دلفت بخطى ثابتة نحو العنبر تحمل بيدها أكياس الطعام. نظرت حولها لترى موقعها، وعندما لم تجدها، هتفت السجانة سماح بصوت عالٍ: "فين دارين الشامي؟ جايلها زيارة أكل." نظرن حولهن يمينًا ويسارًا ولم يجدنها، فأجابت إحداهن: "تلاقيها في الكبينة (المرحاض) خطت ببطء تنادي عليها، ولكن فور أن دفعت الباب بقدمها، وجدتها غارقة بدماءها على الأرضية البلاطية للمرحاض. فصاحت طلبًا للنجدة من زميلاتها بالسجن:
"الحقوني… يا فتحية، يا أحلام… مصيبة." هرعن جميعًا لينظرن لسبب صراخها الحاد، فشهقن وتراجعن للخلف أثر دفع السجانات لهن. "ابعدي منك ليها… حد يبلغ حضرة المعاون بسرعة، و نادوا على الدكتور." بالفعل، توجهت إحدى السجانات لإحضار الطبيب، والأخرى هرعت لمكتبه. دلفت على الفور دون استئذان، فرفع بصره من أمام طعامه الذي بدأ للتو بتناوله، ولمعت عيناه بالغضب وهتف: "دخلك بتقول في مصيبة.. خير؟
لهثت وهي تخبره، فهي أعلم الناس بما ظنت أنه يدور خلف أبواب المكتب المغلقة، ورأت بنفسها ما فعله عندما حاولت الانتحار، وكيف أودعها الرعاية خوفًا عليها حتى اضطر لإيداعها عنبرها بسبب القوانين. ابتلعت في وجل وهتفت: "في مسجونة اتقتلت يا فندم." انتفض من مكانه وألقى بطعامه على المنضدة أمامه. اقترب منها بغضب وهتف متوعدًا: "شكلي كده لازم أعمل لي نمرة من بتوعي عشان الحَوش دول يتربوا!
التفت ليمسك سلاحه يضعه بخصره، وأحضر عصاه أيضًا، ووقف يضرب بها على راحته وهتف بعدم اهتمام: "أنهي مسجونة؟ حسناً، هي تعلم الآن أنها تقف أمام مدفع ملقم وجاهز للانفجار بوجهها. فإن كان يسلي وقته بها كأي فتاة تبيع جسدها مقابل معاملة خاصة، فلن يبدو عليه هذا الذعر. إذا، هي مشاعر ما يكنها تجاهها. فابتلعت لعابها بتوتر جلي وأجابت بتلعثم: "د.. دارين.. ال.. الشامي يا باشا." توقف تنفسه حرفيًا في تلك اللحظة، واختنق
صوته وهو يهتف بعدم تصديق: "مين؟ أعادت عليه الاسم، فدفعها من أمامه وهرع لعنبرها بسرعة هائلة ومندفعة. دلف لداخل العنبر فوجد الطبيب يفحص مؤشراتها الحيوية ليتأكد ما إن كانت على قيد الحياة. نظر خلفه عندما شعر بسخونة أنفاس أحدهم وراءه، وتأكد أنه سيف. فهتف بعملية: "الحالة صعبة يا باشا ولازم حالا تتنقل المستشفى. أنا اتصلت بيهم و حيبعتوا إسعاف…."
لم يكمل حديثه ليجده قد دفعه من أمامها بقسوة، وانحنى يحملها وكأنها دمية صغيرة بين يديه. ركض مسرعًا لخارج أسوار السجن، ووضعها بالمقعد الخلفي، وتوجه بالسيارة لمشفى السجن القريب جدًا من موقع السجن. دلف للمستشفى يحملها ويصرخ بالأطباء والحراس: "عايز دكتور هنا بسرعة." ركض أحد الأطباء بعد أن أخبر فريق التمريض بإحضار نقالة متحركة ليضعها عليها، وهتف متسائلاً: "بياناتها يا باشا عشان محضر الدخول."
رمقه سيف بنظرات أحرقته، فابتلع الطبيب لعابه برهبة من منظره المخيف، وصرخ بحدة: "الحقوها الأول وبعدين خد بياناتها يا دكتور." أومأ بطاعة وانصرف من أمامه باتجاه غرفة العمليات. سيف يقف مدهوشًا يكاد لا يصدق، فهي كانت معه منذ لحظات، بل كانت بداخل منزله ترتدي زي استحمام. فوقف لحظة يستند على أحد الجدران، يلطم وجهه بكفيه بحركة سريعة، ويكحت عينيه وهو يهتف: "اصحى يا سيف…. أنت أكيد بتحلم، ما هو مش معقول هي كمان هتسيبك."
