كان أثر الدهشة يعلو ملامحها وجعلها تتجمد في مكانها، فهي الآن في موقف لا تحسد عليه. ودت لو انشقت الأرض وابتلعتها. ماذا ستفكر بها تلك المرأة، والتي تبدو من الوهلة الأولى أنها والدته؟ فطريقة كلامها، وثقتها بنفسها، وصياحها العالي جعل دارين تفقد الثقة بنفسها قليلاً، وتتأكد من فشل محاولاتها للتقرب منها فشلاً ذريعاً ستلقاه فور أن ترى رد فعل والدته عندما يخبرها من هي بالتحديد.
فتنفست بعمق وهي تعلم بقرار نفسها أن ما حدث الآن ربما هو الأفضل لها، حتى لا تخوض تلك التجربة التي تبدو أنها مؤلمة من الوهلة الأولى. ظلت منار تصرخ وكأنها رأت شبحاً أمامها، فهي لا تتخيل أن وليدها البكر، المحترم والوقور، والذي لا يخالف تعاليم دينه ولا يضيع فرضاً من فروض صلاته، قد يفعل الفحشاء، بل ويأتي بعاهرة لمنزل زوجته الراحلة التي لا تزال سيرتها تفتح جراحه القديمة. هل احتياجات جسده قد تجعله يقع في المحظور؟
ولكنها لن تصمت على أفعاله، وحتى وإن أصبح بالخامس والثلاثين من عمره، فعليها تقويمه إن أخطأ. لمعت عينها وهي ترى تلك العاهرة من وجهة نظرها ترتدي ثوب الاستحمام الخاص بوليدها، فانقشع وجهها بالضيق لفكرة أنه قد دنس فراش زوجته الراحلة بذلك الفعل الدنيء. هدأت حدتها قليلاً عندما لم تجد أي رد أو استجابة من تلك العاهرة، فظنت أنها تنتظر خروجه من غرفة النوم ليقوم هو بالرد عليها. صرخت بحدة وصوت هادر تنادي عليه:
"اطلع لي هنا يا سيف… هي حصلت للدرجة دي؟ ظلت دارين تبتلع في وجل وهي تشعر أن قدماها قد ارتختا ولا تستطيعان حملها بعد الآن، ولكنها حزمت أمرها وهتفت بصوت ناعم: "هو مش هنا." نظرت لها بتقزز وسألتها بتهكم صريح: "أما ل فين؟ نازل يجيب لوازم السهرة مش كده؟ يا إلهي… نعم هي تظنها عاهرة، طُعنت بشرفها للمرة الثانية دون أن تقترف أي ذنب. ولكن لحظة، هل هي حقاً لم تقترف ذنباً؟ ظلت تحدث نفسها معاتبة:
"تستاهلي يتقال عليكي أكتر من كده… أنا غلطانة إني وافقت على كده، كان فيها إيه لو طلبت منه يوديني بيت بابا طالما عنده استعداد لكده!! صاحت منار تحدثها وكأنها كانت تتحدث ولم تنتبه لها دارين من فرط خجلها وشرودها بموقفها الحرج: "إنتي مش سامعاني يا بتاعة إنتي؟ بقولك ابني فين؟ أجابتها وهي تطرق رأسها لأسفل: "تحت في العربية." أمسكت هاتفها ورددت بتقوس فمها: "أنا هكلمه عشان أشوف إيه المهزلة اللي بتحصل هنا!
