الفصل 2 | من 40 فصل

رواية صفقة حب الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء جوهر

المشاهدات
21
كلمة
6,074
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

دقائق وتلاقت أعينهم، بداخلها تسأل ودهشة من تلك المصادفة العجيبة التي جمعت بينهم. شرد في عيونها الحزينة التي تنبعث منها ألم وأسرار مكبوتة في أعماقها، ذات الملامح الرقيقة التي تبدو أصغر من عمرها غير واضحة المعالم بسبب كثرة الدمع المزروف من مقلتيها. نظرتها تحمل الدهشة والضيق في الوقت ذاته، تذكرت فعلته منذ قليل. بدون أي كلمة تحركت من أمام الباب وأكملت طريقها.

ظل طارق ثابتًا في مكانه دون حراك، شريدًا منذ رؤيتها. اندهش إيهاب من حالته إلى أن أفَاقه من شروده: -إيه يا بني، روحت فين؟ تعرفها؟ طارق نظر إليه بهدوء وقال: -أيوه، أبقى أقولك بعدين. يلا عشان ماما مستنية. ذهب طارق إلى تهاني في غرفة الفحوصات، بعد الانتهاء اعتذر طارق لعدم مقدرته على الذهاب الآن، على أن يعاد النظر في الأمر مساء اليوم كي يعيد تهاني إلى المنزل لأنها تبدو مجهدة.

في مساء اليوم الحالي، خاصة في غرفة طارق. يجلس على فراشه يفكر في تلك الفتاة العجيبة التي رآها ظهيرة اليوم، على الرغم إنه كان منزعجًا منها قليلًا منذ ما حدث، إلا أنه تعاطف معها عندما التقى بها بالمشفى. لم يفكر بما حدث كثيرًا، واعتبره إنها مجرد مصادفة ليس إلا من الطبيعي أن تحدث. تناول هاتفه وأجرى اتصالًا بإيهاب كي يتنزها قليلًا. ******************

شعورنا في بعض الأحيان بوجود جبل كبير راسخ على صدورنا، نشعر بعبء كبير لا نستطيع احتماله، فقد قدرتنا على التصدي قد نفذت ولم نعد نحتمل بعد الآن. متكئة على فراشها بشرود وحزن كالعادة، أصابها الكلل والمشقة منذ غياب هاشم الجوهري ودخوله العناية المركزة. أصبحت هي كل شيء فوق عاتقها وكل يوم يزداد الحمل أكثر وأكثر، إلى أن أعصابها لم تعد تحتمل أي صدمات بعد.

تعالت صوت قرعات باب الغرفة إلى أن سمعته سلمى. دخل يوسف مبتسمًا بعدما سمع الأذن بالدخول. اقترب من فراشها وجلس على أطرافه. نظر إليها في حيرة وحزن على حالها الذي تبدد يوم بعد يوم. ربّت على يديها مبتسمًا وقال: -ها، الجميل سرحان في إيه؟! اعتدلت سلمى في جلستها، ترتسم على وجهها معالم الحزن، ولكن نظرت إليه باسمة كي تخفيه وقالت: -ولا حاجة يا يوسف، أنا كويسة. تنهد بحزن وضم يديها بقبضته، نظر إليها بحزن قائلًا:

-مش عايز كل ما ترجعي من عند بابا ألاقيكي في الحالة دي. لم تتحمل كتمان ما بداخلها أكثر من ذلك، خاصة عندما سمعت تلك الكلمة التي أثارت مشاعرها، انتفضت عيناها من البكاء قائلة: -وحشني أوي يا يوسف. تحرك يوسف وجلس بجوارها وضمها إليه بحنان. ربّت عليها وقال بهدوء: -إن شاء الله هيقوم لنا بالسلامة. بس قولي أنتي يا رب، مالناش غيره. تنهدت بحزن وهي تمسح دمعة سقطت من مقلتيها قائلة: -ونعم بالله. يا رب. ابتسم وأكمل قائلًا:

-طب قومي بقى عشان العشا. تنهدت بحزن وقلة حيلة ثم استردت قائلة: -لا، مليش نفس. كُل أنت. أبعدها قليلًا عنه، ثم مسك يديها وارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة قائلًا: -ده كلام برضه! أنتي عارفة إنك اللي بتفتحي نفسي على الأكل، ولو ما جيتيش أنا مش هاكل ها. التفتت إليه بنظرة متعبة وقالت: -عشان خاطري يا يوسف، بجد تعبانة مش قادرة. الكلية مع الشركة هنجت.

تنهد بحيرة من تلك العنيدة، لا يوجد سوى طريقة واحدة حتى يجعلها تبتسم، وتستعيد حيويتها من جديد. وقف سريعًا وقام بحركات فجائية بنبرة مرحة قائلًا: -ما هو عشان كده لازم تاكلي. هقوم ولا أزغزغ؟ انقض عليها على الفور وبدأ بدغدغتها، لم تتحمل سرعته. تعالت صوت ضحكاتها وهي تقول: -ههههه لا خلاص حرمت يا بيه. قايمة أهو. ظل يضحك على هيئتها وهي ممددة على الفراش متعبة من كثرة الضحك. تنهدت بسعادة وهي منبسطة ذراعيها.

كان حقًا في قمة سعادته بعد أن رآها بضحكاتها الرنانة التي تعلو الغرفة، حمد الله على عودة الابتسامة إلى وجهها مرة أخرى. مدت يداها بابتسامتها الرقيقة، رد ابتسامتها ومد يداه هو الآخر وجذبها نحوه. خرجا معًا والبسمة ما زالت تعلو شفتيهما. في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى على صوت رنين هاتفها. تحسست الكومود وتناولت الهاتف بوخم شديد. نظرت إلى اسم المتصل، تغيرت تعابير وجهها، ردت باستياء وبنبرة ناعسة قائلة: -ألو، أيوه يا عاصم.

رد بهدوء وقال: -أيوه يا سلمى، أنتي فين؟! تنهدت بضيق ولكن ردت بهدوء وقالت: -هكون فين يعني؟ في البيت. رد بنبرة جافة نوعًا ما قائلًا: -ما روحتيش الشركة لغاية دلوقتي، دي الساعة 9 يا هانم. تنهدت ووضعت يداها على جبينها بإرهاق قائلة: -معلش يا عاصم، ما نمتش كويس ومرهقة جدًا. ثم عايزة أفهم هي شركتك ولا شركتي؟ تذمر عاصم لتأخيرها، ورد بنبرة جافة وصارمة. كاد أن يعلو صوته:

-آه، نايمة ولا على بالك وعلينا شغل قد كده. ده ما فيش تحمل للمسؤولية خالص. لا يا هانم ما تنسيش إننا شركاء حتى وإن كل واحد فينا في شركة. تجمدت الدموع في عينيها بسبب أسلوبه البغيض معها، لأول مرة يتهمها بالتقصير في حق العمل ومحادثتها بتلك النبرة المغايرة، لا تعرف سر تحوله عليها بهذا الشكل منذ ارتياد والدها إلى المشفى. تنهدت بهدوء وردت بضيق: -عاصم، حاسب على كلامك. أنا برضه ما فيش مسؤولية وعمري ما قصرت في شغل الشركة!!

