الفصل 3 | من 20 فصل

رواية سجن العصفوره الفصل الثالث 3 - بقلم داليا الكومي

المشاهدات
35
كلمة
1,660
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

هبة لم تفهم تصرف والدها الغريب. نفذت تعليماته حرفياً وجمعت أقل القليل، ونزلت معه من المنزل بدون أي كلام أو سؤال. كيف تستطيع سؤاله وهو متوتر وخائف بهذا الشكل؟ فأجلت فضولها وتساؤلاتها. سلطان أوقف دراجته النارية تحت بناية فخمة في حي أفخم. أخذها من يدها وصعدوا في المصعد إلى الطابق الرابع. اتجه إلى إحدى الشقق وأخرج مفتاحاً من جيبه وفتح بابها وأدخلها برفق.

دهشة هبة واستغرابها من تصرفات والدها كانت بلغت عنان السماء. لكن عندما فتح الباب ودخلت إلى الشقة الفخمة والترف الواضحين أوقفوا عقلها تماماً عن العمل. لم تكن تتخيل وجود مكان بهذا الجمال في حياتها. إذا لم تكن هذه هي الجنة، فكيف إذن الجنة ستكون؟

دهشتها وصدمتها من فخامة الشقة أثاروا انتباه سلطان. بحكم عمله عند أدهم البسطاويسي، هو اعتاد رؤية أماكن بمثل تلك الفخامة، بل وأفخم كثيراً. أما هبة المسكينة، فلم تغادر الحارة مطلقاً سوى إلى المدرسة.

أدهم البسطاويسي أحد أغنى أغنياء مصر، إن لم يكن الأغنى بلا منازع. عائلته كبيرة ومشهورة في الصعيد، من هؤلاء الناس أصحاب المقامات والنفوذ. يقال أن جده في الماضي عثر على كنز من الآثار وقام ببيعه، ومن يومها وأموالهم تعبأ في شكائر كما يقولون. والده مشهور بالقوة والقسوة، وأدهم هو الواجهة المتحضرة لتلك العائلة. أدهم الذي تعلم في أحسن الجامعات استطاع أن يسيطر على أموال العائلة وتحويلها لمليارات. رأسمالهم أكبر من رأسمال دول صغيرة. قوة عائلته مع ذكاء أدهم وقوته حولوا الأموال الطائلة والسلطة التي كانت لديهم لإمبراطورية قوية لها اسمها.

هذه الشقة التي فتحت ابنته فمها ببلاهة عندما رأتها، كانت شيئاً عادياً وبسيطاً بجانب ما كان يراه في قصر البسطاويسي عند ذهابه إلى هناك. كان دائماً يستمع إلى حكايات الموظفين في الشركة عن فخامة قصر أدهم. الحكايات المبالغ فيها التي كان يستمع إليها كانت تقول أن صنابير المياه في قصر البسطاويسي صنعت من الذهب وأن مقابض الأبواب زينت بأحجار كريمة. سلطان دخل وأغلق الباب بالمفتاح وبكل الترباسات الموجودة خلف الباب وتنفس بارتياح.

"الحمد لله." عاد الوعي لهبة عندما رأته يغلق الباب. "بابا، إحنا بنعمل إيه هنا؟ تجنب سلطان النظر في عينيها وقال: "إحنا هنعيش هنا." الصدمة التي تلقتها هبة كانت عنيفة، لدرجة أنها لدقائق تخشبت وفقدت القدرة على الكلام. وعندما أخيراً استطاعت الكلام، كان صوتها منخفض مبحوح. "بابا، إنت أكيد بتهزر." اقترب منها سلطان وأمسك كتفيها بحنان وقال:

"هبة، أنا بتكلم جد. من هنا ورايح، انسي أي حاجة عن حياتك القديمة. انسي أي حاجة غير إن اسمك هبة سلطان. حتى مدرستك أنا نقلتك منها لمدرسة تانية. خلاص يا هبة، عيشتنا هتبقى هنا." من الطبيعي أن أي فتاة أخرى كانت ستشعر بالفرحة وتنبهر بالمكان ولا تهتم بكيفية حدوث هذه المعجزة. لكن عقل هبة أبى أن يرحمها. عقلها العنيد مليء بمليون سؤال وسؤال. "بابا، فهمني بس... إزاي...

قاطعه سلطان. فهي لا ينبغي عليها أن تفكر ولا أن تقلق بعد اليوم، فوضعها الجديد حماية لها من كل خوف، ولتدع الخوف له هو وحده ليعاني منه لباقي عمره. "آخر مرة يا هبة هنتكلم في الموضوع ده. أنا هقولك اللي لازم تعرفيه وبس. أنا عملت خدمة لأدهم بيه، فكان قصادها إنه كافئني وسمح لنا نعيش في الشقة دي وناخد بالنا منها لحد ما أمورنا تتحسن."

