استقبلت كل لحظة من لحظات نزهتها في الحدائق الواسعة الملحقة بالقصر بلهفة شديدة. حاولت أن تخزن في ذاكرتها أكبر قدر من الصور تسترجعهم فيما بعد عندما تعود لسجنها. فرصة نادرة لن تعوض ويجب استغلالها جيداً.
مجدداً، أدهم يظهر حسن تقديره للأمور، فدعوتها له للإقامة في قصره أنقذتها. لربما الآن كانت استسلمت لاكتئابها لو كانت خرجت من المستشفى على شقتها. تجربة إقامتها في القصر تجربة فريدة لن تنساها مطلقاً، ليتها تراه لتشكره على دعوته. "عبير؟ " انتزعتها من أفكارها. نبهتها بلطف. "أنا آسفة، مش قصدي أضايقك... بس مش كفاية كده، انتي لسه ضعيفة بعد العملية." هبة انتبهت إلى أنها بدأت تشعر بألم بسيط.
"أنا فعلاً تعبت، بس كنت زهقانة ومحستش بالتعب إلا لما انتي نبهتيني." "انتي لسه مشفتيش الجزء الخلفي من القصر، هناك حمام السباحة والجنينة الخصوصية بأدهم بيه. الجنينة والحمام مكان مغلق، ما فيش حد يقدر يدخل هناك إلا بإذنه. لو تحبي تعالي ريحي هناك شوية." عبير سندتها برقة. مشوا خطوة بخطوة. دخلوا إلى القصر مرة أخرى. الريسبشن الضخم يضم أكثر من أربعة صالونات من أفخم الأنواع. طاولة الطعام الكبيرة كان لها اثنا عشر كرسياً. عبير
أشارت إلى باب مغلق وقالت: "ده مكتب أدهم بيه. فيه صالون وحمام. دخوله ببطاقات إلكترونية خاصة، ما فيش غير اتنين مسموح لهم بدخوله. أدهم بيه ومصطفى المساعد الشخصي وأهم راجل بعد أدهم. بيباشر الشغل لما أدهم بيه يسافر." "سميرة رئيسة الخدم هي اللي بلغتني بالمعلومات دي وقالت لي إنها بتدخل تنضف المكتب كل يوم، بس لازم يكون مصطفى موجود وهي بتنضف."
دنيا جديدة غريبة عليها. منذ اليوم الذي قرر أدهم عمل الصفقة فيه مع سلطان وحياتها تتحول. صفقة من المفترض في خلاصتها أن يستفيد الطرفين. أدهم تخلص من زواج لا يرغب فيه، وهي تخلصت من الفقر والتهديد. سؤال ينهش عقلها بقوة: لماذا اختارها هي؟
اسم فريدة اقتحم أفكارها. ربما أدهم تزوجها كي يتمكن من الحياة بحرية وانفلات. تخلص من مشكلة زواجه الغير مرغوب فيه واحتفظ بعلاقاته الأنثوية الغير شرعية. ظاهرياً له زوجة، بس هي في الحقيقة مجرد غطاء. تخلصت من أفكارها بصعوبة. فعلى أي حال، ما شأنها هي بأدهم وخططه طالما هي أيضاً تستفيد.
الصالون ينتهي بأبواب زجاجية تطل على حوض السباحة المميز في تصميمه والحديقة الصغيرة. الأبواب لها ستائر تحمل لون مارون غامق، طياتها القصيرة تغطي فقط نصف الأبواب العلوي. عبير اقتربت من الأبواب وأدخلت بعض الأرقام على جهاز شبيه بالآلة الحاسبة مخفي جيداً تحت الستارة السميكة وقالت: "أنا معايا إذن من البية بدخول المنطقة دي عشان أوصلك لما تحبي تتمشي فيها." بمجرد انتهائها من كتابة الأرقام على الجهاز، الأبواب فتحت فوراً.
عبير ساعدت هبة على الدخول إلى منطقة المسبح. أجلسيتها على طاولة لها مظلة بلون أبيض. أراحتها على مقعد من مقاعد حوض الاستحمام المريحة المصنوعة من قماش سميك وقالت: "أنا هروح أطلب لحضرتك مرطبات، أكيد انتي عطشانة."
