كانت هبه تجلس بغرفتها تشعر بحزن شديد. من يوم أن أعلنت لأكرم موافقتها، وهو لا يعيرها أي انتباه، حتى أنه لا يتصل للاطمئنان عليها. واليوم هو أول يوم بالجامعة، ولم يقم حتى بالاتصال بها ليخبرها كأي خطيب أنه سوف يوصلها إلى الجامعة. فماذا تفعل؟ تعلم أن يحيى خصص لها سيارة بسائق خاص، ولكنها تريد اهتمام أكرم. تشعر دائمًا وكأن بينه وبينها أميال كبيرة. ماذا تفعل؟
لابد أن تهدم ذلك الحاجز بينهم وتتقرب هي منه وتجعله لا يستطيع الاستغناء عنها. لذلك قررت الاتصال به. نظرت إلى الساعة وجدتها تشير إلى السابعة صباحًا، وبالتأكيد أنه استيقظ حتى يذهب إلى عمله. أمسكت هبه بهاتفها وطلبت رقم أكرم وقلبها يخفق بقوة وتشعر بتوتر رهيب بداخلها، حتى سمعت صوته. "أكرم ... السلام عليكم" "هبه بصوت هامس ... وعليكم السلام" "أكرم ... ازيك يا هبه عامله ايه" "هبه ... انا كويسه، انت عامل ايه" "أكرم ...
الحمد لله" "هبه ... يارب دايما" وصمتت قليلاً، ولكن أكرم قطع هذا الصمت بعجرفة. "أكرم ... خير، كنتي متصلة عاوزه حاجة" شعرت حينها بالصدمة من طريقة كلامه الجافة معها وعجرفته في الكلام. "هبه ... ها" "أكرم ... بقولك في حاجة" "هبه بتوتر ودموع تلمع في عيونها ... لا، بس أنا راحة الجامعة انهارده وكنت حباك تعرف" "أكرم ... اه، بالتوفيق إن شاء الله" "هبه بصوت مخنوق ... شكرا" "أكرم ... في حاجة تاني" "هبه بعصبية ... أيوه" "أكرم ...
ايه هي" "هبه وقد استجمعت كل قوتها ... انت خطبتني ليه" "أكرم ... تاني" "هبه بغضب ... انت ليه بارد كده؟ بتعاملني كأني بتطفل عليك، حتى مبتتصلش تطمن عليا، مبتحاولش تتقرب مني، مبتحاولش إني أفهمك ولا أعرف عنك حاجة. أنا كل اللي أعرفه إنك صاحب يحيى وبس، واسمك أكرم" "أكرم ... بعد كتب الكتاب هتعرفي كل حاجة، وخلاص كلها أسبوع" "هبه بغضب وقد فقدت كل تحكمها بنفسها ... مش هيحصل" "أكرم بتساؤل ... هو إيه اللي مش هيحصل" "هبه ...
الخطوبة ولا كتب الكتاب، أنا خلاص رجعت في كلامي ومش موافقة عليك" "أكرم بصوت صارخ غاضب ... هو لعب عيال، شوية موافقة وشوية لأ، فوقي أنا مش لعبة في إيديك، وكل حاجة هتم في ميعادها" "هبه بغضب أكثر ... لأ، واول ما أرجع من الجامعة هبلغ بابا ويحيى إني مش عاوزة أتجوزك، وبكده أكون ريحتك وارتحتك" "أكرم ... على جثتي" "هبه ... سلام" "أكرم ... استنى لسه"
ولكنها أغلقت الخط ولم تستمع إلى باقي كلامه. بالفعل كانت غلطتها أنها قامت بالموافقة عليه. مرت نصف ساعة أخرى، بعدها قامت هبه بارتداء ملابسها ونزلت سلالم المنزل وخرجت إلى الحديقة حيث السائق ينتظرها. وكانت المفاجأة أن من ينتظرها لم يكن سوى أكرم، وكانت ملامحه لا تنذر بالخير أبدًا. "أكرم وهو يقترب منها وقال بهدوء ... صباح الخير" "هبه بهدوء ... صباح الخير" "أكرم ... اركبي، أنا اللي هوصلك" "هبه برفض ...
لا، أنا هروح مع السواق شكرا" "أكرم وهو يحاول التحكم في نفسه ... اركبي يا هبه، أنا مشيت السواق وكلمت يحيى، قولتله كمان اتفضلي اركبي، بلاش شغل عيال" تاففت هبه وتوجهت إلى سيارة وركبت في المقعد بجانب مقعد السائق. بعدها ركب أكرم إلى جانبها. كانت هبه تنظر إلى الخارج ولا تعيره أدنى اهتمام. لم تفق من شرودها إلا حين توقفت السيارة في منطقة هادئة. "هبه بتوتر ... انت وقفت ليه هنا" "أكرم ... عاوز أتكلم معاكي" "هبه ...
