وهي تصارع الموت وتضم طفلتها إلى صدرها. "يااااه يا حبيبتي انتظرتك كتير أوي، واليوم اللي جيتي فيه هفارقك. بس أنا هسيبك لرب رحيم، أحن من الكل." أم مصطفى بشفقة عليها. "متقوليش كده يا حبيبتي، هتقومي بالسلامة وهتعيشي ومحدش هيربيها غيرك وهتفرحي بيها." شروق. "أنا خلاص حاسة بنفسي، وعلى موعد مع الله. وصيتي ليكي تخلي بالك منها، هي ملهاش غيرك دلوقتي بعد ربنا." أم مصطفى وقد تسلل الدمع إلى عينيها. "في عيوني يا بنتي والله." شروق.
"الحمد لله." ثم شخص بصرها ورددت بخفوت. "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله." شروق فتاة من أصل طيب، على قدر من الجمال متواضعة رغم ما تنعم به من رفاهية. فهي ابنة رجل الأعمال المعروف باسم المصرى، أو كما يطلقون عليه حوت الحديد، حيث تقع أغلب مزادات الحديد تحت سيطرته. وهي خريجة كلية التجارة، ملامحها هادئة يحبها كل من يراها، تبلغ من العمر ثلاثة وعشرون عاماً.
عملت كمحاسبة في شركة والدها باسم المصرى بعد التخرج، واستطاعت في فترة صغيرة أن تثبت خبراتها وأصبحت محط اهتمام الكثير. وتهافت عليها الخطاب من كل صوب ودرب ولكنها كانت ترفض، فقلبها معلق بمن لا يهتم بها. يشارك باسم المصرى في مصنعه للحديد والصلب صديقه مؤمن بسيوني. مؤمن لديه ابن يدعى لؤي.
لؤي شاب في منتصف العشرينات يتمتع بجسد رياضي وملامح جاذبة ولكنه متكبر وعنيد ولا يتمتع بأي مسؤولية، بل يقضي معظم وقته في اللهو واللعب والسهر. ولا يذهب للمصنع سوى لطلب الأموال من والده من أجل سهراته الخاصة مع أصحابه من جامعته الخاصة الذي لم ينهيها بعد بسبب كثرة رسوبه. فعنفه والده بقوله حين أتى إليه لطلب المال. "وبعدين يا لؤي، مش كده؟
هو حضرتك كل ما تعتب المصنع، مفيش حاجة تطلبها غير الفلوس، وياريت بتعمل بيها حاجة عدلة لكن بتصرفها على الهلافيت صحابك." لؤي بنزق. "هو أنا كل ما أجي أطلب فلوس، هتسمعني الكلمتين اللي ملهمش لازمة دول. قلت لحضرتك كذا مرة، أنا شاب لسه في بداية حياتي ومن حقي أستمتع بحياتي بالطريقة اللي تعجبني أنا." مؤمن بسخرية. "هو مينفعش الاستمتاع غير بقلة الأدب دي والسهر مع الساقطات؟
ده انت خليت سمعتنا في الأرض وكله بيكلم ويقول شوف لؤي بيعمل إيه؟ لؤي. "سمعة إيه بس هو أنا بنت عشان يتكلموا عليا؟ أنا راجل وأعمل اللي أنا عايزه." مؤمن. "والله انت فاهم الرجولة غلط، الرجولة عقل وحكمة وأخلاق مش كده. بس العتب مش عليك، العتب على الست أمك اللي معرفتش تربيك عشان حضرتك برضه مشغولة بالأصحاب والنوادي وسبتك للشغالين، فاخدت أخلاقهم." ثم سمع مؤمن طرقاً على الباب، فأذن له بالدخول. فإذا بها شروق.
ولجت إليهم بابتسامتها المعهودة مردفة. "صباح الخير يا عمو، أخبارك؟ مؤمن ببشاشة. "أهلاً يا بت الغالي." شروق. "بعد إذنك يا عمو، بابا محتاج إمضتك على أوراق الصفقة دي ضروري." ثم وقعت عيناها على لؤي فدق قلبها بشدة واحمرت وجنتيها خجلاً، ولاحظ مؤمن خجلها فبادر بقوله. "طيب اتفضلي اقعدي يا بنتي." ثم أشار إلى لؤي. "سلم يا ابني على شروق. إيه مالك مكسوف ولا إيه؟ ده انتوا ياما لعبتوا مع بعض وأنتم صغيرين." لؤي بنفور.