علم رئيس المباحث بما حدث، فحاول أن يتدارك الأمر، فهو يعلم مشاعر رفيقه تجاهها. فأخبر المأمور بأنه سوف يتولى التحقيق بالأمر وأنه المسؤول أمامه. أمسك هاتفه وهاتف سيف، ليجيبه الآخر بعد أن رن أكثر من مرة دون إجابة، حتى استفاق من شروده على صوت رناته: "أيوه يا عماد." أجابه الأخير بلهفة: "أنت ودتها فين يا سيف؟ أوعى تتهور بلاش تأذي نفسك." أجابه بوهن: "متقلقش، إحنا في مستشفى السجن." تنهد عماد براحة وهتف:
"طيب الحمد لله، أنا حجيب الملف بتاعها و جايلك." صرخ به سيف: "بلا ملف بلا زفت…. حوطلي العنبر ده كله قبل ما يحبوا السلاح ويضيع حقها على كده، اعرفلي مين اللي عملت كده يا عماد." أجاب الأخير بحذر، فهو يعلم غضبه وقسوته في التعامل، وربما سيرى الاثنين معًا وتحترق الأرض وما عليها: "اهدى… متقلقش، أنا عملت كل ده بس لازم أجيبلك الملف عشان الملف الطبي بتاعها وكمان لأنها على قوة السجن وكده مش قانوني وأنت اللي حتتأذى."
ذرفت دموعه رغما عنه، واختنق صوته بالبكاء وهتف بتضرع: "أنا مش عايز حاجة غير إنها تعيش يا عماد…. وأي حاجة بعدها مش مهم، أنا مش، حستحمل موت تاني." هدأه قليلاً: "متخافش…. هتقوم منها يا سيف إن شاء الله، أنا جايلك حالا." أثار فضوله كثيرًا بعض الملفات المشفرة بحساب والد نيللي، فقرر أن يفتحها بالرغم من كونها لا تمت للقضية بصلة.
حاول كسر الرقم السري ليفك شفرة الملفات بمساعدة رجال من متخصصي البرمجيات، حتى نجح، ليتفاجأ بكم من التسجيلات المصورة والتي تعود لوقت امتلاكهم للفيلا موقع الجريمة. رأى تسجيلات مصورة لوالدها وهو يقف بالمطبخ يضاجع ما تبدو أنها خادمته، ومسجل الملف باسمها وتاريخ التسجيل.
أخذ يقلب في محتويات التسجيلات حتى وجد الكثير منها بالمطبخ وغرف الخدم وغيرها بالمرآب الخاص للسيارات. وجميعها تسجيلات فاضحة تبين مدى سوءته. ولكن الأمر الذي ظهر له عيانًا أنه يضع كاميرات خفية بمختلف أرجاء الفيلا، مما جعله يعود للملفات الأخرى ويعيد مراجعتها حتى وجد ضالته. آلاف الساعات من التسجيلات لكاميرا بالمطبخ تسجل أشياء غير مهمة بتاتًا، ولكنها تظهر جزءًا من البهو موقع الجريمة.
هذا ما وجده. ظل ساعات وساعات يحدق بشاشة حاسوبه، وأرجأ تسليم الأدلة التي وجدها حتى يستند محامي أكرم على دفاعه، ربما بعدم وجود أدلة كافية، فيفاجئه بتلك التي تدين موكله ليصفعه صفعة مؤلمة وقاصمة للظهر. ولكن الحقيقة يراها أمام عينيه بوضوح لا يغفل عنه أحد، ليشاهد التسجيل المرئي الذي يظهر فيه شجار واضح بين أكرم وبين القتيلة، لينتهي بإمساكه لها من الخلف محاوطًا رقبتها، وبحركة سريعة قام بكسر عنقها لتسقط صريعة على الفور.
ابتسم وهو يشاهد ذلك التسجيل مرارًا وتكرارًا، حتى دلف أحد مساعديه يهتف بلهفة: "في حاجة مهمة لقيناها في الفيديوهات يا فندم." نظر له سعد الدين بتدقيق، فاستطرد الأول: "جريمة قتل تانية." نهض من مكانه ببطء، وانتظر ليستمع لباقي حديثه، فأضاف: "الفيديو فيه أكرم وهو بيحط حاجة في قهوة والد المجني عليها، وبعدها بنص ساعة عمل حادثة بالعربية ومات." لمعت عيناه بالدهشة، ليكمل المحامي الذي يعمل لديه:
"أنا متأكد يا فندم إننا لو طلبنا تشريح الجثة حنلاقي آثار في جسمه من المادة اللي اتحطت في قهوتها." أجابه سعد الدين: "أولاً أبوها ميت من سنة تقريبًا، تفتكر الطب الشرعي حيقدر يلاقي حاجة؟ أومأ بعدم معرفة، ليجيب: "على الأقل نحاول عشان لو حاول يفلت من القضية التانية يلاقي دي قدامه وساعتها يبقى حبل المشنقة مستنيه." أخذ يفكر، ثم اتخذ قراره وهتف: "اللي يقدم الدليل ده بالمستند بتاعه لازم يكون حد من أقارب المتوفى."
