جدّي… نطقها جاسر بصدمة أوقفت جميع حواسه. انتبه سليم للجملة، وكان القدر حليفًا له، فاهتز من موضعه، مما أدى إلى انحراف الرصاصة عن هدفها. أمسك جاسر بالرجل ولحقه خلف المنزل. نظر لكمّ الرجال المحيطين بالڤيلا بعنف. "وأنتم يا شُوية بهايم، كنتوا فين؟ لم يجبه أحد، وطأطأوا رؤوسهم. بينما عنّفهم جاسر قائلاً: "خدوا الزبالة ده المخزن، وحسابي معاكم مخلصش."
حال من الصمت أو الاستيعاب، يجلس الجميع يحمدون ربهم أن جاسر لمحه وناداه، فاهتز سليم وأخطأت الرصاصة هدفها ودخلت في اللاشيء. قطع ذلك الصمت المريب جاسر قائلاً بخشونة: "هنعّمل إيه في الواد ده؟ سليم بهدوء حاد: "هو لسه متكلمش." أومأ فارس بالنفي قائلاً: "الرجالة مربطينه في المخزن ومش راضي يتكلم." سليم بنظرات ذات معنى: "اممم، طيب يتربّى شوية، وبعدين أبقى أشوفه أنا."
نهض قائماً بعصاه وهيئته الصارمة المعتادة، كان يغتلس النظرات لكارما وكين، كأنهم محور شك له. صعد غرفته ليهدأ، فاليوم كانت حياته ستنتهي. هو ليس خائفاً على نفسه، بل على أحفاده. حور، تلك الطفلة البريئة، تحملت الكثير، ولكل إنسان طاقة، ويالَ الخوف إذا نفذت طاقتها. تنهد بعمق وحزن دفين. إذا وقع هو، ستهدم ما بناه هي كل هذه السنوات، بثوانٍ.
بعد مرور يوم هادئ نوعاً ما، لهم دخلت الفتيات يضحكن. نظر لها وحمد ربه على تلك النعمة، رغم صغر سنها إلا أنها قوية جداً. تقدمت ناحيتهم ناهد قائلة بابتسامة: "خلصتوا الحاجات ولا إيه؟ حور بنفي: "خلصنا إيه يا ماما، لأ طبعاً، ده لسه الفساتين مجتش من عند الديزاينر، وكمان لسه الميك أب بتاعنا مخلصش." تركتهم ناهد وصعدت قائلة: "أما أطلع أصحّي البيّه اللي فوق ده." ليلة بصدمة: "هو لسه نايم؟ نهار أسود."
اصطدمت به ناهد على الدرج، وقال هو مبتسماً: "أنا صحيت يا ست الكل." جاسر بسخرية ممزوجة ببعض من المرح: "كنت هتموت لو منزلتش." فارس وقد وقف بجانبهم: "إنتي لسه مروحتش تدهني وشك... أقصد ميك أب يعني." حور بابتسامة: "لأ، إحنا لسه هانطلع نجهز علب الميك أب بتاعتنا، ودقايق البنت هتيجي ومعاها الفساتين، يلا يا بنتي نطلع." صعدا إلى الغرفة الخاصة بهم في بيت جدهم. بينما فارس نظر لصديقه باستغراب قائلاً: "إنت رايح فين يا بني؟ جاسر:
"فاضل على افتتاح مدينة الهواري أسبوعين، لازم أكون متابع." ثم أكمل متسائلاً: "صحيح، هو بابا عمل إيه مع الشركة الألمانية؟ فارس بتذكر: "اتفقوا على شرط جزائي اتنين مليون ونص." جاسر: "تمام. جدي حدد ميعاد للفرح ولا لسه؟ فارس بابتسامة هادئة: "آه حدد. بعد أسبوع من كتب الكتاب، بيقول الشقة هو كان مجهزها لليلة من زمان، وليلة طلعت شافتها انبهرت بيها، وفعلاً ذوق جدك رائع." جاسر بضحك:
"جدي ده مبيفوتش حاجة أبداً. صحيح، سليم الهواري." فارس ضاحكاً هو الآخر: "رغم سنه، إلا إنه محاوط العيلة. لو كان لا قدر الله جراله حاجة، كانت العيلة شبه ضايعة." أومأ له جاسر وانصرف، عدم تكاثره لتذكره لتلك الذكرى المؤلمة بالنسبة له. يذهب ويعود بتوتر في منزله، لم يعرف نجح أم لا. لم يجبه أحد منذ أمس، أخذ يسب ويلعن به، حتى استوقفته قائلة بملل: "يوه، يا راجل اقعد بقى، خوّلتني." حامد بحدة: "خوّلتني إيه؟