"أهلاً يا شروق، عاملة إيه؟ فركت شروق في أصابعها خجلاً مردفة. "الحمد لله، وانت عامل إيه؟ لؤي بعجرفة. "عامل ماشي، عشان أسيبكم تكلموا براحتكم في الشغل." ثم وقف واستعد للخروج ولكنها وقفت سريعاً، وقد اضطرب صوتها من الحرج فقالت بصوت منخفض. "لا يا لؤي خليك وأنا هستأذن عشان أكمل شغلي." ثم التفتت إلى مؤمن قائلة. "حضرتك اطلع على الأوراق وامضيها وابعتها مع عم محمود الساعي لمكتب بابا لو سمحت يا عمو."
مؤمن وقد شعر بالإحراج من حديث لؤي لها. "ما تقعدي يا بنتي، حتى نشرب فنجان قهوة سوا، عقبال ما أوقع على الورق." شروق بحرج. "معلش يا عمو، وقت تاني إن شاء الله." ثم اختلست نظرة سريعة إلى لؤي الذي وجدته ينظر لها بازدراء وتهكم. ثم أسرعت للخارج وقلبها يدق بعنف وعينيها تلمع من الدموع حتى وصلت إلى مكتبها ودفنت رأسها على مكتبها باكية محدثة نفسها.
"مش عارفة، انت ليه بتعمل كده يا لؤي كل ما أشوفني. زي ما تكون بتتعمد تهيني بكلامك الجاف ده ولا نظراتك ليا اللي بتشككني في نفسي. مع إني الحمد لله على قدر من الجمال ولبسي آه ساتر وفصفاض بس من أرقى الموديلات. بس أنا عارفة إنك مش بيعجبك غير البنات المسهوكة اللي بتعرفهم، وبيلبسوا لبس يفضح أكتر ما يستر. بس صدقني محدش فيهم هتقدر تحبك زي ما أنا بحبك. رغم كل مساوئك بس برضه بحبك من وإحنا أطفال صغيرين وحاولت ياما أقاووم حبك ده لكن للأسف مقدرتش وبتعذب بيه ليل نهار. وبدعي ربنا يصلح حالك وتكون ليا في يوم من الأيام."
عنف مؤمن ابنه لؤي. "تصدق انت معندكش أي ذوق ولا احترام." لؤي بغضب. "ليه عملت إيه؟ مؤمن. "مش عارف عملت إيه؟ البنت دخلت ولا كأنك شايفها ولما قولتلك سلم عليها، سلمت عليها كده من طراطيف مناخيرك، ده غير نظراتك ليها من فوق لتحت وكأنك بتسخر منها. غير قلة الذوق، إنك عايز تمشي عشان هي موجودة، يعني بمعنى أصح، أنا مش طايق أقعد في مكان أنتِ موجودة فيه. مشفتش صراحة قلة ذوق أكتر من كده." زفر لؤي بضيق قائلاً بسخرية.
"أعمل إيه يعني، مهي منظرها يضحك، وكنت ماسك نفسي." مؤمن بإنفعال. "إيه الهبل ده، ليه شايفها أرجوز قدامك؟ لؤي. "مش شايف حضرتك لابسة إيه؟ لابسة شوال كده واسع مش باينة فيه، غير البتاعة اللي حطاها فوق راسها دي، لفاها زي الجماعة الصعايدة اللي بنشوفهم في المسلسلات." مؤمن بغضب.
"انت من كتر معرفتك بنات مش محترمة، بقى عندك الستر والحجاب غريب وبتستهزأ بيه. لكن اعرف كويس يا لؤي إن مفيش أي واحدة من اللي بتعرفهم تعرف تفتح بيت أو تصونك في شرفك ومالك. ويستحيل أنا أوافق تتجوز واحدة منهم، وعشان كده أنا خلاص اخترت لك شروق، هي الوحيدة اللي هتستحمل طبعك اللي محدش يستحمله ده والبنت حاسس إنها بتحبك من خجلها لما بتشوفك ورعشة إيديها." لؤي بصدمة. "انت بتقول إيه يا بابا!!
ده مستحيل يحصل طبعاً، أنا أتزوج البتاعة دي! عشان تقلب البيت مسجد وقال الله وقال الرسول. لاااا طبعاً أنا عايز أعيش الحب والدلع مع واحدة تفهمني وأفهمها ونعيش بحرية من غير قيود." مؤمن بإنفعال.
"مش بقولك إنسان تافه ومش فاهم أي حاجة في الدنيا غير الدلع وقلة القيمة ومش فاهم يعني إيه جواز واستقرار. عشان كده بأكد عليك تاني، هتجوز شروق يعني هتجوزها. ولو رفضت هحرمك من الميراث، وساعتها شوف بقى مين هتقبل بيك من الأشكال اللي بتعرفها وانت مفلس. ومحلتكش حاجة. وضف لده كمان مصيبة أكبر إنك عاطل ومقضيها سهر وشرب."