الكلام بينا انتهى، أنا عاوزة أروح الجامعة، هتاخر كده" "أكرم ... أولًا الكلام مخلصش، مش انتي اللي تقرري لوحدك، ثانيًا انهارده أول يوم دراسة يعني مفيش محاضرات أصلا، آخرك هتلفي مع زمايلك وتجيبي الجدول" "هبه ... انت مالك، أنا عاوزة أروح" لم يستطع أكرم التحمل أكثر من ذلك والتفت لها وأمسك معصمها بقوة. ألمتها وتحدث وهو يكز على أسنانه بغضب. "أكرم ... قسما بالله إن ما لميتي نفسك لهعرفك إزاي تتكلم كويس، إيه، أنا مش مالي عينك؟
تقفلي في وشي وكلام مالوش لازمة، ودلوقتي انتي مالك؟ انتي ناسيه إني خطيبك؟ "هبه بعناد وصوت مخنوق على وشك البكاء ... لا مش خطيبي" "أكرم بغضب ... اخرسي، وإياك تقولي كده تاني، انتي فاهمة"
شعرت هبه بالرعب منه، فأشارت برأسها دليل الموافقة ونزلت دموعها بقوة دون أي صوت، وكانت تنظر له بخوف. حينها شعر أكرم بألم في قلبه وخنقة غريبة وهو يرى دموعها هكذا. فترك يديها ومرر يديه بشعره وهو ينفث بغضب، ونظر لها وجدها مازالت تبكي. لم يكن يريد معاملتها هكذا، ولكن هناك حدود لعنادها، وإن لم يسيطر عليها الآن لن يستطيع أن يقود علاقتهم بعد ذلك، ولا بد أن تعلم أنه هناك حدود لطريقة الحديث معه، وأيضًا عندما أغلقت الخط في وجهه شعر وكأنها صفعته على وجهه، لم يجرؤ أحد أن يفعلها معه قبل ذلك.
"أكرم تحدث بهدوء ... أنا آسف، بس انتي عصبتيني جدًا، خرجتيني عن شعوري يا هبه، خلاص بطلي عياط" "هبه ببكاء ... انت السبب" "أكرم ... أنا؟ ليه" "هبه ... حاسة كأني مش خطيبتك، حتى لما كلمتك حسستني إني بتطفل عليك" وانفجرت في البكاء. "أكرم ...
أرجوكي بلاش عياط، وأنا والله عندي ظروف شغلاني جدًا، وكمان أنا مش بكلمك دلوقتي عشان محسش إن فيه حاجز بيني وبينك، حابب نتكلم ونتعرف بعد كتب الكتاب عشان نبقى على حريتنا، ساعتها هتعامل على إنك مراتي، هتعامل براحة، مش هحس إني لازم آخد بالي من كل كلمة معاكي وأبقى خايف تزعلي، كل ده هو اللي عاوزك تفهميه وتقدريه" "هبه ... ليه مقولتيش كده من الأول" "أكرم ...
خلاص يا ستي، أنا آسف، واستحملي، كلها أسبوع وأهريكِ مكلمات وتحكمات، وأبقى سي السيد وأنتي أمينة" ابتسمت هبه على حديثه ومسحت دموعها بكف يدها. "أكرم بجدية ... مش عاوز أشوفك بتعيطي تاني لأي سبب، عاوزك قوية" "هبه ... هحاول، بس أنا مبعرفش أتحكم في دموعي" "أكرم بابتسامة ... طفلة، يا ترى لما أحب أصالَحك أجيب لك شوكولاتة" "هبه ببراءة ... لا، هاتلي شيبسي وآيس كريم" "أكرم بضحكة مجلجلة ... طفلة بجد" "هبه ...
طيب ممكن توديني الجامعة بقى" "أكرم ... طبعًا يا حضرة الطفلة" "هبه بعصبية ... أكرم" "أكرم بابتسامة ... خلاص خلاص، لتعيطي تاني" فابتسمت هبه بخجل وانطلقوا إلى الجامعة وسط فرحة هبه الكبيرة من كلام أكرم وخوفه عليها. *** أمام فيلا منى، وقفت عائشة على باب الفيلا وأخبرت الحارس بكذب أنها خادمة جديدة، فسمح لها بالدخول. دخلت عائشة الفيلا بعد طرق الباب ووقفت أمامها الخادمة. "الخادمة ... حضرتك مين وعاوزه إيه" "عائشة ...
عاوزة منى هانم وسعيد بيه" "الخادمة بدهشة ... سعيد بيه ده اتوفى من زمان" "عائشة بصدمة ... مات... وقالت لنفسها، مات قبل ما انتقم منه" "عائشة ... ومنى هانم" "الخادمة ... في الصالون" "عائشة ... طيب قولي لها إني عاوزة أقابلها" "الخادمة ... أقولها مين" "عائشة ... معرفة قديمة"
نظرت لها الخادمة بدهشة ودخلت إحدى الغرف دقائق وخرجت تسمح لها بالدخول. دخلت عائشة الغرفة وجدت منى تمسك بفنجان قهوة وتنظر في إحدى الصحف، وحينها رفعت نظرها اتصدمت بقوة حتى أن فنجان القهوة وقع من يديها. "منى بصدمة ... عائشة" "عائشة ... ابني فين يا منى؟ فين جاسر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!