الواد عواد متصلش من امبارح." أريانا بابتسامة خبيثة: "أكيد دلوقتي سليم بيتحاسب." حامد بسخرية: "لأ يا شيخة. فكرك لو كان جراله حاجة، كانت الصحافة والتليفزيون وكل وسائل الإعلام دلوقتي مقلوبة؟ ده سليم الهواري، كبير عيلة الهواري." أريانا بهدوء وقلق: "يعني ممكن يكون... ثم هبت واقفة: "يا نهار أسود، رحنا في داهية يا حامد." حامد بخبث دفين: "لأ، لسه مروحناش ولا حاجة." رن هاتفه، فأجاب مسرعاً: "الو يا مسعد." مسعد:
"الحقنا يا كبير، الواد عواد دخل الڤيلا مخرجش منها." حامد بحدة: "مخرجش إزاي؟ هو أنت مش متصل بيا وقايل إنك سمعت صوت رصاص في الڤيلا؟ مسعد بنفي: "أيوه، بس الرصاصة جت في الهوا، مجتش فيه." حامد بحدة: "أغبياء، مشغّل معايا شوية عيال هفأ." ثم أكمل بمكر عندما وجدها دخلت غرفتها حانقة منه ومن تصرفاته مثل المراهقين. أخذ حامد يبث سمه في أذن رجله مسعد، وأكد عليه أن يتواصل مع عواد بأي طريقة. صوت مزيكا صاخبة بالڤيلا. ضحكات عالية.
شباب وفتيات يرقصون على أنغام الموسيقى. الخطبة مليئة برجال الأعمال، الصحفيين. أخذ كلاً من سليم ومراد ويوسف يرحبون بالضيوف أشد الترحيب. حتى ظهر عريس الليلة ومعه صديقه ذو الوجه الوسيم، خاطف أنفاس الفتيات كما يُلقب. رحب جاسر وفارس بالمدعوين بالخطبة وعقد القران. بعد وقت ليس بقليل، طلت بهيئتها الخجولة، مظهرها البريء. نزلت بجانبها صديقتها وابنة عمها الوحيدة. جلست بجواره، وصوت زغاريط أمها فرحة بها. أخيراً اطمأنت على الاثنان
(جاسر وليلة) أمر سليم، تم تلبيس دبل الخطبة وسط فرح الجميع بها وفرحتها هي به، حبيب عمرها. صفق جميع المدعوين، وجاء المأذون لعقد القران. جلس فارس ومراد، وبالمُنتصف الشيخ الذي يعقد القران. بعد كثير من الإمضائات، أمضت العروسة. وضع المأذون المنديل على يدي فارس ومراد، قالا الجمل الشهيرة بذلك اليوم، وانتهت بقول المأذون: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." صوت زغاريط وتصفيق وفرحة.
سلم مراد على فارس، وأيضاً على جاسر. بينما العروسة، فرحتها لا توصف. احتضنتها أمها وبكت قائلة: "ألف مبروك يا حبيبتي، عقبال الفرح." حور بفرحة: "مبروك يا لولو." تقدم منها مقبلاً جبهتها، واحتضنها، محاوطة هي رقبته وشددت من احتوائه لخصرها النحيف. نظرت لهم بفرحة. شعرت بأحد يقبض على يديها، آخذاً إياها في زاوية محكمة، وقال لها بخبث: "من أول اليوم متلمتيش عليكِ ساعة واحدة." حور بتوتر: "إنت إيه اللي إنت عملته ده؟ ها؟ ينفع كده؟
جاسر بمكر: "لأ ينفع، ده ينفع وينفع وينفع كمان." كانت ستوبخه، ولكن كان أسرع منها وقبض على شفتيها بشفتيه الغليظة، ولكنه هادئة بنفس الوقت. التهمها بجوع قاتل، كأنه يقبلها لأول مرة. ابتعد يستعيد أنفاسه المسلوبة منه. نظرت له بتوهان، وقالت: "بحبك." جاسر بابتسامة مشرقة وصوت هامس: "وأنا بعشقك، وبعشق اليوم اللي دخلتي حياتي فيه." انتبهت لموضعهم، وقالت بخجل ممزوج بدلال: "جاسوري أوي، بقا حد يشوفنا." جاسر بحرارة:
"آه، أصل الجو هنا حر أوي، والشيطان شاطر، شاطر أوي." انسحبت من بين حصون يديه القوية ونظراته مليئة بالخبث له. ضحك عليها وخرج خلفها حتى يأخذ بعض أنفاسه التي تسلبها منه تلك الطفلة، وتحدث بسخرية: "حته عيلة تعمل فيك كده يا بن الهواري."