أمسك هاتفه وبحث عن رقمها وضغط زر الاتصال، فمازحته نيللي برقتها التي تهز كيانه: "الو." ابتسم فور أن استمع لصوتها، وحاول قدر الإمكان أن يتحدث بجدية، فأردف: "تقدري تجيلي المكتب…. في حاجة مهمة جدًا وضروري نتكلم." اعتذرت عن المجيء متحججة: "أنا عندي ميتينج مهم وبعيد خالص عن وسط البلد ولسه قدامي ساعة على ما أخلص، ما حضرتك عارف إن شغل الشركة كله بقى تحت إدارتي من ساعة ما اتقبض على أكرم." أجابه بعملية: "طيب تحبي أجيلك أنا؟
وافقت على طلبه، فانتشى فرحًا. وعندما أخبرته أنها تجلس بأحد المطاعم برفقة عملاء وستفرغ منهم قريبًا، فهتف برجاء: "طيب أوعي تقوليلي إنك حتتعشى معاهم؟ تعجبت قليلًا من نبرته الودودة، ولكنها في الحقيقة معتادة على الإطراء، فلم تهتم لتردد: "لأ أنا مش بتعشى أصلًا." ابتسم من داخله وهتف بتمتمة: "بس حتتعشي معايا النهارده." لم تستمع لتمتمته، فهتفت: "بتقول حاجة يا متر؟ نفض رأسه وهتف بجدية زائفة: "لأ أبدًا، يلا سلام مش عايز أعطلك."
بعد مرور ثلاث ساعات وهو يقف أمام غرفة العمليات ينتظر خروج الأطباء ليطمئنوه عليها، ولكن طال الأمر وطال انتظاره ليزداد قلقه، حتى بدأ بالفعل بالشعور بالانهيار. اقترب منه رفيقه وحثه بهدوء: "مش كده يا سيف… أنت قد كده بتحبها؟ نظر له بعيون حمراء دامعة، وأنف متورم من كثرة كتمه لبكائه، وهتف بصوت مبحوح: "أنا كأني رجعت 3 سنين لورا وواقف بسمع خبر موتهم من تاني، نفس الوجع ونفس الخوف." ربت عليه رفيقه وهدأ من روعه قليلاً:
"الخبر الوحش بيوصل بسرعة، وطالما اتأخروا…." قاطعه بحدة: "التأخير ده بيقول إن في خطر عليها ومحدش عايز يطمني." فكر عماد قليلاً، فقرر استخدام سلطاته لطمأنة رفيقه. فدلف للبوابة المؤدية لغرفة العمليات، ونظر للممرضة التي أمامه وأمرها بصورة رسمية: "عايز التقرير بتاع المسجونة اللي في العمليات عشان التحقيق." أومأت بصمت وطاعة وهتفت: "حاضر يا فندم… بس ثواني أبلغهم يطلعوه عشان التعقيم."