هل عليها أن توضح لها الأمر؟ أم تصمت لتتركه هو يتعامل مع حدة والدته بطريقته الخاصة؟ لم تعلم بالتحديد ماذا تفعل، فربما تخبرها أمراً يزيدها حنقاً، لذا يبدو أن الصمت أفضل وسيلة. أجابها بصوته الهادئ: "إيه يا ست الكل." صوتها الصارخ الذي صم أذنيه وحديثها المهاجم له وسرعة نطقها للكلمات المندفعة من فمها لم يجعله يفقه شيئاً من حوارها سوى بعلمه أنها بمنزله الآن وبهذه اللحظة بوجود دارين. صاح بلهفة:
"اهدّي يا أمي أنا طالع أهو ووطّي صوتك بلاش فضايح في العمارة." أجابته بحنق وتوعد: "هو انت لسه شوفت فضايح؟ بقا ابني أنا يعمل كده؟ لم يجد بداً سوى بإغلاق المكالمة فور أن دلف للمصعد، فربما تصمت عندما تجده قد أغلق الخط، ولكن هيهات، فهي قد ازداد صراخها حدة وغضب من فعلته: "بقّا بتقفل في وشي…. والله ما أنا ساكتة على التهريج ده." دلف منزله ذو الأبواب المفتوحة وصراخ والدته يصل حد باب المصعد، فاغلق الباب على الفور وانطلق
يقف أمامها يهتف بمهادنة: "إيه اللي بتعمليه ده يا ماما؟ في إيه؟ نظرت له نظرات متحسرة وهتفت بتوبيخ: "بقّا ابني أنا، معاون المأمور اللي متربي على الدين والأخلاق، ابن اللوا طلعت المهدي يعمل كده؟ تمهله فرصة للرد حيث صرخت: "لو عايز تتهبب ما كان قدامك هايدي بنت خالك المحترمة بنت الأصول وتقول لي لأ يا ماما أنا مبفكرش في الجواز، وانت مقضيها كده…." صرخ بحدة ليوقفها عن استكمال حديثها المخزي بحقه وبحق من أحبها قلبه،
فأجابها بضيق: "إنتي تعرفي عني كده؟ تعرفي عن ابنك كده؟ نظر لها نظرات متخاذلة وهو يردف: "لما أمي تفكر فيا بالشكل ده، أمال سبتي إيه للغريب؟ نظر أمامه ليجد دارين في عالم آخر وكأنها ليست معهم، ولكن لحظة، ما تلك اللعنة؟ هي ترتدي ثوب استحمامه، فابتلع لعابه من فرط ما شعر من منظرها المهلك لرجولته، ولكن عاد بسرعة لقوته وركز أنظاره على والدته يهتف بخزي: "ما حال إنك ملقتنيش في البيت؟ أما لو دخلتي لقيتيني كنتي إيه؟
طلبتي لي بوليس الآداب؟ حسناً، هنا حرفياً شعرت دارين أنها تقف عارية تماماً أمامهما بعد أن تنحّت الخادمة حتى لا تستمع لباقي حديثهما، فآثرت هي الأخرى على التنحي لترتدي ملابسها علها تستعيد جزءاً من كرامتها المهدورة على يد والدته. ضغط على أسنانه بغيظ وأضاف: "قبل ما ترميني بالباطل يا أمي… أنا ابنك اللي مربياه وعارفاه كويس، اسألي…. استفسري وبعدها ابقي ارمي اتهاماتك." نظرت لها بنظرات فاحصة ومتمهلة وهي تدقق النظر
بكل تفصيلة في وجهه وهتفت: "طيب قولي إنت مين دي وبتعمل إيه هنا؟ *** جلست بذلك الجحر الذي لا يرى الهواء وهتفت تتذمر وتهتف بحنق: "بقّا انت ظبطت كل الهالومة دي ومش عارف تطلعنا من البلد يا معلم؟ نظر لها زوجها بنفور وصرخ بها: "ما كله منك يا دماغ البهيمة، مخلصتيش عليها ليه وقتها؟ ولا خليتي الرجالة يخلصو عليها… أهي قالت لهم كل حاجة وأنا اتلطيت جنبك وبقيت قاعد شبه الولايا مستني اللي يهربني معاكي." صرخت لواحظ بغضب أهوج:
"هو انت عايز أي صخام تلبسهولي، وأنا مالي يا أخويا… انت مش المفروض مظبط كل حاجة ومرتبها صح؟! ردد بضيق وغضب: "ما عقلك اللي قد عقل العصفورة ده حيفهم إيه؟ مكانش ضروري يعرفوا إني أنا اللي هربتك يا لواحظ، مكانش في شهود تشهد عليا وكان على ما يخلص التحقيق والإجراءات بتاعتهم كان زمانا كاتينا من هنا، لكن هقول إيه؟ ثم أخذ يندب حظه وهو يضرب بيديه الاثنتين على فخذيه:
"فوض فيكي الأمر لله، طالما عارفة إن بنانتكم عداوة… يبقى ليه يا فالحة سبتيها؟ زفرت بحنق وغضب ورددت: "كان نفسي أتشافى فيها بس طلعت غبية، بس ملحوقة والبت دي مش حيطلع عليها نهار." وقف منتفضاً من مجلسه وهتف: "هي مش ناقصة جنان وتتصرفي من راسك يا لواحظ، إنتي كده بتدربكي علينا الدنيا." انتفضت هي الأخرى تردد بتوعد: "لا يا معلم عتريس…. أنا لواحظ المر والأجر على الله، ومش حتة بت زي دي تحبسني الحبسة دي وأني أسكت."
