أستيقظ غيث بفزع وخوف بعدما غفى على أرضية الغرفة. نهض لكى يعرف كم تبقى من الوقت لعودتها. يا الله ما زال الوقت مبكراً. لا لن أستطيع. غيث بخوف: أنا هروح لها واللى يحصل يحصل، قلبي مش هيطمن غير لما أشوفها قدامي. نزل غيث لأسفل، هذه المرة الأولى التى ينزل بدونها. وجد الجميع ولكنه لم ينظر لهم. توجه إلى الباب لكى يذهب إليها ولكن أوقفه صوت أباه. أحمد: أنت خارج كدة رايح فين؟
غيث: هشوف حور، حاسس أنها مش كويسة لازم أروح أطمن عليها. أحمد بتوتر: لأ مش هينفع، اصبر لما تيجي. غيث بصراخ: مش قااادر، افهموا بقى مش قادر، هموت من خوفي، هي فيها حاجة أنا اللي بحس بيها مش انتوا. عمركوا ما هتحسوا بيا، أنا جوايا نار مش هتهدى إلا لما أشوفها. لو حصلها حاجة مش هسامحكوا. شعر أحمد بالخوف والندم من كلام إبنه، وكان سيتحدث معه إلا أنه قاطعهم مجيء الشرطة للمنزل. الظابط: مين فيكم عز الرفاعي؟
عز الدين: أنا، خير حضرتك. الظابط: في عربية محروقة على الطريق العام وعرفنا إنك صاحبها. عز بصدمة: انت بتقول ايه؟ والسواق و... وحور؟ الظابط: للأسف العربية متفحمة وملهمش أثر، والواضح إنهم كانوا جواها. البقاء لله. وقع الخبر عليهم كالصاعقة، ما عدا أحمد الذي لم ينظر لأي أحد سوى ابنه. وفعل الجميع مثله وأصبحوا كلهم ناظرين لغيث ولهدوئه، فهو لم يتحرك ولم يبدي أي ردة فعل. اقتربت منه والدته بخوف على ابنها. ألفت: غيث. غيث: ....
ألفت: غيث حبيبي رد عليا، أنت كويس؟ غيث: أنا رايح لحور، زمانها دلوقتي مستنياني علشان آخدها. سارة بدموع: غيث اهدى يا حبيبي ده قضاء ربنا. غيث: هي دلوقتي هتخرج من الحضانة وأنا قولتلها تستناني، أنا همشي بقى علشان متزعلش مني. اقترب عز الدين منه وهو يمسك كدفيه ويحاول كبح دموعه. عز الدين: فوق بقى، بنقولك ماتت، ماتت خلاص.
غيث بصراخ هستيري ودموع: متقولش ماتت، كلكوا كدابين عايزين تبعدوها عني، هي كويسة ومستنياني وانتوا مش فاهمين حاجة. أنا... أنا... اااااااااه... ليييه، أنا عملت إيه ليكوا، أنا مطلبتش حاجة غير إنها تكون جنبي وحرمتونى منها ليييه. ألفت بدموع: اهدى يا غيث. غيث بصراخ أشد: متقوليش اهدى، اهدى إزاي وانتوا طلعتوا روحي بإيديكم، انتوا مش حاسين بيا، أنا هموت قلبي هيوقف، اااااااه يارب، هي لأ، هي لأ، خدني أنا وسيبها، هموت من غيرها.
بقى يصرخ وهو لا يستوعب ما يقولونه حتى وقع مغشياً عليه. أسرعوا إليه ليأخذوه على المشفى وأحمد يبكي بصمت. هو السبب بحالة إبنه، لم يستطع التحدث معهم. وقفوا جميعاً في انتظار الطبيب خارج الغرفة و دموعهم تأبى التوقف على صغيرة العائلة التي أحبوها جميعاً. قاطعهم خروج الطبيب المعالج. ألفت: ابني... ابني كويس صح؟ الدكتور: اهدى يا مدام، مكدبش عليكوا حالته حرجة جداً. أحمد بخوف: ليه، هو إيه اللي حصل؟
الدكتور: اتعرض لجلطة ولحقناه، ولو اتأخرتوا عن كدة مكنش عاش وخصوصاً إن سنه صغير على حاجة زي كدة وكمان الإنهيار العصبي. أيا كان السبب في حالته حاولوا إنه ينسى لأنه معرض يحصله كدة تاني وساعتها صعب نلحقه. ألفت بدموع: أنا عايزة أشوف ابني. الدكتور: صعب دلوقتي يا مدام. ألفت: لو سمحت هما خمس دقايق بس أطمن عليه. أحمد: لو سمحت يا دكتور هندخل نشوفه بس وهنخرج. الدكتور: تمام الممرضة تجهزكوا وادخلوا، عن إذنكوا.