وقف منتظرًا على أحر من الجمر، حتى أخرجت تقرير الإصابة، فامسكه منها وخرج به وأعطاه لسيف ليقرأه: (أصيبت المجنى عليها بثمان طعنات متتالية ونافذة بأسفل بطنها إلى اليمين قليلاً مما يدل أن مرتكب الجريمة يستخدم يده اليسرى) (أدت الطعنات إلى انشطار الزائدة الدودية مما تسبب بالتهاب الصفاق وانتشار العدوى بكامل البطن)
(أصابت الطعنات أيضًا جزءًا من الأمعاء الدقيقة مما أدى لحدوث تليف ونزيف بها وأحدث أضرار خطيرة استدعت التدخل الجراحي الفوري) قرأ سيف بعينيه، وظهر الوجوم على وجهه. أعاد النظر لرفيقه وعاد يقرأ صامتًا، حتى شعر بألم في معدته لمجرد تخيل مدى إصابتها وكم تتألم من أثره. ارتكز على الحائط، يبتلع غصة مؤلمة، ويهتف بحنق: "8 طعنات ولاد المفترية… ده حد قاصد يموتها مش مجرد إنذار ولا فرض سيطرة زي ما بيحصل." اقترب منه عماد
وقوس حاجبيه بفضول وتساءل: "تفتكر مين؟ أجابه بحيرة: "مفيش غير اتنين، يا لواحظ يا أكرم الكلب!! تناقش معه رفيقه لإيجاد الجاني، فردد: "ماعتقدتش إنه أكرم، لأنه في السجن ومش ممكن يعرف يوصلها." بوجه رافض أجاب: "عرف يوصلها قبل كده، ما كانتش صعبة عليه." تساءل عماد بإيجاز: "طيب ولواحظ؟ نظر له باستهزاء وسخرية، ألا يعلم من هي لواحظ واللعنة؟ فأجابه بحدة موبخة: "هو أنت شغال معانا في السجن ولا جاي ضيف يا عماد؟
لواحظ ما ليها زفت أتباع في كل حتة في السجن ورجالة جوزها مرشقين في كل حتة من أول المساجين لحد الحراس والنباطشيات بتوع العنابر." حاول تهدئة ثورته، فربت على كتفه بهدوء: "طيب اهدى شوية، أنا حرجع أشوف الدنيا إيه وأبقى أكلمك.. مع إني مش عايز أسيبك لوحدك." جلس على المقعد الحديدي المقابل لغرفة العمليات، وردد بإجهاد: "اتأخروا أوي."
جاءهما لبث أن أراح جسده على المقعد، حتى خرج ثلاثة أطباء تشاركوا معًا بجراحتها الخطرة، بعد أن علموا أنها تخص معاون مأمور سجن النساء بذاته. أحدهم رئيس الأطباء ومعه اثنين من الجراحين المختصين. انتفض بهلع يحدثهم بلهفة واضحة: "طمنوني." تولى رئيس الأطباء الحديث وأخبره بحالتها، فابتلع لعابه بقلق من معالمه التي توحي بأن تلك الراقده بالداخل تمثل له الحياة، فقال بهدوء حذر: "السجينة…" زفر بضيق وصحح حديثه:
"أقصد المريضة يا فندم اتعرضت لـ 8 طعنات…." قاطعه سيف مزمجرًا بصوته الخشن: "قولي الجديد يا دكتور مش اللي موجود في التقرير الطبي." أومأ موافقًا، فتحدث باستفاضة: "الطعنات كانت نافذة لدرجة إنها شطرت الزائدة لنصين، وطبعًا ده اتسبب في تسمم في الدم واضطرينا نعمل تنظيف لتجويف البطن بس…." صمت يبتلع لعابه وأضاف:
"الطعنات أصابت الأمعاء الدقيقة كمان، والحمد لله لحسن حظها إنها كانت بقالها فترة كبيرة من غير أكل عشان كده ملقناش مخلفات كتير تزود من التسمم أو تعمل التهاب بجدار الأمعاء." أخذ نفسًا عميقًا ليكمل شرحه المستفيض: "بس كان فيه أجزاء كتير اتهتكت واضطرينا نعملها استئصال لجزء من الأمعاء وربط الأجزاء السليمة مع بعض." أومأ سيف بتفهم، فهو كثيرًا ما يمر عليه حالات مماثلة وتتماثل للشفاء، فهتف: "بس حالتها ما فيهاش خطورة مش كده؟
تردد في إخباره عن مضاعفات ما حدث معها، ولكن بالنهاية هو مضطر لإخباره الحقيقة كاملة، فهتف بتوتر: "هو فيه شوية مضاعفات أساسية للعملية ده غير المضاعفات اللي ممكن تحصل لحالات أه وحالات لأ." ابتلع سيف رهبته بجوفه، ووقف صامدًا يستمع لشرح كبير الأطباء:
"الأساس هو متلازمة الأمعاء القصيرة، وده طبيعي بسبب استئصال جزء منها، ومضاعفاتها بتكون مشاكل في امتصاص الفيتامينات والعناصر الغذائية، ودي سهلة وبتتعالج. بس المريضة بتحتاج في الأول إن الكل يدخلها طري و مهروس، وإحنا حنتولى المهمة دي طول ما هي في العناية، وبعد ما تخرج بنفهم أهلها إزاي يتعاملوا مع أكلها، وطبعًا بتفضل تتابع مع دكتور لفترة كبيرة متقلش عن 3 شهور." أومأ له سيف، ولكن شعر بأن القادم سيئ، فهتف بجدية زائغة:
"غيره." عاد كبير الأطباء يهتف: "المشكلة التانية هي الإسهال، وبرضه ده أمره بسيط وبيتعالج إن شاء الله." هدر سيف بفراغ صبر: "اخلص يا دكتور…. عايز أعرف الأخبار الوحشة اللي باينة على وشك وفي عنيك." أجابه بهدوء حذر: "مفيش أخبار وحشة غير إنها مش هتقدر تتكلم لفترة." لمعت عيناه بنظرة ممتعضة، وضاق تنفسه قليلاً، فدعمه عماد بإسناد يده على كتفه وهتف متسائلاً: "ليه يا دكتور؟ شرح له بعملية:
"الجراحة دي من ضمن الآثار الجانبية بتاعتها التهاب رئوي وصعوبة في التنفس، وده غير مضاعفات التخدير اللي بتقفل شوية مكان البلع وبيكون صعب معاها الكلام والبلع طبعًا، فبنحط أنبوب مغذي عشان الأكل من فتحة الأنف." ضغط بابهامه وسبابته معًا تجويفي عينيه حتى يخفف من ألم عينيه ورأسه ويستعيد تركيزه من جديد، وهتف يسأل: "هتفضل قد إيه في المستشفى؟ عاد يجيبه كبير الأطباء: "أسبوع في العناية بالكتير، وبعده أسبوع في غرفة و…."
