في الصباح، استيقظ وهو يفتح عينيه بصعوبة بسبب الضوء. فتحها ونظر في أرجاء الغرفة حتى وقع نظره عليها، فانتفض من على السرير وهو يسرع إليها. كانت قد غفت ليلة أمس على الكرسي، وعندما نظر لها كانت ستسقط بسبب نومتها. فأسرع هو وأسندها على ذراعه. نظر إليها بحب، رغمًا عنه، وهو يتغزل في ملامحها. أنفها الصغير، شفتيها التي نظر لهما مطولًا، رموشها الكثيفة، خدودها الحمراء.
اقترب منها وهو غائب عن الواقع وقبّل جبينها وعينيها، ثم مال على خديها اللتين فتنته احمرارهما. كانت أنفاسه الساخنة تلفح وجهها، وما إن اقترب من شفتيها حتى وجدها تفتح عينيها. ولكن ما أدهشه أنها لم تتحرك، ولكنه شعر بارتجاف جسدها بين يديه. ثم تذكر أنها لا تستطيع النظر، لذلك لم تبدِ أي ردة فعل. ولكن ارتعاش جسدها كشف خوفها منه، مع أنها لم تتحدث. ظلوا هكذا فترة حتى أدرك هو ما فعل. "هل... هل اقتربت من فتاة غير صغيرتي؟
قلبي نبض لغيرها؟ لفتاة لا أعرفها إلا منذ ساعات؟ تركها من بين يديه حتى سقطت على أرضية الغرفة وصرخت. ولكن هو لم يبالِ، أو بالأصح، أظهر عدم المبالاة. غيث بغضب: اسمعي بقى، أوعي تفكري إن أنا في يوم من الأيام هحب واحدة زيك. لا يا ماما، يبقى لازم تفوقي. مش انتي وافقتي على الجوازة دي؟ يبقى لازم تستحملي. انتي هنا زي زي أي واحدة خدامة. ده حتى دي مش هتنفعي فيها، ده انتي عاوزة اللي يخدمك. ملك بصراخ ودموع: انت إيه؟
جنسك إيه يا أخي؟ هو أنا كنت عملتلك إيه يعني؟ انت اللي جيت طلبتني، مش أنا اللي قولتلك اتجوزني. اتجوزتني ليه طالما هتعاملني كده؟ غيث: مجبور يا حلوة. اتجوزت وأنا مجبور. هو في واحد عاقل يتجوز واحدة زيك؟ ملك وهي تضع يديها على أذنها: بس... بس بقى كفاية. كفاية حرام عليكوا. أنا مبقتش مستحملة. مش ذنبي اللي أنا فيه. ليه... ليه تعايروني على حاجة مليش ذنب فيها.
تجاهلها ودخل إلى الحمام لكي يخرج من هذا السجن، فهذا المنزل كله يخنقه بمن فيه. أما هي، فحاولت النهوض أكثر من مرة فلم تستطع، حتى شعرت باليأس. سمعت صوت إغلاق الباب بالمفتاح. بماذا يفكر هذا الرجل؟ هل سيحبسها ليتتركها تموت؟ إذاً، يا مرحبًا، فالموت أرحم من هذه الحياة القاسية. ظلت تفكر إلى أن هربت من هذا الواقع المر إلى واقع الأحلام. منزل هو، فوجد عائلته مجتمعة حول مائدة الإفطار. قاطع خروجه صوت أمه وهي تنادي عليه.
ألفت: صباح الخير يا حبيبي. انت خارج ولا إيه؟ غيث: أيوه يا أمي. عندي شغل. ألفت: شغل؟ شغل يا غيث؟ يوم الصباحية بتاعتك؟ طب هو ده ينفع؟ عاوز تسيب عروستك من أول يوم لوحدها؟ لا، انت مش هتخرج. غيث: مش هينفع، أنا عندي شغل مهم. ألفت: خلاص براحتك، بس هات مراتك تفطر معانا. غيث بحدة: لأ، ومحدش يطلع لها. مش عاوز المح حد قدام الأوضة خالص. ألفت باستغراب: ليه يا ابني؟ إيه اللي حصل؟
غيث: هي طلبت مني إنها ترتاح النهاردة ومتشوفش حد وأنا وافقت. فلو سمحتوا احترموا رغبتنا. ألفت: خلاص يا حبيبي، اللي تشوفه. طب تعالى افطر قبل ما تخرج. غيث: لا معلش، مستعجل. عن إذنك. ألفت: ربنا يريح قلبك وأشوفك مبسوط زي زمان. لم يقتنع أحمد بحديث ابنه، ولكنه لا يستطيع أن يتدخل، فهذا من ضمن شروط ابنه لقبول الزواج. عز الدين: طاهر هيرجع آخر الأسبوع.