دخلت ألفت وأحمد لغيث النائم بهدوء على سرير المشفى وحوله الأجهزة. اقتربوا منه ودموعهم تسبقهم. ألفت: قوم يا حبيبي... قوم ومتوجعش قلبي عليك، أنا مليش غيرك يا غيث، وانهارت في البكاء. أما أحمد فلم يتجرأ على الحديث. أحمد لنفسه: أنا السبب... أنا السبب في كل اللي حصل، لو جرالك حاجة مش هقدر أسامح نفسي، ومتأكد إنك لو عرفت اللي عملته مش هتسامحني. أنا آسف يا ابني مكنش عندي حل تاني.
خرجوا تاركين هذا الذي يصارع الواقع وينكر ما يدور حوله. بعد مرور أيام تحسنت حالته الصحية ولكنه لم يتقبل كلامهم وحالته النفسية تسوء، لذلك لم يجد الأطباء حل غير المهدئات لكي يسيطروا على حالته. مرت الأيام تليها الشهور وها قد مر على فقدها أربعة عشر سنة، ولكنه إلى الآن لم يتقبل فكرة موتها أو الأصح لم يصدق ولا يعرف لما قلبه يخبره أنها لم تمت.
تغير كثيراً في هذه السنوات، فهو لم يعد الطفل الصغير بل أصبح من أهم رجال المخابرات على مستوى البلاد، ولكن أخلاقه ومبادئه تغيرت، أصبح يكره عائلته فهو يحملهم مسؤولية بعدها عنهم. أما هم فقد ندموا، فهو أصبح هذا البارد بسببهم، يا ليتهم سمعوا منه. كان أحمد أشدهم ندماً، فهو لا يعجبه حال ابنه الذي أصبح يشرب ويدخن أكثر مما يتنفس لكي ينسى عدم وجودها بجانبه. ها هو سوف يبلغ الثلاثين من عمره ولكنه لم ينساها.
رجع غيث كعادته تفوح منه رائحة الخمر، وجدهم أمامه ما إن دخل القصر. يا الله كم يبغضهم. تجاهلهم لكي يصعد لغرفته ولكن أوقفه صوت جده الغاضب. عز الدين بغضب: استنى عندك، أنت هتفضل كدة لحد إمتى؟ مش معنى إننا ساكتين عليك تسوء فيها. اوعى تكون فاكرنا موافقين على اللي انت بتعمله. غيث بسكر: وأنت فاكر إني مهتم بيكوا عشان أهتم إنكم تكونوا راضيين عن تصرفاتي ولا لأ.
أحمد بصوت عالٍ: احترم نفسك واعرف أنت بتكلم مين، أنت مش شايف حالة أمك عاملة إزاي؟ دي قلبها بيتقطع عليك كل يوم وأنا مش عارف أعملها حاجة. فوق بقى انت كل حياتك بقت حرااام، فووووق بقى وحس بيها. غيث بصراخ أشد: وأنا مين يحس بيا؟ هااا، مييين؟ لما حرمتونى منها وأنا قولتلكوا لأ، قولتلكوا متبعدوهاش عني، ليييه، عملتلكوا إيه عشان تعملوا فيا كدة؟
اوعى تقولى إنكوا خايفين عليا لأننى عمرى ما هصدقوا ولا هسامحكوا، أنا عايش بالاسم بس، خدت روحي معاها، حرام عليكوا، أنا هموت من غيرها. صعد إلى غرفته وأطلق صراح دموعه التي حاول كتمها بصعوبة أمامهم، لا يريد أن يروا انهياره الذي هم السبب فيه. يمسك موضع قلبه ويناديها لعلها تسمعه وتأتي لكي تخمد نيران روحه التي تحرقه ببعدها. غفى مكانه على أرضية الغرفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!