ظنت أن اللقاء سيكون عاديًا، باردًا من المشاعر، مفتقدًا الاشتياق. لكن؟ صدمتها حين وقعت عينها على والدتها، تقف بجوار زوجها خارج الغرفة الجالسة بها حنان. لم تكن سوى غرفة بيلا. بلهفة وشوق جارف تنتظرها، شارده بصورها الكثيرة حولها، غير منتبهة لمن يتابعونها بصمت وحذر. تتأمل الصور وتحدث نفسها بصوت مسموع: حنان: برجاء، تعالي بقى يا بيلا، أنا مستنياكي يا حبيبتي.
اتسعت عينا بيلا بذهول حين ضغطت على إحدى الأزرار ليسير بها الكرسي الذي تجلس عليه، مقتربة من صورها أكثر. غصة مريرة اعتصرت قلبها حين وجدتها تجلس على كرسي متحرك. نظرت لها بتعمق شديد. نسخة طبق الأصل منها، تشبهها إلى حد كبير للغاية. وجهها يشع طيبة وبراءة شديدة. أمسكت حنان إحدى صورها واحتضنتها وبكت بنحيب. أغمضت عينيها بعنف كمحاولة منها للتحكم بدموعها التي خانتها وهبطت على وجنتيها بغزارة.
بسرعة البرق، كانت اختفت خلف ظهر زوجها وتمسكت بقميصه بكلتا يديها، دافنة وجهها بظهره تبكي بنحيب بصوت مكتوم. وبرغم أن بكاءها دون صوت، إلا أن والدتها استمعته جيدًا. ولكن بقلبها، بقلب يرتعش، وبقلب يصرخ باشتياق. حنان: بلهفة، بيلا. تفاجأت بعاصي يقف أمام صغيرته التي اختفت تمامًا خلفه. بكت حنان بنحيب أكثر وهمست بصعوبة من بين شهقاتها: حنان: بيلا حبيبتي. تمسكت بيلا بزوجها أكثر. استدار هو وجذبها داخل حضنه، ويده تربت على ظهرها
بحنان بالغ وتحدث بهدوء: عاصي: اهدئي يا روحي. حنان: برجاء وبكاء... بيلا، سامحيني يا بنتي، حقك عليا. بصعوبة، سيطرت على دموعها. استعادت جمودها. رفعت وجهها من صدر زوجها وتحدثت بجمود مصطنع: بيلا: وبعد ما أسامحك؟ نظرت لها بحسرة: بيلا: هتعوضيني عن السنين اللي بعدتهم عني؟ حنان: برجاء، اسمعيني واحكمي بنفسك، وأي كان حكمك أنا هنفذهولك يا بنتي. كالألة، خطت داخل الغرفة وجلست أمامها وتحدثت دون النظر لها حتى
لا تنهار بنوبة بكاء أخرى: بيلا: اتفضلي، احكي. أخذت حنان نفسًا عميقًا وبدأت تقص لها بعض الأسباب التي كانت السبب بحرمانها من صغيرتها. *** بعد ولادتها بثلاثة أيام، عاد زوجها كعادته مخمورًا. خطى لداخل الغرفة يتمايل يمينًا ويسارًا. جالسة هي على سريرها حاملة بيدها الصغيرة ترضعها، ممسكة بيدها ومالت برأسها قليلًا عليها توزع قبلات على كافة وجهها ويدها.
نظر هو لها بغضب وبغيظ. اقترب منها وبكل ما يحمل من قسوة صفعها خلف رأسها، جعلها تصطدم بجبهة ابنتها لتنفجر الصغيرة بالبكاء بنحيب. حنان: ببكاء لبكاء ابنتها، ليه كده يا عبد الحميد، حرام عليك، خلتني خبطت البت. جلس على أقرب كرسي رافعًا قدمه بوجهها وتحدث باستفزاز: عبد الحميد: مزاجي كده. نظر لها بتعمق: عبد الحميد: مش طايقك لا انتي ولا هي. صمت قليلًا ونظر للصغيرة باشمئزاز: عبد الحميد: جايبالي بت. نظر لحنان بتهديد:
عبد الحميد: خافي عليها بقى عشان أنا في شيطان بيلعب في دماغي وبيقولي ادفنها حية وارتاح منها ومن عارها. احتضنت صغيرتها بلهفة شديدة وتحدثت بصراخ: حنان: عارها؟!!! أنت مجنون مش طبيعي. عبد الحميد: بجدية وعيون تشتعل بالغضب، تصدقي شكلي هكبر الحفرة وأحطك جنبها. ضحك بسماجة: عبد الحميد: ولا أقتلكم ليه وأروح فيكم في داهية. نظر لها: عبد الحميد: ما في ستين داهية انتي وهي برضه بره بيتي خالص.