قاطعه سيف أمرًا: "طول وقتها في المستشفى تفضل في العناية وتحت رعاية مميزة وحراسة مشددة، مفهوم؟ أومأ كبير الأطباء بطاعة، فأضاف يسأل: "ينفع أشوفها؟ رددها برجاء، فنظر الطبيب لحالته وهتف بعملية: "هي قدامها وقت عشان تفوق من البنج، بس تقدر تبص عليها وهي نايمة."
أومأ بلهفة ودلف بعد أن ارتدى زي العناية المشددة فوق زيه الرسمي. وقف بجوار فراشها الذي يجاور أكثر من فراش، لا يفصلها سوى فاصل من القماش معلق على حامل حديدي مهترئ، كحال معظم المشافي العامة والمجانية، فما بال حال مشفى السجن! أمتعض وجهه بالضيق وهو يجدها متسطحة بجسدها، ترتدي زي العمليات الأخضر، والأنبوب المغذية تدخل أنفها وكفها، وأنابيب التنفس تغطي فمها ووجهها.
وجهها شاحب كشحوب الموتى، ليذكره بلحظات وداعه لزوجته الراحلة. فلا يستطيع كتم عبراته أكثر، لتتحول لشهقات يسمعها فريق التمريض الموجود بالعناية المشددة. مسح عبراته بكفه وانحنى يمسك راحتها الحرة من أي أنابيب، وطبع قبلة رقيقة عليها وهمس بجانب أذنها: "يا ريت في إيدي كنت دخلتك أكبر مستشفى ولا إني أسيبك هنا لحظة واحدة، بس غصب عني." التفت حوله ينظر لإحدى الممرضات، وحدثها بطريقة حادة: "أنتي…. تعالي هنا."
أطاعته، فيبدو أن الجميع هنا على دراية تامة بشخصه ومنصبه، فهتف: "هي حتفوق إمتى؟ أجابته: "قدامها مش أقل من ساعة، بس ده النوم رحمة ليها يا باشا." نظر لها مستفهمًا، لتردد مجيبة: "أصلها لما تفوق أكيد حتتألم جامد، العملية مش سهلة." خرج من جيبه حفنة من النقود ودسها براحتها، فامتنعت عن أخذها، ولكن أصر وهتف: "الحالة دي تخصني…. عايزك جنبها ومتسبهاش حتى عشان تدخلي الحمام، وأنا هبلغ الدكتور بكده عشان ميطلبش منك حاجة تانية."
صمت وعاد يكمل: "هو مفيش عناية خاصة هنا؟ أجابته: "في يا باشا." أومأ لها واتجه لمكتب كبير الأطباء، ودفع الباب بقدمه عنيفًا، ووقف أمامه بمنظر مخيف، وردد بصوت أجش: "المريضة اللي تبعي تتحط في العناية الخاصة لوحدها، وتعين لها الممرضة اللي قاعدة معاها دلوقتي ترافقها، وتحط عساكر للحراسة المشددة." نظر له الطبيب بتعجب، فحاول سيف شرح الأمر له وهتف موضحًا: "دي شاهدة في قضية كبيرة جدًا ومستهدفة، وغير كده قريبتي… فاهم يا دكتور؟
أومأ الطبيب معقبًا: "متقلقش يا باشا كله تمام." هم بالخروج، ولكن عاد ينظر له وهتف: "هبعت لأهلها عشان يعرفوا، وطبعًا حتسمح لهم يدخلولها." هو لم يكن يسأله بل يأمره بشكل متوارٍ، فأومأ بطاعة، ليلج سيف للخارج، متجهًا للعناية المشددة حتى يشرف بنفسه على نقلها. وبعد إتمام الأمر، أمسك هاتفه ليخبر سعد الدين بالأمر، فهو لا يمتلك الشجاعة ولا القوة الكافية لإخبار والديها.
