أخيرًا استسلمت هبه. أدهم يحب فريدة. ولأنها تعرف الحب جيدًا، قررت أنها سوف تنسحب من حياته. فكل محاولاتها باءت بالفشل. كلمة واحدة شغلت تفكيرها، فكرت فيها ليل نهار. نجيه دائمًا ما كانت تلمح إلى قوة أدهم. قوته التي لاحظتها بنفسها. أدهم حاليًا هو الأمر الناهي لكل العائلة. نجيه أخبرتها في ذلك اليوم الذي استدعتها فيه في غرفتها. "فرحت يوم ما أدهم خبرنا بالجواز. هذا يعني أنه أبلغهم بنفسه."
في علاقتها بأدهم الكثير من التناقضات التي تلحظها. تشعر أحيانًا بغموض أدهم، وأحيانًا أخرى تشعر به واضح وصريح. كلام عزت كله لها في مكتبه عليه الكثير من علامات الاستفهام. لابد وأن تفهم وإلا سوف تجن. أدهم سوف يقضي ليلته في الفندق كالمعتاد. هبه قررت أن تدخل غرفته تشاهدها ولو لمرة واحدة. أمنيتها أن ترى فراشه. فهذه آخر ليلة لهم هنا وغدًا سوف يفترقون. تسلحت بالجرأة ودخلت.
رائحته تعبق الجو. أمسكت عطره وأغمضت عينيها تمليء عقلها من رائحته علها تحملها فيه للأبد. تجولت وتجولت حتى أرهقت. فراشة المرتب بعناية كان يحمل رائحته. دفنت رأسها في المخدة وبدأت البكاء. بكت حتى ارتاحت، بكت حتى نامت. استيقظت على أدهم وهو يهزها برقة. الخجل والحياء من موقفها المفضوح سببا لها توتر رهيب. لحسن حظها أدهم لم يتحدث، لم ينطق أي كلمة. بل أخذها في حضنه بقوة ونام بجوارها بملابسه.
أدهم نام فورًا وأصبح نومه عميق وكأنه لم ينم منذ أيام. لكن هبه قررت أن تستيقظ حتى الصباح كي تستمتع بآخر لحظاتها بقربه. فلربما تكون تلك اللحظات هي آخر ذكرياتها معه. وعندما استيقظ مجددًا بعد فترة نظر إليها برغبة شديدة ثم غابا في عالمهم الخاص.
الصباح التالي كانوا في الطائرة التي حملتهم بعيدًا عن أجمل أسابيع عمرها. ساعات وكانت في قصره في القاهرة. بعد ليلتهم الأخيرة هبه فضلت تجنبه خلال رحلة العودة. بعد أن اكتشفها في غرفته خافت من مواجهته. دهشت بشدة عندما وصلوا القصر فهي كانت متوقعة منه أن يوصلها لشقتها كما هي طلبت منه. لكن آخر شيء تستطيع فعله الآن هو أن تسأله أو تفتح معه موضوع انتقالها مجددًا بعد انفجاره الغاضب.
دخلت غرفتها ونامت ساعات وساعات بعدما أرهقتها الدموع والصداع ضربها بقسوة. حالتها النفسية وصلت للحضيض. فأدهم تجنبها بطريقة مقيتة هو أيضًا منذ استيقاظها في حضنه هذا الصباح. استيقظت على صوت عبير يطلب منها النهوض. كان لا يوجد لديها أي مزاج لتغيير ملابسها أو لرؤية أي أحد. لكن تحت إلحاح عبير هبه نهضت. أخذت حمامًا سريعًا وارتدت فستان شيفون أخضر بلون عينيها معه طرحة منقوشة.
عبير جهزتها وببراعة حاولت أن تداري عيونها الحمراء المنتفخة. هبه أجبرت نفسها بالقوة حتى تستطيع تلبية طلب أدهم والنزول للعشاء مع ضيوفه كما أبلغتها عبير عن رغبته.
صدمتها الأولى كانت في الضيوف أو بالاحرى في الضيفة الوحيدة التي وجدتها برفقة أدهم عندما نزلت من غرفتها. الضيفة كانت فريدة. بالمظهر الذي ظهرت به فريدة أقل وقت توقعته هبه أنها قضت على الأقل ست ساعات كاملة في الاستعداد لعمل شعرها ومكياجها حتى تظهر بمثل هذا التألق. فريدة كأنها خرجت للتو من كاتالوج للموضة. كل شيء فيها صائب.
صدمتها الثانية والأشد كانت ذراع أدهم المحيطة بكتفيها والتي حتى لم يحاول أن ينزلها عنها مع دخولها للصالون. تذكرت يداه اللتان أحاطتها بحنان في حضنه طوال الليل. لكن حاليًا أدهم يريها مكانتها الحقيقية. تقلبه يخيفها فهو قادر على الهبوط بها لأسفل أرض بعدما يكون قد رفعها حتى عنان السماء. هو الآن يريها وضعها الحقيقي في حياته. زوجة مجبر عليها بسبب وعد قطع لرجل ميت.
آخر محاولة لإنقاذ كرامتها. فرصتها للخروج برأس مرفوعة. كرامتها الجريحة أعطتها القوة للتحمل. أعطتها القوة لتدخل إلى الصالون متجاهلة المشهد القاتل أمامها. بكل كبرياء دخلت حيث فريدة وتجاهلت أدهم تمامًا. من داخلها تتمزق وروحها تموت ببطء وظاهريًا هي مثل جبل الثلج. أصبحت مثل التمثال الخالي من الروح والمشاعر.
