الفصل 11 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل الحادي عشر 11 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
19
كلمة
7,121
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

شردت بملامحه الوالهة بها، وحاولت أن تبتسم، ولكن عدم قدرتها على ارتجاف لعابها أحرجها كثيراً، فظلت تبكي، فاختلطت عبراتها بلعابها المنساب رغماً عنها. فدمعت عينا سيف وهو يعود ويمسح لها عبراتها ولعابها بمحرمته، ويكوّب وجهها براحتيه، ويهتف بحب: "عياطك بيحرقني... عشان خاطري ما تعيطيش." من ورائها، نظرت والدتها لأبيها نظرات فرحة لشعورها بالراحة بعد أن اعتبرته العوض الذي أرسله الله لها ليعوض عليها أيامها السيئة.

بادلها هشام بنظرات واجمة، رافضة لما يحدث أمامه من تجاوز، ولكنها ابتلعته بجوفه، فبالأخير هو ساعدهم كثيراً بقضيتها، وحتى تلك اللحظة يرون المعاملة الخاصة التي تُعامل بها، حتى أنه خالف قوانين المشفى بوجود زوار ومرافقين، فبالنهاية هو مشفى السجن وليس منتجعاً سياحياً. أما أخاها جمال، فلم يستطع إخفاء غضبه، فتساهله قديماً مع المدعو أكرم هو ما تسبب بما فيه هي الآن، فاقترب منه وردد بجدية: "اتفضل اقعد على الكرسي يا باشا."

كان يقصد بحديثه أن يبتعد عن فراشها، وعن تحديقه بها، بل وإمساك راحتها بذلك الشكل الحميمي غير مهتم لوجودهم. تَنَحْنَحَ سيف بعد أن أفاق من سهوه الذي جعله يفيض بمشاعره هكذا أمامهم، فنهض من على الفراش وجلس على المقعد المجاور له. دَلَفَت الممرضة لتساعدها على الجلوس بدلاً من الاستلقاء، وهتفت بعملية: "حجيبلك الأكل دلوقتي عشان ميعاد الدوا."

تحسست وجهها بيدها لتجد تلك الأنابيب التي تخترق فتحة أنفها مروراً بقصبتها الهوائية لتصل مباشرة لمعدتها، وأنبوب آخر بيدها به إبرة طبية لتوصيل المحلول المغذي، وأنبوب آخر ينتهي بقناع التنفس الموضوع على وجهها. وأكثر ما آلمها هو رؤيتها للممرضة وهي تفرغ كيساً مربوطاً بأنبوب آخر مثبت بمثانتها لتصريف البول. فتحول بكاؤها الصامت لأنِين وانهيار وهي تدير وجهها خجلاً من المشهد أمامها.

شعر سيف بالحرج، وربما تبكي لحضوره ورؤيته لها بذلك الشكل، فولج للخارج حتى تنتهي الممرضة من عملها. رَبَتَت والدتها عليها بحنان تواسيها: "اهدّي يا حبيبتي، الحمد لله على نعمته يا دارين، إحنا كنا فين وبقينا فين؟ عدم قدرتها على ابتلاع الطعام جعلهم يفرمونه ليصبح سائلاً مقززاً يُسحب بإبرة ضخمة ويُحقن بداخل أنبوبها الموصول بجوفها. ظلت الممرضة تملأ الإبرة وتفرغها، حتى رفعت دارين يدها تطالبها بالتوقف، ولكنها أبت معللة:

"لازم تخلصي الأكل عشان العلاج." أَنَحَبَت لرفضها الانصياع لرجاء عينيها، وهي تزَمْجَرُ غاضبة تحاول أن تخبرهم بحاجتها، ولكن لم ينتبه أي منهم لرجاءها. استأذن سيف بحرج، ودلف فوجد الممرضة تطحن لها دواءها وتضعه بنفس الأنبوب الملحق بأنفها، ليجد عبراتها التي أغرقت وجهها، فصاح بحدة: "براحة عليها شوية." أجابته الممرضة برهبة: "والله يا باشا مش بيوجعه." تساءل: "ولما هو مش بيوجع بتعيط ليه؟

حركت كتفيها علامة على عدم المعرفة، فاقترب من فراشها وهتف برقة: "مالك يا دارين؟ عايزة إيه وأنا أعملهولك؟ ظلت تبكي وتنتحب، وهو عاجز أمامها، فهتف يطمئنها: "الدكتور قال كلها يومين وتقدرى تتكلمي... عشان خاطري كفاية عياط." مسح بابهامه عبراتها المنساقة من عينها، فحركت يدها ترسم شيئاً، ففهم إشارتها بحاجتها لإحضار ورقة وقلم، ليهتف مجيباً: "عايزة ورقة وقلم؟ أومأت بنعم، فنظر للممرضة التي انتهت من عملها وأمرها:

"هاتي أي دفتر وقلم بسرعة." هرعت لتنفيذ أوامره، فجلس بجوارها على الفراش، ليعود الوجوم لوجه أبيها وأخيها، ولكنهم لم يهتموا، وهتف بجدية: "قادرة تركزي معايا شوية؟ أومأت بنعم، فسألها: "عارفة مين اللي عمل كده؟ أومأت مرة أخرى، فردد: "أكرم؟ أومأت بلا، فاستطرد مستفهماً: "لواحظ؟ أومأت بنعم، فقضم على شفته السفلى بغيظ وسألها مجدداً: "شفتي مين اللي ضربوكي؟ أومأت ورفعت إصبعين ليفهم أنهما اثنان، فأعاد سؤالها: "تعرفي أساميهم؟

أومأت بلا، فسأل: "طيب معاكي في العنبر بتاعك؟ أومأت بنعم. هي نقلت حديثاً للعنبر، فكان من الصعب عليها أن تتعرف على جميعهن، خصوصاً ومكوثها معظم الوقت بالرعاية. ردد سيف بضيق: "اللي ضربتك بالمطواة بتستخدم إيدها الشمال." أومأت مصدقة على حديثه، فسحب نفساً عميقاً وزفره بحدة، فعادت للبكاء، ليشعر بالغضب أكثر وأكثر، ووقف محتد الملامح وهتف: "دارين... انتي أقوى من كده، أنا مش عايز أشوفك منهارة بالشكل ده."