إيه ما بتفهمش!! بقولك كنت تعبانة ما فيش تقدير ولا نظر. هاخد شاور وأنزل. سلام يا عاصم. أنهت المكالمة على الفور قبل أن تسمع رده. ألقت الهاتف بجانبها على الفراش سريعًا وشرعت بالبكاء الشديد بعد ما ارتمت على فراشها ودفنت وجهها حتى لا تخفي دموعها حتى عن نفسها. سمعت صوت يوسف ينادي عليها من الخارج، قامت على الفور ومسحت دموعها سريعًا وخرجت له. ****************

يجلس طارق بساحة الكلية مع صحبته، ولكن يعتبر إيهاب من أقرب أصدقائه. يتسامرون كالعادة. اقتربت سارة منه بعدما رأته من بعيد. تعلو فوق شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تقول: -هاي، إزيك يا طارق؟ عامل إيه؟! طارق رفع رأسه من الحاسوب ونظر إليها في هدوء قائلًا: -الحمد لله كويس يا سارة. قالت بعدما عقدت ذراعيها في ضيق مصطنع: -إيه يا حبيبي، ما كلمتنيش امبارح ليه؟ كده تسيبني كل ده! تنهد بضيق ولكن نظر إليها ورد بنبرة هادئة:

-معلش كان عندي شغل وجبت ماما من المستشفى، ما كنتش بلعب يعني. أومأت وبعد تفكير قالت: -طيب عندك إيه النهارده؟ ما تيجي نخرج. تنهد ونظر إليها آسفًا ثم قال: -مش هينفع بجد، ورايا شغل مهم النهارده ولازم يخلص. رفعت سارة حاجبها الأيسر مستنكرة لما يقول، فصاحت به في ضيق وبدأ صوتها في العلو: -شغل إيه ده اللي أهم مني؟ أنا بجد ما بقتش فاهماك.

لم يروق له رد فعلها ونبرة حديثها. شعر بالانزعاج على الرغم من كل هذا فهي لم تقدر مسؤولياته بعد. فنظر لها وقال: -سارة، أنتي عارفة كويس، إياكي تعلي صوتك عليا تاني. ما تتكلميش في مواضيع الشغل دي. صفقة مهمة للشركة خلاص رضيتي فضولك؟ ثم إيه اللي مش فاهماه؟ زفرت بشدة وعقدت ذراعيها وقالت بضيق: -أنت الجد الصارم في شغلك ولا طارق اللي ما بيبطلش ضحك وهزار مع صحابه؟ عقد حاجبيه بدهشة ثم رد بهدوء على غير المعتاد:

-الاتنين. أنا الاتنين يا سارة. إيه الغريب في كده مش فاهم. زفرت بضيق من هدوئه وهي تشعر بالضيق وهو لا يبالي لتقول بنفس النبرة: -في إني بحسك بوشين. مدير شركة جد أوي في شغلك وتقيل مع البنات حتى عندك في الشركة ولا مرة شوفتك بتبتسم في وشهم حتى. وحاجة تانية مع صحابك ضحك وهزار وسفر ساعات والحياة فلة وتيجي عندي تقلبلي الوش الخشب عكس الشركة تمامًا. تنهد بقوة ورد بهدوء شديد:

-شوفي يا سارة، أنا عمري ما كنت بوشين الحمد لله ولا هكون. حياتي هي هي ومليش إلا شخصية واحدة ووش واحد. في الشغل لازم أكون صارم وجد ولا عايزاني أهزر مع دي وأضحك مع دي وتبقى سايبة بقى. صحابي الحاجة الوحيدة اللي بطلع فيها همي وبكون على طبيعتي وبفصل بيهم من جو الشغل وأقربهم إيهاب وأنتي عارفة كده كويس. هو لما بعرف أفصل بين شغلي وحياتي الشخصية أبقى متناقض؟!

وحكاية باجي عندك بصدرلك الوش الخشب دي أنتي عارفة سببها كويس. في حاجات الواحد ما بيعرفش يتخطاها بسهولة. أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى ولم تستطع الرد عليه، فلا تجد كلام لقوله فقط جهمت وجهها بغيظ. نظر لها مطولًا ثم قال: -أنا لازم أمشي دلوقتي وهكلمك بليل، سلام. قالها وهو يضع الحاسوب بالحقيبة مستعدًا للذهاب. تذمرت سارة وشعرت بالضيق، قالت وهي تنظر إليه شزرًا: -ماشي يا طارق، سلام.

نظرت إلى أصدقائه الذين كانوا يستمعون لحوارهم، أو بمعنى آخر تلك المناوشات التي تنتهي بنفس النهاية. فشعرت بالضيق ورحلت على الفور لصديقاتها. **************** في إحدى شركات الأدوية، حيث السلطة والمال من يتحدثون دون غيرهم، لهم كل الرأي والرأي الآخر. يجلس عاصم على مكتبه وبيديه الهاتف. يتأرجح بالكرسي يمينًا ويسارًا وهو يتحدث بضحكاته العالية. -ها يا حبيبتي، لا لا تمام على ميعادنا ما فيش مشكلة. ردت الفتاة من الجهة

الأخرى بنبرة تخيرية وقالت: -طب وخطيبتك هتعمل معاها إيه؟! ضحك ورد باستهزاء، كأنه يستنكر ما يتحدث عنه: -خطيبة مين اللي بتتكلمي عنها دي!! لا طبعًا أنتي اللي في القلب. ثم دي مالهاش في الخروجات ولا بتاع. أومأت وردت بدلال: -طيب ما تتأخرش يا حبيبي عشان ما أقعدش لوحدي. رد عاصم متسائلًا: -هو سابك ولا إيه؟! قالت الفتاة بنبرة ضيق مصطنعة: -اه، تخيل. بس والله ما أنا عتقاه. ضحك عاليًا. ها هو المعلم النجيب يستمع إلى نتائج تلاميذه،

بما هو من خداع وعدم أمان: -هههههه الله عليكي، تربيتي. شعرت بالانتصار لكلماته، أعطاها دافع أكبر للاستمرار في طريقها. ضحكت وقالت بثقة: -هههههه عيب عليك. سمع عاصم أثناء ذلك صوت قرعات على الباب، ظن بأن تكون هي. نظر إلى الباب بترقب، ثم عاد يستكمل حديثه قائلًا: -بقولك إيه، اقفلي دلوقتي، هكلمك بعدين، شكلها هي. ابتسمت وردت سريعًا بدلال: -طيب متتأخرش. أنهى عاصم الاتصال متعجلًا: -طيب طيب سلام.

دخلت سلمى بعدما سمعت الإذن بالدخول بوجه مقتضب. اقتربت منه ووضعت على مكتبه ملفًا، ثم أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى دون البوح بأي كلمة. نظر إليها بضيق على رد فعلها. دقائق وقطعت الصمت دون النظر إليه بنبرة صارمة: -اتفضل، الأوراق دي لازم تتمضي حالًا. نظر إليها بضيق قائلًا: -اممممم، طيب. وقع الأوراق، وبطرف عينيه كان ينظر إليها، التي ما زالت موجهة وجهها إلى الناحية الأخرى.

