جالس بعتمة الليل بداخل ظلام حالك، ليس فقط الظلمة التي تحيطه، ولكن هناك ظلام بداخله يتسع ويتسع حتى كوّن فجوة معتمة من الصعب تقبلها. ظل واقفاً يستند إلى سيارته، ينظر للقاهرة من أعلى جبل المقطم، بعد أن خرج بعصبية، فاقداً لوجهته، لا يعلم ما العمل. أغلق هاتفه بعد تكرار الاتصالات والرسائل الواردة من أبيه وخطيبته ووالدته وعمله أيضاً، وآثر الابتعاد حتى يقرر ماذا يفعل. ربما لا يصدق بالسحر والأعمال، متذكراً قوله تعالى:
(أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) ولكن السحر ذكر فعلاً بالقرآن الكريم، وربط بين ما يحدث معه بالأيام القليلة المنصرمة وما رآه من والدته، فتنبه أن تكون استطاعت توظيف السحر لصالح رغبتها بفراقهما. وأكثر ما آلمه هو أن الطعنة أتت من أقرب الناس له، كما أخبره الدجال الهندي بالمطعم، فلم يقو حرفياً على التحمل، وخارت قواه، فارتمى على الأرضية الترابية وانتحب بصمت. ***
ظلت حبيسة غرفتها بعد أن انهارت، وبات أمر انفصاله عنها مؤكداً، بعد أن أرسلت له الكثير من الرسائل المكتوبة والصوتية أيضاً، ومحاولاتها المستمرة للتواصل معه، ولكن دون جدوى. ما زاد وجعها هو معاملة أبيها السيئة جداً لها، خصوصاً بعد أن عاد جمال وزوجته لبيتهما، فأصبحت بمفردها مع والديها، ليظل هشام يوبخها على فعلتها الحمقاء، بل ويزيد الأمر بتوجيه الاتهامات المجحفة واللاذعة لها. "شايفك واحدة سهلة من غير رقيب...
حقه يعمل فيكي أكتر من كده." كلماته أصابتها بالإحباط والخزي، وتجرعت مرارته وحدها، عندما لم تجد أي ردع من والدتها لاتهاماته، ولا حتى دعماً. نامت ودموعها تبلل وجهها ووسادتها، ولم تتذوق أي طعام، واختارت الهروب من واقعها الأليم بالنوم، نعم النوم لفترات طويلة. دَلفت والدتها الغرفة تحاول إزالة الستائر حتى تدخل الشمس، هاتفة بتوبيخ: "العصر قرب يأذن، وأنتي لسه نايمة...
قومي عشان مرات أخوكي زمانها جاية نشوف هنعمل إيه في اللي ورانا؟ جلست بتذمر وهتفت بضيق وهي تضرب كفها بالآخر: "هيعمل إيه في إيه يا ماما؟ أجابت بعفوية: "البروڤة بتاعة الفستان، وكنتي عايزة تشتري حاجات من وسط البلد... قاطعتها بضحكة متهكمة مجيبة: "ده على اعتبار إن فيه كتب كتاب بكرة؟ لمعت عيناها بخضة، وضربت على صدرها بكفها متسائلة بوجل: "هو فسخ الخطوبة؟ قالك إن مفيش كتب كتاب؟
حركت رأسها باستسلام هاتفة: "يا ماما الموضوع منتهي من غير ما يقول... أولاً لا بيرد عليا ولا كلمني من أول إمبارح من ساعة ما كان هنا، ولا ظهر ولا كلم بابا في أي حاجة، ولا فيه راجل هيقبل على نفسه كده، وسيف راجل يا أمي، راجل أوي أوي على رأي بابا." أجابتها بتهكم صريح: "والراجل الأوي أوي ده لما يفركش خطوبة، هيسيبنا على عمايا لحد آخر لحظة يعني؟ قوست فمها مرددة بحزن: "وهي محتاجة كلام؟
قطع حديثهما رنين الباب، فاتجهت فدوى لتفتح، هاتفة: "أكيد مرات أخوكي... قومي طيب على ما أفتح له." دَلفت ليلى تبتسم بسمة مصطنعة، هاتفة: "يلا يا عروسة عشان نلحق الأتيليه." عادت عليها فدوى حديثها، فرددت تفسر لها الأمر: "لو سيف عايز يفركش كان قال لما جه أول إمبارح... أكيد مشغول وبيدور ورا اللي بعت الفيديو." لم ترد تصديق كلمات زوجة أخيها حتى لا تتأمل بأمل زائف، ولكن قطع شرودها وحزنها صوت قرع جرس الباب، فتنبهت
حواسها وهتفت بلا شعور: "هو... ده أكيد هو." هرعت ليلى على كتفها، واتجهت لتفتح، فوجدته يقف أمامها شامخاً كعادته، فنظر لها ببسمة مقتضبة، هاتفاً: "السلام عليكم." ابتسمت له وتنحت للجانب حتى يدلف، وهي تشير له بترحيب: "أهلاً يا سيف... اتفضل." أخبرها وهو يتجه لغرفة الضيوف الملحقة بالصالة: "لو سمحتي اتصلي بجمال وعمي وبلغيهم إن أنا هنا، وخليهم ييجوا."