قاد سيارته عائدًا لمنزله حتى يتأنق بشكل مبالغ فيه، ويضع عطره الأخاذ، ويصفف شعره بطريقة مختلفة حتى يظهر أقل جدية من مظهر المحامي المخضرم صاحب أكبر مؤسسات المحاماة بالدولة. فبرغم عدم إتمامه العقد الرابع بعد، إلا أنه استطاع استكمال مسيرة والده الراحل، وحفر اسمه بجانب عمالقة القانون.
هو لا يزال عازبًا رغم اقترابه على الأربعين، وذلك لإصراره على الزواج عن حب وليس فقط إعجاب. فوالدته المسنة والجاثمة على مقعد مدولب تحتاج لرعاية، وهو يتكفل بها، ولكن لن يوافق أبدًا على إرسالها لإحدى دور الرعاية. لذلك كان دائمًا ما يضع تلك العقبة أمام أي فتاة ينجذب لها أو تحضرها والدته للتعارف، فينتهي الأمر برفض الطرف الآخر تحمل تلك المسؤولية.
والآن وهو بنهاية عقده الثالث، شعر أنه لربما تأخر كثيرًا بإيجاد زوجة وتكوين أسرة، حتى رآها، ومن وقتها لم يكف عن التفكير بها. ولكن هل تقبل فتاة مثلها بجمالها الآخاذ أن ترتبط بشخص بمثل ظروفه؟ ولما لا تزال فتاة شابة مثلها بدون زواج، هل ترفض الزواج أم شأنها شأنُه تبحث عن الحب؟
دلف المطعم ليجدها تودع العملاء بحلتها الرسمية، والتي تبدو فيها بقمة أناقتها. فظل منتظرًا حتى ذهبوا جميعًا، فأقرب منها وانحنى يقبل كفها باحترام، فابتسمت له. جلسا، واستهل حديثه مازحًا: "ها تشربي إيه؟ ضحكت وشاركها الضحك لتردد هي: "لأ أنت هنا اللي ضيف، تحب تشرب إيه؟ أجابها بلهفة واضحة: "طالما حتعزمني فبصراحة أنا جعان وعايز أتعشى."
نظرت له متعجبة من طريقته المختلفة عنها بمكتبه، لتلاحظ تغير شكله أيضًا ليبدو أصغر سنًا وأكثر أناقة ووسامة. فرددت ببسمة منمقة: "أوك، مفيش مشاكل حعزمك على العشاء بس طبعًا حتسامحني إني مش حاكل معاك، أنا فهماك إني مش بتعشى." ابتسم برقة وأخبرها بإطراء: "أولاً لو خايفة على شكل جسمك فاحب أقولك إنك كده أكتر من perfect… و أكيد لو مش حتاكلي معايا يبقى تكنسلي العزومة." همس مشاكسًا: "أصل مش بحب حد يراقبني وأنا باكل."
أمالت رأسها للجانب ونظرت له بجدية تردف: "طيب مش كفاية هزار ونتكلم جد شوية." ابتلع بحرج وأجابها: "تمام، اطلبيلنا العشاء ونتكلم واحنا بناكل." انصاعت لطلبه ظنًا منها أنها بذلك تدخل بصلب الموضوع دون مماطلة منه، ولكنها كانت بعيدة كل البعد عن تحقيق مطلبها. فهو انتهز الفرصة ليثرثر بالكثير من الأحاديث الجانبية متحججًا بانتظار الطعام. بدأ النادل برص أطباق الطعام على المائدة، وشرعا بتناوله في صمت، حتى قطعته نيللي:
"مش حتقولي إيه الموضوع المهم اللي كنت عايزني فيه؟ أجابها بإيماءة بسيطة، ليبتلع ما في فمه ويهتف: "في دليل ظهر يبين وجود شبهة جنائية بوفاة عمك، عشان كده محتاج منك توكيل أرفع بيه القضية." نظرت له بدهشة وهتفت بفضول: "قصدك إن عمي اتقتل؟ أومأ مصدقًا على كلامها، فوضعت كفها على فمها تكتم شهقة كادت أن تخرج منها، فعادت تسأل بعد أن تداركت نفسها قليلاً: "أكرم؟ أجابها بإيجاز: "آه." زفرت حانقة ورددت بغضب:
"أنا عايزة أشوفه وهما بيعدموه يا سعد، من فضلك اقف جنبي." حسناً، انفصل هو للتو عن عالمه، وحوصر بداخل الأحلام. هل فعلاً نطقت اسمه الآن مجردًا من الألقاب بل وترجته للوقوف إلى جوارها؟ تجرأ قليلاً ومد ساعده يضع كفه على راحتها يواسيها برقة ويعطيها إحساسًا بالأمان وهتف: "متخافيش، أنا معاكي في كل خطوة."