أنهى التوقيع سريعًا. دون الالتفات إليه، حملت الملف وكادت أن تتحرك متجهة إلى الباب، قالت دون الالتفات إليه: -شكرًا عن إذنك. قام بحركة سريعة وأمسك بيديها: -استني يا سلمى، عايزك. نظرت إلى يداه الممسكة بيديها بإحكام، ثم نظرت إليه بغضب وقالت: -سيب إيدي يا عاصم، أوعى. ترك يداها بهدوء ثم نظر إليها غاضبًا وقال: -في إيه يا سلمى؟! نظرت له وقالت باستهزاء: -لا ولا حاجة، اسأل نفسك أنت عملت إيه. تنهد بضيق ثم نظر إليها ورد بهدوء:

-كل ده عشان قلت لك كلمتين بتوع الصبح دول. نظرت إليه بازدراء وتعجب مما يقول قائلة: -دي مش أول مرة تهيني وتتهمني بتقصير، وأنا باسكت وما برضاش أتكلم عشان بابا، أما أنت زودتها أوي على فكرة. عاصم رد بنفس النبرة: -متزعليش، مش دي حقيقة؟! شعرت بالضيق أكثر لكلماته وإثبات اتهامها بالتقصير أكثر، فردت بانفعال: -لا طبعًا! حقيقة إيه! فين التقصير ده من يوم ما مسكت الشركة يا أستاذ؟! أومأ برأسه ونظر لها بتساؤل وقال:

-كنتِ فين إمبارح الساعة 2 الضهر يا سلمى؟ شفت نور وسألتها عليكِ قالت لي كانت مستعجلة وأخذت حاجاتها ومشيت. عقدت ذراعيها وقالت بهدوء: -أه، روحت أودي ورق مهم ليوسف وطلعت على المستشفى أشوف بابا، هو ده التقصير اللي بتتهمني بيه؟! ده أنا ما أخدتش ساعتين على بعضهم. يبدو أن عاصم مُصر على تقصيرها، نظر إليها وقال بنبرة عتاب: -يعني أنتِ لسه مش معترفة بغلطك؟!

شعرت بالضيق أكثر وأكثر، كادت أن تنفعل من طريقة حديثه، ولكن تماسكت والتفتت إليه وردت بنبرة هادئة ببعض الضيق: -اممم، واضح إن الكلام معاك ما بيجيبش أي نتيجة، عن إذنك عندي شغل. تحركت خطوات للأمام، شعر بالضيق من تصرفها. أقدم هو الآخر بضعة خطوات وثبت أمامها. نظرت له بضيق وتحدي. نظر هو الآخر في عينيها بغضب وقال: -أنا لسه ما خلصتش كلامي. نظرت له بتحدي وهي مثبتة عينيها في عينيه قائلة: -خلاص يا عاصم، ما فيش كلام يتقال، سلام.

تقدمت بخطوات سريعة إلى الخارج دون أن تستمع إلى رده، حتى لم تهتم مطلقًا لندائه الذي كان ينادي عليها بانفعال وبصوت مرتفع: -سلمى سلمىىىىىىىىىىى. ******************* عادت إلى مكتبها، دفنت وجهها بين طيات كفيها، بعد أن طرقت بيديها على سطح المكتب بغضب. تنهدت بعمق ورفعت رأسها بعدما سمعت قرعات الباب. مسحت وجهها بكفيها بهدوء، نظرت إلى الباب قائلة: -ادخل.

دخلت نور بابتسامة عريضة، ولكن اختفت بالتدريج عندما رأت حالة سلمى لم تبدُ بخير على الإطلاق. اقتربت منها وجلست على المقعد المقابل للمكتب قائلة: -إيه اللي حصل! اتخانقتي مع عاصم برضه؟! تنهدت سلمى بحيرة، نظرت لها بهدوء وقالت: -وإيه الجديد يا نور، يلا أعمل إيه بقى، إنسان مغرور. تنهدت نور بحزن وحيرة على حال صديقتها، فهي تحملت الكثير منذ مرض والدها ولكن لم تعد تتحمل بعد. قامت واتجهت نحوها. ضمتها إليها

وربتت على منكبيها قائلة: -معلش يا حبيبتي، استحملي شوية عشان باباكِ حتى، عايزاه يفوق ويلاقي الدنيا مدربكة؟ وجهت عينيها إلى الفراغ وقالت بحيرة: -يا ريت يا نور يفوق، تعبت من عاصم بجد، ما فيش حاجة عاجباه أبدًا، إيه ده! مش ممكن، عايز مني إيه ده! قبلت نور رأسها وربتت عليها مرة أخرى، أما سلمى فهي تمالكت نفسها عن البكاء. عادت نور إلى مقعدها وفضَّلت تغيير الموضوع، يكفي الحديث عنه أكثر من ذلك:

-ربك هيسهلها، ما روحتِش الكلية النهارده ولا إيه؟! رفعت يداها باستسلام مع رفع شفتاها للأعلى، قالت بهدوء: -لا يا ستي، هو أنا عندي وقت، لما تسمح لي الظروف باروح، يوسف بيجيب لي المحاضرات لو فِضي عنده وقت. ابتسمت نور وقالت: -طب كويس إني حضرت النهارده، فكرتيني أديلك اللي خدناه، الأهم تركزي في المشروع اللي علينا تسليمه كمان يومين وسيادتك عملتِ نصه. زفرت بضيق وعادت بظهرها على مقعدها:

-أعمل إيه يا نور، والله نفسي أخلصه، بس بجد إن شاء الله هابدا أكمل شغل عليه على بالليل. ابتسمت ثم تذكرت شيئًا ما وقالت: -آه بالحق، رجلك عاملة إيه دلوقتي؟ زفرت بضيق عندما تذكرت هي الأخرى ذلك الأبله الذي صدمها أمس: -ما تفكرينيش بالمتخلف ده، الحمد لله دهنت مرهم بتاع كدمات قبل ما أنام والحمد لله أحسن سنة. ضحكت نور على تعبيرات وجهها وهي تتحدث:

-مش قادرة أنسى شكلك لما رجعتِ من عند يوسف كنتِ عاملة إزاي، ما سبتيش موظف يا عيني إلا لما طلعتِ عليه ظرابينك يا مفترية. صاحت بها بغيظ: -ما هو اللي الغرور راكبه وما هانش عليه حتى يطمن عليا وكنت على آخري، يلا بقى نصيبهم كده. ضحكت نور بشدة ونظرت لها سلمى بتحذير أن تصمت.

شعرت سلمى بالقليل من الراحة بعد الحديث مع نور، فهي ملجأها الوحيد الذي يطوي صفحات الضيق والغضب كلما يتمادى عاصم بالحديث معها، فلا تستطيع إخبار يوسف بذلك حتى لا تثير غضبه وحدوث إشكال بينهم بسبب خلافاتهم المتكررة فهو يخاف عليها ويحبها كثيرًا. بعد أن شعرت نور بأنها تبدو بخير الآن، أمدت لها بالمزيد من الحماس والطاقة الإيجابية لكي تتماشى مع الوضع الحالي، وأداء عملي أكثر فاعلية. تركتها تكمل عملها وعادت هي الأخرى إلى مكتبها.

