه إلى الوعيد ليقول بسخرية تامة: -أكيد بيتكلم مع سلمى هانم ومش فاضيلك. التفتت له بنظرات نارية: -هي نقصاك أنت كمان، مش ناقصة تسخين. ضحك وقال بسخرية:
-سارة يا حبيبتي أنت مش محتاجة أصلًا، والعة جاهزة. نظرت له بشرر كبير وقالت: -بقولك إيه أنا مش ناقصة، كل ما بفتكر إنه خلاص هيتجوزها النهارده بولع وأقيد نار من جوايا، دي آخر حاجة ممكن أتصورها، طارق بيحبني أنا عارفة بس كنت فكراه ممكن يرفض عشاني. ضحك ساخرًا بشدة ليقول: -يعني عايزة تفهميني إنه هيسيب الملايين دي كلها ويختارك أنت! فوقي يا ماما.
نظرت له سارة بحنق، يجب أن ترد له ذات الغضب التي تشعر به، أهي بشدة الرخص كي لا يبيع كل شيء من أجلها ولا يختارها؟ أحبه لها بهذه الدرجة؟ لا إنه يحبها هي فقط لا غير ولولا مصير أمواله كان معها الآن، فمصير تلك الأموال في نهاية المطاف سوف تؤول لها في يوم ما. -زي ما سلمى سابتك بالظبط وراحت تتجوز طارق، لو كانت بتحبك بصحيح كانت حاربت الدنيا عشانك.
لا يدعها تنتصر في يوم من الأيام عليه، ولا تجعله مهزوم أمامها، فهو معروف بسطوته ومركزه ولا يوجد شيء يريده إلا حصل عليه، فنظر لها بحنق شديد ليقول بتحذير: -مش عاصم السيوفي يا حلوة اللي حاجة عايزها تروح منه، سلمى وضعها مختلف ولولا شرط الشركة المتخلف ده وأرباح أبويا مكنتش عتقتها، مش هسيب تعبي كله يروح هدر، مش أنا!!
أثناء عمل محمود بالشركة ترك كل شيء بيداه عندما خطر على باله فكرة ما يستحيل أن تحدث، ولكن بالنسبة لطارق ابنه فالمستحيل يمكن أن يحدث. ولكن لا، لن يخذله في هذا اليوم خاصة مثلما فعل من قبل، لن يكون مجنون وغير مبالي لهذه الدرجة، فيقوم بتجربة بسيطة ليتأكد من شكوكه.
فرفع السماعة وضرب بعض الأرقام فلم يجد رد، حاول مرة أخرى والثانية فلم يجد رد، لم يستسلم يجب أن يطمئن ويشعر بالراحة من شكوكه، ضرب أرقام أخرى ليتصل بسكرتارية مكتبه إلى أن ردت أخيرًا: -أيوه يا محمود بيه. تردد وهو يتكلم ويخشى من ظنونه: -طارق موجود؟ ردت السكرتيرة بجدية: -لا يا فندم أستاذ طارق مش موجود في أجازة النهارده، مبروك يا محمود بيه. أغمض عيناه سريعًا وتنهد بعمق وراحة تامة بأنه كان مخطئ في شأنه، ارتسمت على
محياه ابتسامة صغيرة ليقول: -الله يبارك فيك، ماشي شكرًا. أنهى المكالمة وهو سعيد بداخله بأنه لم يذهب إلى العمل اليوم، وتواجده في المنزل حتى يجهز ويقترب موعد الزفاف، أو على الأقل يستعد بترتيباته. خرجت سلمى بعد مدة ليست بطويلة، قرابة ساعة أو أكثر بقليل، نائمة براحة في حوض الاستحمام، حيث المياه الدافئة ورغوة الصابون الكثيفة، الورود تمتلئ الحوض بلونها الجذاب ورائحتها العطرة المميزة، عطر اللافندر المرخي لأعصابها.
أغمضت عيناها وأرخت جسدها بحرية تامة وشردت في عالمها تفكر، تعيد حسابتها وترتب أولوياتها مرارًا وتكرارًا، كانت تحتاج مثل هذه المدة والمياه تغمرها حتى وجهها. فلولا قرع نور عليها مرارًا ما كانت خرجت الآن. دخلت نور للاستحمام بعدها هي الأخرى، وبعد خروجها وأثناء التجهيز تركتها نور وخرجت للاتصال بمركز التجميل، إلى حين ترتدي سلمى فستان زفافها. وتركتها وحدها بالغرفة.
خطر على بال سلمى دون سابق إنذار فكرة خطيرة للغاية، تكاد أن تُدمر كل شيء في لحظات. فهي لم تبدُ طبيعية منذ خروجها من الحمام، كانت ساهِمة تفكر، ترد على قدر السؤال، هدوء غريب على غير العادة. تتصارع دقات قلبها وأصبحت في حيرة كبيرة أو مأزق أكبر كما تراه. كيف يمكن أن تضحي بنفسها للمرة الثانية، وهذه المرة بلا رجعة فهي محتومة على فعل ذلك؟ لأجل من يا تُرى؟
لأجل المال، لأجل النفوذ والشركات، لأجل العمل وليس من أجلها هي. وما كانت نتيجة هذه التضحية سوى خسارة نفسها ليس إلا، خسارة ما تبقى منها منذ أن استسلمت وخطبت لعاصم. لكن هذه المرة لا، لن تستسلم بسهولة، لن تكون ذليلة للمال وتحت طاعته. فما العمل يا تُرى؟! عادت نور إلى الغرفة وهي تُنهي الاتصال وتفتح الغرفة وهي تتحدث إلى سلمى. الصاعقة، وجدتها فارغة تمامًا. اتسعت عيناها في صدمة ودهشة. كل شيء كما هو، فقط تركت كل شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!