زيادة في إذلالها عند تقديم العشاء أدهم أخذ فريدة إلى غرفة الطعام الفخمة وترك هبه لتلحقهم بمفردها. آه لو كان لديها أمل حتى لو ضئيل لكانت حاربت. لكانت قطعت وجهها بأظافرها وجذبتها من شعرها المصفف بعناية. لكنها للأسف علمت جيدًا من داخلها أي جانب أدهم سوف يأخذ إذا ما تجرأت على إهانة فريدة. أصبحت بين نارين. نار أنها تثور وتشتمها وتطردها خارجًا ونار أخرى تحثها على المحافظة على كرامتها وتقبل وضعها.
العشاء كان كابوس بكل ما للكلمة من معنى. مع أن فرحة الطباخة أبدعت في الوجبة كعادتها إلا أن طعمها بالنسبة لهبه كان طعم الجير. أخيرًا العشاء انتهى وهبه تستطيع الانسحاب الآن وتركهم بمفردهم. بعد تقديم الحلويات هبه تحججت بالصداع والإرهاق من السفر. أدهم رحب تمامًا بإنسحابها. أثناء خروجها من الصالون سمعت أدهم يخبر فريدة أنهم سوف يكملون السهرة في الخارج.
خنجر غرز في قلبها بدون أي رحمة. قوة غريبة مكنتها من الصمود حتى النهاية وانسحبت بكرامتها. فازت في معركة الكرامة وخسرت في معركة الحب. كلمة النهاية كتبت أخيرًا. لابد أن تترك القصر فورًا. أدب أدهم يمنعه من طردها لشقتها. لكنه بالتأكيد يتمنى أن تأخذ هي تلك الخطوة المحرجة من نفسها. فور صعودها لغرفتها هبه طلبت من عبير الاستعداد لترك القصر في الحال. عبير أبلغت أدهم بقرارها بالرحيل في الحال. وعندما سألتها هبه
عن ردة فعله أجابتها عبير: "وافق فورًا... وخرج مع فريدة." موافقة أدهم الفورية كانت كتابة كلمة النهاية ليس فقط لإقامتها في القصر لكن لزواجهم أيضًا. هبه قررت الرحيل قبل عودته. الوداع يصعب عليها الأمر. خافت من انهيارها التام أمامه. الألم يصبح غير محتمل. شعرت أنها مخنوقة فقررت التجول في الحديقة حتى تنتهي عبير من حزم أغراضهم. بعد حوالي ساعة عبير أبلغتها أنهم مستعدون الآن للرحيل.
هبه أخذت جولة أخيرة تودع بها المكان. تلكأت عند كل شبر تحفظ تفاصيله. بعد مقاومة مع نفسها قررت أخيرًا تقبل فكرة الرحيل. وقفت متخشبة وحقائبها الكثيرة تنقل إلى السيارة. عبير أدخلتها إلى السيارة كأنها طفلة لا حول لها ولا قوة. دموعها نزلت بهدوء حفرت قنوات على وجهها. كحلها مع مسكرتها حولوا عيونها الجميلة لعيون الباندا. السائق تحرك بالسيارة. خرج من القصر. راقبت بلوعة الحدائق وهي تختفي حاملة معها أجمل أيام حياتها.
بعد عدة دقائق من مغادرتهم القصر هبه صرخت في السائق وقالت بصوت أمر: "ارجع."
بدون نقاش نفذ السائق طلبها واستدار بالسيارة جهة القصر مجددًا. وسط أحزانها وطلبها من عبير أن تقوم بحزم أمتعتها هبه نست كنزها المدفون. كنزها الذي دفنته تحت مخدتها بعد رجوعهم من الصعيد. صورة أدهم وقميصه المستعمل الذي يحمل رائحته. هبه صرخت وأمرت السائق بالرجوع كي تذهب وتحضرهم. لا يمكن أن تغادر بدونهم فهم كل ما تبقى لها منه. سوف تصعد لغرفتها وتحضرهم ثم يذهبوا للمجهول مجددًا.
توقعت بالطبع عدم وجود أدهم بل وربما سيقضي الليلة خارجًا. السيارة أنزلتها أمام القصر. هبه أبلغت عبير وألماس أنها سوف تصعد لغرفتها لإحضار شيء نسيته وسوف تعود فورًا. عبير وألماس أصبحتا كل ما لديها الآن. كنزها سيساعدها على الصمود. هبه صعدت الدرج بهدوء شديد كانت تتسلل مثل اللصوص. وصلت لغرفتها. يداها بحثت عن زر الإضاءة وجدته بصعوبة في الظلام وأضاءت الغرفة.
المنظر الذي شاهدته عندما فتحت الضوء هزها بقوة. ضربها بعنف كأنها تعرضت لزلزال عنيف. إحساس الإنسان إذا ما ضرب ألف لكمة مجتمعين معًا. هناك على فراشها السابق شاهدت أدهم يحمل غلالة نومها التي خلعتها عنها قبل نزولها للعشاء المشؤم. عبير بالتأكيد نسيت أن تجمعها مع أشياؤها الأخرى. أدهم كان يحمل غلالتها قرب قلبه وعيناه مليئة بالدموع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!