تجلس وحيدة كعادتها، منذ أن تركها. هي لا تعلم لما هي ضائعة كذلك في كل هذه بحور فساد. لم تكن يوماً هكذا، لم تنكر أنها كانت متكبرة، إلا أنها كانت تشبه والدها كثيراً في طيبة قلبه، عكس كين نهائياً. هو يأخذ جميع صفات أمه. لم تعرف كلام من الصادق وكلام من الكاذب، لكن هيهات، لم تكذب أمها وتصدق عائلة أبيها؟ "سرحانة ليه؟ كارما بهدوء: "مفيش، بس رامي بقاله كتير مكلمنيش." كين بحدة: "تاني رامي تاني يا كارما!
هو إنت إيه، مبتهيشيش خالص؟ كارما بدموع: "بحبه يا كين، بحبه." كين بحدة: "حب إيه وزفت إيه؟ إحنا جايين ننتقم يا كارما، سامعة؟ جايين ننتقم." تركها تمسح دموعها لتفيق وتعود لوعيها مرة أخرى. هكذا كين، كلما رآها تحن وتهدأ، يولعها أكثر. وها هو نجح، وأخذت روح الانتقام تشتعل داخلها. خرج من المرحاض كالعادة، نصفه العلوي عارٍ. جلس بجوارها على الفراش قائلاً بحب: "مالك يا روحي؟ حور بجهل:
"مش عارفة يا جاسر، بقالي كام يوم مش مظبوطة وبدوخ كتير." جاسر بابتسامة هادئة: "حبيبتي، ادخلي اغسلي وشك كده وفوقي، هتبقي كويسة." أومأت له ودخلت المرحاض كما قال، ولكن بيدها شيء تخفيه. تدعو الله بداخلها أن لا يكون صح ما تعتقده. مكان رائع لا يوصف، له جمال. مخصص لها اليوم، كل شيء تحت أمرها. هي نظرت له بفرحة ممزوجة بدموع لامعة، وضمته إليها قائلة بفرحة: "ربنا يخليك ليا." نظر لها وأجلسها على الكرسي: "ويخليكي ليا." جلس
بجانبها وقال بتساؤل مرح: "ها، إيه رأيك في المكان؟ ليلة بفرحة: "جميل... أوي." يتفحص ملامحها بهدوء، وصوبت نظراته ناحية شفتيها الملونة بأحمر شفاه يعطيها شكل جذاب أكثر. صبر كثيراً وكثيراً، لن يصبر المرة هذه. واقترب، مُكتسحاً شفتيها في قبلة جعلتها تشعر بدوار من فرط المشاعر. تمسكت به جامد، بادلته بجهل، ولكن مهلاً، سيعلمها كل شيء. ابتعد عنها مجبراً، وقال بصوت مبحوح: "بس مش أجمل منك."
ابتسمت، وجاء صوت النادل بإحراج. اعتدل في جلسته وطلب العشاء. ها هي أول مرة تجلس معه، زوجته وحلاله. دخل حامد مكتبه يتحدث بالهاتف قائلاً: "يعني هديتها ولا لأ؟ "................. حامد بهدوء: "ماشي، بس أهم حاجة تنساه خالص." "................. حامد بخبث: "طيب كويس، هبعت حد من رجالتي يدخله، وانت تسهل الحكاية دي." "................. حامد: "تمام."
أغلق حامد هاتفه وهو يعلن الحرب على سليم الهواري بسبب الطمع. ابتسم بداخله بانتصار على أفعال أخرى. خرجت من المرحاض وبيدها شيء تخفيه. نظر لها بشك، اقترب منها قائلاً بتوجس: "مالك يا حور؟ حور بجمود ظاهري: "أنا حامل يا جاسر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!