انحنى ناحيتها يردد بفضول تخلله نظرات فاحصة وهمس: "ناوية على إيه يا لواحظ؟ أجابته وشبح ابتسامة حادة ارتسمت على ثغرها: "هعمل اللي كان لازم يحصل من زمان وأهو نخلص من شهادتها خالص قبل معاد المحكمة." ابتسم لها زوجها وربت على كتفها يهتف بتساؤل: "المهم إن اسمنا ما يتلطش في الحكاية دي، كفاية اللي إحنا فيه؟ أجابته ببسمة فرحة: "متخافش أنا حبايبى كتير في السجن ومن يتمنى ياخدمني ومن غير مقابل كمان."
جلس بجوارها بعد أن تربعت بجسدها على الأريكة وهتف عتريس مزهواً بها: "عفارم عليكي يا معلمة، لواحظ المر بحق يا حرمنا المصون." *** تقدم سعد الدين بالأدلة الجديدة التي بحوزته للنائب العام، وتقدم أيضاً بطلب التماس إعادة التحقيق مع دارين بصفتها شاهدة لا أكثر، وطلب أيضاً الإفراج عنها بعد التحقيقات من سرايا النيابة ليؤول الاتهام لباقي المشتبه بهم دونها هي.
وافق النائب العام على ضم الأدلة الجديدة والمرفقة بالالتماس لملف القضية وحدد الغد كموعد لإعادة استجوابها والإفراج عنها ما أن كانت محبوسة على ذمة قضايا أخرى. شعر سعد الدين بالفرحة والسعادة لاقترابه خطوات كبيرة من تحقيق هدفه، ولكن صبراً، فلم تفرغ جعبته بعد من المفاجآت. قام بالاتصال على سيف ليبلغه آخر التطورات، ولكن وجد هاتفه مغلقاً، فعاود الاتصال بهشام. أجابه الأخير بأسئلة كثيرة وملهوفة وهو يهتف:
"يعني كده دارين براءة ولا إيه يا متر؟ طمني…. هتخرج امتى؟ هم هيحققوا معاها امتى؟ طمني يا متر." ابتسم الأخير للهفة والدها عليها وأجابها: "اهدّي بس واسمع، التحقيق في النيابة بكرة الصبح وإن شاء الله بعد التحقيق يتم الإفراج عنها، بس هي لازم حترجع للسجن عشان يفرجوا عنها من هناك والإجراءات ممكن تاخد لها يومين أو تلاتة." زفر براحة وسعادة، أخذ يتضرع للمولى ويشكره، ووالدتها تطلق الزغاريت الفرحة وتصرخ بلهفة:
"الفرج من عندك يا رب، بنتي مظلومة وانت عالم بحالنا يا رب." *** وقف مدهوشاً من حدتها وطريقتها معه، وكأنها ليست بوالدته التي ربته وأرضعته على طاعة الله ونبذ المعاصي. نظر حوله فلم يجد سوى هما، فأيقن أنها دلفت لترتدي ملابسها، ولربما شعرت بالحرج، ولكن لم يستطع أن يمحى صورتها من مخيلته وهي ترتدي رداءه وشعرها الغجري الذي يقطر ماء على عنقها المرمرى. طرد ذلك المشهد من رأسه وعاد ينظر لوالدته وهتف بخزي:
"إنتي مش معاكي مفتاح للشقة؟ أومأت بنعم، فأضاف: "ولما فتحتي الباب اتفتح معاكي؟ أجابته باستهزاء: "لأ… كان مقفول من جوه." عاد يسألها بضيق: "وده محسسكيش إن الوضع هنا مفيهوش أي حاجة غلط؟ صرخت بحدة: "إزاي يعني… أدخل شقة ابني ألاقي واحدة لابسة البرنص بتاعه ومستحمية وهو عازب، تبقى كانت بتعمل إيه؟ بتصلي مثلاً؟! أمعن التفكير في إجابته، فماذا عليه أن يخبرها؟
هل يخبرها الآن من هي بالتحديد ويتقبل رفضها الأكيد وفي حضرة من أحب، ويخاطر بتصادم معها قد يدفن الأمل بينهما؟ أم يختلق كذبة بيضاء قد تنجيه مؤقتاً من ذلك الصدام المحتوم؟ فكر وفكر ومنار تنظر له منتظرة منه إجابة، فزفر مختنقاً وأجابها: "كل الحكاية… إنها كانت محتاجة تاخد شاور وأنا عرضت عليها تطلع عندي وفضلت مستنيها في العربية." ضحكت بسخرية لاذعة وهي تستمع لهراءه وهللت بصياح عالٍ مسموع:
"لأ والله…. بقا هي احتاجت تاخد شاور فانت بقا الطيب الشهم طلعتها شقتك؟ لأاا فيك الخير." قوس حاجبيه بغضب وحلّكت حدقتاه وازداد تنفسه حدة مع ارتفاع درجة حرارته وكأنه يقف على جمر ساخن، ولم يخرجه من حالته تلك إلا سؤالها: "وتبقى مين بقا الهانم اللي انت كنت چينتل معاها أوي كده؟ أجابها بثبات: "تبقى البنت اللي ابنك بيحبها." ***
انتهت من ارتداء ملابسها وتجفيف شعرها، وأعادت الغرفة على ما كانت عليه واتجهت صوب الباب عازمة على الخروج، ولكنها تمهلت حتى تعطيهما فرصة للتحدث ولا تصبح متطفلة، ولكن أوقفها عن الاستمرار سماعها لآخر كلماته مع والدته والتي صرح فيها بحبه لها. عادت خطوة للوراء وهي تبتسم من داخلها. هل حقاً أحبها؟ ماذا بها ليعشقها؟ هل هي مميزة؟
هي لا ترى نفسها مميزة، بل على العكس تماماً، هي مندفع، وساذجة، ربما تكون متحررة بعض الشيء بأفكارها، ولكنها لم تدع الفرصة لأي مخلوق أن يتجاوز حدوده معها إلا عندما وقعت لأكرم بكلامه المعسول وإصراره على إيقاعها بشباكه. فضولها دفعها للاقتراب من الباب لتستمع لردة فعل والدته بعد أن ارتضت من داخلها أن تكمل تلك العلاقة، فربما أرسله الله لها كي يعوضها عما حدث لها من قهر وظلم وانتهاك لشرفها دون أن تقترف ذنباً يحاسبها عليه الله.
استمعت لحديث والدته المتعجب: "بتقول إيه يا سيف؟ مين دي؟ ابتسم بحنين ورقّق صوته وأجابها: "أيوة يا ماما…. ابنك أخيراً قلبه اتحرك…." قاطعته وهل تقلل من شأنها بطريقة مبتذلة: "قلبك اتحرك ناحية دي؟ اخفض تبرته خوفاً من أن تستمع لهما وأجابها: "مالها دي يا أمي؟ إنتي تعرفي عنها حاجة عشان تتكلمي عليها كده؟ صرخت بضيق: "وبنت خالك؟ ضحك ساخراً: "مالها بنت خالي؟ هو أنا اتكلمت في موضوعها ولا حتى وافقت إنك تتكلمي معايا فيه؟
تضايقت ورددت بحزن: "مش كنت أولى بيها من الغريب! احتضنها وقبّلها من أعلى رأسها وهو يهتف بفرحة: "القلب وما يريد يا سيادة المستشارة، إنتي مش كان نفسك إن ابنك يحب ويتجوز، أهو حصل وقريب جداً جداً حتفرحي بيه." لاحقته بالكثير والكثير من الأسئلة: "طيب هي مين؟ وأهلها؟ ودراستها واتعرفت عليها إزاي؟ احكي لي يا سيف." نظر لساعته ليجد الوقت قد تعدى الحد المسموح، فردت بتهرب:
"هحكيلك على كل حاجة بس بعدين عشان اتأخرت جداً ولازم أرجع الشغل." اقترب من باب غرفته ليطرق عليه، ولكن وجدها تقف، فابتسم لها وسحبها من يدها وهو يهمس لها برقة: "متخافيش…. الموضوع عدى، بس تعالي أعرفك على ماما وننزل على طول عشان اتأخرنا." أومأت بصمت وابتلعت لعابها بحرج وهو يحاوطها من كتفيها يقدمها لوالدته: "دي تبقى دارين يا ماما." مدت ساعدها لتحييها، فقابلتها الأخرى بتحية مقتضبة، وهو يكمل:
"ودي يا ستي أمي… الأستاذة منار، المستشارة السابقة للقانون الجنائي، وتبقى حرم اللوا طلعت المهدي، والدي طبعاً." غادرا الاثنان بعد أن ترك والدته بمنزله وبدأ بالقيادة على عجالة وهو يتأسف منها: "حقك عليا يا دارين، الموقف كان بايخ فعلاً وأمي زودتها شوية." أجابته وهي شاردة بالنافذة التي تجاورها:
"معاها حق وأنا فعلاً أسأت التصرف، وأي واحدة حتلاقي في بيت ابنها بنت واقفة بالبرنص يعني تقريباً عريانة حتفطر كده وأكتر من كده… أنا اللي حطيت نفسي في موضع شبهة، بس صدقني يا سيف أنا مكانش قصدي أبداً إني أخرج قدامها بالمنظر ده، هي اللي كانت بتخبط جامد أوي وأنا اتخضيت." لحظة!!! ماذا دعته؟ هل ردت اسمه دون ألقاب؟ هل حذفت لتوه الألقاب التي كانت تقف عائقاً بينهما؟
هل معنى هذا أنها بدأت تشعر تجاهه بشيء أو لربما بدأت تتقبله وتتقبل وجوده بحياتها؟ أوقف السيارة على جانب الطريق والتف ينظر لها بحب وهتف: "قوليها تاني كده؟ لم تفهم ماذا يعني وعن أي جزئية من حديثها يريد أن تعيده على مسامعه، فأخذت تهذي بحديث لا يهتم به هو مطلقاً: "أنا أقصد لما قلت نفسي في شاور مكانش في بالي إنك حتنفذ طلبي، وحتى لما قلت حتنفذه فكرت إنك حتوديني عند بابا." ابتسم بسمة جذابة لا تليق إلا به وحرك رأسه ضاحكاً
ضحكة صغيرة وهتف بغزل: "لأ يا حبيبتي، مكانش ينفع أوديكي بيت أهلك عشان بعيد والوقت كان حيروح في الطريق." صمت وهو ينظر لها بتسلية وهتف: "بس أنا سمعت صح، وقلتِ لي سيف حاف كده من باشا ولا فندم؟ انتبهت لنفسها فور أن تحدث لتعيد برأسها ما رددته، هل فعلاً قالتها دون ألقاب، فشعرت بالخجل وأطرقت رأسها، ليمد هو سبابته يرفع ذقنها لأعلى ويكوب وجهها بين راحتيه ويهمس بعشق: "بحبك…. أوعي تبعدي عنيكِ عني أبداً."
ابتلعت بخجل وحاولت أن تبتسم، ولكن ابتسامتها ذهبت مع الرياح فور أن تذكرت مأساتها، فأبعدت راحتيه عن وجهها وهتفت بضيق: "لأ يا سيف، أنا قلتلك كده غلط، أنا لسه على ذمته." شعر بنيران تحرقه من حديثها، فهو كلما تذكر حديثها عن زواجها المزعوم يتضايق، ولكن ها هي تدعوه باسمه مرة أخرى مجرداً من الألقاب، فعادت البسمة تزين وجهه الهائم بعشقها وهتف برومانسية: "طيب والنبي قوليها تاني! رددت بفراغ صبر: "هو إيه ده؟ أجابها بمشاكسة:
"اسمي." ابتسمت رغماً عنها وقالت: "قد كده بتحب اسمك؟ حرك رأسه رافضاً ما تقوله ليصححه لها بصوت حانٍ وهو يطبع قبلة بريئة على كفها: "لأ… بحب أسمع اسمي منك إنتي وبس." *** عادت لمنزلها بعد أن انتهت من العمل بمنزل وليدها، فوجدت زوجها يجلس بالشرفة يطالع الأخبار من جريدته المفضلة، فجلست إلى جواره بإجهاد ونادت على خادمتها التي دلفت للتو معها: "اعملي لي شاي يا حفيظة." وافقت بأدب رغم إجهادها هي الأخرى بمنزل سيف،
فنظر لهما طلعت وأردف: "الرحمة حلوة يا منار، الست كانت معاكي من الصبح سيبها ترتاح شوية." شوّحت بيدها بتذمر وهتفت: "سيبني في حالي يا طلعت، أنا فيا اللي مكفيني." ابتسم من طريقتها وهتف بتساؤل: "مالك؟ قصت عليه ما حدث بمنزل وليدها وأخبرته بأمر تلك الفتاة وأضافت: "يا خوفي يقع مع واحدة تاكل بعقله حلاوة، ولا البت تكون يعني…." قاطعه بحدة:
"اتقي الله يا منار، ابنك مش بيفوت فرض وعمره ما يغلط أبداً، ولا حد كان مانعه من الجواز لولا حبه لمراته، والمفروض إنك تحمدي ربنا إنه أخيراً لقى اللي تنسيه حزنه." اعتدلت بجلستها تنظر له بتصميم وحدة: "إنت معايا ولا معاه؟ بقولك خايفة عليه يختار غلط." أجابها بضيق: "هو إنتي غاوية وجع دماغ؟ كنتي بتكلميه كل يوم عشان يتجوز وكل شوية تشوفيله عروسة، ولا عشان بنت أخوكي اتطلقت يبقى خلاص كل بنات الناس حيبقوا وحشين ما عدا هايدي."