أومأت بصمت وتخوف من نظرته الجامدة وطلبه بإحضارهما من العمل على وجه السرعة، فهرعت لغرفة دارين تخبرها الأمر، فقوست الأخرى فمها بحزن وهتفت: "عايزهم عشان يفركش؟ قالت لها ليلى بعد أن شعرت بأنها على حق: "تفاءلي بالخير يا دارين." سحبت نفساً عميقاً بداخلها وزفرته باستسلام، وارتدت ملابسها قاصدة الخروج والجلوس معه للتحدث بالأمر ريثما يأتي والدها وأخوها الأكبر.
دَلفت بخطوات مهتزة ومتوترة، فاستشعر وجودها من رائحة عطرها، فأغلق عينيه ليستجمع نفسه بعد أن أصبح هشاً، مكسوراً ومحطماً كزجاج الإناء الذي كان بحوزة والدتها. اقتربت منه ونظرت له بأعين معاتبة، وهي تردد: "إزيك؟ أومأ برأسه دون تعقيب، فلاحت ابتسامة منكسرة على وجهها، وجلست بعيداً عنه على المقعد الموضوع بآخر الغرفة.
ظلت صامتة منتظرة منه أن يستهل معها الحديث، ولكن لم ينبت بكلمة واحدة، فشعرت أنه ربما يخجل من مفاتحتها بالأمر، فاستجمعت شجاعة زائفة وهتفت بصوت منخفض ولكن مسموع بالقدر الكافي: "مش هتتكلم؟ رفع نظره ناحيتها لترى بعينه نظرة حقاً عجزت عن تفسيرها، خليط خطر ما بين الحزن والانكسار، الضعف واليأس، الغضب والكره. ظلت تفتش بين نظراته على نظرة الحب، العشق، الولع، أو حتى اللهفة التي لطالما أمطرها بها، ولكن لا شيء...
جمود وجمود إلى النهاية. ابتلعت ريقاً ليس بحلقها، وهو يسمعه يتنحنح ليبدأ حديثه معها بكلمتين لا غير: "لما الرجالة تيجي." حسناً... هي الآن متأكدة من الأمر، لا تحتاج لتفسير أو تحليل، لتدلف والدتها ترحب به، هاتفاً بمودة: "أعملك قهوة ولا شاي يا بني؟ أجاب دون النظر إليها: "ولا حاجة... كوباية ميه." اقتضبت من بروده واتجهت صوب المطبخ لتحضر المياه، فهمست بأذن زوجة ابنها هاتفة: "البنت كان معاها حق... جاي يفركش يا ليلى."
