أمام فيلا سهر كان جاسر يقف أمام الفيلا يوميًا منذ يوم المطعم. كل يوم من السابعة صباحًا حتى التاسعة، بعدها يذهب إلى عمله ويرجع ثانية. يقف أمام الفيلا من الخامسة حتى العاشرة لعله يراها ولو صدفة لتشفي شوقه إليها. يشعر ولأول مرة بالمرض من شدة شوقه لرؤيتها.
مر أكثر من أسبوع لم يرها به نهائيًا. يشعر وكأنها أخذت جزءًا منه معها. يشعر بالشوق لرؤية غضبها وتهورها، يعشق جرأتها. يتمنى رؤيتها حتى ولو صفعته ألف صفعة على وجهه ثانية، يريد أن يقبلها ليرتشف من شفتيها العسل مرة ثانية. آه من هذا الألم، هل هذا هو الحب؟ نعم، فهو ولأول مرة يشعر هكذا. ولكن الحب مؤلم.
لم يشعر هكذا أبدًا حين كان يعتقد أنه يحب عشق. فسهر شخص آخر أبهرته بقوة شخصيتها، سخريتها منه، تحديها له. وأهم شيء جرأتها. ولكنها صعب الوصول إليها وبقوة، فهي تكرهه وتحتقره إلى حد كبير، بل تكره صنف الرجال جميعًا. جاسر لنفسه بسخرية: "جاسر...
يعني يا على يا جاسر، حظك دائمًا في الأرض يا ابني. يوم ما تحب تحب واحدة مش بتطيقك، لا وعاوزة تضربك بالشبشب زي التصاوير. آه يا عيني على الرجالة لما يوقعها الحب. ما كانش يومك يا جاسر. أهيء أهيء." نظر جاسر تجاه حجرتها، وجدها تفتح الشباك ولكن لم يستطع رؤيتها بوضوح. شعر بالغضب، فهي حتى لم تخرج خارج الفيلا حتى للذهاب إلى المرسم الخاص بها بجانب الفيلا نهائيًا. ولكن بالله، هل ما يراه حقيقي؟
هل هي أمامه وتتوجه تجاه المرسم الخاص بها وتفتحه وتدخل دون أن تغلق الباب؟ شعر جاسر بالفرحة بداخله. وبسرعة فتح باب السيارة ونزل مسرعًا إلى داخل الفيلا بعد أن حيّا الحارس. وتوجه إلى المرسم. فتح الباب ببطء ودخل بهدوء شديد وأغلقه، ولكن أصدر صوتًا بسيطًا جعلها تلتفت له. نظرت له بصدمة. بينما كان جاسر ينظر لها بحب ويلتهم تفاصيلها. لقد ألمه الشوق إليها، يتمنى لو يستطيع أن يأخذها بحضنه، ولكنه يخاف من ردة فعلها.
كانت سهر بوجه خالٍ من المكياج، ترفع شعرها على هيئة ذيل حصان وترتدي فستانًا منزليًا باللون الأسود بنصف كم يصل إلى ما بعد الركبة مع حذاء أسود مناسب. ولكنه لاحظ أنها فقدت الكثير من وزنها وهناك علامات سوداء تحيط عيونها ووجهها أصفر شاحب. ولكن رغم ذلك، كانت رائعة الجمال. سهر بعصبية: "جاي هنا ليه؟ جاسر بحب وهو يقترب منها خطوة: "وحشتيني." سهر بسخرية: "وبعدين؟ جاسر: "مش قادر أعيش من غيرك." سهر:
"أوه، واضح إنك بتسمع أفلام عربي كتير. بالسرعة دي حبيبتي؟ لا بجد، وكمان شوية عاوز تتجوزني؟ جاسر: "أيوه، بحبك وعاوز أتوزجك." سهر بغضب: "انت أكتر شخص حقير وكذاب شفته في حياتي." جاسر بعصبية خفيفة:
"أنا مش كذاب يا سهر. أنا عارف إني كنت إنسان حقير، لا يُطاق. منكرش إني عملت حاجات كتير غلط، بس والله العظيم لأول مرة أحس إني صادق في حياتي. لأول مرة أنسى كل كرهي وحقدي على الناس. عارفة قبل ما أعرفك كنت ناوي أنتقم من هبة أخت يحيى." سهر بدهشة: "هبة؟ جاسر بسخرية:
"هههههههههههه، تخيلي بقى. كانت هبة دي موظفة عندي وكانت بصراحة بنت مستفزة. ضايقتني كتير وأنا مبحبش حد يضايقني. المهم إني حطيتها في دماغي لدرجة إني روحت لها بيتها وخوفتها. وبصراحة البنت كانت هتموت فيها. بس إيه، خدت حقي تالت ومتلت." سهر بتساؤل: "إزاي؟ جاسر: "هههههههههههه. فاكرة أول ما جيتي ولقيتيني مدشدش؟ سهر بدهشة: "أوعى تقول لي إنها هي اللي ضربتك كده؟ مستحيل." جاسر بغضب مصطنع: "إيه ده؟ مش للدرجة دي إن بنت تكسرني؟
ههههههههههه. لا، هي الصراحة عملت معايا الدنيئة. لمّت الناس جيرانها وكالوني علقة موت. كنت حاسس إني زي الكورة، كل واحد يشوطني شوية، فرموني ورموني في الشارع. والإسعاف جت خدتني وفضلت في غيبوبة كام يوم. وبعدها قررت أنتقم منها. بس... سهر بتساؤل: "بس إيه؟ جاسر بجدية وصدق:
"جيتي أنتِ. تعرفي إنك نسيتيني كل حاجة. كان كل اللي في دماغي إزاي أوصل لكِ وأخليكي تحبيني، وبعدها أكسب الرهان وبعدها أسخر منك. لكن حصل العكس. يوم ما الواد الحيوان ده سلم عليكِ وباسك، حسيت بنار." سهر بعصبية: "وضربته من غير تفاهم." جاسر: "أنا لو عليا كنت عاوز أديله لقب المرحوم." سهر: "انت مش طبيعي." جاسر: "أنا فعلاً مش طبيعي عشان بحبك. مش عاوز حد يقرب منك." سهر: "كفاية كذب يا جاسر، أنت عمرك ما حبيت غير عشق وبس."
جاسر بدهشة: "مين قال لك كده؟ سهر بغضب: "والدتك كلمتني أول امبارح في الموبايل وقالت لي إنك بتتسلى بيا وبتمثل عليا الحب، وإنك مش بتحب غير عشق ومستني لما تتطلق من يحيى عشان تتجوزها. وياريت أفهم إني لازم أبعد عنك وده لمصلحتي. شكل مامتك فاكرة إني بجري وراك، ويعني بحبك. وطبعًا أنت اللي فهمتها كده. بس أنا أحب أفوقك وأقول لك إني مبحبكش." جاسر بحزن من والدته وحزن من حبيبته التي لا تثق به، ولكن لديها كل الحق:
"أنا فعلاً منكرش إني كنت متعلق بعشق، كنت دايما فاكر إن عشق ملكي. من كلام ماما عشق هتتجوزك، عشق ليك. آمنت إن عشق ليا لحد ما اتصدمت. أول صدمة ليا إنها اتجوزت يحيى. دخلت مصحة نفسية." سهر: "إيه؟ جاسر:
"دخلت مصحة. امتنعت عن الكلام. لو قلت لك إني والله ما كان فارق معايا عشق قد ما حسيت إن أحلامي اتدمرت. كنت حاسس إني اتخطف مني حاجة كنت عاوزها. لكن قدرت أرجع تاني لحياتي. ورجعت ماما تعشمني تاني بعشق. كل حوار بينا كان عن عشق. مقدرتش إني لسه مخرجتش من حالتي النفسية. ولا حتى سمعت كلام الدكتور إني لازم أسافر وأبعد عن المحيط اللي عايش فيه. بس والله لما شفتك، كله اتغير. حبيتك. افتكرت كل حاجة بينا قبل ما تسافري. افتكرت عصبيتي عليكي عشان كلامك مع الولاد. افتكرت لما كنتي تيجي عندنا وأشد شعرك عشان أغيطك وإنتي تضربيني في بطني وتجري تطلعي لساني ليا."