شعرت بالحرج من لمساته، لتراه عيناها كما لم تراه من قبل، فما لعنته وسامته بعد أن تخلى عن نظارته وتصفيفه شعره التي تجعله يبدو بالخمسين من عمره، بل وزيه العصري، فبالرغم من ارتدائه لبدلة رسمية إلا أن تصميمها عصري وراقي، عكس بدلاته التي يرتديها أثناء العمل ذات الطراز القديم. رفعت وجهها بخجل تنظر له، فوجدته محدق بها بطريقة ثابتة وهتف بتأكيد: "نيللي…. أنا معجب بيكي."
انتظر ردها، ولكن لم يأتِ، حيث قاطعه رنين هاتفه المستمر، فنظر إلى شاشته ليجده سيف، فزفر حانقًا وأجاب: "اتفضل يا باشا." ظهر صوته المتعب والمنكسر بوضوح، وهو يقص عليه تفاصيل ما حدث لمعشوقته، وأضاف: "بلغ أهلها وخليهم يجوا هنا في المستشفى، وأنا هدخلهم." فزع سعد الدين من تفاصيل محاولة الاغتيال، فردد: "ده أكيد أكرم." قوس حاجبيه سيف بتعجب من ثقته، فتساءل: "إيه اللي مخليك متأكد أوي كده؟ ممكن تكون لواحظ." أجابه باستفاضة:
"ده قاتل قتلة، أنا مش بس معايا دليل البراءة اللي قلت لسيادتك عليه، أنا كمان لقيت تسجيلات وهو بيقتل مراته، والأدهى من كده إنه متورط بموت أبوها." صمته لا يعبر عن شيء سوى عن نيرانه المشتعلة، وصوت أنفاسه دل على انفجاره الوشيك. فحاول أن يهدأ وأغلق عينيه وعاد يحدثه: "هو محبوس فين الزفت ده؟ أجابه على الفور: "في قسم ( ) عشان لسه بيتحقق معاهم." مسح سعد الدين فمه بالمحرمة القماشية وتابع: "وتحقيق النيابة بتاع بكرة؟
أجابه سيف بغصة: "أكيد حيتأجل، هي لسه ما فاقتش." حاول دعمه ومساعدته، فهلل: "طيب أنت محتاج مني إيه مساعدة؟ أجابه سيف باختناق صوته: "مش عايز أكتر من إنك تسرع الإجراءات عشان البراءة، لأني عايز أنقلها مستشفى تاني." أجابه بالموافقة، فأغلق معه الاتصال، ونظر أمامه لتلك التي تستمع للحديث بفضول قاتل، فقص عليها ما حدث، لتشعر بالحزن على تلك الفتاة وتهتف: "غلبانة أوي يا سعد…. أنت بتاخد منها أتعاب ولا متبرع؟ أجابها بعملية:
"لأ طبعًا باخد أتعاب، أبوها بنفسه اللي جالي بعد ما ناصر الصواف محامي أكرم ورطها في القضية." رددت بحزن على حالها: "لأ يا سعد متاخدتش منها حاجة، وأتعابك كلها عندي بس تجيبله إعدام." ابتسم بجانب فمه، وأومأ موافقًا، واعتذر منها ليخبر أبويها بحادث الاعتداء.