دمعت عيناهما وهي تكمل: "يا عيني عليكي وعلى بختك يا بنتي." ربتت عليها ليلى بحزن، هاتفة بمواساة: "ربنا شايل لها الأحسن." سألتها بوجل: "كلمتي جوزك وعمك؟ أومأت مجيبة: "أيوه وقالوا هياخدوا إذن من أشغالهم." رفعت يدها للسماء تتضرع لله: "ربنا يسترها معاكي يا دارين يا بنتي وينصرك على كل الظلم ده." ***
مع كل الافتراضات والتكهنات، بل والاتهامات التي رماها طلعت بوجهها أمس، من كونها زوجة وأم غير أمينة على ما أعطاها الله لها، ولم يعطها الفرصة للدفاع عن نفسها، إلا أنها أبت أن تظل موضع المتهمة بتلك المعادلة، فظلت تهاتف وليدها وترسل له الرسائل تشرح له الأمر، ولكن قابل اتصالاتها بالرفض، لينتهي به الأمر مغلقاً هاتفه حتى تلك اللحظة. هاتفت ابنتها لتأتي على وجه السرعة بعد أن قصت عليها مقتطفات مما حدث،
لتهتف بذهول: "معقول يا ماما كل ده يطلع من هايدي؟ أجابت بحزن: "وأخوكي وأبوكي متهميني في الحكاية... محدش اداني فرصة ولا سمعولي." اقتضب وجهها وهي تردد بدهشة: "طيب سيف وموقفه مفهوم... إنما بابا إزاي ميسألكيش ويسمعلك؟ حركت كتفاها بتعجب
ودهشة وهي تهتف موضحة: "أول ما شاف الصورة فضل يزعق وسابلي البيت هو لآخر، ومشى، ودلوقتي كوباية الميه اللي هتفك العمل لازم سيف يشربها، والدورق اتكسر ومليش غيرهم، واتصلت بالزفت الدجال ده، قالي مينفعش أعمل ميه غيرها." زفرت بضيق، وأخذت تفكر، وأردفت: "سيبيني أحاول أتكلم معاه أنا، يمكن يسمعني." سألتها بلهفة: "تكلمي سيف ولا أبوكي؟ ابتسمت وهي ترفع إصبعيها السبابة والوسطى، هاتفة بدعم: "الاتنين... الاتنين يا ماما."
أومأت موافقة، فأمسكت هاتفها واتصلت بأخيها، فوجدت هاتفه لا يزال مغلقاً، فزفرت بضيق ورددت: "لسه مقفول." سألتها منار: "معاكي رقم خطيبته؟ أجابتها بحيرة: "أيوه... بس مش بتقولي في بينهم مشاكل؟ وبعدين سيف زمانه في الشغل دلوقتي." أيدتها بفرحة، هاتفة: "صح أنا إزاي ما أخدتش بالي، اتصلي عليه في الشغل يا سارة." أومأت بالموافقة واتصلت، ولكن أجاب مساعده، هاتفاً: "سيف باشا بقاله يومين مجاش الشغل، والمأمور قالب عليه الدنيا."
أغلقت بعد أن استمعت له، فزاد قلقهما عليه، لتستمع لصوت فتح الباب، فوجدت زوجها يدلف بإجهاد وتعب، وارتمى بجوار ابنته، مرحبا بها بصوت متعب: "إزيك يا بنتي؟ ربتت عليه هاتفة بحب: "إزيك أنت يا حبيبي؟ ... كنت فين يا بابا؟ تنهد بتعب وأجابها: "بدور هلى سيف من امبارح ملوش أثر... حتى الشغل مراحش." سأله منار بحزن دفين: "سألت عليه عند خطيبته؟ رمقه بنظرات حادة وأجابها بتقوس فمه: "وإيه اللي هيوديه بعد المشاكل اللي وقعتيه فيها؟ انتفضت
من مجلسها تهدر بحدة: "حرام عليك يا طلعت... أنا برده هأذي ابني؟ إزاي تفكر فيا كده؟ ابتسم بسخرية رافعاً حاجبه لأعلى، فتدخلت ابنته تقص عليه الأمر، فلمعت عيناه بدهشة وتعجب، وهو يقول: "إيه... هايدي هي السبب؟ البنت دي اتجننت ولا إيه؟ أحلت سارة بلهفة: "مش ده المهم دلوقتي يا بابا، المهم إننا نلاقي سيف عشان يشرب الميه بتاعته فك العمل، وإن شاء الله مشاكله تتحل." جلس واستند بظهره على ظهر الأريكة، وردد: "إنتي مصدقة في الدجل ده؟
ربنا هو الحافظ يا بنتي." هلت منار تردد بضيق: "ولما إنت عارف كده متهمني من امبارح إني السبب في الخراب اللي بيحصل ليه؟ أجابها بتنهيدة حارة: "عشان السحر والأعمال ربنا ذكرها في القرآن، يعني موجودة، بس محدش يقدر يضر حد إلا بإذنه وحده، وابنك بيصلي وبيعرف ربنا، وصعب حد يقدر يأذيه بالكلام الفارغ ده، إنما إنتي أذيتيه في نفسيته لما اتخيلتي إنك ممكن تعمليله عملة." تفت بقهراً: "بس أنا مظلومة والله... ده أنا أموت فدا ولادي."