عبير تأكدت من جلوس هبة براحة على المقعد المخطط بالأصفر وذهبت لطلب المرطبات لها. أيضاً من مميزات إقامتها في القصر معرفتها بعبير، فهي على الأقل تحمل المشاعر وليست آلة مثل الماس. أيقنت أنها بسهولة قد تصبح صديقة لها إذا ما توفرت لهم المدة اللازمة لتأصيل تلك الصداقة.
هبة استغلت الفرصة وتأملت المكان من حولها. أدهم له ذوق رفيع في كل ما يختار. أثناء تجول عيونها في المكان لمحت أدهم يخرج من غرفة الغيار الموجودة بجوار المسبح. كان يرتدي شورت سباحة قصير جداً ويحمل منشفة كبيرة في يده مخططة أيضاً بالأصفر مثل المقاعد.
أدهم كان يتجه إلى الحوض ولم يلحظ وجودها حتى الآن. لاول مرة في حياتها عيونها ترى رجلاً يرتدي مثل هذا القدر الضئيل من الملابس. وجهها تلون بكل الألوان المعروفة. الخجل خشبها في مقعدها.
أدهم لمحها وهو في طريقه إلى الحوض. صدمة رؤيتها مسترخية على المقعد بجوار المسبح أوقفته في مكانه. بدا عليه التردد للحظات وكأنه يفكر في العودة من حيث أتى، ولكنه عندما لم يلحظ أي رد فعل عنيف من ناحيتها على وجوده أكمل طريقه للحوض. اختار أقرب مقعد بجوارها وقام بفرش منشفته عليه ببطء شديد. "عاملة إيه دلوقتي؟ " سألها أدهم بتردد. "الحمد لله." هبة تجنبت رفع عينيها إليه كعادتها. "مرتاحة هنا؟ في أي حاجة ناقصاكي؟
" سألها أدهم باهتمام حقيقي. "لا الحمد لله." هبة أجابته بامتنان ظهر جلياً على وجهها الجميل.
أردت شكره على استضافتها أثناء أصعب فترة في حياتها. هو لا يدري كم تأثرت باهتمامه وفي تفكيره بالتفاصيل. لكن الكلام انتهى فيما بينهم. فهما غريبان في الحقيقة. ورقة زواج هي كل الرابط الوهمي بينهم. كيف ستبدأ معه حوار وتعبر له عن امتنانها وهي لم تتحدث في حياتها إلا لأي رجل باستثناء عزت المحامي وسائقها الخاص. وهم اعتبروها مثل ابنتهم وعاملوها كما كان يعاملها سلطان رحمه الله.
هبة حاولت النهوض. قررت ترك المسبح له فهي لن تتطفل على خصوصيته. فهو لم يدعوها بل لم يكن يعلم بوجودها عندما اختار السباحة في ذلك الوقت. هو تجنب رؤيتها منذ مجيئها، إذن لن تضايقه بوجودها. الألم البسيط في بطنها عند محاولتها النهوض ظهر على وجهها فوراً. "هبة انتي تعبانة؟ .. في أي ألم؟ " رفع أدهم عينيه وركز نظراته على وجهها المتألم وقال بصوت متقطع. "ألم بسيط مع الحركة." ردت هبة بهمس. "تحبي أطلب الدكتور؟
" ظهر على أدهم الاهتمام الشديد. اقترب منها لدرجة أنها أحست بأنفاسه على وجهها. "لا، ده عادي مع الحركة الألم بيقل كتير الحمد لله." هزت هبة رأسها. أدهم نهض فجأة وقفز إلى حوض السباحة. قطع الحوض مرات ومرات تحت نظرات هبة الفضولية. اهتمامه بألمها أثار مشاعرها. لسبب ما لم تستطع المغادرة كما قررت وجلست تراقبه.