**************** اتصل محمود بطارق أثناء قيادته وهو بطريقه إلى شركة الجوهري، لتذكيره بموعده مع سلمى. أخبره بأنه في الطريق إليها وأنه على علم بالموعد. توقفت السيارة أمام الشركة، ترجل من سيارته وهو ينظر إليها بتمعن. تقدم بضعة خطوات إلى أن أصبح بالداخل. توجه إلى مكتب السكرتارية بعد أن ألقى التحية، نظر إلى السكرتيرة وقال: -السلام عليكم، عندي ميعاد مع الآنسة سلمى الجوهري، ممكن أقابلها؟

ألقت نظرة على طارق الذي يقف أمامها بوسامة وجمود ثم إلى الحاسوب أمامها، تبحث عن وجود ميعاد مسبق له أم لا. بعد دقيقتين التفتت إليه قائلة: -أه يا فندم، أستاذ طارق الإبياري؟ -أه مظبوط. -ثواني أديها خبر. رفعت سماعة الهاتف وأخبرت سلمى عن وجود طارق بالخارج بموعد سابق. أعادت السماعة إلى مكانها ثم نظرت له وقالت باسمة: -اتفضل يا فندم، آنسة سلمى بانتظارك.

ابتسم لها شاكرًا، تركها وفي طريقه إلى المكتب اصطدم بعاصم دون قصد. نظر طارق إليه معتذرًا: -آه أنا آسف، ما أخدتش بالي. نظر إليه عاصم بنظرته المعتادة، من أخمص قدميه إلى خصلة شعره بريبة وتساؤل عن وجوده بالشركة، فإنه للمرة الأولى يراه: -امممم، حصل خير، أي خدمة؟! تعجب طارق من سؤاله، من هو كي يسأل عن سبب تواجده هنا: -عندي شغل، في مشكلة؟! ******************

تركه طارق يحترق أكثر وينزعج أكثر من رد فعله وأسلوبه، ولم يعطِ له فرصة الرد على حديثه، وفي خاطره تساؤلات كثيرة. وصل إلى مكتبها وقرع على الباب، دخل بعدما سمع الإذن بالدخول. دخل طارق، وجد فتاة في أوائل العشرينات، تقف باتجاه النافذة وموجهة ظهرها إليه. تنحنح طارق كي تدرك وجوده. التفتت إليه وكانت المفاجأة ....... اندهشت سلمى من وجوده بمكتبها في هذا الوقت، ودون شعور صاحت به بغضب شديد: -أنت!! من هذه؟! ومن أتى بها إلى هنا؟!

وماذا تفعل؟! كل هذه التساؤلات تدور في مخيلته وتحتاج الإجابة عليها. نظر لها بنبرة اندهاش وتساؤل وهي تتقدم خطوتين إلى أن أصبحت أمام مكتبها ليصيح بها: -هو أنتِ!! أنتِ بتعملي إيه هنا؟! كده كملت. ردت باندهاش أكثر: -أنت اللي بتعمل إيه هنا؟! جلست على مكتبها. أشارت له بالجلوس هو الآخر، نظرت له واستكملت بنبرة جادة: -جاي تكمل تهزيقك بتاع إمبارح؟! آخر حاجة ممكن أتصورها إني أشوفك تاني، خير. نظر لها بحنق فتذكر حديث والده، زفر

بضيق وقال وهو ممسك أعصابه: -والله لو كنت أعرف إني هأشوفك هنا ما كنتش عتبت الشركة من أصله، غلطانة وبتقاوحي. طرقت على المكتب بغضب وقالت وهي تشير للباب: -مستني إيه، اتفضل وشوف أنت جاي هنا ليه أصلًا. تنهدت بقوة محاولة منه الحديث بهدوء: -واضح إن في سوء تفاهم. عقدت ذراعيها ونظرت له بهدوء نوعًا ما: -مممم، حضرتك طارق الإبياري، مش كده برده؟! تجمعت الخيوط الآن أمامه بعد أن أدرك الموقف، ويبدو ما تم جمعه صحيحًا،

نظر لها وقال بتأكيد: -تمام، يبقى أنتِ .... ابتسمت ابتسامة خفية وقالت بنبرة جادة وهي مسندة على مقعدها بوقار بعدما أدركت الموقف هي الأخرى: -أيوه أنا، سلمى الجوهري. وضحت آثار الدهشة أكثر على وجهه، غير معقول! إذا الفتاة التي صدمها بالسيارة وأوبخها بالحديث، والتي رآها في البارحة بالمستشفى هي سلمى الجوهري؟!!!!! إذا! تبقى تساؤل وحيد، من هو الذي كان يضمها إلى صدره وكانت في غاية الاستسلام له؟ فاق من شروده على صوتها:

-أحم، أستاذ طارق. نظر إليها مطولًا ثم تساءل بفضول: -عرفتِ منين إني طارق الإبياري؟ ردت بجدية وهي تنظر في عينيها بثبات: -بعيدًا عن أن السكرتيرة بلغتني بدخولك واتفاجئت باللي خبطني بس عرفت إنه أنت. ما شاء الله سمعتك سبقاك. عقد حاجبيه بعدم فهم: ـ يعني إيه مش فاهم؟ تنهدت سلمى براحة وقالت بمنتهى الهدوء: -من أسلوبك معايا أدركت إنه أنت، أسلوبك الجاف مع البنات.. هو فيه كلمة تانية بس مش حابة أقولها. رفع حاجبيه باندهاش:

-ياااه للدرجادي مسمع.. بس كلمة إيه دي؟ ردت بجدية: -طبعًا الكل عارف طارق الإبياري معاملته إزاي مع الجنس اللطيف.. بلاش أحسن تزعل. ابتسم بسخرية: ـ قال جنس لطيف قال.. لا قولي مش هزعل. أومأت برأسها بتفكير ثم قالت ساخرة: -طيب أفتكر أنك إللي أصريت.. أسلوب متعجرف ومتعالي وزفت. نظر لها مطولًا يستوعب ماذا قالت للتو، لهذه الدرجة ترى أسلوبه بهذا الشكل أم هذا رأي الجميع في معاملته؟ طال الصمت حتى قطعته: -أنا مسمحلكيش على فكرة.

ردت بمنتهى الهدوء الذي يثير استفزازه: -مالك اتعصبت كده ليه؟ أنت إللي أصريت تعرف.. ثم ده إللي بيتقال هو أنا جبت ده من عندي؟ نظر لها بغضب ليرد بحنق: -متحكميش عليا من مجرد كلام.. لما تتعاملي الأول يبقى لسانك يتكلم. ضحكت بشدة فهو عقد جبينه بدهشة وضيق من برودها وأسلوبها، لتنظر له وتقول باستنكار: -والله البينة إللي تحكم.. طريقتك معايا من الأول لطيفة خالص.. تبين أد إيه إن معاملتك مرنة ومش مجبر تتعامل معايا.