أومأ مبتسماً ومعقباً: "يمكن يكون ربنا حب يدوقك يعني إيه ظلم، عشان تحسي بالمظلوم." علمت أنه يقصد دارين بحديثه، فاطرقت رأسها بضيق وحزن، وعادت تنظر له بتوسل، هاتفة: "دور عليه يا طلعت... لاقيلى ابني، وفهمه إني مظلومة، وأنا والله من انهارده مش هتدخل في جوازه ولا هزعل خطيبته أبداً." ***
دارت معارك طاحنة برأسه، وجلس منتظراً حضور رجال العائلة، فامتلأت الغرفة بالسكون القاتل، إلا من صوت تنفسها وتهدجها الواضح له أنها تعاني، ولكن حقاً بتلك اللحظة لا يستطيع التخفيف عنها أو مواساتها ومؤازرتها، فيكفيه ما يعاصره. تنحنح بعد أن دام صمته طويلاً، هاتفه بصوت متحفز: "سيف! رفع وجهه ينظر لها، فابتلعت بصعوبة وهتفت بغصة مؤلمة، متنازلة عن كبريائها: "هتسيبني؟ لمعت عينه بدهشة، مجيباً: "أنا قلت كده؟ أجابت
وهي تحاول كتم بكاءها: "تصرفاتك بتقول كده." أطرق رأسه بتعب، مجيباً: "أنا مضغوط جامد يا دارين... أرجوكي متضغطي انتي كمان عليا." لم تتمالك نفسها، فبكت بقهراً، وظنت أنه سيتجه ناحيتها ليحتضنها ربما، أو ليطمئنها ويخبرها أن كل شيء على ما يرام، ولكن لم يحرك ساكناً، فحقا قد خارت قواه، ولا يعلم أحد بما يثور بداخله سواه. عندما لم تجد منه رد فعل، رددت بقهراً: "أنا غلطت في إيه؟ ده كان جوزي...
قطعت كلماتها فور أن رفع وجهه ينظر لها بحدة، وعيون تطلق شرراً، محذراً إياها: "أنا كام مرة أقولك متجيبيش سيرته قدامي." انتفضت من مكانها هاتفة بضيق: "ليه؟ في الأول والآخر أنا كنت متجوزة، ومش ذنبي إنه طلع ندل ونصاب، وحاولت آخد حقي منه، وأنا اللي رفضت." انتفض هو الآخر على أثر صياحها، هاتفا بحدة، أجفلتها، بل وجعلت كل من ليلى وفدوى تدلفان للغرفة في محاولة بائسة منهما لفهم ما يدور: "آخر مرة هحذرك يا دارين...
متجيبيش سيرته قدامي، أنا بحاول أنسى إنك كنتي متجوزة قبلي، وبحاول أتعايش إن فيه راجل غيري لمسك، والأكثر من كده بحاول أنسى شكلك وإنتي فرحانة وبترقصيله، فبلاش تزودي الموضوع عليا." حاولت فدوى التدخل، هاتفه بتردد: "اهدأ يا ابني وكل حاجة وليها حل." جلس يطرق رأسه لأسفل، مشعلاً سيجارته، هاتفا بضيق: "سيبونا لوحدنا يا جماعة من فضلكم." نظروا لبعضهما البعض بحيرة، فسحبت ليلى حماتها من ذراعها، وخرجتا لتركهم بمفردهما كما ناشدهما.