حنان: بهدوء تحاول امتصاص غضبه، استهدي بالله يا عبد الحميد وقوم خد دش عشان تفوق. عبد الحميد: أنا فايق، وفايق أوي كمان يا بنت الـ****. حنان: ببكاء، متجبش سيرة أمي، اتقي الله يا أخي وكفاية قلة قيمة وإهانة، أنا مراتك يعني كرامتي من كرامتك حتى لو كنت مغصوب عليا. عبد الحميد: بلامبالاة وبرود تام، تصدقي جبتي الفايدة، أنا فعلاً مغصوب عليكي. وقلت استنى وأصبر يمكن تجبلي ولد. وبما إنك جبتيلي بت يبقى روحي وإنتي طالق.
هب واقفًا أمام عيني حنان التي ابتسمت بفرحة فشلت في إخفائها، وأكمل بوعيد: عبد الحميد: لو فكرتي تتجوزي هاخد البت منك وهندمك على اللحظة اللي فكرتي تتجوزي فيها. هم بالخروج من الغرفة لكنه عاد مرة أخرى واقترب منها ينظر بتعمق للصغيرة التي تبكي بنحيب أثر الخبطة. ظنت أن قلبه حن لها وابتسمت من بين دموعها وهمست برجاء: حنان: شيلها، وخدها في حضنك يا عبد الحميد، دي مهما كانت بنتك لحمك ودم؟!!!
صرخت بأعلى صوتها حين وضع قبضة يده على فم الصغيرة يكتم نفسها ويتحدث بنفاذ صبر: عبد الحميد: اخرسي بقى يا بنت الـ**** يا زنانه. حنان: بفزع تحاول إبعاد يده عن فمها، عاااااااا... حرام عليك، عااااااااا... بنتي، هتموتها.... عااااااااااا... الحقوني يا ناس...
بصعوبة، انتشلت الصغيرة من تحت يده، وبوهن شديد، ركضت بها للخارج بعباءتها الصيفية الخفيفة، تتحامل على نفسها حتى تخرج قبل أن يمسك بها. حتى أخيرًا استطاعت الخروج من باب الشقة. وفجأة، انتفضت بفزع حين أغلق الباب خلفها بكل عنف غير مبالٍ لما ترتديه هي ولا لصغيرته التي تلتقط أنفاسها بصعوبة. بخطوات ضعيفة واهنة، اقتربت من شقة جارتهم وخبطت الباب بضعف، حتى فتحت لها جارتها التي شهقت برعب. مارينا: حنان، يا حبيبتي.
لم تتمالك نفسها أكثر من ذلك واستسلمت لدوارها وهمست بصعوبة قبل أن تسقط أرضًا: حنان: بنتي، الـ... الحقي بيلا. *** انهيار. تبكي حنان بانهيار. لم يسعفها لسانها عن إكمال حديثها. اقترب منها زوجها واحتضنها وتحدث برجاء: على: كفاية يا حنان، كفاية عليكي كده، بالله عليكي الزعل غلط عليكي. نظرت حنان لبيلا الصامتة بجمود، ولكن قلبها يبكي بصوت مسموع. حنان: بتوسل من بين شهقاتها، تعالي، نفسي آخدك في حضني، نفسي أشم ريحتك.
نظرت بيلا لزوجها، الذي أومأ لها بالإيجاب. وبخطوات مرتعشة وجسد ينتفض، هبت واقفة واقتربت منها. جلست أمامها على ركبتيها تنظر لها بعتاب شديد وعيون تلتمع بها الدمع. أمسكت حنان وجهها بين يديها وتأملتها قليلًا وهمست بغصة مريرة: حنان: هحكيلك كل اللي حصل، الكلام لسه مخلصش، بس سيبيني أحضنك الأول.
