وفجأة دخل الغفير يا ست الحاجة، الحقّي يا با العمده! الحقّ الأستاذ أكمل، العربية انقلب بيه في ترعة. هانم: إيه انت بتقول إيه؟ مين اللي وقع في ترعة؟ انطق يا ولد! الفقير: أكمل بيه يا حاجة، هو اللي وقعه. هانم: ولدي؟ ولدي؟ إيه يا أمي؟ صوت ليه؟ ماله أكمل؟ أمير: إيه يا أمي؟ صوت ليه؟ ماله أكمل؟ هانم: خايك مات، خايك ماااات يا أمير!
تعالي يا ولدي، يا حرقة قلبي عليك يا ولدي. الله يا ضنايا، لسانك في أول عمرك يا ولدي، ملحقتش تفرح بضناك يا ولدي. هانم وقع التليفون من أيدها. ولدي، ولدي يا بووووووي! الله يا ولدي! أمير: أمي، أمي! الو، الو، الووووووووووو! أتلم كل اللي في السرايا على صوتها. الجد: إيه يا هانم؟ حصل إيه؟ انطقي! هانم: ولدي، ولدي! آه يا قلبي! اااااااااااااه يا ولدي! الجد: انطقي بقى، إيه حصل؟ أمير: حصله حاجة؟
دخل شاهين، والد أكمل، والدموع في عينه. إنا لله وإنا إليه راجعون. هانم حطت أيدها على بوقها. لأ، متقولش كده. ولدي لساته عايش، صوح؟ متقولش عليه كده. ولدي عايش! شاهين: استعوضي ربنا فيه يا هانم، ولدنا راح عند ربه. شهقت نورما ووضعت أيدها على بوقها من الصدمة. هانم: ولدي ملحقيش يفرح بحمل مراته، ملحقيش يشوف ضناه، ااااه يا ولدي! الجد: بعدهالك عاد، سدّي خشمك!
مش عاوز الصوت يطلع في السرايا. ويلا، كلّه يجهز العزا، وحد يتصل بأمير علشان ييجي. هانم: أمير جاي؟ ولدي راجع يشيل كفن خايه؟ اااااه يا حرقة قلبي يا ضنايا، نار نار مشعللة كده، الاله يا ولدي! الجد وبصوت عالي: وبعدهالك عاد، ماعيزشي حد يطلع صوت، ولا حرمة تيجي تصوت هنا. ولدنا راح عند اللي خلقه، أمانة واستردها، وما بأيدينا شيء. الكل يجهز علشان عزا عريس عيلة العزاوي حينزف الليلة على جُبره. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي ظرف ساعة، كانت السرايا مليانة حريم علشان العزا. طلعت نورما الأوضة بتاعتها. نورما: بالهوي، يالهوي! أنا هعمل إيه في المصيبة اللي أنا فيها؟ هعمل إيه؟ طيب أقولهم الحقيقة؟ بس أنا كده هفضح سره، وهو دلوقتي عند ربه. وزي ما ربنا ستره وهو عايش، لازم أنا كمان أحافظ على سره وأستره. حلها من عندك يا رب. الله يرحمك يا أكمل، الله يرحمك. كنت حنين وطيب. فتح الباب ودخلت جليلة، الجدة، ومعاها ليلي. ليلي:
قلبي عندك يا بنتي، ربنا يصبر قلبك يا حبيبتي. ملحقتيش تفرحي. نورما: ماما، أهلاً. اتفضلوا. مين بلّغكم؟ جليلة: أباي، دي بلد كلها عرفت. وإنتي إيه اللي لابسااه ده عاد؟ وه وه! قومي قوي، البسي حاجة سودة وانزلي تحت جنب حماتك، استقبلي النسوان علشان العزا. إنتي ماعديش صغيرة، إنتي كلها كام شهر وهتبقي أم. نورما بشهقة: وإنتو مين قالكم على موضوع الحمل ده؟ جليلة: وه دي البلد كلها ملهاش سيرة غير ولد أكمل اللي ما يشوفش أبوه. نورما:
بس محدش لسه عرف. ليلي: حماتك تحت، مش سايبة حد غير وقيلاله على موضوع حملك. بس مش كان المفروض أنا أعرف الأول قبل حماتك؟ نورما: ماما، إنتي شايفة إن ده وقت كلام؟ مين يعرف الأول؟ وأنا جوزي لسه مدفنش. ليلي: حقك عليا يا بنتي، معلش. جليلة: بصي يا بت ابني، حافظي على اللي في بطنك زين، علشان ده اللي هيشيل كل حاجة. فاهمني؟ نورما بابتسامة باهتة:
آه، هيشيل. حاضر، هحافظ عليه. ممكن بقى تنزلوا تحت علشان أجهز أنا كمان، والبس الأسود يا جدة. جليلة: صح كده، زين الأصول. ما تزعليش. ويكون في معلومك، إنتي انكتب عليكي تيجي هنا. متعوّديش معانا. نورما: نعم؟ اللي هو إزاي؟ هو مش خلاص كده؟ إيه اللي هيقعدني تاني هنا؟ جليلة: ووه، شكلك معرفش عوايدنا زين. خبط الباب ودخلت هانم، وعلي وشها جبروت الدنيا كله، وراسها مرفوعة. هانم: خير يا مرت غالي؟ معتنزليش تاخدي عزا جوزك ولا إيه؟
كل النسوان تحت بيسألوا عليكي عاد، ولا أهلك معلموكيش كيف الأصول؟ جليلة: وإيه لازمته الكلام العفش ده عاد يا هانم؟ البت صغيرة والصدمة واخدها. ولسة بردك متعرفش عوايدنا هنا. هبابة وتكون جاهزة. هانم: هي ماعدتش صغيرة، دي هتبقي أم. ودلوقتي بقت أرملة. عيلة العزاوي لازم تتعلم أصولنا زين، وإلا حتعيش وسطنا كيف؟ نورما: أعيش وسط مين؟ ليلي مسكتها من أيدها علشان تسكت. نورما:
ماما، لو سمحتي سبيني أتكلم. علشان الكل بيلمح إني هفضل هنا. أفهم ليه. هانم: بصي يا بت الناس، موقتهوش حدّيتك الماسخ ده. خلينا ننزل ناخد عزا الغالي، وبعدها نتحدت في كلامك المايع ده. بس يكون في معلومك، ابن ولدي محدش حيربيه غيري. الكلام ده تحفظيه كيف اسمك مليح. محدش حيربي ولدنا غيرنا، فاهمة عاد؟ ليلي: ومحدش قال غير كده يا حاجة. نورما متقصدش، هي بس لسة مش عارفة عوايدكم كويس ولسة صغيرة مش فاهمة. هانم بحده:
لأ، ماعدتش صغيرة عاد. من هنا ورايح مبجتش صغيرة، دي حتكون أم عاد. كيف يعني صغيرة؟ نورما: خلصتوا كلامكم؟ حاضر. اتفضلوا أنتم تحت، وأنا حغير وأحصلكم. وبعدين نبقى نتكلم. مش وقت كلام ده خالص. نظر إليها الكل تحت نظرات تحذير من هانم، ونظرات إنذار من الجدة، ونظرات شفقة من ليلي. تركوها ونزلت.
قفلت نورما الباب وراهم، وانهارت في بكاء حاد. لا تعلم إن كان بكاء على فراق أكمل، لأنه كان معاها أحن من أبويها، أم بكاء على حالها وما وصلت إليه، أم بكاء على سرها المكنون بداخلها. انتهت نورما من استبدال ملابسها ونزلت. اتفا جأت من المنظر، السرايا كلها مملوءة بالنساء متشحات السواد بالكامل. منظر يفجع ويقبض القلب. شعرت نورما بالدوار، ولكنها تماسكت.
نزلت نورما وجلست بالقرب من هانم، والدة أكمل، وعلي وجهها جمود ومشاعر لا تفسر. أهي زعلانة أم ماذا؟ ولكن نظرات الذهول والخوف لا تفارق عينيها، كأنها تائهة في غابة في ظلام الليل، ومنتظرة يد النجاة. فاقت نورما على صوت إحدى السيدات وهي تقبّلها. السيدة:
تعالي في حضني يا مرت الغالي. أنا زينب، عمة الغالي. قطع بينا كليتنا، بس اللي قطعه ابنه حيوصله إن شاء الله. بس خالي بالك إنتي من اللي في بطنك زين، علشان ده امتداد لاسم الغالي. قلب عمته، ااااه يا أكمل يا حبيبي، قطعت بيا يا ضنايا. ابتسمت لها نورما ابتسامة باهتة بعدم رضا. هانم: بعدهالك عاد يا زينب. دلوق افتكرتي إن ليكي ابن أخ؟ اقعدي وبلاش دموع التماسيح دي هنا، علشان هنا الكل فاهمك عاد. زينب: الله يا هانم، هو فيه إيه؟
بلاش أحزن على ولد أخوي عاد؟ هانم: لا تحزني براحتك، بس بعد عن مرته. هي منقصلهاش عاد. كفايا باللي بيها. زينب: أبااااي عليكي عاد! وهي مالها بقيت مراته؟ ماهي قاعدة، ولا كان ميتلها ميت؟ قاعدة كيف الصقر، عينيها رايحو جابو، ما نطقتش بكلمة، وكأننا مش قد مقام عاد. هانم وبدأ صوتها يعلي: وبعدين معاكي يا زينت؟ هو ده وقت كلام ده؟ عزا ولدي. إنتي إيه مش بتحسي؟ اتقي الله بق. زينب وصوتها بدأ يعلي: أبااااي، أبااااي عليكي عاد!