أطول منها بكثير مع أنها دائماً كانت تصنف أنها من الفتيات ذوات القامة الطويلة. قد يكون أطول منها بحوالي عشرين سنتيمتراً على الأقل. ضخم جداً. عضلاته متناسقة ومشدودة. شعره أسود طويل وناعم. ملامحه خشنة لكن على الرغم من ذلك كان لديه جاذبية وغموض. لون بشرته أغمق من بشرتها البيضاء الصافية بدرجات. تذكرت كلام عزت المحامي: "أدهم البستاويسي من عيلة كبيرة في الصعيد".
أدهم قطع الحوض عدة مرات برشاقة وفي النهاية قرر الاكتفاء وغادر الحوض بقفزة واحدة. تناول منشفته وبدأ في تجفيف نفسه. "بتعرفي تسبحي؟ " سؤاله فاجأها. "أيوه اتعلمت في المدرسة." هزت هبة رأسها. "الحمام هنا فيه خصوصية تامة لو حبيتي تسبحي في أي وقت اطلبي من عبير تجهزلك احتياجاتك." هبة هزت رأسها مجدداً.
إنها لا تدرك ما هو سبب ألم معدتها الدائم عندما تراه، لكنها أصبحت متأكدة الآن أنها لا تكرهه أبداً. رائحة عطره خفيفة جداً بعد السباحة لكنها مازالت تؤثر فيها. قوة شخصيته المسيطرة المتكبرة تجعلها مهزوزة أمامه. أدهم معتاد على إلقاء الأوامر ومعتاد أيضاً على تنفيذ أوامره بدون نقاش. بكلمة منه كل حياتها تدار وترتب، وبكلمة أيضاً منه يستطيع إيقاف حياتها وتدميرها إذا هو أراد ذلك. هي تدور في فلكه.
أدهم رفع يده وأبعد خصلة متمردة قررت الهبوط على وجهها. لمسته أرسلت قشعريرة في جسدها كله. أغمضت عينيها في ترقب. أدهم اقترب منها أكثر وهي مازالت مغمضة العينين. كانت تشعر بالخدر يسري في كل جسدها ولم تستطع الحركة بعيداً عنه. خصوصيتهم قطعت عندما اختارت عبير العودة في تلك اللحظة.
عبير عادت بصينية فضية فخمة عليها مرطبات ومأكولات خفيفة. مفاجأة وجود أدهم وقربه الشديد من هبة ألجمت عبير، لكنها تمكنت من هز رأسها باحترام لأدهم الذي أشار إليها بتقديم المرطبات. هبة أخذت العصير وبدأت تشرب ببطء. فجأة أدهم نهض بقوة وقرر مغادرة المكان بدون أي كلمة أخرى. ...
بعد مرور أسبوع آخر. هبة تحسنت تماماً واستعادت صحتها بالكامل. الألم بطنها اختفى تماماً ومجهودها عاد لطبيعته. محنة العملية انتهت أخيراً، لم تترك لديها سوى ندبة صغيرة طولها ثلاث سنتيمترات في بطنها وذكريات إقامتها الممتعة في القصر. اكتشفت غرفة الرياضة بجوار المسبح. غرفة مجهزة بأجهزة تماثل أجهزة أفضل النوادي الرياضية. لكن جرحها مازال حديثاً والطبيب حذرها من المجهود قبل شهور. حتى السباحة أجّلها حتى يتعافى جرحها تماماً.
علمت أن أدهم سافر إلى الصعيد في سفرة مفاجئة طوال الأسبوع الماضي، منذ يوم مقابلتهم عند المسبح بالتحديد. سألت الماس عن ميعاد رجوعهم للشقة، لكن الماس للأسف لم يكن لديها أي أوامر جديدة فيما يتعلق بانتقالهم من القصر. فاكتفت بقول: "لما أدهم بيه يأمر".
مر أسبوع آخر وهبة تنتظر أوامر أدهم الجديدة. عندما يئست من الانتظار طلبت من عبير إبلاغ أدهم برغبتها في مقابلته. عبير أبلغتها أنه سافر من الصعيد إلى دولة أوروبية وسيغيب لمدة أسبوع آخر.