رفع حاجبه باستنكار هو الآخر ولم يروق له كلامها، فرد سريعًا: -بتتريقي حضرتك؟ ابتسمت سلمى ببرود: -والله إللي على راسه باطحة.. أنت شايف إن أسلوبك معايا كويس أو مش كويس دي حاجة ترجعلك.. وعلى العموم ده مش موضوعنا اتفضل اتكلم في إللي كنت جاي عشانه. نظر لها بجدية قائلًا: -أولًا في بينا شغل، مصلحة يعني بين شركة الجوهري والإبياري، أظن عندك فكرة بالكلام ده. أومأت برأسها وردت بنفس النبرة، عاقدة أصابع يدها:

ـ اها بخصوص صفقة الأدوية وإلا ما كنتش حددت معاك ميعاد. ابتسم طارق وهو يقول: -اها تمام ندخل في الموضوع....

بعد مرور أسبوع على مقابلة طارق وسلمى، والأمور بينهم على ما يرام نوعًا ما إلا ما يخلى من مشاحنات بينهم، وحديثها المليء بالبرود والهدوء الذي بين الحين والآخر يتعجب بشأنه، كيف لها أن تكون هكذا.. أيقن تمامًا حديث والده، فتاة ذات شخصية قوية تحب عملها وتتقنه.. أسلوب جاد في الحديث أو التصرفات، خاصة نبرة صوتها التي لا تتغير طوال فترة حديثهما، يشعر بوجود شيء غامض في حياتها ليجعل من فتاة في مثل عمرها بقدر من الجمال والرقة والتفكير بطبع حاد هكذا، فلا يستطيع التفوه بكلمة مازحة خارج الموضوع.

صارمة.. حازمة.. كلمتها كالسيف وهذا ما أعطاها مصدر ثقة كبير لكل عملاء الشركات من الصفقات والعقود رغم صغر عمرها، بالإضافة إلى سير العمل بشكل مبهر بغياب هاشم كأنه متواجد بقلب الشركة وأكثر. ولكن لم يرَ ابتسامتها بعد، كأنها محذوفة من قاموس حياتها.. وعلى الرغم من تعاملاتها الجادة، إلا أنها تخفي بها نظرة الحزن التي تكسو عينيها، لا يتم ملاحظتها إلا من تمعن بهما جيدًا.

ولكن على الرغم من ذلك لم تثر إعجابه من ناحية التعامل، فهي جادة، عابسة الوجه كما يقول، لا تعطي للحديث أي فكاهة، نظراتها صارمة، أحيانًا يشعر بالملل أثناء التعامل معها؛ وهو يعلم إنه مجبور على ذلك بأمر والده.

عاصم منذ مرض هاشم وحجزه في العناية المركزة، وكل أمور الشركة أصبحت تحت سلطاته أكثر؛ باعتباره شريك مساهم بها، تغيرت تعاملاته مع سلمى بالتدريج تغير تمامًا، لم يعد عاصم التي تعرفه من قبل، فرض سلطته عليها وتحكماته بدون داعي.

على الرغم أن خطبتهما كانت بدون سابق معرفة تمامًا، وتمت بعد مدة ليست بطويلة بسبب شراكة والدهما على الأخص، إلا أن تعاملاته معاها كانت في منتهى الذوق والرقة، بشكل لائق وجذاب.. تلون بأسلوبه ولباقته، أحبته بالفعل لم تكن تعرف أن كل هذا ما هو إلا طبقة من قشرة ذهب، باطنها صديد متعفن.. تم اكتشافه بعد تغير معاملته لها، بعد ارتياد هاشم المشفى بفترة قصيرة، لم تكن على إدراك سر تغيره، أصبح قاسي الطباع.. عنيف.. عصبي.. يتشاجر على أتفه الأسباب وأبسطها، بداعي وبدون داعي.. ولكن كسر الحب من ناحيته في قلبها، ولكن فهو أولًا وأخيرًا خطيبها، تأجل زفافهما بسبب ما حدث، وهي على يقين أن ما حدث له بسبب غياب هاشم وكل شيء على عاتقهما.

فهو كان يعرف عنها الكثير من هاشم ومن مصادر أخرى.. يخطط لكي تقع في شباكه، وبالفعل حدث وتمت خطبتهم على الفور. دخلت تهاني مكتب محمود بعد أن سمح لها بالدخول، حاملة صينية بها فنجان من القهوة المضبوطة المعتادة له، وضعت الصينية على سطح المكتب وجلست على المقعد المقابل له، تنظر له حتى ينتهي من عمله. كان منهمكًا في دراسة الأوراق المبعثرة على سطح المكتب والتي بين يديه. ترك الورق بعدما انتبه من وجودها، التفت إليها قائلًا:

-تسلم يدك يا حبيبتي. ابتسمت له وهي تنظر إلى ساعة يدها قائلة: -ميتحرمش منك أبدًا، مش كفاية شغل كده.. قوم ريح شوية عشان تقدر تواصل الشركة. رد عليها وهو يفحص بعض الأوراق بتركيز دون النظر إليها: -خلاص فاضل حاجة بسيطة أهو وهخلص على طول.. ثم طارق مش في الشركة عشان أريح شوية، لازم حد فينا يكون موجود. صمتت بضعة دقائق بعدما رأت انشغاله هكذا، أرادت الاطمئنان على شيء ما.. فكسرت الصمت بعد ارتكاز ساعدها على سطح المكتب:

-متعرفش طارق عمل إيه في حكاية الشغل الجديدة؟ رد محمود وهو ما زال منهمكًا في عمله دون الالتفات لها: -لا الحمد لله الأمور ماشية تمام، على الله يتعدل شوية معاها. شعرت بقليل من الضيق على كلمته الأخيرة فقالت: -متقساش على طارق كده يا محمود، على يدك بيعمل إللي عليه في الشركة وممشي الشغل كويس. تنهد بهدوء، ترك الأوراق ونظر لها بوجه صارم ورد بنبرة جادة:

-عارف يا تهاني إن طارق راجل يعتمد عليه، بس عايز أحمله المسؤولية أكثر ويشوف التزامات الشركة أكثر، ما هي هتبقى بتاعته هو واخته في النهاية.. أفرضي جرالي حاجة ولا.... قاطعت تهاني حديثه بلهفة قبل إكمال حديثه بحزن قائلة: -بعد الشر، ربنا يباركلنا فيك.. مش عارفة من غيرك هنعمل إيه. تنهد بهدوء ورد بابتسامة صغيرة: -كل واحد وله نهاية وأنا عايز لما نهايتي تيجي أكون مطمن عليكوا. تهاني أدمعت عيناها وكادت أن تتساقط، نظرت إليه

وقالت بنبرة حزينة منفعلة: -متقولش كده تاني أنت سامع!! ربنا يطولنا في عمرك، متقلقش طارق من صلبك وقد المسؤولية، حملك عليه شوية، ما أنت شايف شايل الشركة إزاي معاك. عيناه أدمعت هو الآخر، شعر بسعادة كبيرة لحب زوجته وخوفها عليه بهذا الشكل من مجرد كلمة، قام من مقعده واتجه نحوها.. ضمها بذراعيه من الخلف في حب، قبل رأسها وابتسامة لطيفة قال: -بس يبعد عن الشلة البايظة دي أحسن حاجة.