هو إنتي متعرفيش تجعدي غير لما تسمعيني حدّيت ماسخ؟ طول عمرك بتكرهيني، حاقدة. ولسة هانم حترد عليها، لقت صوت مرتفع جداً. هو إيه اللي بيحصل هنا؟ أفهم، ده عزا. اللي مش بيحترم حرمة الميت، سعي الله شكركم وغفر ذنبكم، وشكراً يتفضل يستأذن. لكن صوت واحد يطلع هنا، لاء مش عاوز. والكلام كتير، الكل هنا يحترم حاله، الكبير قبل الصغير. هانم بصوت عالي: ولدي، ولدي!
وجرت بسرعة تحضنه. فهو أمير، سادة، إنه جاء ليحضر عزا أخوه، اللي كان أقرب له من شريانه. إنه أمير، داخل كيف الأسد، ملك لكل الزمان. جاء بهيبة كل رجال، وملامح القسوة والحزم مصبوغين على وجهه، كأنه يريد أن يخبر العالم أن قدومه كإعصار يدمر كل من يقترب. أحست نورما بزلزال قوي داخلها يهز جسمها كله، وكأنها علامة أنظار لها تنذرها بأن القادم أسوأ لها. فاقت على صوت أمه وهي تسأل أمير: وتطلع بق مين السنيورة اللي معاك دي؟ أمير:
دي هايدي، تقريبا في حكم متجوزين. خبطت هانم على صدرها: يا عيب الشوم! إنت اتجوزت من غير ما تقول يا ولدي! أمير: مش وقته كلام ده، بعدين حقعد وأحكيلك كل حاجة. دلوقتي قوليلي مين في حريم دول مرات أكمل؟ وهو بيتكلم، عينه وقعت عليها من غير ما يشعر، ولكن حس بخفقات قلبه سريعة، وكأنها حتقف. شعر أنها هي. استووووووب.
هذا عشق الروح ياسادة، لأن عشق الروح أسمى معاني العشق. عشق لا، يا كذب، لا، لأنه لا يعترف بالجمال ولا بالسن. عشق يأتي فجأة بدون مقدمات، فقط عندما تهمس روح لروح، تقف كل قوانين الحياة، تحدث خفقات في القلب بدون معنى ولا حساب. فروحي بتخطف الروح بدون سابق إنذار. أحببتك وأنا أعلم بأنكِ لستِ لي... ولكنني عشقتك... أحببتك وأعلم أن دياري ليست ديارك...... ولكنني عشقتك.. تسللتِ إلى قلبي بهمساتك.....
تعلقت بكي روحي لاااااااا جسدي.... سكنتِ أعماقي وتخطيتِ حدودي.... غمرتِ قلبي بحبك.... واشتاقت عيناي لرؤياكي أمامي.... أحببتك وأعلم أنكِ كالهواء..... أتنفسه ولاااااااا يمكنني لمسه... ولكنني أحببتك. كأنه العشق، نعم إنه العشق الذي يتغلغل داخل الروح، لأن عشق الروح أسمى معاني العشق. بااااااااك. فاق أمير على صوت أمه وهي تقول: أهيه يا ابني، مرات الغالي قاعدة هناك. الصبية الصغير اللي وسط الحريم دول.
قرب أمير منها، وقد تغيرت كل معالم وجهه إلى قسوة وتحجر، مما زاد في خفقات قلبها وشعورها زاد بالدوار، وكأن العالم يلف من حولها. أمير وبصوت أجش وعالي: وبدون مقدمات ولا سابق إنذار. إنتي؟ نورما قامت تقف وفي عينيها نظرات تحدي. أيوا، أنا مدام نورما. في حاجة؟ أمير بحده:
اتفضلي على فوق. ما أشوفش وشك تحت خالص. واعملي حسابك، إنتي هنا في حكم مراتي. يعني لحد ما تولدي، اعتبري إنك مراتي. مفيش دبانة تعدي، لازم أعرف بيها. وكتب كتابك حيكون يوم ولدتك، بس اعتبري نفسك متجوزة. خيالك ملمحوش برا قوتك. مفهوم؟ وبصوت أكثر علواً: مفهوووم؟ وكلامي مفهوممم؟ على فووووق يلااااا! ولسة نورما حترد عليه، لفت دنيا بيها، ووقعت على الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!