فوضع لؤي يده على وجهه حزناً ثم تذكر نورهان زميلته في الكلية الخاصة وحبيبته وهي فتاة من النوع الذي يفضله لؤي، مرحة وتحب الظهور بمظهر مختلف يوماً عن يوم، فترتدي كل ما تريده من ملابس ضيقة وقصيرة تظهر مفاتنها. وهي محط اهتمام كل الدفعة ويظن لؤي إنه محظوظ لأنها تركت الجميع وأحبته هو. لؤي محدثاً نفسه.
"يعني إيه معقول، أتزوج الشوال دي وأسيب الصاروخ نورهان اللي كله بيحسدني عليها. ده يستحيل يحصل. بس يا فكيك لو رفضت هطير الفلوس وهتطير معاها نورهان، هجوزها إزاي وكل الفلوس بإيد بابا. إيه الحل بس؟ فوقف لؤي والحزن يسيطر على جوانحه قائلاً. "طيب يا بابا ممكن حتى تديني فرصة أفكر." مؤمن.
"تفكر في إيه وهي دي محتاجة تفكير. دي جوازة لقطة، بنت حسب ونسب وكمان بنت شريكي، يعني زيتنا في دقيقنا. بدل ما يجي واحد غريب منعرفهوش يشاركنا في شغلنا. فإحنا أولى." حرك لؤي رأسه باستنكار مردفاً. "قول كده بقا، الموضوع مش البنت أخلاق والشعارات الفارغة دي. الموضوع مصلحة الشغل." مؤمن. "وديه فيها إيه؟ بجانب أن البنت تستاهل كمان وخسارة في أي حد غريب." ضم لؤي شفتيه ثم نطق.
"أنا مقدر ده كله بس قلبي مش معاها يا بابا افهمني وخايف فعلاً لما أتزوجها أظلمها لإني مش بحبها وبحب واحدة تانية." مؤمن. "آه قولتلي بتحب واحدة تانية. طيب وماله يا حبيبي، الشرع محلل لك تتجوز واحدة واتنين وتلاتة وأربعة كمان. بس عشان صورتنا قدام أبوها. اتجوز التانية من غير ماحد يعرف." فضحك لؤي.
"يا حبيبي يا سيد الكل، طيب مش تقول كده من الأول. خلاص أنا موافق زي بعضه أجوز الشوال، قصدى شروق. وهعصر على نفسي لمونة، بس بعديها هحلى بالكريم شانتيه نورهان." ابتسم مؤمن واقترب من لؤي وحاوطه بذراعيه قائلاً. "مبروك يا لؤي وصدقني لو لقيت الدنيا كلها مش هتلاقي زي شروق، ده أنا مربيها على إيدي. وواثق إنك لما تتجوزها هتحبها وممكن كمان ترجع في كلامك ومتجوزش البنت اللي بتقول عليها دي." لؤي. "لااااا الا دي، دي حب سنين يا بابا."
مؤمن. "طيب يا حبيبي انت. المهم دلوقتي، أنا هتصل بعمك باسم وهقوله عايزين نتعزم عندك على العشا النهاردة. وبعد العشا ومع فنجان قهوة كده متكيف تقوم تفاتحه في الجواز من بنته شروق." لؤي. "على طول كده يا بابا، من الدار للنار. ليه بس السرعة دي؟ مؤمن. "يا ابني البنت من جمالها ونشاطها وسمعتها الطيبة بيجيلها كتير قوي. فعايزين نلحقها قبل ما توافق على حد من اللي بيتقدملها دول." فهمس لؤي. "ياريت وأبقى خلصت من الجوازة دي." مؤمن.
"بتقول حاجة يا لؤي." لؤي بنفي. "لاااا يا بابا بقول ربنا يتمم بخير." مؤمن. "ولو إني مش مرتحلك وخايف تقصر رقبتي مع الناس. بس هعمل نفسي مصدقك وهقول أمين. ودلوقتي يلا شوف طريقك وسبني أخلص شغل." لؤي. "تمام، سلام يا كبير." مؤمن. "الله يهديك يا ابني، سلام." خرج لؤي وجاءه اتصال من نورهان. دق قلبه وابتسم ثم أجابها بقوله. "صباح الورد على حبيبي أنا." نورهان بدلال مصطنع.
"لا متقولش حبيبي يا بكاش وبتاع. محدش بيحب حد ويستخسر فيه خاتم ألماس بسيط." زفر لؤي بضيق. "برضه كده أنا برضه أستخسر فيكي حاجة يا نورا، ده أنا لو أطول أديكِ عيوني هدية." نورهان. "يسلام وتفسر إيه إنك مجبتهوش ليا لغاية دلوقتي مع إنك وعدتني من أسبوع." لؤي.