يجلس طارق على إحدى الطاولات في النادي مع صحبته، حاملًا على ساقيه الحاسوب المحمول، يعمل عليه بانهمك، فمنذ مقابلاته بسلمى عندما يسمع اسمها من أبيه يتذكر ما تفعله به وكلماته التي يقصد بها مضايقاتها لأسلوبها البارد يضحك كثيرًا وهو يتعجب.. لذلك لما يجب أن يراها غاضبة، فتبدو جميلة وطفولية أثناء ذلك. لفت انتباهه صوت إيهاب مازحًا: -تعرف يا طروق أنا شامم في الصفقة دي ريحة جوازة. ترك الحاسوب فجأة، نظر إليه

باندهاش ورد بانفعال خفي: -أنت بتقول إيه!! جواز لا لا أنسى. ضحك إيهاب واسترد حديثه بازدراء: -هههههه وأنت مستغرب ليه؟ اندهش طارق من حديثه الذي يكاد أن يكون جاد نوعًا ما، رد عليه بسؤال: -إيه إللي خلاك تقول كده؟ ابتسم ابتسامة خبيثة واسترد حديثه مرة أخرى: -يعني بنت حلوة وأبوها صاحب شركة كبيرة والصفقة مش صغيرة. أدرك طارق ما يعنيه جيدًا، رد بضيق: -جواز لا لا طبعًا، أنت اتجننت! اتجوز دي!

ها ضحكتني على طول جد جد، الحياة مش كلها جد.. وعندية جدًا صعب التعامل معاها، عمري ما شفتها بتضحك، خايف لو اتجوزتها ترفع عليا قضية خلع عشان سبت نور الصالة والع. ضحك إيهاب بشدة، وقال بثقة: -ههههه بكرة تقول هوبا قال وهتشوف يا كبير. انزعج طارق من أسلوب حديثه وثقته العالية فيما يقول، أدار وجهه إلى الناحية الأخرى تعبيرًا لعدم تقبل الحوار أو استغرابه، إن من الممكن تطور الأمر إلى الزواج، لا لا مستحيل بل من رابع المستحيلات.

عبث إيهاب وهو ينظر له بخبث: -تصدق بقى أنا حاسس إنك أنت إللي ظالمها.. مش يمكن معاملتك معاها هي إللي مدياك الانطباع ده.. عمر أسلوبها يجي من فراغ.. لكل فعل رد فعل يا صاحبي. نظر له مطولًا ولم يرد، يفكر في حديثه فقط، نوعًا ما هو محق ولكن لن يعترف بذلك ويراها هي المخطئة. حزينة.. شريدة.. وحيدة.. تشعر بأنها وقعت على جذور رقبتها، كأنها بحلم جميل وأفاقت منه.

في العناية المركزة، سلمى جالسة على الأرض، ساندة جسدها النحيل على فراش هاشم، يتسلط ضوء القمر خفيف جدًا من نافذة الغرفة. لم تكتفِ عيناها من هطول الدمع الغزير الذي أشبه بالأمطار، وهي تنظر إلى هاشم بحزن.. عادت بذاكرتها إلى ساعات ليست بكثرة من هذا اليوم. "فلاش باك" سلمى متجهة لسكرتارية عاصم، تستفسر منه على شيء ما، لاحظت عدم وجود السكرتيرة على مكتبها، أيقنت بالتأكيد إنها بالداخل.

أكملت طريقها إلى أن وصلت إلى باب المكتب، أمسكت بمقبض الباب وكادت أن تفتح.. أوقفها باندهاش صوت ضحكات عالية.. خليعة، ومزاح كبير. اتسعت عيناها في خوف وقلق وتجاهلت ما سمعته حتى تتأكد بنفسها.. اقتربت بأذنيها على الباب لكي تسمع جيدًا ما يحدث بالداخل، وكان الحوار والمشهد كالتالي.. تجلس السكرتيرة الخاصة بعاصم على سطح المكتب، بطريقة غير مضبوطة وخليعة للغاية.. عاصم يقترب منها أكثر ويحاول مداعبتها.. ضحكت السكرتيرة

بصوتها الرنان وقالت بدلال: -وبعدين معاك يا أستاذ عاصم، ما يصحش كدة. ضحك عاصم بخباثة وهو ينظر إليها، غارزًا أصابع يديه بين خصلات شعرها المنسدل على كتفيها: -هو اللي ما يصحش... استني بس. ابتسمت وردت بخلاعة: -الله! أفرض آنسة سلمى جت وشافتنا. عاصم باستهزاء قال: -أنتِ هتخافي من سلمى ولا إيه؟! ولا يهمك منها. لم تتحمل سلمى ما خطر بمسامعها، وضعت يديها على فمها وتمالكت سقوط دموعها، لم تنتظر كثيرًا، فتحت الباب على غفلة.

تجمدت في مكانها بصدمة ودهشة مما رأت، فتحت فمها من الصدمة، تساقط الدمع الغزير على وجهها، لا تصدق ما رأته. نزلت السكرتيرة على الفور، نظرت لها من أخمص قدميها إلى خصلة شعرها بقرف وانفعال شديد، خرجت بسرعة وأغلقت الباب خلفها. عاصم في حالة توتر وارتباك شديد، كأنه يقف على حد السيف أو على الأشواك، محاولًا إخراج نفسه من هذا المأزق سوى بعلو الصوت والغضب: -إيه يا سلمى مش تخبطي الأول؟! يصح تدخلي من غير استئذان كدة؟

سلمى لم تستوعب ما يقوله، يرد بكل بجاحة كأنه لم يفعل شيئًا، نظرت له بانفعال وغضب: -نعم! وأنت يصح اللي بتعمله ده؟! ها؟! وكمان بتبرر موقفك؟! أنت إيه يا أخي؟ رد بارتباك مبررًا بغضب: -عملت إيه يعني؟! موظفة وكنت بمضيلها على ورق شغل مهم للشركة. كادت أن تصفعه على وجهه، لكن تماسكت، أثار استفزازها وغضبها أكثر: -لا بجد! وهو الشغل ما ينفعش غير بالمرقعة وقلة الأدب؟ إيه اللي قعدها كدة على مكتبك؟!

قام من مقعده واتجه نحوها يحاول أن يهدئ من روعها، رد بنبرة هادئة كأنه تفاجأ مما تقول بكل برود: -إيه ده! هي كانت قاعدة على المكتب؟! لا لا كان مستهيالك مش أكتر. سلمى لم تحتمل أسلوبه، كادت أن تنفجر غيظًا، ضربته على كتفيه بعنف والدموع سالت بغزارة أكثر على وجهها، ردت بانفعال زائد: -أنت هتعميني كمان؟! إيه يا أخي حرام عليك، ما عندكش دم خلاص مش كفاية.