طَرَقَت الممرضة وأدخلت الدفتر والقلم وغادرت على الفور، فوضعه على فخذيها ووضع القلم داخل راحتها، فأخذت تكتب وتكتب، ليقرأ هو خطها السيئ: (واحدة كتفتني من ورا مشفتهاش، والتانية عندها علامة في وشها زي الجرح) تنفس ببطء وهو يمسك هاتفه يتصل برفيقه الذي أجاب على الفور: "أيوه يا سيف... "اللي عمل كده صباح وهي وشلتها في التأديب لحد ما تيجي." أضاف عماد عندما وجده صامتاً:

"لقينا سلاح الجريمة مرمي في الصرف بتاع الحمامات، ومتقلقش أنا روقتلك عليها لدرجة إنك مش هتعرف تميز شكله." لم يستمع لرده، فقط صوت تنفسه هو ما يخبر الطرف الآخر أنه لا يزال على الخط، فسأله: "انت مش جاي الشغل النهاردة؟ أجابه بإيجاز: "لأ." عاد يسأله: "طيب جاي امتى عشان أبلغ المأمور؟ انت في المستشفى من امبارح." أجابه بصوت غاضب: "أنا مش همشي من هنا إلا وهي معايا."

لحظة صمت من الجميع، وذهول لاستماعهم لحديثه، فعائلة دارين وهي معهم لم يتخيلوا أبداً أنه يكن لها هكذا مشاعر قوية، أما رفيقه تعجب من مشاعره الفياضة والتي قبلًا كانت تمثل له جبلاً من الجليد، فهتف: "أيوه يعني والشغل؟ صرخ بحدة أجفلته: "يتحرق الشغل يا عماد... انت عايزني أسيبها لوحدها عشان اللي فشلوا فيه في السجن يتعمل هنا؟

اختنق تنفسها على الفور بعد استماعها لحديثه، لتعلم أنها مهددة بالقتل، فتحشرجت أنفاسها، ليصدر ذلك الجهاز المسؤول عن مدها بالأكسجين أصواتاً عالية منذرة، فيرمي سيف هاتفه ويهرع ناحيتها، وتصرخ فدوى: "بنتي... دارررين، مالك يا ضنايا فيكي إيه؟ اتجه سيف بذعر وفتح باب الغرفة وصرخ بالممرضات: "حد يلحقنا... انتوا فين؟ أتت الممرضة المسؤولة عنها ودلفت سريعاً لتقوم بتعديل جهاز التنفس ليلائم حالة الاختناق التي تتعرض لها، وتبعها كبير

الأطباء الذي هتف برجاء: "أرجوك يا سيف باشا تخرجوا عشان نعرف نشوف شغلنا." خرجوا جميعاً رغماً عنهم، ليتنفس سيف بعنف ضارباً الحائط بقبضة يده بقوة دامية، فجرحت بشكل كبير. اقترب منه جمال ينظر لحالته بدهشة، فرفع سيف عينه الباكية باتجاهه وهتف مؤكداً: "بحبها." أماء جمال وربت على كتفه بحنان، ولكن عاد يفكر أن شخصاً مثله لابد وأن يكون متزوجاً ولديه أسرة، ليذكر لقاءهم بمكتبه وذلك الإطار الذي به صورة غاليتيه، فيتأكد من ظنونه فيه،

يهتف بداخله: "ليه حظها دايماً جاي مع الشخص الغير مناسب؟ زفر حانقاً وأصر بقراره نفسه أنه لن يوافق أبداً على تلك المشاعر، مهما توسلته هي أو قدم هو من تنازلات، فيكفيهم عقبات ما حدث حتى الآن، ولكن لن يتحدث الآن، فليطمئنوا عليها أولاً، وربما لتنال براءتها، وبعدها يأخذ موقفه بطريقة صارمة. استغل علاقاته وصلاته الواسعة حتى يستطيع الذهاب بزيارة استثنائية لها برفقة نيللي التي ترجته للذهاب معه لزيارته.

دَلَفَ بعد أن استأذن ليجد سيف بهالته وطلته التي توحي أنه خرج للتو من عزاء شخص قريب لقلبه، فشعر بمدى قوة مشاعره تجاهها. تَنَحْنَحَت نيللي وهي تنظر لتلك المسجاة على فراش المرض وهتفت بأسف: "ألف سلامة عليكي." أومأت بصمت وأطرقت عينيها لأسفل، فعادت تؤازرها: "والله سعد الدين شغال على القضية وحتخرجي براءة إن شاء الله، تصدقي إنه طلع له يد في موت عمي أبو چيچي الله يرحمها...

أنا مش مصدقة نفسي بصراحة إزاي واحد زيه يطلع منه كل ده و... ظلت تثرثر وتثرثر ودارين فقط تستمع لها، فنظر سعد الدين يغمز بعينه لأهلها، ففهموا أنه يريد محادثتهم. خرجوا للاستراحة، واستهل حديثه بتمني الشفاء العاجل وأكمل: "أنا لسه راجع من النيابة، عملت تأجيل للتحقيق بتاعها عشان تعرف تدي أقوالها، بس قدمت التماس عشان ننقلها مستشفى خاص تحت الحراسة خصوصاً إنها مستهدفة." نظر له سيف بوجوم وهتف: "وطبعاً الالتماس اترفض؟

أماء مؤيداً، ولكن عاد يطمئنهم: "هي أول ما ينفع تتكلم النيابة حتحقق معاها وتخرج على طول." سأله جمال: "والزفت التاني؟ ابتسم له وهتف متشفياً: "التحقيق بتاعه بكرة، كان نفسي أبقى موجود وحاضر التحقيق عشان أعرف ناصر الصواف حيحاول يخرجه منها إزاي؟ ضغط سيف على أسنانه بغل وهتف متوعداً: "أنا ححضر التحقيق بكرة." بتعجب أردف هشام: "هو ينفع؟ أجابه سعد بقطع: "قانوناً لأ." طبعاً، هتف سيف بتأكيد: "أنا حعرف أحضر." توسله سعد الدين:

"بلاش نعمل أخطاء تخلي المحامي بتاعه يعرف يطلع ثغرات في القضية، كده كده حتطلع على أقواله في التحقيقات وهعرف كل حاجة، بس قانوني يا باشا." تم ترحيله باكراً لاستكمال التحقيقات بالنيابة، والتي أضافت الأدلة الجديدة في سرية تامة حتى لا يحتاط محاميه. سأله وكيل النيابة بعد أن عرض عليه لقطات من مشاهد البوابة الأساسية للفيلا، والتي تظهر وجود چيهان وهي لا تزال على قيد الحياة بعد مغادرة دارين: "إيه أقوالك في المشاهد دي؟

أجابه بحزن مصطنع وحنين لزوجته الراحلة: "آه يا چيهان، الله يرحمك." ثم نظر لوكيل النيابة يهتف بجهل: "مش عارف مين ممكن اللي يكون عملها؟ كده مفيش غير البواب." ابتسم وكيل النيابة بخبث وأعاد تشغيل القرص المدمج لتظهر أمامه الفيلا من الداخل عن طريق كاميرات المطبخ. ظهرت أيضاً عملية القتل شبه واضحة، ليذدرد أكرم لعابه بذعر وينظر لمحاميه الذي توتر من تلك المشاهد وبدأ يهذي بكلماته:

"الأدلة دي ممكن يكون فيها تلاعب يا فندم، مين اللي قدم التسجيلات دي؟ أجابه: "محامي المتهمة الأولى." وجَهَ وجهه وهتف: "قدمها من غير إذن النيابة وأنا بطعن في صحتها؟ ابتسم وكيل النيابة وهتف مؤكداً: "لأ متقلقش، من ناحية من غير إذن نيابة فهو قدم مستند مهم وأخد عليه موافقة، ده غير إنها قضية قتل يا متر يعني أي دليل يظهر بيتقدم على طول، ولا سيادتك ملكش في الجنائي؟ هتف ساخراً بتلك الكلمات عندما وجده متخبطاً أمامه، واستطرد:

"وبالنسبة للطعن في صحتها فإحنا عملنا الواجب وتأكدنا من صحة التسجيلات، فخلي موكلك يعترف أحسن بدل ما الإنكار مش في مصلحته." انتهى التحقيق بالتزام أكرم الصمت وحقه في عدم الرد لحين دارسة الأدلة الجديدة. فور أن خرج برفقة العسكري مكبل اليدين، فالتقط على الفور طرفي بدلته ناصر بقوة وهدر به محذراً: "أنا لو وقعت مش حقع لوحدي... انت معايا في الحكاية دي واسمك وسمعتك حيتلطوا جامد، وأحسن ليك وليا إنك تشوف حل."

نزل قبضتيه التي تمسكه من تلابيبه وصرخ بحدة: "أنا المحامي بتاعك يا أكرم مش شريكك في الجريمة عشان تكلمني كده، ولا أنا حتى متهم أو موضع شبهة... قاطعه الأول وهو يقوس فمه بغل: "المحرض والمخطط الرئيسي لليلة دي كلها هو انت، وأظن انت أدرى الناس إن عقوبة التحريض على القتل إيه كويس؟ ابتسم له وهو يعقد حاجبيه وانحنى يهمس له: "ده لو قدرت تثبت أي حاجة من دي... اعتَدَلَ بوقفته وهندم من ملابسه هاتفا:

"هبعتلك أكل يا أكرم بيه، متقلقش... عايزني أبعتلك إيه؟ كباب وكفتة ولا عيش وحلاوة؟ أنهى كلماته بسخرية وابتسم بجانب فمه وغادر على الفور، لينظر أكرم في أثره ويفكر بدهاء، فهو يعلم أن أمره قد انتهى، وقرر أنه لن يسجن بمفرده. تكملة الفصل الحادي عشر. مرت أيام وسيف تقريباً لا يغادر المشفى إلا لدقائق معدودة، فإما أن يذهب لمنزله لتغيير ملابسه، أو أن يذهب لعمله حتى يباشر مهام منصبه.

دَلَفَ مكتب المأمور بعد أن تأخر كعادته بالأيام المنصرمة، حيث أنه يبيت بالمشفى ويتأكد صباحاً من تناولها للإفطار وأخذها للدواء عن طريق الأنبوب الموصول بأنفها، ثم يقبل راحتها ويخرج بعدها ليذهب إلى منزله يغير ملابسه المتعرقَة بأخرى نظيفة ويعود لعمله، فلا يمكث أكثر من بضع ساعات قليلة ويعود لها مرة أخرى. وقف أمامه بعد أن تم استدعاءه، فهتف المأمور بضيق: "حالك مش عاجبني يا سيف...

اللي انت فيه ده غريب، ولو حد تاني كنت قلت إنه بيحب البنت دي، إنما انت يا سيف بتعمل كده ليه؟ أجابه بتلعثم: "أنا... أنا فعلاً قصرت في شغلي بس... قاطعه المأمور برفض: "لأ يا حضرة المعاون... مش هو ده الرد اللي أنا مستنيه منك، ومش داخل دماغي كلام عماد إنك خايف ليقتلوها والقضية تبوظ." رمقه بنظرة فاحصة وأكمل: "إيه سر الاهتمام ده، فهمني؟ بقى توصل إن مدير المستشفى يتصل بيا يشتكي منك ومن تجاوزاتك بسببها!! زفر بحنق:

"عاملها مستشفى خاصة وزوار ومرافقين وأوضة خاصة وممرضة 24 ساعة وحراسة... ليه كل ده؟ نفد صبره أخيراً، فهتف بتأكيد: "عشان بحبها يا فندم." كلماته جَمَدَتْهُ، فنظر له مدهوشاً من اعترافه ورفع حاجبه الأيسر بتعجب وأردف: "أفندم... بتحبها؟ بتحب مسجونة في قضية قتل؟ أجابه بحدة: "سيادتك أول واحد قلت عنها مظلومة، وخلاص القضية بتاعتها قربت تخلص والحقيقة حتبان." اقترب منه وأمسكه من ذراعه وحركه بعنف قليلاً: "يا ابني فوق...