وصلوا لأبواب المشفى، وقاموا بالاتصال عليه حتى يتيح لهم فرصة الدخول، ولكن غادر منذ لحظة إغلاقه لمكالمته مع سعد الدين، وتوجه للقسم المحبوس به أكرم، وطلب الدعم من رفاقه القدماء، فسهلوا له الأمر كثيرًا. سحبه العسكري من يده بقبضة فولاذية، ودفعه بقسوة ليترنح قليلاً. نظر أمامه فوجد رئيس المباحث، وذلك الشخص المجهول بالنسبة له يرتدي زي رسمي. نظر بنظرات فضولية وهتف: "هو في نيابة بالليل كده يا باشا ولا إيه؟ أجابه رئيس المباحث:
"تعالى يا أكرم الباشا عايز يتكلم معاك شوية." اقترب أكثر ووقف قبالة سيف الواقف بشموخ، واضعًا يديه بجيب سرواله الميري، ينظر له نظرات فاحصة. فاطرق أكرم رأسه برهبة، حتى جاء صوته الأجش يسأله: "أنت اللي بعت الناس عشان تقتلها؟ رفع وجهه بفزع وهتف: "قصدك مين؟ لكمه بوجهه لكمة عنيفة أنزلت الدماء من أنفه على الفور، وعاد يسأله بغضب أعتى: "أنت اللي بعتهم؟
حرك رأسه بسرعة ومرات متتالية يرفض الحديث، ولكن ذلك لم يشفع له، بالعكس زاده إصرارًا على الفتك به، فأخذ يكيل له اللكمات تارة، والركلات تارة أخرى، حتى تكور حول جسده يحاول تخبية وجهه من الضربات المؤلمة التي تلاحقه. انحنى سيف وأمسكه من تلابيبه وهتف متوعدًا: "لو عرفت إن أنت اللي عملتها…. قضيتك مش حتلحق توصل المحكمة، عشان حتكون ساعتها في المشرحة." وقف ينفض ملابسه بحدة، وأخرج هاتفه، وانحنى مرة أخرى يفتح كاميرا التصوير،
وقام بتسجيل حديثه: "سيبك بقى من الكلام عن القضية، أنا عايزك تبص في الكاميرا وترمي على دارين يمين الطلاق." تجمجم وجهه وكأنه يريد إنكار الأمر، فلحقه سيف يحذره: "وأوعى تكدب، أنا مش عايز منك غير كلمة الطلاق، الطلاق وبس." نظر أكرم أمامه لعدسة كاميرا الموبايل الموجهة له، وتنحنح حتى يجلي صوته، وردد: "أنتِ طالق." لكزه سيف في كتفه وأمره: "قولها تاني وقول اسمها المرة دي." بطاعة هتف: "أنتِ طالق يا دارين."
بدأت تفتح عينيها، ولكنها تعود وتغلقها لشعورها بالوهن الشديد. فتهاجمها ذكريات من ماضيها، ويتخللها لحظات من حاضرها، لينتهي الأمر بتخيلها لصورته أمامها يقف شامخًا مزهوًا بنفسه، يبتسم لها بحب، فتبتسم برغم الألم الذي يقتلها. تنظر فدوى لوجهها وتحدث أباها: "بص يا هشام… دي بتضحك." ابتسم والدها ونظر لوجهها الشاحب والمغطى بالأنبوب وقناع التنفس، فربت على يدها وهتف بحزن: "ربنا يقومها بالسلامة."
عادت تفتح عينيها مرة أخرى لتعود لإغلاقها، ولكن بدأت الآن تستمع للهمهمات حولها، لتميز أصوات الحاضرين ما بين أمها، وأبيها، وأخيها الوحيد. دلف سيف بلهفة، حتى أنه تناسى طرق الباب، ونظر أمامه للجميع معتذرًا: "أنا آسف يا جماعة…. هي عاملة إيه؟ أجابته فدوى: "لسه ما فاقتش." اقترب من فراشها وأمسك راحتها بين راحتيه، وردد هامسًا: "دارين…. قومي عشان تشوفي أنا عملت إيه عشانك."
نظر جمال لوالده بدهشة من جرأته في الحديث أمام عائلتها، ولكن سيف لم يهتم وأكمل همسه الدافئ لها: "يلا يا دارين قومي بقى، حقك خلاص رجعلك و بيرجعلك ولسه، أنا مش هأرتاح غير لما أجيبلك حقك من كل اللي آذوكي بس قومي." رمشت بعينيها وحاولت أن تعي ما يحدث حولها، ولكن تأثير التخدير أقوى من جسدها الهزيل، ولكن في النهاية استطاعت أن تفتح عينيها وتنظر أمامها، فوجدته يرتكز على الفراش بجوارها وعائلتها تلتف حولها.
ابتسمت وحاولت أن تبتلع لعابها، ولكن فشلت، لينزل شريط لعابها بجانب فمها، فشعرت بالحرج ودمعت عيناها. ابتسم سيف لها وأخرج محرمة بدلته ومسح لعابها، وأحكم قبضته على المحرمة وهتف بصوت رقيق: "بحبك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!