توتر عاصم وتوجس من حالة انفعالها ورد فعلها، حاول أن يهدئ من روعها، وضع يديه على كتفيها، أزالتها بكل عنف، نظرت له بحدة وانفعال: -شيل يدك من عليا، ابعد عني. عاصم اقترب منها أكثر مصطنعًا الرقة: -سلمى يا حبيبتي ده شغل، شغل. أنتِ اللي في القلب، وأنتِ عارفة كدة كويس. نظرت له وابتسمت بتهكم وعدم تصديق، استردت بحدة وصرامة وهي تنظر في عينيه: -أنا اللي عرفاه كويس إني غلطانة إني وثقت فيك في يوم من الأيام.

خرجت راكضة على عجل من مكتبه، وظل ينادي عليها بانفعال وغضب. "عودة" فاقت سلمى من شرودها وهي ما زالت تفكر فيما حدث، نظرت إلى هاشم وما زالت دموعها منهمرة، تتحدث إلى حالها: -عجبك يا بابا اللي أنا فيه، أنا استحملت كتير أوي عشان خاطرك، كده كفاية لحد كده، عمال يخون وبسامح زي الهبلة، لا يمكن أستمر معاه بعد كده، أنا تعبت بجد تعبت، امتى تفوق بقى وتخلصني من اللي أنا فيه؟ ما بقتش قادرة أستحمل، هو كان اشتراني عشان يعمل فيا كل ده؟!

كفاية كفاية. دفنت وجهها في الفراش وانهارت من البكاء إلى أن غلبها النوم. ***************** تحرك يوسف في غرفته ذهابًا وإيابًا بقلق وخوف، وهو ينظر إلى ساعة يده بحيرة، تنهد بعمل وظل يفكر، كانت الساعة قرابة الثانية عشر منتصف الليل ولم تعد سلمى إلى المنزل حتى الآن، إلى أين ذهبت يا ترى؟ اتصل على الشركة، من الممكن أن تكون هناك، لا يوجد رد على الإطلاق. ما العمل إذا؟ يشعر بالعجز، لا يوجد إلا حل واحد فقط، ولكن نظر إلى ساعته.

الوقت متأخر بالفعل، احتمال ضعيف أن تكون عند عمته سميحة إلى هذا الوقت المتأخر دون الاتصال به لطمأنته عليها، وإذا فعل وقام بالاتصال بها سوف يجعلها تقلق بشدة عليها، فما العمل يا ترى؟ فلا يوجد سوى الاتصال بنور صديقة سلمى المقربة، يمكن أن تعرف مكان وجودها أو تكون معها. كان مترددًا في بداية الأمر، ولكن تغاضى وتناول هاتفه واتصل بها، توتر عندما سمع صوتها ولا يعرف من أين يبدأ الحديث: -أحم السلام عليكم. ردت نور بصوت نائم:

-وعليكم السلام، مين معايا؟! يوسف بإحراج: -أنا يوسف الجوهري أخو سلمى، آسف جدًا على الإزعاج. نور اندهشت من اتصاله في هذا الوقت المتأخر، ردت بقلق وتساؤل: -أها أهلًا أستاذ يوسف، خير في حاجة؟! توتر أكثر بسؤالها، تنحنح واسترد حديثه: -هي سلمى مش عندك؟! نور اعتدلت جلستها على الفور باستغراب مما سمعت، نظرت على الساعة الموجودة بسطح الكومود: -سلمى! لا مش عندي. أنابه القلق أكثر، مسك قلبه بهدوء ورد بتساؤل حتى يطمئن قلبه قليلًا:

-ولا في الشركة؟! قلقت نور هي الأخرى من تساؤلاته ونبرة صوته: -احنا خلصنا شغل من بدري، وأنا روحت وسلمى نزلت معايا ووصلتني، معنى كلامك إنها ما روحتش. جلس يوسف على أقرب مقعد وقلبه يدق بسرعة كبيرة جدًا، امتلكه الخوف وبدأت تراوده أفكار سيئة تكاد أن تكون حدثت لها: -بجد! لا للأسف الساعة داخلة على 12 و5 دلوقتي، أنتِ قلقتيني بزيادة. وضعت نور يديها على قلبها بقلق شديد: -مش معقول! هتكون راحت فين دلوقتي؟!

شعر يوسف بأنه قلقها وأثار الرعب في عدم رجوعها، اعتذر قائلًا: -أنا آسف على إزعاجك، أنا هنزل أدور عليها، فونها ما بتردش عليه. تنهدت بضيق وردت بحزن: -لا أبدًا ولا إزعاج ولا حاجة، أرجوك أول ما توصلها بلغني على طول، عايزة أطمن عليها. تنهد بهدوء وقال: -حاضر مع السلامة. أغلق معها على الفور، تناول مفاتيح سيارته من الكومود، فتح باب الغرفة وركض على السلم في عجالة إلى أن وصل إلى البوابة.

استقل السيارة وقاد بسرعة جنونية، يفكر إلى أي مكان يمكن أن تلجأ إليه في هذا الوقت المتأخر، وكل الأفكار الشيطانية تحوم حول عقله، طرأ في خاطره شيئًا ما، انحدر بالسيارة بجنون يمينًا متجهًا إلى المشفى، يشعر بأن من الممكن أن يجدها هناك. ***************** وصل إلى المشفى وخرج من السيارة وأغلق الباب بانفعال وركض إلى الداخل كالمجنون.

اتجه إلى العناية المركزة، وبالفعل كما توقع وجدها بالداخل، جالسة على الأرض بالقرب من فراشه، رأسها مدفونة بالفراش ساكنة دون حراك. اندهش لرؤيتها بهذه الحالة، اعتصر قلبه وتنهد بضيق وحزن، اقترب منها ونزل إلى أن وصل لمستواها، محاولًا إيقاظها بهدوء وبصوت خفيض: -سلمى سلمى اصحي يا حبيبتي. رفعت رأسها بوجه نائم للغاية وآثار الدموع مطبوعة على وجهها، تألم لرؤيتها بهذا الشكل، نظرت له تتمتعن بالوجه الذي أمامها في الظلام،

مسكت رأسها بألم: -يوسف آه آه دماغي. أمسك يديها في قلق وخوف، ورد بهدوء: -مالك يا سلمى؟ إيه الدموع دي! قلقتيني عليك، كنت حاسس إني هلاقيكي هنا، بتعملي هنا إيه دلوقتي؟! ردت بصوت نائم وحزين: -كنت مخنوقة أوي، ما قدرتش أروح، رجليا جابتني على هنا، أتكلم مع بابا، متأكدة إنه سامعني وحاسس بيا. يوسف: -طب يلا بينا نكمل في البيت، ترتاحي شوية شكلك مرهق جدًا وتحكيلي على اللي حصل، يلا نور قلقانة عليك أوي لازم نطمنها.