قوس فمها ووجهها بشكل عفوي أضحكه كثيراً وهتفت بفضول: "الولد بيقولي بحبها….. عرفها امتى واتقرب منها امتى وحبها امتى يا طلعت بس متجننيش؟ ده يا حبيبي من البيت للشغل ومن الشغل للبيت، ولا مرة خرج يسهر هنا ولا هنا ولا بيروح أفراح ولا جاب لي سيرة غير لما شفتها عنده في البيت! يبقى حصل امتى كل ده؟ أجابها ببساطة: "يا ستي يا خبر بفلوس بكرة يبقى ببلاش، هو مش قالك حيقولك كل حاجة؟
استني لما ييجي ويقولك من نفسه وبطلي أسلوبك معاه، ابنك مش صغير يا منار عيب كده….. المهم دلوقتي البنت حلوة؟ أجابته وهي يرتسم على ملامحها الضيق: "أه حلوة يا سيدي." ضحك عالياً وهتف يمازحها: "طيب أما اخلي الواد سيف يوريهالي يمكن أفكر أنا كمان في الخطوة دي من بعده." جحظت عيناها بلمعة غاضبة وهي تنظر له تهتف بحدة: "خطوة إيه دي يا طلعت؟ إنت ناوي تتجوز عليا؟
ضحك وضحك حتى سعل من كثرة الضحك، فارتشف بضع قطرات من المياه حتى يزيل حشرجة صوته وهتف ولا تزال نبرة صوته الضاحكة تؤثر عليه: "وأنا أقدر برده يا ست الكل…. هو أنا ألاقي زيك برده!! *** ترجلا من السيارة، فمشت بخطوات بطيئة متعمدة منها حتى تصبح خلفه وهي تطرق رأسها، فكفاها أقاويل تمس شرفها، حتى لاحظ تأخرها وراءه، فالتفت ناحيتها واقترب منها يردد: "متغديناش." ابتسمت رغماً عنها وهتفت محذرة: "ده وقته؟ وبعدين عشان خاطري بلاش كده."
قوس حاجبيه بدهشة، فهو لا يعرف عما تتحدث، فأوضحت: "مش عايزة حد يتكلم عني وعن سمعتي، أنا اتبهدلت أوي الكام شهر دول ومش متحملة أي تلقيح من أي حد، فلو ليا خاطر عندك وقف كل حاجة لحد ما أخرج من هنا وأجيب حقي من اللي أذاني وأطلق منه وبعدها نبقى نتكلم." زفر بحدة وأمسكها من ذراعها بقسوة وهتف: "إنتي ليه عنيدة كده وبتحبي تنرفزيني؟ أنا مش قلتلك أنا حخلص موضوع الطلاق ده؟ ولا إنتي مصرة الحكاية تبقى علني واللي ميعرفش لازم يعرف."