انت إزاي بتفكر كده؟ مهما كان، لا مركزك ولا مركز عيلتك يسمح بكده." تعابيره الرافضة الاستماع له جعلت المأمور يصر أن يحدثه وكأنه والده: "بص يا ابني... أنا حكلمك زي ابني مش المعاون، انت ابني وابن صاحبي." لف ودار حول نفسه ليكمل: "ابن اللوا طلعت المهدي والمستشارة منار الليثي وحفيد اللوا حازم المهدي يحب واحدة سوابق؟ أضاف بذهول: "طيب فكرت حتواجه بيها أهلك إزاي؟ بلاش كده... حتخرج بيها قدام زمايلك والمجتمع إزاي؟

الناس حتبصلك وتبصلها بطريقة مش حتستحملها لأنها سوابق." احتَدَّت تعابيره وأجاب بضيق: "متقولش عنها كده، وهي لما تطلع براءة مش حتكون سوابق لأنها مش مذنب أصلاً." ردد بمحايلة: "يا ابني... قاطعه سيف بحدة: "كفاية ظلم فيها بقى... كل اللي مرت بيه مش كفاية ولسه عايزين تظلموها." تَنَفَّس بغضب وأضاف: "من فضلك يا فندم... دي حياتي وأنا حر فيها، ومحدش حيقدر يقرر بالنيابة عني."

أنهى حديثه وتوجه لخارج مكتبه، بل ولخارج السجن بأكمله، يصعد سيارته ويحركها باتجاه المشفى ليطمئن عليها. بكاؤها لم يتوقف حرفياً طوال الأيام المنصرمة لما آلت عليه حالتها، تأكل بأنبوب وتتبول بأنبوب، والأقصى من ذلك أنها تقضي حاجتها بحفاض مثل الأطفال، وتقوم الممرضة بعدها بتنظيفه لها. أمسكت بالقلم الموضوع بجانبها وطَرَقَت به على الدفتر حتى تنتبه لها والدتها، فاقتربت منها تنظر لها باهتمام وهتفت متسائلة: "إيه يا دارين...

عايزة إيه يا بنتي؟ أمسكت الحفاض الذي ترتديه وأخذت تفتحه وتشده قاصدة خلعه، فأمسكت والدتها راحتيها لتمنعها هاتفة بتفسير: "عارفة إنك مضايقة منه، بس مش هينفع تقلعه دلوقتي." توسلت ببكائها، فهتفت فدوى: "يا بنتي الدكتور قايل إن حيجيلك إسهال ومش حنلحق ندخلك الحمام." بكت مرة أخرى وسحبت الدفتر وكتبت به: (عشان خاطري) زفرت والدتها وجلست تبكي بجوارها مرددة: "أنا بموت عليكي يا بنتي... استحملي شوية يا دارين عشان خاطرنا كلنا."

ثم مالت رأسها لتحدثها بنبرة مازحة متصنعة البهجة كمحاولة منها لتغيير مجرى الحديث: "بس سيف باشا ده طلع إيه ابن أصول صحيح... ولا وقفته معانا! أومأت مؤيدة حديثها، فاكملت والدتها: "هو انتوا كان فيه كلام بينكم قبل الحادثة ولا كل ده ظهر بعد الحادثة؟ أمسكت الدفتر لتكتب: (اعترفلي وأنا رفضت) صاحت توبخها: "ليه بس؟ بقى واحد زيه يترفض! ولا يكونش متجوز هو كمان، آه أكيد متجوز." حركت رأسها بالرفض، فهتفت فدوى بفرحة: "مش متجوز؟

أومأت ببسمة رقيقة، فعادت تسألها: "طيب وأنتي مرتاحة ولا لسه المزغوط ده شاغل بالك؟ ظهرت علامات التقزز على وجهها، وأمسكت بالقلم وكتبت: (أنا بكرهه أوي) رددت ببسمة: "طيب وسيف؟ قربت أصابعها لترسم قلباً بكلا إبهاميها وسبابتيها وتقربهم من قلبها، فهللت أمها: "يا رب يجعله ابن حلال ويبقى من نصيبك يا بنتي ويفرحني بيكي يا رب." جاء صوته العذب من خلفها وهو يردد بتمني: "ياااا رب." ابتسم فور أن وقعت أنظاره عليها

وحدث والدتها وهتف برجاء: "وادعي ربنا يقرب البعيد، يمكن دعوتك تستجاب." ابتسمت له وربتت على كتفه، فاقترب من فراش من عشقها وعاد يحدث فدوى: "أمال أستاذ هشام وجمال فين؟ أجابته بإيجاز: "في الشغل." خرجت دون أن تضيف أي حوار آخر، تاركة إياهما بمفردهما، فامسك راحتها وقبلها برقة وهتف: "محاولتيش تتكلمي؟ أومأت بحزن، فهتف على الفور: "هانت، بس صوتك وحشني." عبراتها نزلت على وجهها بغزارة، فمسحها لها بابهامه وأخرج هاتفه وردد:

"بصي أنا جايب لك إيه معايا! هو التسجيل ده معايا من كذا يوم بس معرفتش أقعد معاكي لوحدنا عشان أوريهولك." ضغط على زر التشغيل لتشاهد أكرم المتورم الوجه وهو يطلقها رسمياً، فابتسمت وأمسكت بالورقة والقلم وكتبت: (شكراً) شاكسها بوضع إصبعه أسفل ذقنها ورفع وجهها أمامه مردداً: "بس كده؟ عادت تكتب: (انت انسان جميل) زفر متنهداً بفراغ صبر وعاد لمشاكستها هاتفا: "إنسان جميل شكلاً يعني؟

أومأت بلا وحركت يدها وكأنها تخبره أنه بالمجمل إنسان جميل. اقترب أكثر منها وهو جالس بجوارها على الفراش حتى أصبحت أنفاسه تضرب عنقها وهمس بإذنها بنبرة صادقة: "بحبك ونفسي أسمعها منك ومش قادر أستنى لما تقدري تتكلمي." اعتدل بجلسته فوجدها مبتسمة ابتسامة واسعة، وعادت ترسم ذلك القلب بأصابعها، فانحنى يقبل أناملها وهتف: "اكتبيها (بحبك يا سيف)

عض على شفته السفلى وأمسك بالورقة ومزقها من الدفتر، ثم طواها ووضعها بجيب بدلته الرسمية بجوار قلبه، وربت عليها وهو يهتف: "الكلمة دي مكانها هنا جنب قلبي." أَطْرَقَت رأسها بخجل، فشعر بالانتشاء لمجرد تخيله أنها أصبحت له، فعاد يمازحها بوقاحة: "عارفة إن شكلك في البرنص بتاعي مش عايز يروح من بالي." ضربته ضربة خفيفة على صدره كتوبيخ على جرأته، فامسك راحتها بقبضته القوية وظل يثبتها على قلبه يبتسم بمشاكسة وهتف:

"سامعة بيدق بسرعة إزاي... انتي السبب على فكرة." قاطع تلك اللحظات الرومانسية دخول والدها برفقة فدوى بعد أن علم أنهما بمفردهما، فوبخه ودخل بدون أن يطرق الباب، ليجد ذلك المشهد الذي جعله يشعر بالغضب، فما كان إلا أنه تحدث بحدة: "سيف باشا... من فضلك عايزك بره شوية." تَخَوَّفَت من ردة فعل والدها الحادة، فنظرت لسيف برجاء، فابتسم لها يطمئنها، ولج للخارج برفقته، فما كان إلا أنه صاح به هشام:

"مينفعش كده يا بني، انت كتر خيرك في وقفتك معانا بس... قاطعه سيف بحسم: "أنا طالب إيد دارين يا عمي." نظر له بحدة، فيبدو أنه تحدث من ابنه وقد حسما أمرهما بذلك الأمر، ألا وهو الرفض النهائي، فأجابه: "وأنا مش موافق." جَمَّدَتْ ملامحه على الفور وانتصب بوقفته ينظر له بغضب وهتف بصوت متحشرج: "أقدر أعرف السبب؟ رد عليه دون تفكير: "مش حغلط الغلطة دي تاني." لم يفهم سيف مقصده، فعاتبه: "حتعيشها راهبة من غير جواز؟ أجابه بسخرية:

"لأ... حجوزها واحد يراعي ربنا فيها." أرْبَدَّ وجهه بالضيق واحتد صوته قليلاً وهو يجيبه: "وشايفني إني مش حراعي ربنا فيها؟ أماء بنعم وهو يضيف: "لأنك عمرك ما حتعدل بينها وبين بيتك التاني." تفهم سيف على الفور سبب حدته ورفضه، فشعر بالراحة قليلاً وأجابه بهدوء: "وإذا كان بيتي التاني ده عند ربنا يا عمي؟ نظر له بفضول ودهشة، فأضاف: "أنا أرمل." زفر هشام بحزن وعقب: "أنا ما كنتش أعرف المعلومة دي." أماء له مبتسماً،

ولكن هشام عاد يضيف: "بس برضه مش موافق." عاد الوجوم لوجه سيف المحتد وهتف بضيق: "ليييه؟ أجابه هشام باستفاضة: "أولاً هي تعتبر على ذمة راجل تاني، حتى لو كان الجواز مش قانوني فهو شرعي." قاطعه سيف: "نفس كلام دارين." ناقشه هشام: "طيب ما هي عندها حق، وثانياً انت عندك بنت مش كده؟ أماء سيف موافقاً، فأضاف الأول: "طيب يبقى ليه بقا أجوزها واحد عنده أولاد تحتاس هي في تربيتهم، كفاية عليها بهدلة لحد كده."

أمسكه سيف من ذراعه وسحبه للمقاعد القريبة منهما وأجلسه برفق وردد بهدوء مثير: "أولاً موضوع بنتي الله يرحمها ماتت هي ومامتها في حادثة ومش حابب أتكلم أكتر من كده في الموضوع ده، لأن باتخطاه بصعوبة." بمشقة حاول كتم عبراته لتذكر غاليتيه، ليشعر هشام بالضيق والخجل من فتح جراحه القديمة دون أن يشعر، فعاد يستطرد: "وثانياً موضوع جوازها أنا خلاص حليته."

نظر له بتعجب، فامسك هاتفه يظهر ذلك التسجيل المرئي لأكرم وهو يطلقها رسمياً، وأضاف بعد أن انتهى التسجيل: "أنا خليته يطلقها شرعي زي ما اتجوزها شرعي، أما بقا موضوع الأوراق والقانون وحقها اللي هي عايزة تاخده منه ده، فأنا ملزم أجيب حق الإنسانة اللي حتجوزها بالشكل اللي يرضيها ويرضيني." أتم جملته وكأنه يؤكد لوالدها بأنه لن يقبل الرفض، فنظر له هشام بتفحص وهتف: "بس لو ده حصل حيبقى بالأصول." أومأ موافقاً، فعاد هشام يؤكد:

"يعني حتجيب أهلك والموضوع حيبقى علني وحنعمل فرح وكل حاجة عشان نسكت بيها لسان الناس اللي نهشت في سمعتها." عاد يومئ بالموافقة مؤكداً: "حعمل كل اللي انتوا عايزينه." تَنَفَّس هشام براحة قليلاً بعد أن شعر بجدّيته وعدم تلاعبه، ولكن اتخذ على عاتقه أن يسأل عنه متخاشياً ذلك الخطأ الذي وقع به في زواجها من أكرم. طرقات متتالية على الباب دفعت الخادمة لتسرع بفتحه، فوجدته يقف أمامها بزيه العسكري وهتف متسائلاً: "اللوا طلعت موجود؟

خرج صوت طلعت المرحب بمأمور السجن رفيقه القديم: "يا أهلاً يا أهلاً يا باشا عاش مين شافك." دَلَفَا غرفة الضيوف، وبعد قليل من الحديث الودي تطرق المأمور للأمر هاتفا: "أنا كنت جايلك في موضوع يهمني زي ما هو يهمك." نظراته المتطلعة باهتمام جعلت الآخر يسهب بالحديث ويقصه عليه تورط ابنه البكر والذكر الوحيد له بقصة حب غير متكافئة، بل والأدهى أنه أخبره: "كل ده مش مهم لأن البنت فعلاً واضح إنها بريئة بس... تَجَهَّمَ

وجهه وهتف طلعت بحدة: "هو لسه فيه بس؟ أماء وأخرج ملفها وناوله لرفيقه وهتف: "أولاً هي آنسة يعني متجوزتش، ومع ذلك... صمت لينظر طلعت للتقرير الذي أوضح أنها ليست عذراء، فاشتدت ملامحه حدة وغضب وهو يستمع له: "من ساعة ما أنقذته وأنا حاسس إن فيه حاجة بينهم، خصوصاً إنه لأول مرة يميز مسجونة بالتعامل، بس أنا كنت متخيل إنه رد للجميل مش أكتر." ابتلع لعابه ليكمل:

"لحد ما حاولوا يقتلوها وهو من ساعتها في مستشفى السجن معاها، لا بييجي الشغل وعمال يعمل تجاوزات كتيرة جداً مش حلوة في حقه وحقنا كلنا يا طلعت." دلفت منار بعد أن استمعت لمعظم حديثهما من الخارج وهي تهتف بصراخ حاد: "أوعى تسيبه يا طلعت، ابني الوحيد مستحيل أسيبه يقع الوقعة دي." زفر حانقاً لتدخلها في الأمر، فتحرج المأمور واستأذن ليلج خارجاً بعد أن ودعه رفيقه، وعاد يستمع لصراخها الحاد والمستنكر بعد أن رأت

ملفها والموضوع به صورتها: "بقى بعد ما صبر 3 سنين يقع الوقعة دي؟ البنت دي كانت في شقته يا طلعت أنا شفتها." نظر لها بدهشة، فاكملت: "أيوه والله كانت لابسة البرنص بتاعه وخارجة من أوضة نومه و... صاح موبخاً: "مناااار... انتي كده بتخوضي في سمعة ابنك، وبعدين إزاي وهي مسجونة؟ هتفت بغل: "وهو ابنك يا سيادة اللوا... ابنك معاون المأمور حيغلب يعني؟ رمقه بعدم تصديق، فصاحت تستدعي الخادمة لتسألها:

"انتي مش كنتي معايا وشفتي البت دي في شقة سيف؟ أومأت الخادمة بحرج، فوبخها طلعت: "بس بقا... انتي كمان حتخلي الشغالة تشهد على ابني! صاحت بغضب: "انت حتسكت على كده؟ ظل يفكر بصمت حتى أمسك هاتفه واتصل به يأمره بحدة فور أن أجاب: "أيوه يا سيف... سيب اللي في إيدك وتعالى فوراً." تعجب سيف من نبرة والده ووقف يستأذن هشام وابتعَد قليلاً يهتف بضيق: "في إيه يا بابا؟ أجابه الأخير بصرامة:

"بقولك سيب اللي في إيدك وتعالى البيت فوراً ومش حكرر كلامي تاني." أربَدَّ وجهه بالضيق، فاغلق معه الهاتف وعاد يحدث هشام بحرج: "أنا مضطر أمشي، وأكيد حنتكلم تاني باستفاضة أكبر من كده بس لما دارين تقوم بالسلامة." أماء هشام موافقاً بعد أن اقتنع بحسن نيته، فأضاف سيف بتوتر: "طيب تسمحلي يا عمي أسلم عليها قبل ما أمشي؟

تعجب وابتسم نصف ابتسامة لدعوته له بذلك اللقب، وكأنه قبل أمر زواجه من ابنته وانتهى الأمر، فأومأ موافقاً ليدلف سيف وجلس بجوارها على الفراش يهتف: "أنا ماشي وحعدي عليكي تاني." تعلقت بذراعه برهبة ورعب تستفسر بعينيها بلهفة عما دار مع أبيها، فاقترب منها أكثر وهمس لها: "أنا طلبت إيدك من باباكي... يعني بقينا في حكم مخطوبين دلوقتي، ماشي يا ديدا." ابتسمت ابتسامة عميقة من تدليله، ولكن عاد الحزن على وجهها بتخوف، فأضاف:

"خفي بسرعة عشان مستعجل." لم تستطع إخفاء تورد وجهها وخفقات قلبها، فمن لا يقع لرجل مثله حتى وإن حاربت مشاعرها؟ مد راحته يتلمس وجنتها برقة يداعبها بخفة، واقترب بجرأة طابعاً قبلة عميقة على وجنتها واستأذن ليغادر. ظل يجلس بأحد أركان الزنزانة الضيقة والمظلمة يفكر ماذا يفعل بحاله، فاقترب منه أحد المساجين ممن اعتادوا مضايقته وأمال بجسده يهتف بتحرش: "ما تقوم يا حلوة تهزيلنا شوية بدل الزهق ده."

انتفض من مكانه وهرع للباب الحديدي يصرخ طالباً للنجدة فور أن امتدت يد السجين لتتلمس أجزاء من جسده بوقاحة، فظل على حاله الهياج حتى فتح العسكري المرابط على الباب تلك النافذة الصغيرة يهتف بتحذير: "لو صوتكم طلع يا زبالة منك له أدخل أدور فيكم الضرب لما يبان لكم صحاب." توسله أكرم: "أنا عايز الباشا رئيس المباحث... قوله عندي معلومات مهمة للقضية... أبوس إيدك." توسله ورجاه وذلل من قدر نفسه حتى انصاع العسكري لأمره،

وفور أن دلف مكتبه هتف: "أنا مستعد أحكي لسيادتك على كل حاجة بس تضمنلي الحماية." نظر له رئيس المباحث بنظرات واجمة وهتف: "مش لما أسمع اللي عندك وبعدها أنا أشوف له قيمة ولا لأ! أجابه بتأكيد: "لأ من ناحية له قيمة، فهو له قيمة ونص كمان لأنه حيكشف حاجات كتير أوي محدش يعرفها، ويمكن يحل لك قضايا كتير كانت بتتقيد ضد مجهول." لمعت عينه بالفضول وأماء له موافقاً، ولكن هتف: "طيب أنا حسمع منك بس بشرط... انتظره يكمل، فأضاف:

"سيف باشا المهدي حيحضر ويسمع كل حاجة من اللي ناوي تقولها." وافق بالطبع، فهو لا يملك خيار آخر سوى التفاوض، ربما لتخفيف الحكم أو أي أمر يبعده عن حبل المشنقة. طرقات متتالية على الباب دفعت الخادمة لتسرع بفتحه، فوجدته يقف أمامها بزيه العسكري وهتف متسائلاً: "اللوا طلعت موجود؟ خرج صوت طلعت المرحب بمأمور السجن رفيقه القديم: "يا أهلاً يا أهلاً يا باشا عاش مين شافك." دَلَفَا غرفة الضيوف، وبعد قليل من الحديث الودي

تطرق المأمور للأمر هاتفا: "أنا كنت جايلك في موضوع يهمني زي ما هو يهمك." نظراته المتطلعة باهتمام جعلت الآخر يسهب بالحديث ويقصه عليه تورط ابنه البكر والذكر الوحيد له بقصة حب غير متكافئة، بل والأدهى أنه أخبره: "كل ده مش مهم لأن البنت فعلاً واضح إنها بريئة بس... تَجَهَّمَ وجهه وهتف طلعت بحدة: "هو لسه فيه بس؟ أماء وأخرج ملفها وناوله لرفيقه وهتف: "أولاً هي آنسة يعني متجوزتش، ومع ذلك...