هبة قد تكون اقتنعت، أو قد تكون استسلمت بأنها لن تأخذ منه أي معلومات إضافية. ولكن في النهاية حملت حقيبتها وبدأت في البحث عن غرفة لها. بدأت تتعود على فخامة الشقة تدريجياً بعد زوال الصدمة. انزاح الضباب عن عقلها وبدأت في التركيز. الشقة الضخمة تحتل طابقين كاملين من المبنى ويربط بينهما سلم داخلي.

الطابق العلوي يحتوي على ثلاث غرف نوم أشبه بالأجنحة، لكل غرفة حمام خاص بها وصالون، وملحق بكل غرفة غرفة أخرى تحتوي على أرفف، عرفت فيما بعد أنها تسمى غرفة الملابس. وفي الطابق السفلي توجد ثلاث غرف أخرى أصغر من أولئك اللاتي يحتلن الطابق العلوي، منهما اثنتان لهما حمام خاص، وأخرى بدون. ويحتل معظم الطابق السفلي صالون مهيب قد تكون مساحته أكبر من مساحة شقتهم القديمة بأكملها.

المطبخ في حد ذاته حكاية، ملحق به غرفة خادمة بحمامها الخاص. بدون تفكير اختارت لنفسها إحدى الغرف الصغيرة التي لها حمام خاص بها، وسلطان أخذ الغرفة الصغيرة القريبة منها والتي كانت بدون حمام. أخبرها سلطان بتردد: "ما تجربيش تاخدي واحدة من الغرف الكبيرة اللي في الدور التاني." نظرت إليه هبة برعب: "لأ يا بابا، إزاي؟ وافرض صاحب الشقة رجع لأي سبب؟

خلي الدور اللي فوق جاهز ومتوضب لصاحبه، وإحنا خلينا تحت. ده حتى غرفتي من فخامتها وجمالها مش قادرة أصدق إني هستعملها. تفتكر يا بابا، مش المفروض نستعمل غرفة المطبخ؟ هز سلطان رأسه بشدة: "إيه يا بنتي اللي بتقوليه ده؟ بكرة هتفهمي كل حاجة، وغرفة المطبخ من بكرة في خدامة هتيجي تعد فيها تنضف وتطبخ." اتسعت عينا هبة. صدمة أخرى أضيفت إلى سلسلة الصدمات السابقة. "خدامة؟ أمال إحنا شغلتنا إيه هنا؟ ضيوف؟ ظهرت الحيرة على ملامح سلطان

لبعض الوقت ثم أجابها: "شغلتي آخد بالي من البيت واللي فيه في غياب صاحبه. وإنتي شغلتك تذاكري وتنجحي. كمان نسيت أقولك، أنا من النهاردة اترقيت في شغلي. البيه الله يكرمه خلاني أمين مخزن من مخازنه. المخزن قريب من هنا. يعني في مدرستك الجديدة لما أصحابك يسألوكِ باباكِ بيشتغل إيه، تقدري تقولي لهم مدير مخزن." امتلأت عيناها بالدموع. فهو يعتقد أنها كانت تخجل منه.

"إنت طول عمرك أحسن أب، وأنا عمري ما خبيت أو انكسفت من شغلك. إنت في نظري أحسن أب في الدنيا." غمرت السعادة سلطان. "الحمد لله، اللهم ديمها نعمة علينا يا رب."

المعجزة التي حولت حياتها لم تنتهِ بعد. على الرغم من أنها لم تحرج يومياً من الركوب خلف والدها على دراجته النارية، إلا أنها أحست بالراحة عندما علمت أن وسيلتها الجديدة للذهاب إلى مدرستها هي الباص الخاص بالمدرسة والذي سيُوصلها يومياً ذهاباً وإياباً. وسيلة آمنة، فخمة ومريحة. والأهم كان الزي المدرسي الموحد والذي وصل في اليوم التالي لإقامتها في الشقة. تساءلت بدهشة: "إمتى بابي جهز ده كله؟

وجدت ثلاثة أطقم من الزي المدرسي، ولدهشتها كانوا مناسبين لها تماماً، وكأنهم صُمموا خصيصاً لها. بألوان جميلة من درجات النبيتي وجاكيت أسود أظهر شعرها الأصفر كأنه شلال ذهب على كتفيها النحيلتين. هبة مختلفة، هبة جديدة. أخيراً كل البنات تساووا. نفس الزي، نفس وسيلة المواصلات. لكن هبة ما زالت مميزة عنهم بمستواها العلمي المميز وجمالها الملفت، والأهم أخلاقها العالية.

ولكن تبقى دائماً السؤال المؤرق الذي عجزت عن إجابته. ما المقابل يا ترى؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...