انتظرت مرور الأسبوع بصبر. إن كان من المفروض عليها أن تعيش في السجن طوال عمرها، فعلى الأقل أبسط حقوقها أن تختار زنزانتها بنفسها. صحيح القصر أفضل بكثير من شقتها لأسباب لا تحصى ولا تعد، لكن وجودها بقربه يجعلها تشعر بالتهديد. يجعلها تشعر بالتمرد. خافت من أن تتمرد على حياتها القديمة، فكل يوم تقضيه هنا يترك آثاره في روحها الخائنة. كلما عادت أسرع كلما استطاعت تقبل وضعها. تقبلها السابق لحياتها كان كلمة السر التي جعلتها تبتلع مرارة وضعها.
التهديد باحتمالية رؤية أدهم يسبب لها ألماً غامضاً في معدتها تعجز عن فهمه. هي الآن لا تشعر نحوه بالكراهية، إذن فما هو ذلك الإحساس في معدتها كلما رأته أو تذكرته؟ في الحقيقة، هي لم تكن تتعجل أبداً عودتها لشقتها، لكنها أرادت أن تعلم متى ستغادر تلك الجنة التي أدخلها أدهم إياها.
اعتادت الجلوس في الحديقة بعد العصر لشرب الشاي وتناول الحلويات الفاخرة التي تفننت فرحة الطباخة في تحضيرها. كانت تنتظر الغروب يومياً وهي جالسة بالقرب من النافورة. هنا على الأقل عادت لرؤية العصافير وسماعها. منذ يوم انتقالهم إلى الشقة وهي مفتقدة أصوات العصافير عند نافذة غرفتها. كانت تحمل معها بعض الحبوب وتضعها لهم على حافة النافورة الكبيرة التي تتوسط الحديقة وتجلس تراقبهم بالساعات وهم يأكلون بشهية. أصدقاؤها العصافير سوف يفتقدونها عند رحيلها.
"اتفضلي يا آنسة هبة." هبة رفعت عينيها فشاهدت عبير تحمل قفصاً ذهبياً بداخلة عصفورة جميلة. ريشها بلون أصفر فاقع جداً مطعم بريش صغير يحمل ألواناً مختلفة عند الذيل. أجمل عصفورة شاهدتها في حياتها. عصفورة جميلة ضعيفة محبوسة في قفص ذهبي تذكرت نفسها فوراً عندما رأتها. "الهدية دي وصلت ليكي من شوية مع وليد حارس أدهم بيه الخصوصي." أكملت عبير. أدهم أرسل لها هدية. عصفورة ضعيفة تشبهها بدرجة كبيرة. محبوسة في قفص ذهبي مثلها.
ياترى إيه رسالة أدهم يريد إيصالها إليها بهديته؟ عبير وضعت القفص على طاولة جانبية في التراس المفتوح على الحديقة الرئيسية. لدقائق ظلت هبة تراقب العصفورة. الحبوب كانت أمامها بوفرة لكنها لم تأكل. هبة شعرت أنها حزينة ووحيدة. الذهب يحيط بها من كل جانب لكنه يظل سجناً يمنعها عن حريتها. العصفورة كأنها كانت تبكي. سمعت صوت نحيبها الهامس. حاولت لمس ريشها كي تواسيها ففزعت العصفورة منها وقفزت بعيداً عن لمستها.
هبة تملكتها رغبة شديدة بفتح القفص للعصفورة. للحرية التي تعاني هي من الحرمان منها. ربما العصفورة سوف تسعد بحريتها. وتستعيد غنائها بدلاً من بكائها. بدون تفكير يدها التي حاولت لمس العصفورة اتجهت لباب القفص وفتحته على مصراعيه. فتحت الباب أمام العصفورة للرحيل. العصفورة ترددت لبعض الوقت ثم قررت أن تأخذ المخاطرة وتغادر للحرية وطارت باندفاع. في نفس اللحظة هبة استدارت للعودة لداخل القصر. شاهدت أدهم يقف عند مدخل التراس وهو يراقبها باهتمام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!