قامت معه بكل استسلام، أثناء الطريق كان ينظر إليها بين الحين والآخر، وجدها حزينة، شريدة في عالم آخر، ساندة رأسها على زجاج النافذة. وصلوا المنزل وأدخلها غرفتها كي تستريح قليلًا، عند باب غرفتها ظل واقفًا ينظر إليها بحزن وحيرة، كلما تذهب إلى المشفى تعود بتلك الحالة، ولكن اليوم أسوأ بكثير عن كل مرة، بداخلها ألم وحزن كبير ترفض البوح به، تنهد بعمق ودعى الله من قلبه أن يغير حالها ويصبر فؤادها.

خرج وأغلق الباب خلفه وعاد إلى غرفته، جلس على الفراش، تناول هاتفه واتصل بنور كي يطمئنها على عودة سلمى، ها هو آنذاك يستطيع أن ينام بسلام بعدما تطمئن على سلمى، ولكن خاطره مشغول بما حدث لها اليوم. بعدما خرج يوسف، ارتكزت ظهرها على الوسادة، تعود بذاكرتها إلى ما حدث البارحة ودموعها تتساقط من مقلتيها بغزارة إلى أن غلبها النوم. *****************

في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى بجسد متعب ومجهد، وجع بالرأس، تشعر بالصداع الشديد. قامت من الفراش واغتسلت وصلت فرضها بعدما أبدلت ملابسها. خرجت من غرفتها ونزلت إلى البهو، وجدت يوسف ينتظرها على مائدة الطعام، لم يرد إيقاظها حتى تستريح وتأخذ كفايتها من النوم. وقف مبتسمًا وجلسا معًا لتناول الفطور، لم يتحدث معها فيما حدث الليلة البارحة وانتظر إلى أن تكون بخير أولًا.

انتهت من فطورها وخرجت هي ويوسف على الفور، استقلت سيارتها متجهة إلى الشركة ويوسف إلى الكلية، مستقلًا سيارته هو الآخر. وصلت إلى الشركة وصعدت إلى مكتبها، أثناء جلوسها وهي ما زالت تفكر فيما حدث، وقررت بأنها لا يمكن أن تصمت على ما حدث، إذا تعدى حدوده معها بعد ذلك يجب أخذ موقف منه حتى وإن كانت تحبه. أثناء شرودها سمعت طرقات الباب، فاقت ونظرت له بعدما تنهدت بعمق وقالت بهدوء: -أيوه مين؟! فتح يوسف الباب بهدوء وأدخل رأسه وقال:

-ممكن أدخل؟! ابتسمت سلمى بهدوء وقالت: -طبعًا، تعالى يا يوسف. دخل يوسف وجلس قبالها متأملًا إياها بامتنان، فاندعشت سلمى وعقدت جبينها لتقول بتساؤل: -مالك يا ابني متنحلي كده ليه؟! تنهد براحة وهو ما زالت عيناه معلقة عليها، ليرد بهدوء: -اللي يشوفك النهاردة ما يشوفكيش امبارح. تغيرت تعبيراتها للحزن لوهلة، ثم ارتسمت على ثغرها بسمة مصطنعة: -أنا دلوقتي أحسن ما تقلقش، بس جسمي متكسر شوية.

يعرف جيدًا بأن هناك شيئًا كبيرًا قد حدث جعلها تغفل وتبيت بالمشفى بالقرب من والدهما، ولكن طريقة ردها تحاول بقدر الإمكان أن تغير مجرى الحديث، فقرر أن يتركها الآن، ابتسم وقال: -ما هو النومة ما كانتش ظريفة خالص بصراحة. بس الحركة هتفكِ. ابتسمت حتى سمعت قرعات الباب لتدخل نور في حماس ولهفة، ولكن توقفت لوهلة وسيطرت على انفعالها عندما رأت يوسف جالسًا. ابتلعت غصتها وهي تنظر إليه وهو بدوره ابتسم بشدة لمجرد رؤيتها. طالت نظراتهم

لمدة دقيقتين ثم نهض: -طيب هسيبكوا أنا بقى. قالت نور سريعًا بصوت مبحوح: -هو إذا حضرت الشياطين ولا إيه يا أستاذ يوسف؟ فهم يوسف ما تعنيه جيدًا، فرد سريعًا ليوقف سوء الفهم الذي حدث: -لا أبدًا والله إزاي تقولي كده. قصدي عشان تقعدوا مع بعض براحتكوا يعني، متفهمينيش غلط. اكتفت نور بالإيماء وابتسامة صغيرة، ودعهم ثم خرج. كل هذا وسلمى كانت تتابع بابتسامتها الرقيقة في صمت الأحداث وهي تنظر لنور بغرابة. جلست والأخيرة ثم أردفت:

-هو أنتوا إيه حكايتكوا أنتوا الجوز بس عشان عايزة أفهم. واحد يجي والتاني بسرعة يخلع سواء أنتِ أو هو. في إيه؟ نور بعدم فهم نوعًا ما: -ولا حاجة يا لوما عادي يعني. تنهدت بحيرة لتقول بطريقة سينمائية: -الحكاية فيها أن وكان وصار وأخواتهما. ضحكت نور بشدة على أسلوبها، لتحسم الحوار: -عادي والله. هو زي ما قال يوسف كده عشان ناخد راحتنا. المهم اللي حصل إمبارح ده! دمي هرب لما يوسف كلمني وقالي إنك من صباحية ربنا مروحتيش.

تذكرت سلمى ما حدث وتغيرت ملامحها للحزن سريعًا، ثم ردت ساهِمة: -كالعادة كنت بزور بابا. محستش بنفسي وأنا بحكيله، مدرتش بنفسي ونمت. ربتت نور على يدها بحب، تشعر بآلامها وتقدر مشاعرها. تنهدت ثم قالت: -طيب من فضلك خلي بالك مرة تانية. متعرفيش أنا مت من الخوف عليكِ إزاي. ربنا قادر يفوقه قريب متقلقيش كله هيعدي. ابتسمت سلمى وردت برضا: -ونعم بالله. اديني منتظرة الفرج. *****************

يقال إن البرود له ناسه، وعاصم هو رئيس القبيلة. على الرغم مما حدث البارحة إلا إنه لم تهتز منه شعرة واحدة، كأنه لم يفعل شيئًا على الإطلاق بمنتهى البرود واللامبالاة. لكن هذا ليس ما يثير تفكيره ويشغل خاطره. بل منذ أن رأى طارق وهو في اتجاهه لمكتب سلمى وأسلوبه معه، أثار غضبه وفضوله. أراد أن يعرف من يكون هذا الشخص ليتكلم مع عاصم السيوفي على هذا النحو.

جالسًا على مكتبه ومعه صلاح، الذي يعتبر ذراعه الأيمن ومنفذ لجميع مصائبه. نظر له بصرامة وبنبرة غاضبة قال: -اسمع. عايزك تعرفلي كل حاجة عن البني آدم ده. أنت فاهم! ابتسم بثقة قائلًا: -متقلقش أعتبره حصل. بنفس النبرة استرد حديثه: -24 ساعة وتعرفلي مين هو. ثم نظر إلى الفراغ وهو يقول لنفسه: "أما نشوف حكايتك إيه معاه يا ست سلمى."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...