سارة بفرحة: الحمد لله. أنا مكنتش موافقة من الأول إنه يسافر ويسيبنا، بس هو كان مصمم. عز الدين: هو مش راجع علشان وحشناه. البيه خسر الفلوس اللي خدها من أخوه وسافر علشان يشتغل بيها. أحمد: مش مشكلة يا بابا، أهم حاجة هو وأولاده كويسين. ولما يرجع بإذن الله ينزل يشتغل معايا في الشركة ويتعلم. عز الدين بغضب: يتعلم إيه بعد العمر ده كله؟ المفروض دلوقتي يكون بيعلم ابنه اللي طالع فاشل زيه.
أحمد: بابا، يا ريت لما طاهر يوصل متقولش كلام زي ده قدامه. وهو أكيد اتعلم من أخطائه وراجع علشان يبدأ صح. سارة: أحمد معاه حق يا عز، بلاش كلامك ده معاه. وهو أكيد اتغير بعد السنين دي كلها. عز الدين: أما نشوف.
في المساء، دخل غيث مكتبه في مركز المخابرات بعد أن أنهى المهمة المكلف بها، ومعه صديقه الوحيد لؤي، وهو الوحيد الذي يحكي له عن مشاعره وتفاصيل حياته. كان غيث جالسًا على الكرسي ويدخن سيجارته وهو شارد الذهن، ولم يلاحظ صديقه الذي ينادي عليه منذ زمن. لؤي: غيييييث... انت يا جحش. غيث: إيه يا زفت انت؟ وطّي صوتك. لؤي: صوتي إيه؟ أنا بقالي ساعة بنادي عليك وانت ولا هنا. مين اللي واخد عقلك يا حضرة الظابط؟ عروستك طبعًا.
غيث بحدة: لؤي. لؤي: خلاص، هو الواحد ميعرفش يهزر معاك. المهم، انت هتعمل إيه معاها؟ غيث: مش عارف. لؤي: أيوه، يعني هتقدر تعيش معاها ولا لأ؟ غيث: مش عارف. لؤي: وحياة أمك؟ هو إيه اللي مش عارف؟ غيث: مش عارف. مش عارف يا لؤي. أنا مش طايقها. هي عاوزة تنسيني حور وتاخد مكانتها عندي، بس أنا مستحيل اسمحلها تعمل كده. لؤي: اهدى بس كده واحكيلي إيه اللي حصل من امبارح للنهاردة.
قص عليه غيث كل ما حدث معه، حتى كلامه معها، لعله يرتاح من عذابه. لؤي بغضب: انت غبي يلااا! هي عملتلك حاجة علشان تقولها كده؟ لأ، وكمان بتعايرها بإعاقتها؟ ده انت لو حيوان مش هتعمل كده. غيث: أهو اللي حصل بقى. وبعدين أنا مكنتش طايقها. لؤي: لأ، انت مش طايق نفسك علشان حسيت بحاجة ناحيتها. من الآخر، انت بتضحك على نفسك وبتجيب السبب فيها. غيث: اسكت بقى. أنا غلطان إني حكيتلك.
لؤي: هو انت فعلاً غلطان، بس فيها غلط في حقها، وحتى مهنش عليك تعتذر لها. غيث: أنا مبعتذرش لحد. وبعدين هي اللي وافقت على الجوازة دي. أنا لا جبرتها على حاجة ولا شفتها أساسًا قبل كده. لؤي: والله غبي وبجح، مع إنك غلطان بتنكر. لأ، وكمان إيه؟ سبتها بعد أول يوم مع أهلك وجاي الشغل. غيث: لأ، هي هتلاقيها لسه في الأوضة. لؤي: إزاي يا ابني؟
ده انت جاي من الصبح واحنا نص الليل أهو. أكيد مش في الأوضة طول اليوم يعني، وأكيد هتحتاج حد يساعدها. نظر له غيث مطولًا واستوعب ماذا فعل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!