وبكل ما تحمل من حب ولهفة وشوق، احتضنتها بقوة. وصوت شهقاتها يتعالى. تقبل حنان كافة وجهها بسيل من القبلات وبين كل قبلة وقبلة تهمس برجاء لبيلا التي لا تبكي وملتزمة الصمت تمامًا. حنان: واحشتيني يا قلب أمك، أنا آسفة والله ما كان بخاطري بعدي عنك. على: بقلق، يا حنان، يا حبيبتي ارجوكي اهدئي، كفايا عياط. نظر لأبنه: على: جهز علاج ماما يا سيف بسرعة. حنان: برجاء، لا، مش عايزة العلاج، احتضنت ابنتها أكثر. بيلا هي علاجي.
على: برجاء، ارجوكي يا حنان خدي العلاج، إحنا ما صدقنا اتحسنتي شوية. بصعوبة، ابتعدت بيلا عن حضنها وتحدثت بجمود: بيلا: خدي علاجك. صمتت قليلًا: بيلا: لازم تكوني كويسة عشان تقدري تحكيلي كل اللي حصل بالتفصيل. سارت باتجاه عاصي وأمسكت بيده وأكملت: بيلا: أنا لازم أمشي دلوقتي. همت حنان بالاعتراض قطعتها بيلا بتأكيد: بيلا: هجيلك تاني، لأني عايزة أعرف كل حاجة. نظرت لعاصي: بيلا: يلا بينا.
نظر لها بتعمق. يفهمها هو. تريد الهروب لتنفجر بالبكاء داخل حضنه الآن. لا تريد أي مخلوق رؤيتها تبكي غيره. تحدث هو دون الابتعاد عن عينيها: عاصي: نستأذن إحنا. جذبته هي من يده وسارت به للخارج دون إلقاء السلام على أحد منهم. تسير بخطوات شبه راكضة. تريد البكاء والصراخ بأعلى صوتها. يعلم هو هذا. جذبها من خصرها داخل حضنه وهمس بأذنها بجملته المعتادة: عاصي: حبيبتي، أنا هنا، وإنتي في حضني. *** علا. بين الوعي ولا وعي. تهمس اسمها.
علا: بغيظ، بيلا الكلب، مش هسيبك. أحدهم يحاول إخراجها من السيارة. عدل وضعها داخل حضنه ووضع يد أسفل ركبتيها وأخرى حول خصرها وحملها بين يديه، لتهتف هي بصوت استمع هو جيدًا: علا: هقتلها، وهقتلكم كلكم. هو: بسخرية، خفي بس من الشلفطة اللي اتشلفطتيها دي وابقي اقتلينا براحتك. علا: ااااه، دماغي، اتصلوا بيه، قولوا علا عملت حادثة، خليه يطلقها ويجيلي. هو: بعبث، طيب ويطلقها ليه؟ ما يجيبها معاه وهو جاي عشان تقتليها.
علا: آه صح، خليه يجيبها أقتلها ويطلقها، أنا بكرهها أوي، ااااه يا بيلا الكلب. هو: طيب خلينا نكشف عليكي وبعدين نشوف موضوع بيلا دا. علا: بإصرار، اتصل بيه، خليه يعرف، أنا عاملة الحادثة بمزاجي عشان يجيلي ويسبها. هو: بفضول، لا، دا انتي حكاية ولازم أعرفها. *** بمنزل العاصي. بينحيب، تبكي داخل حضنه. بحنان بالغ، يربت على ظهرها وشعرها بيد. ويده الأخرى ممسكة بيدها يقبلها بعمق. وبصوت خافت حنون همس بأذنها.