سحبت ذراعها منه بحدة وهتفت بضيق: "قول بقا إنك حتتكسف مني وخايف الناس تعرف ولا أهلك يعرفوا… مش كده؟ لمعت عينه بالغضب وأنذرت ملامحه بخروج نيرانه المشتعلة، فهسهس بحدة جازاً على أسنانه:
"اللي أقول عليه يتسمع يا دارين….. لما أقول الموضوع حيخلص من غير شوشرة يبقى يخلص من غير شوشرة عشان لا أنا ولا إنتي في حاجة للمشاكل والمحاكم اللي حبالها طويله وحتاخد وقت لحد ما اللي إنتي عايزاه يتعمل… ولا أبوكي وأهلك حمل مصاريف قضية تانية ولا حيستحملوا اللي حيحصل من رد فعل الناس في قضية زي دي، فاعقلي كده يا حبيبتي وخلّينا نخلص بسرعة عشان أنا مستعجل."
أنهى كلماته التي بدأت بحدة بمرح، غامزاً لها بعينه، فابتسمت رغماً عنها، لتوبخ نفسها كيف يستطيع أن يرسم البسمة بذلك الشكل على وجهها، فهتفت: "طيب ربنا يحلها من عنده، بس عشان خاطري يا سيف خلينا نتكلم أكتر ويا أقنعك يا تقنعني." ابتلع لعابه بإثارة وقضم شفته السفلى فور أن نادته باسمه، فيبدو أنه سيكون البلسم لجراحه والدواء لداءه، وردد: "قوليها تاني كده." رددت بدلال زائد قاصدة زعزعته: "عشااان خاطري يا سيييف." أغمض عينيه وهتف:
"سيف اللي طالعة منك بتجنن دي ممكن بيها تاخدي عنيا الاتنين وأديهوملك وأنا مبسوط وراضي، وشكلها كده حتبقى نقطة ضعفي." ضحكت برقة، فأضاف: "هبعت أجيب أكل وأبعتلك تاكلي معايا عشان متغديناش." حركت كتفيها باعتراض وهتفت: "بلاش… صدقيني مش حستحمل أي تلقيح من أي حد." انصاع لرجائها فردد: "طيب خلاص هبعتلك أكلك في العنبر، ماشي كده؟ أومأت بالموافقة فسألها: "تحبي تاكلي إيه؟ أجابته بإيجاز:
"أي حاجة… مش حتأمر حتى لو فول وطعمية حتبقى أحلى ميت مرة من التعيين بتاع السجن." اقترب من أذنها وهتف بإثارة: "أجيب لك شاورما؟ وافقت، فعاد للوراء بعد أن سحب رائحة شعرها بداخله وهتف مشاكسًا: "لأ…. وريحة الشامبو بتاعي على شعرك أحلى بكتير من ريحته عليا." ابتسمت بخجل وأطرقت رأسها لأسفل، فردد مشاكسًا: "لأاا أنا هبعتلك على العنبر بتاعك أحسن لو قعدتي معايا أكتر من كده وشك حيقلب على طماطم وساعتها فعلاً حيتكلموا علينا."
استدعى الحارسة وأمرها بأخذها لتغيير ملابسها لملابس السجن وإيداعها عنبرها، وأمسك هو هاتفه يأمر عامل التوصيل بإحضار الطعام لهما. *** دلفت المرحاض لتغيير ملابسها، فنظرت حولها لتتذمر بتقزز: "أوف بقا… ده أنا كنت نسيت شكل الحمامات النضيفة، يا رب هون الأيام عليا."
انتهت من تبديل ملابسها وقامت بتسليم الملابس المدنية للحارسة، وقادتها الأخيرة لعنبرها، فجلست على فراشها تراجع أحداث اليوم حلوه ومرة، لتشعر أخيراً بالسعادة والراحة النفسية، حتى أتاها صوت سيدة الممازح: "مستر كراتيه… إزيك؟ نظرت لها بتفاجؤ وهتفت: "سيدة؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ أجابتها الأخيرة: "لسه منقولة انهارده ظاظة من العنبر بتاعي… ها إيه رأيك في المفاجأة دي؟ أومأت بعدم اهتمام، فاقتربت منها وهمست بأذنها بتوعد:
"أوعي تفتكري إني نسيت عملتك السودا اللي دخلتني التأديب شهر بحاله ولا بضاعتي اللي اتصادرت؟! رمقتها دارين بتعجب، فأضافت: "مخضوضة من إيه؟ ولا تكونيش فاكرة إن سيدة ممكن يتضحك عليها؟ أنا قولتلك قبل كده إني غير لواحظ خالص ولما أحب آخد حقي بأخده من غير شوشرة ولا استعراض زي غيري، فانتي مفيش قدامك غير حل واحد ملوش تاني، إنك تدفعي لي تمن الخساير اللي خسرتها بسببك وأنا يا ستي مسامحة في حقي في التأديب اللي أخدته."
