في صباح يوم جديد، صحيت ملاك مش عارفة تتحرك. فتحت عينيها بضيق، لكن شهقت بصدمة وهي شايفاه حضنها وهو عاري الصدر. وسعت عينيها من الصدمة وزقته بعيد عنها بقوة. جاد قام وبصلها باستغراب وحدة: "في إيه؟ ملاك بغيظ: "هو إيه اللي في إيه! أنت بتستعبط؟ جاد ابتسم باستفزاز، وفي لحظة اعتلاها وهمس مخيف: "مين بقا اللي بيستعبط! ملاك بسرعة وخوف: "أنا... جاد بابتسامة: "شاطرة يا ملاك...
جاد سابها وقام دخل ياخد دش. ملاك حطت إيدها على قلبها بتوتر وارتباك. قامت بسرعة أخدت هدوم ليها واستنته لما خرج. كان لابس تيشرت نص كم لونه أحمر وعليه كلمة باللون الرصاصي، وبنطلون أسود. ملاك فضلت تبصله وهو واقف قدام المراية. جاد لاحظ نظراتها في انعكاس المراية وابتسم. هي بلعت ريقها بارتباك، وأخدت هدومها ودخلت بسرعة تاخد دش. بعد لحظات، كانوا نازلين سوا والكل قاعدين على السفرة منتظرينهم على الفطار. جاد: "صباح الخير يا حج."
محمدي بجدية: "صباح النور. اقعد يا ولدي علشان نفطر." جاد قعد جنب ملاك وجنا، اللي كانت مش طايفه نفسها لكن مضطرة تستحمل. سما لملاك بحب: "انتي كويسة دلوقتي؟ ملاك: "آه الحمد لله بخير، بس كانت أول مرة أتعرض لموقف ضرب نار ده وخفت." سما بهمس وخبث: "طول ما أنتي مع جاد المحمدي متخافيش، هو مستحيل يخلي حاجة وحشة تصيبك." ملاك متكلمتش وهي بتبص له.
في قاعة كبيرة موجودة في الثريا مخصصة لقعدات الصلح وحل المشاكل، جاد دخل القاعة ووراه رجب الغفير. قعد على مقعده بهيبة وشاور لرجب بجدية: "رجب، دخل الناس اللي واقفة بره." رجب بإحترام: "وأمرك يا كبير." دخل رجلين، واحد باين عليه الهيبة والغرور، كبير في السن، والتاني بسيط جداً، شاب. جاد رحب بيهم وهم قعدوا قدامه: "إيه المشكلة يا أحمد؟ الشاب بغضب:
"الحكاية عنده هو يا عمدة، أخوي الكبير عايز يحرمني أنا وأخواتي البنات من ورث أبوي. يرضيك كده؟ عايز يخالف شرع ربنا علشان عادات وتقاليد عفى عليها الزمن." جاد بص للحج يونس اللي قعد وباين إنه مش راضي عن القعدة دي، وعارف رأي جاد المحمدي وإنه أكيد مش هيرضي باللي بيحصل. جاد بحدة ووقار: "إيه رأيك في الكلام ده يا يونس؟ أنت فعلاً تريد تحرم أخواتك البنات من ورثهم، وكمان هتحرم أخوك معاهم؟ يونس بحدة وسخرية:
"دي عادتنا يا عمدة، وعادات العيلة كلها ماشيين عليها من زمن الزمن. الحريم مالهمش ورث عندنا." جاد حس بالغضب وإن الحج يونس بيقلل من شأنه، وكمان مش مكسوف من اللي بيقوله. لكن اتكلم بهدوء وحكمة لا تخلو من القوة: "معاك حق من عوايدنا إننا نخالف شرع ربنا. بس أنا عايز أفهم منك، أنت رافض تدي أخوك ورثه ليه، ما دام مش من صنف الحريم إياك؟ يونس بسرعة ونفي:
"لا، بس أنا عرضت عليه نقسم ورث أبوي علينا، احنا الاتنين بس. هو رفض وصمم قبل ما ياخد جرش واحد يعطي لأخواتي البنات حقهم. وأنا قلت له إني هعطيهم مبلغ بسيط كده من الورث." جاد بسخط وغضب: "هتعطيهم صدقة إياك، ولا وفيك الخير. كمل يا حج يونس، ساكت ليه؟ ولا أكمل أنا عنك؟ في قرارك تشيل لحالك، وتمن الفلوس اللي هتورثها من أبوك، طب لم تقابل ربنا هتقول له إيه؟
والغريبة إن علامة الصلاة على جبهتك، يعني عارف ربنا. وأكيد جه وقت عليك وقرأت القرآن ووقفت عند سورة معينة بتقول (بسم الله الرحمن الرحيم... يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) . صدق الله العظيم. في نفس الآية ربك قال... بسم الله الرحمن الرحيم (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها)
. صدق الله العظيم. وطبعاً اللي هيخالف حدود الله هينال عكس اللي ربنا ذكره. ها، إيه رأيك يا حج يونس؟ الحج يونس بهدوء: "بس دي عادتنا ومش لازم نغيرها." جاد بثبات:
"عادات غلط لا الشرع حللها ولا ربنا ورسوله وصى بيها. بالعكس، ربنا أكد إن الست ليها حق تورث مع الراجل، والراجل ربنا كرمه لما أعطاه مثل حظ الاثنين. وبعدين بلاش مماطلة في الحديث، أنت عارف إنك لو منعت أخواتك البنات وأخوك من الورث هتكون بتشيل ذنب أنت مش قده، وراح يفضل متعلق في رقبتك لحد يوم الدين. وأنا مش بغصبك، يا حج، أنت أكبر مني وفاهم دينك إيه." يونس بهدوء:
"أنا محتاج أعيد كلامك في دماغي يا كبير، وإن شاء الله هعمل اللي ربنا يقدرني عليه." أحمد: "الله يرضى عليك يا خوي، صلي استخارة وتقرب من ربنا، وأكيد هيلهمك باللي يرضى لينا وليك." يونس: "الله المستعان. بعد إذنك يا جاد بيه." مشوا وهو بيفكر في حاجة. رجب بهدوء: "ليه كلمته بالحسنى يا كبير؟ كان بإمكانك تجبره إنه يتنازل لأخواته عن ورثهم." جاد:
"في حاجات ما تمشيش بالقوة يا رجب، لازم تيجي عن اقتناع. ويونس راجل كبير وعارف دينه كويس، لكن ساعات العادات اللي تربينا عليها بتجبرنا نعملها بدون ما نفكر حرام ولا حلال." ملاك كانت واقفة بعيد وهي بتتفرج على المشهد كله، واستغربت إن واحد زيه يعرف في الدين حاجة أصلاً. كانت مستخبية وراء الستاير. متنكرش إنها حست بهيبته وهو بيتكلم، وابتسمت غصب عنها. لكن شهقت بفزع أول ما سما ضربتها على كتفها. سما: "بتعملي إيه هنا؟ ملاك:
"وطي صوتك، هيسمعنا." سما: "آه ماشي، بس قوليلي بتعملي إيه؟ ملاك: "مفيش، كنت بتمشي في الدوار وشوفته داخل المكان ده، وفضولي أخدني أعرف بيعمل إيه، مش أكتر. جيت لحد هنا وسمعته." سما: "الكل بيهابه صح؟ ملاك بتوتر من طريقتها: "باين كده." سما: "على فكرة هو طيب أوي ويعرف ربنا، بس ساعات بيعمل حاجات لما بيتعصب أو بيغضب تخليكي كارهة اليوم اللي عرفتيه فيه. بس هو طيب أوي." ملاك: "ما هو باين." سما:
"أنا هروح لماما فاطمة، وأنتي شوفي بتعملي إيه، بس خلي بالك على نفسك." ملاك هزت راسها بالإيجاب، وكل واحدة مشيت في طريقها. بعد لحظات في المطبخ، ملاك كانت داخلة لكن سمعت صوت الشغالة بتتكلم مع صاحبتها بالهمس: "شفتي اللي حصل يا بت يا نوارة؟ بقا على آخر الزمن دا كله يطلع من العمدة." نوارة: "حصل إيه يا بت؟ مش فاهمة." هند بشهقة: "مش فاهمة إيه يا بت؟
ده الموضوع واضح زي عين الشمس. حضرة العمدة راح جاب واحدة وعايشة معاه في نفس البيت وفي نفس الأوضة من غير لا خش ولا حياء." نوارة: "استغفر الله العظيم، انتي اتجننتي يا بت؟ انتي دي مراته. وبعدين، وطي حسك، ده لو سمعك هيقطع خبرك من الدنيا كلها." هند بسخرية: "مراته؟
ده حتى مشفناش قسيمة جواز ولا اتكتب كتابهم قدامنا ولا شوفنالها لا أهل ولا عيلة. دي شكلها أكدة عيلة من الشارع جايبها عشان ينفذ اللي الحج المحمدي قال عليه وبس. إنما مفيش جواز ولا نيلة." نوارة:
"يا سنتك الزفت، اقفلي خشمك. انتي عارفة الحج قال محدش يتكلم في الموضوع ده. بس أقولك حاجة، أنا سمعت الناس في السوق بيقول إن العمدة، ولا العياذ بالله، مش متجوزها، وكل الموضوع عشان يخلف منها، حكم إن جنا هانم ما خلفتش حتى بعد جوازهم بتلات سنين وأكتر." هند: "اتأكدتي؟
شفتي أنا عندي حق. البت دي شكلها كده جايبها يخلف منها وبعد كده يرميها في الشارع ويديها قرشين. أصل لو كان فعلاً متجوزها كان زمانه قال للبلد كلها زي ما عمل لما اتجوز ست جنا." نوارة: "علشان كده ست جنا عصره على نفسها لمونة و متقبلة البت دي لحد ما يخلف منها، وبعد كده تاخد العيل تكتبه باسمها." هند: "الدنيا دي غريبة والله. يلا، شهلي خلينا نحضر الغداء."
ملاك كانت بتسمع الكلام وهي مش فاهمة قصدهم، وبتحاول تستوعب اللي بيحصل، وإن وجودها مجرد اتفاق عشان يخلف منها وبعد كده يرميها في الشارع. طلعت أوضتها بسرعة، وغصب عنها دموعها نزلت وحاسة بمرارة وقهر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!