صمت لينظر طلعت للتقرير الذي أوضح أنها ليست عذراء، فاشتدت ملامحه حدة وغضب وهو يستمع له: "من ساعة ما أنقذته وأنا حاسس إن فيه حاجة بينهم، خصوصاً إنه لأول مرة يميز مسجونة بالتعامل، بس أنا كنت متخيل إنه رد للجميل مش أكتر." ابتلع لعابه ليكمل: "لحد ما حاولوا يقتلوها وهو من ساعتها في مستشفى السجن معاها، لا بييجي الشغل وعمال يعمل تجاوزات كتيرة جداً مش حلوة في حقه وحقنا كلنا يا طلعت." دلفت منار بعد أن استمعت لمعظم حديثهما من

الخارج وهي تهتف بصراخ حاد: "أوعى تسيبه يا طلعت، ابني الوحيد مستحيل أسيبه يقع الوقعة دي." زفر حانقاً لتدخلها في الأمر، فتحرج المأمور واستأذن ليلج خارجاً بعد أن ودعه رفيقه، وعاد يستمع لصراخها الحاد والمستنكر بعد أن رأت ملفها والموضوع به صورتها: "بقى بعد ما صبر 3 سنين يقع الوقعة دي؟ البنت دي كانت في شقته يا طلعت أنا شفتها." نظر لها بدهشة، فاكملت: "أيوه والله كانت لابسة البرنص بتاعه وخارجة من أوضة نومه و... صاح موبخاً:

"مناااار... انتي كده بتخوضي في سمعة ابنك، وبعدين إزاي وهي مسجونة؟ هتفت بغل: "وهو ابنك يا سيادة اللوا... ابنك معاون المأمور حيغلب يعني؟ رمقه بعدم تصديق، فصاحت تستدعي الخادمة لتسألها: "انتي مش كنتي معايا وشفتي البت دي في شقة سيف؟ أومأت الخادمة بحرج، فوبخها طلعت: "بس بقا... انتي كمان حتخلي الشغالة تشهد على ابني! صاحت بغضب: "انت حتسكت على كده؟ ظل يفكر بصمت حتى أمسك هاتفه واتصل به يأمره بحدة فور أن أجاب: "أيوه يا سيف...

سيب اللي في إيدك وتعالى فوراً." تعجب سيف من نبرة والده ووقف يستأذن هشام وابتعَد قليلاً يهتف بضيق: "في إيه يا بابا؟ أجابه الأخير بصرامة: "بقولك سيب اللي في إيدك وتعالى البيت فوراً ومش حكرر كلامي تاني." أربَدَّ وجهه بالضيق، فاغلق معه الهاتف وعاد يحدث هشام بحرج: "أنا مضطر أمشي، وأكيد حنتكلم تاني باستفاضة أكبر من كده بس لما دارين تقوم بالسلامة." أماء هشام موافقاً بعد أن اقتنع بحسن نيته، فأضاف سيف بتوتر:

"طيب تسمحلي يا عمي أسلم عليها قبل ما أمشي؟ تعجب وابتسم نصف ابتسامة لدعوته له بذلك اللقب، وكأنه قبل أمر زواجه من ابنته وانتهى الأمر، فأومأ موافقاً ليدلف سيف وجلس بجوارها على الفراش يهتف: "أنا ماشي وحعدي عليكي تاني." تعلقت بذراعه برهبة ورعب تستفسر بعينيها بلهفة عما دار مع أبيها، فاقترب منها أكثر وهمس لها: "أنا طلبت إيدك من باباكي... يعني بقينا في حكم مخطوبين دلوقتي، ماشي يا ديدا."

ابتسمت ابتسامة عميقة من تدليله، ولكن عاد الحزن على وجهها بتخوف، فأضاف: "خفي بسرعة عشان مستعجل." لم تستطع إخفاء تورد وجهها وخفقات قلبها، فمن لا يقع لرجل مثله حتى وإن حاربت مشاعرها؟ مد راحته يتلمس وجنتها برقة يداعبها بخفة، واقترب بجرأة طابعاً قبلة عميقة على وجنتها واستأذن ليغادر. ظل يجلس بأحد أركان الزنزانة الضيقة والمظلمة يفكر ماذا يفعل بحاله، فاقترب منه أحد المساجين ممن اعتادوا مضايقته وأمال بجسده يهتف بتحرش:

"ما تقوم يا حلوة تهزيلنا شوية بدل الزهق ده." انتفض من مكانه وهرع للباب الحديدي يصرخ طالباً للنجدة فور أن امتدت يد السجين لتتلمس أجزاء من جسده بوقاحة، فظل على حاله الهياج حتى فتح العسكري المرابط على الباب تلك النافذة الصغيرة يهتف بتحذير: "لو صوتكم طلع يا زبالة منك له أدخل أدور فيكم الضرب لما يبان لكم صحاب." توسله أكرم: "أنا عايز الباشا رئيس المباحث... قوله عندي معلومات مهمة للقضية... أبوس إيدك."