انتفضت دارين تهتف بغضب: "حق إيه وخساير إيه وفلوس إيه أنا مش فاهمة حاجة، إنتي مالك ومالي؟ أوضحت لها وهي تسحبها من يدها تجلسها بجوارها مرة أخرى: "اقعدي بس متبقيش حمقيه كده وافهمي…. أول هام عايزة تمن الموبايل اللي طلبتيه يا عنيا." أجابتها ببراءة: "إنتي مجبتليش موبايلات." أجابته ببرود: "لأ هو اتجاب بس كنتي إنتي بقا انتحرتي وبعدها فتشوا العنبر وصادروه، يبقى فلوسه على مين؟ ابتلعت لعابها وشعرت أنها محقة، فإماءت موافقة،
لتضيف سيدة: "وعايزة حق كل البضاعة اللي اتصادرت كمان." عاد الوجوم لوجهها تهتف برفض: "لأ طبعاً أنا مليش دعوة، أنا هدفع تمن الموبايل وبس." أمسكتها سيدة من ذراعها بحدة غارزة أظافرها بلحمها قاصدة إيلامها وهتفت بتوعد:
"منا نبهتك إن اللعب معايا خطر.. البضاعة دي اتصادرت بسببك وبسبب عملتك، يبقى إنتي اللي حتشيلي الليلة دي كلها، يا أما قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم، 10 آلاف جنيه بالتمام والكمال وقدامك يومين اتنين، وإن مجهزتهمش اليوم التالت حياخدوا فيكي العزا في عمر مكرم، وحجيبك حتى لو كنتي في بطن الحوت." وقفت تتجه لفراشها لتعود وتنظر خلفها توجه أنظارها لدارين وتهتف بتحذير:
"أنا بدي فرصة واحدة بس، ومش بتنيها، وإنتي اللي حتكوني الجانية على نفسك." ابتعدت عنها لتعود دارين لحالتها الحزينة وهي تشعر بكم الكره والحقد المتشرب به جدران ذلك المكان الكريه، فشعرت بحرارتها قد علت، فتوجهت للمرحاض بسرعة لتغرق وجهها بالمياه حتى تطفئ نار جحيمها الأزلي وتفكر في سرها: "هو بابا حيلاقيها منين ولا منين بس يا ربي؟ دي اللي كانت عاملة صاحبتي وراسِمة إنها ملاك."
زفرت أنفاسها وهي تقف تجمع شعرها بكومة غير منمقة وتضع حجاب رأسها الأبيض بعد أن جففت وجهها ويدها به، واتجهت لتخرج، فارتطمت مبغتة بإحداهن وهي دالِفة للمرحاض، فاعتذرت منها، وقبيل أن تغادر، حاصر جسدها الممتلئ كانت أخرى خلفها تضع يدها على فمها، والأولى تغرز نصل مديتها بأسفل بطنها بقسوة، فخرجت آهة مكتومة منها وجحظت عيناها بلمعة الألم لتهتف السجينة: "المعلمة لواحظ بتقولك الحساب يجمع ووقت الدفع."
ظلت السجينة الثانية تطوقها من الخلف وتكتم صوتها، والأولى تخرج المدية وتغرزها مرة أخرى بطعنات متتالية، واحدة واثنتان وثلاثة، حتى وصلت لست طعنات متتالية بنفس المكان. زَاغت عيناها وبصقت الدماء من فمها وابتلعت بوجل وألم، فهتفت السجينة الثانية: "كفاية يا اختي حنتبهدل دم." أجابتها الأولى: "المعلمة وصاني مسبهاش إلا وهي مخلصة على الإخراج." أجابتها الأخرى:
"ما هي خالصة أهي يلا من هنا قبل ما حد يشوفنا وارمي المطوة دي في عين الحمام." فعلت ما أخبروها به وخرجتا من المرحاض وكأنهما لم تفعلا شيئاً، لتظل دارين ملقاة على الأرضية العفنة بمرحاض السجن تنزف بغزارة من بطنها وتبصق الدماء من فمها تهتف بتقطع حتى غابت عن الوعي: "س.. سيييف !!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!