عاصي: هشششش، اهدئي يا روحي. قبل كف يدها مرات متتالية: عاصي: حبيبتي إنتي في حضني، اهدئي عشان خاطري. التصقت به أكثر. تمسكت بتيشيرته بكلتا يديها، دافنة وجهها داخل صدره، بل دافنة جسدها داخل حضنه وهمست بصوت مكتوم: بيلا: مش قادرة يا عاصي، قلبي بيوجعني. رفعت وجهها الغارق بالدموع ونظرت له نظرة متألمة جعلته يغمض عينه بعنف. فتح عينه سريعًا مرة أخرى ونظر لها باهتمام شديد وعيون تفيض عشقًا. فهمست هي بغصة مريرة:
بيلا: للأسف صعبت عليا أوي يا عاصي. بكت بقوة أكبر: بيلا: الجواز بالإجبار دا أبشع حاجة ممكن تحصل للبنت. بلهفة، يسير بأصابعه على وجنتيها يمسح دموعها، وهمس بتأكيد: عاصي: لازم تصعب عليكي يا بيلا، ولازم تزعلي على اللي حصلها. أمسك وجهها بين يديه ينظر داخل عينيها بتعمق وأكمل: عاصي: لأنها أمك، ولازم تلتمسي ليها عذر حبيبتي. بيلا: ببكاء، محتاجة وقت، أنا مش بزراير يا عاصي. قبل أسفل شفتيها بعمق وهمس بابتسامته الأكثر من رائعة:
عاصي: حبيبتي خدي كل وقتك، وأنا معاكي وفي ضهرك. جذبها داخل حضنه والتصق بها أكثر. بيلا: وفي حضنك كمان. تنهدت بصوت مسموع. وبخجل اقتربت من وجهه وقبلت جانب شفتيه قبلة رقيقة للغاية وهمست بأنفاس لاهثة تلفح بشرته يستنشقها هو بهيام. بيلا: بحبك يا عاصي. نظرت داخل عينيه بعمق وهمست بعشق وفرحة ظاهرة بعينيها: بيلا: يا جوزي.
همسها. نظرتها الناعسة. أنفاسها على بشرته. قربها منه لهذه الدرجة، جعل قلبه ينبض بجنوووون. لف يده حولها بحماية، واضعًا جبهته على جبهتها وتحدث بفرحة عارمة. عاصي: بهمس، يا إيه؟ قبل وجنتيها: عاصي: مسمعتش. بيلا: بخجل، يا جوزي. عاصي: بعبث، تؤ، مسمعتش، يا إيه؟ بيلا: بخجل أشد، عاصي. عاصي: بهيام، عيون العاصي. دفنت وجهها داخل حضنه وهمست بصوت مكتوم: بيلا: جعانة. تعلقت بعنقه تحثه على حملها، فحملها هو بكل ترحاب. بيلا: اعملي بيتزا.
رفعت وجهها المشتعل بحمرة الخجل وأكملت بشقاوة: بيلا: أو حطني على سيخ الشاورما وارتاح مني. ضحك هو بعلو صوته ضحكته المهلكة لقلبها. وتحدث كأب لابنته الصغيرة: عاصي: أحلى بيتزا لأحلى بيلا تتعمل حالًا. غمز لها بعبث: عاصي: وميمنعش إني أحطك على سيخ الشاورما برضه. نظر لشفاتيها: عاصي: بس قوليلي الأول أنا إيه. عضت شفتيها بحركة عفوية منها، جعلته دون إرادته يضغط قليلًا بقبضة يده على خصرها. وبرقتها المعهودة التي تذيب قلبه همست:
بيلا: إنت جوزي يا عاصي يا حياة بيلا. بشوق جارف، التقط شفتيها بقبلة عاشقة متمكنة لأقصى درجة. ابتعدت هي عنه بصعوبة وهمست بأنفاس لاهثة. بيلا: ببواذير غضب، إنت تعرف حنان من إمتى. حاولت إبعاده عن حضنها بعنف لكنه أحكم سيطرته عليها جيدًا وأكملت بغضب أكبر: بيلا: واتجوزتني إزاي بموافقة ولي أمري. نظرت له بعيون متسعة بذهول وأكملت بعدم تصديق: بيلا: أوعى يكون قصدك الراجل اللي مخلفني.
نظر لها بأسف والتزم الصمت بوجهه ظهر عليه القلق والتوتر. حركت هي رأسها أكثر من مرة بالإيجاب وهمست بابتسامة من بين سيل دموعها التي هبطت على وجنتيها بغزارة ثانية: بيلا: لعبتك أنا يا عاصي. نظر لها بصدمة وتفاجئ من تفكيرها المحدود. وهم بالرد عليها إلا أن رنين هاتفه أوقفه. نفخ بضيق حين رأى المتصل خالته. على مضض رد عليها: عبير: بصراخ، الحقنا يا عاصي، علا عملت حادثة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!