توسله ورجاه وذلل من قدر نفسه حتى انصاع العسكري لأمره، وفور أن دلف مكتبه هتف: "أنا مستعد أحكي لسيادتك على كل حاجة بس تضمنلي الحماية." نظر له رئيس المباحث بنظرات واجمة وهتف: "مش لما أسمع اللي عندك وبعدها أنا أشوف له قيمة ولا لأ! أجابه بتأكيد: "لأ من ناحية له قيمة، فهو له قيمة ونص كمان لأنه حيكشف حاجات كتير أوي محدش يعرفها، ويمكن يحل لك قضايا كتير كانت بتتقيد ضد مجهول." لمعت عينه بالفضول وأماء له موافقاً، ولكن هتف:

"طيب أنا حسمع منك بس بشرط... انتظره يكمل، فأضاف: "سيف باشا المهدي حيحضر ويسمع كل حاجة من اللي ناوي تقولها." وافق بالطبع، فهو لا يملك خيار آخر سوى التفاوض، ربما لتخفيف الحكم أو أي أمر يبعده عن حبل المشنقة. دَلَفَ سيف بخطوات متعجلة لداخل منزل والديه، فوجدهما يجلسان بالشرفة في انتظاره برفقة أخته وزوجها، فهتف ببسمة مزيفة: "متجمعين عند النبي إن شاء الله." لم يعقب أيهم على مزحته، فسحب مقعداً وجلس بجوارهم وردد بجدية: "خير؟

في إيه؟ صرخت منار: "اسمع يا سيف لو فاكر إنك كبرت وتقدر... قاطعها طلعت: "اسكتي انتي يا منار." ظلت نظراته تتنقل بين والديه يريد فهم ماذا يحدث، حتى قطع تفكيره حديث والده الفج: "البنت الصايعة رد السجون اللي انت لايف عليها دي تنهي علاقتك بيها فوراً، وإلا... صمت رافعاً سبابته محذراً بتعابير واجمة، فرفع سيف حاجبه الأيسر يجيبه: "وإلا إيه يا بابا؟ انتفخت فتحتا أنفه بالغضب يردد:

"وإلا حبرى منك أنا وأمك وأختك، لا تبقى منا ولا عايزين نشوفك تاني." تدخلت أخته بالحديث: "ما هو بعد العمر ده يا سيف وبعد نيڤين الله يرحمها تروح تعرف واحدة رد سجون." لتكمل منار بتقزز: "لأ... وواحدة صايعة مسلمالك نفسها وأنا قفشاكم في البيت بنفسي، مع إنك عرفت تثبت يومها بس خلاص بعد... صاح هادراً: "بس... بس ولا كلمة زيادة في حقها، بلاش رمي محصنات يا حافظين كتاب الله." وقف والده بشموخ وحدثه بشدة:

"انت اللي حتعلمنا الصح من الغلط، وانت الغلط راكبك من ساسك لراسك، حصل ولا محصلش إن البنت دي كانت عندك في البيت؟ أماء معقباً: "حصل بس... قاطعه بإخراج تقريرها الطبي الذي يفيد بأنها غير عذراء، ليكمل: "التقرير ده مظبوط ولا فيه غلط؟ نظر داخل الأوراق ليفهم كيفية علمهم بالأمر، فأجاب: "كل حاجة ليها سبب لو انتوا عايزين تسمعوا... بس انتوا سمعتو من طرف واحد وأخدتوا قراركم من غير ما تكلفوا نفسكم تسمعوا ابنكم وتفهموها." اقتربت

سارة تربت عليه بحنين: "إحنا فاهمين إنك حاسس ناحيتها برد جميل عشان أنقذتك." حسناً، هو الآن يفكر، يبدو أن المأمور لم يبخل بأي معلومات بحوزته وأخبرهم بكل ما يعلمه عنها، لتكمل سارة: "بس مش هي دي اللي تنفعك يا سيف." ابتسم بسخرية يهتف: "ويا ترى مين اللي تنفعني من وجهة نظركم بما إن القرار في إيدكم؟ أجابته والدته: "هايدي بنت خالك، أهي مننا وعارفين أصلها وفصلها و... قاطعها بسخرية: "بس دي مطلقة يعني مش بنت بنوت هي كمان!

أضافت منار توبخه: "آه مطلقة مش مدعورة." نظراته النارية التي خرجت من مقلتيها بحدة جعلت الجالسين أمامه يشعروا بمدى إصراره على الأمر، بالأخص عندما اتبع نظراته صرخة مدوية حادة بصوته الأجش المخيف: "مش حاسمح إنكم تتكلموا عنها بالشكل ده تاني، ده لو عايزين نفضل أهل! وقف والده ينظر له بوجوم متعجباً: "للدرجة دي يا سيف؟ بقى انت اللي بتهددنا، انت متخيل إننا حنسمح بالمهزلة دي؟ عزم على الرحيل مردفاً وهو يوليهم ظهره:

"والله براحتكم، أنا كنت عايز أقعد وأفهمكم الموضوع صح بس انتوا واخدين قراركم ومش عايزين تسمعوا غير لصوتكم أنتم، فبراحتكم." أمسكته والدته تدفعه بحدة حتى يفيق من غفلته: "انت يا سيف تتكلم معانا كده عشان واحدة... التفت لها بحدة يحذرها بسبابته: "ماما... أرجوكي بلاش." أمرها طلعت بوجوم: "سيبيه... مش هو بيهددنا!! "يبقى سيبه، ولو فكر يكمل في السكة اللي هو ماشي فيها دي ينسى إن له أهل من أصله."

احتَدَّت معالمه من أثر إهانة والده له أمام أخته الصغرى وزوجها، فاجاب: "حضرتك باعت جايب أختي الصغيرة وجوزها عشان تهزقني قدامهم؟ أجابته سارة: "يا حبيبي أنا أختك وخايفة على مصلحتك و... قاطعه بغضب: "اللي بيديني حاجة يوقفها." صرخت منار: "هو موضوع فلوس؟ إحنا خايفين عليك يا بني من البنت دي تضحك عليك و... عاد ينظر لها مقاطعاً: "قلتلكم إنكم متعرفوش الحقيقة كاملة، بس انتوا مصرين على رأيكم."

تعنتهم بذلك الشكل جعله يلقي آخر كلماته وهو مغادر منزل والديه: "لو باقين عليا كنتوا سمعتوني وفهمتوا وجهة نظري، بس إصراركم ملوش غير معنى واحد إنكم مش فارق معاكم مشاعري." فتح باب المنزل وأضاف: "راجعوا نفسكم، ولما تفتكروا مين هو سيف المهدي تربيتكم حتفهموا إن مستحيل أقع في الغلط أو اختياري يكون عليه شبهة." تحرك للخارج ووالدته تحاول إيقافه، فهتف:

"أنا حستنى دارين تخرج من المستشفى وقضيتها تخلص عشان نتجوز، ولحد الوقت ده ييجي حيكون عندكم أكتر من فرصة تراجعوا نفسكم، بس... صمت ينظر في وجوه الجميع وهتف مؤكداً: "لو اضطرتوني أروح لأهلها لوحدي ساعتها أنا اللي حنسى إن ليا أهل خالص. سلام."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...