"طيب فاكرة لما قلت إن هتجوز أربعة وإنتي هتكوني التالتة عشان تبقى التالتة ثابتة؟ هههههههه. وقتها قلت لي وأنتي حاطة رجل على رجل وأنا أصلاً ما برضاش بيك. كنتي دايما مغرورة وجريئة. أنا افتكرت كل حاجة وبقيت متأكد إني بحبك من زمان مش من دلوقتي. طيب أنتِ فاكرة عروستك اللي خدتها منك عشان أضايقك؟ سهر برفعة حاجب: "آه، توتي حبيبتي؟ وقلت إنك رميتها؟ جاسر:
"كذب. العروسة عندي في دولابي ومحتفظ بيها. كنت كل ما أشوفها أفتكر وشك وأضحك. ما كنتش عارف محتفظ بيها ليه، بس دلوقتي عرفت. عرفت إني سيبها عشان قلبي كان بيحبك قبل ما عقلي يدرك. أنا والله بحبك." سهر: "بس أنا مش بحبك يا جاسر." شعر جاسر بالحزن الشديد وكان أحدهم غرس خنجرًا في صدره. ولكنه تدارك نفسه واقترب منها ببطء وأمسك بيديها بين يديه. جاسر بهدوء:
"أنا عارف إني بفرض نفسي عليكي، بس أنا بحبك. والله حاسس إني هموت لو بعدت عنك. أنا مش هضغطك عليكي وأقول لك حبيني. أنا بس عاوز أقرب منك. عاوزك تعرفيني زي ما أنا من قريب. وأنا أوعدك إني أتغير وعمري ما هضايقك. ويمكن ربنا يستجيب لدعائي وتحبيني." سهر: "بس... جاسر برجاء: "أرجوكي، عشان خاطري، حاولي تديني فرصة." سهر بمشاكسة: "من غير قلة أدب؟ جاسر بابتسامة: "حرمت، أنا مش مستغني عن نفسي." سهر: "إذ كان كده، ماشي." جاسر:
"يا بركة دعاكي يا أمه." في الجامعة. كانت هبة تتجه للخروج من باب الجامعة حين سمعت أحدهم ينادي عليها. التفتت هبة لترى من ينادي اسمها، فوجدته معيدًا بالجامعة كان يدرس لها السنة الماضية واسمه طلال. ولكن يا ترى ماذا يريد منها؟ أخفضت هبة عيونها في الأرض بخجل ووجهها أحمر للغاية.
وقف طلال أمامها وتحدث بهدوء. طلال شاب في ٢٨ من العمر، من أسرة متوسطة الحال، يتميز بجاذبية رغم جماله المصري البسيط، ملامحه الجذابة وعيونه السمراء وشعره الأسود، بشرته الخميرة وتلك اللحية التي تميزه وتعطيه مظهرًا جديًا، وحواجبه الكثيفة وتلك الغمازتان التي تظهر حين يضحك، ويتميز بطوله وعريض المنكبين، ذو جسد رياضي فهو من أبطال الجامعة في كرة القدم. طلال: "إزيك يا آنسة هبه؟ هبه بخجل: "الحمد لله." طلال:
"أنا آسف إني وقفتك كده، بس كنت حابب آخد منك رقم والد حضرتك." هبه بفزع: "ليه؟ هو أنا عمته؟ والله ما عملت حاجة." طلال: "اهدئي، اهدئي، مفيش حاجة والله." هبه: "أما حضرتك عاوز رقم بابا ليه؟ طلال: "احم، بصراحة عاوز أخطب حضرتك." هبه: "ها، بس... طلال: "بس إيه؟ لم تستطع هبه الرد. طلال: "في إيه يا آنسة هبه؟ لم تلحق هبه أن ترد عليه لأنه خلفها صوت غاضب ساخر، وكان هذا الصوت هو صوت أكرم. أكرم:
"معلش، أصل الآنسة واضح مكسوفة تقول لك إنها مخطوبة وكتب كتابها بعد أسبوع."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!