"غصباً عني والله، بابا ماسكها عليا اليومين دول شويتين. وآخر المتمة عايز يجوزني بنت شريكه عشان المصلحة ويضمنه معاه لباقي العمر وبيقول قال إيه زيت في دقيقنا وبتاع ولو موفقتش، هيحرمني من الميراث ومش هطول منه أي فلوس تاني." فرددت نورهان بصدمة. "إيه؟ لؤي متداركاً قوله. "لا يا حبيبتي يستحيل ده يحصل. مفيش في القلب غيرك ومش هجوز غيرك. ومش مشكلة الفلوس، المهم إحنا نكون لبعض." نورهان بمكر.
"لا يا حبيبي، وأنا ما يرضيني تخسر كل حاجة، ده حقك ومالك." لؤي. "أعمل إيه بس، مهو مش معقول أبداً أتزوج البتاعة اللي عاملة زي الشوال دي وأسيب ملكة الجمال نورا." فضحكت نورهان قائلة. "بتحبني أوي كده يا لولو." لؤي. "بموت في التراب اللي بتمشي عليه يا عيون لولو." نورهان. "خلاص يا حبيبي، وأنا ميخلصنيش تخسر كل حاجة عشان خاطري، وعشان كده اتجوز البتاعة اللي بتقول عليها دي." لؤي بإنفعال. "انتِ إزاي تقولي كده، أنا مقدرش أبعد عنك؟
نورهان. "ومين قال لك بس هتبعد عني يا لولو، افهمني انت اتجوز البتاعة دي ولما تبقى مراتك نغنشها كده وخليها تعملك توكيل تصرف فيه براحتك في أملاكها، ده غير باباك اللي لازم تقوله شرط الجواز شيك ٢ مليون على الأقل أو حصة من الشركة تكون باسمك. وبعدين يا روحي إحنا نعيش حياتنا ونتجوز ونهنى من غير ما تخسر حاجة خالص. ولما تقشط مراتك اديها استمارة ستة، لأني يا حبيبي زي الفريك ما أحبش شريك." فضحك لؤي قائلاً.
"يا بت الجنية، إيه التفكير الجهنمي ده. عُلم وجاري التنفيذ يا قمري." وفي الليل حيث يسدل الستار عن متاعب الحياة لننال قسطاً من الراحة من أجل نشاط يوم جديد. وجدت شروق وهي منغمسة في قراءة وردها اليومي قبل الخلود إلى النوم. من يطرق عليها غرفتها مستأذناً. "حبيبة بابا صاحية ولا نايمة." فقامت شروق سريعاً نحو الباب واستقبلت أباها بابتسامتها المشرقة مردفة بحنو. "بابا حبيبي، حتى لو نايمة أصحى ليك."
فقبلها باسم بين عينيها مردفاً. "حبيبة قلبي يا شوشو. أنا مش هاخد من وقتك كتير عشان ترتاحي وأنا كمان أنام شوية عشان شغلنا بدري." شروق. "خير يا بابا فيه حاجة؟ باسم. "كل خير يا قلب بابا. تعالي بس نقعد." فجلسا على الأريكة ثم حدثها. "بنتي الحلوة كبرت وآن الأوان تبقا عروسة، مش عارف هستحمل بعدك إزاي يا روح قلب بابا بس أعمل إيه سنة الحياة." افترشت شروق بنظرها الأرض خجلاً مردفة. "لا يا بابا أنا مش هسيبك ومش عايزة أبداً أتزوج."
باسم. "لا يا بنتي مفيش الكلام ده، دي سنة الحياة وأنا يهمني سعادتك ومش هطمن أبداً، إلا لما أشوفك في بيتك مع ابن الحلال اللي يسعدك." شروق. "لسه شوية يا بابا أنا مش مستعجلة وعايزة أحقق ذاتي في الشغل الأول." باسم. "متقلقيش مهو شغلنا هو شغلهم وهتحققوا ذاتكم سوا، بس ساعديه يخلص كليته عشان هو مهمل شوية وييجي الشركة يشتغل أنتِ وهو وتخففوا علينا الحمل شوية يا بنتي." ضيقت شروق عينيها غير مدركة ما يلمح به والدها. فتساءلت.
"انت تقصد مين يا بابا؟ فابتسم باسم مردداً. "أقصد لؤي ابن عمك مؤمن شريكي وصاحب عمري." فجحظت عين شروق من المفاجأة غير مصدقة وأخذت تردد. "لؤي طالب إيدي أنااااااااااا" باسم. "آه فيها إيه دي، وهو يطول ياخد القمر بتاعنا." شروق. "بس يا بابا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!