فور خروجهما، وقف واتجه ناحيتها منتصباً بطوله وهيبته، وتحدث بجرأة: "إنتي إزاي تسمحيله يصورك بالشكل ده؟ أجابت باكية: "كنت مدية الأمان زي أي زوجة... إنت مراتك مكانتش بتحاول تبسطك؟ جحظت عيناه بغضب أهوج، ورفع سبابته بوجهها، مقوساً فمه محذراً: "داااارين... أوعي في مرة تعملي مقارنات بينك وبينها، والأسوأ من كده إنك تقارني بينها وبين الحيوان ده." شعرت كم أن زوجته الراحلة خطاً أحمراً لن تستطيع التجرؤ والمساس به، فرقرقت صوتها،
هاتفة بضيق: "أنا مش بقارن... أنا بسأل اللي عملته ده كل الستات بتعمله، ولا أنا كنت حالة شاذة؟ ضغط بأسنانه على شفته محاولاً كتم النيران المندلعة بداخله، وردد: "في كتير بيعملوه بس... قاطعته صارخة: "يبقى فين غلطي؟ صاح مجيباً: "غلطك في اختيارك... غلطك في تساهلك إنتي وأهلك في أبسط حقوقك، غلطك كبير وأكبر من إن أي راجل يتحمله على نفسه."
ألقى كلماته، فامتعض وجهها، ليستدير ويوليها ظهره، عاقداً ساعديه خلف ظهره، ونظر من نافذة الغرفة المطلة على الشارع، وردد بزفير قوي: "أنا بعمل المستحيل عشانك، والواضح إنك مش شايفة اللي أنا بعمله... بحارب في ميت جبهة، وإنتي كل اللي يهمك إن كل الستات بتعمل كده." خرج سجائره وأعاد إشعال أخرى ليحرق بها صدره وقلبه المحترق بنيران حبها، وردد وهو يزفر دخانها خارج رئتيه: "أنا مش قادر أكمل بالطريقة دي ولازم... لم تمهله فرصة للتحدث،
فصرخت بانهيار: "متكملش... طالما حاسس نفسك مضغوط وبتحارب ومش قادر، يبقى متكملش يا سيف وتحسسني عمري كله إنك اتنازلت واتجوزتني." التفت ينظر لها على أثر صراخها وحديثها الهادر، فقوس حاجبيه لتلمع عيناه بالدهشة، وهي تخلع محبسها وخاتمها، وتمسك براحته تضعهما بداخله، وهي تبكي مرددة: "وأنا أهو بعفيك من الحرج ومن أي ارتباط بينا يا سيف."
ألقت كلماتها بوجهه، واندفعت قاصدة غرفتها، فاصطدمت بزوجة أخيها وهي تحاول إيقافها، ولكنها كانت كالرعد الغاضب والمتهور، لتصل غرفتها وتغلق الباب وراءها. ظل متجمداً بمكانه، ممسكاً بمحبسها، ينظر له بشرود، حتى وجد يد فدوى تربت عليه، محدثة إياه برجاء: "معلش يا بني... اعذرها، اللي شافته يكسر أجدعها واحدة، ولولا إن دارين طول عمرها قوية كانت انهارت من زمان." رفع وجهه ينظر لها، هاتفاً بضيق: "أعذرها؟ وأنا مين يعذرني ويحس بيا؟
قوست فمها وربتت عليه بحنو بالغ، هاتفه بنبرة أمومية: "حقك عليا أنا سيف... إحنا يا بني منرضالكش الأذية، لو فعلاً حاسس إنك مش قادر تكمل؟ حقك محدش يقدر يقولك حاجة." وقف متحفزاً أمامها، يسحق أسنانه بغضب، وسألها وهو يتجه للداخل قاصداً الغرف الداخلية: "فين أوضتها؟ أشارت لخاصتها، فاندفع بحدة وفتح الباب دون تكبد عناء طرقه، وولج للداخل، هاتفا بغضب: "داااارين."
وجدها متكومة على فراشها بوضعية الجنين، تبكي بقهراً، وعبراتها شوشت رؤيتها لدرجة أنها تعثرت بغطاء الفراش وهي تعتدل بجلستها، صارخة بغضب: "إنت إزاي تدخل عليا من غير استئذان؟ دفع الباب بيده عنفاً لينغلق، وليلى وفدوى واقفين بالخارج تتضرعان لله لحل الأزمة. *** جالسة على فراشها، وتلتف حولها تابعاتها، واحدة تدلك قدمها، والأخرى كتفها، وكأنها أميرة متوجه على عرش السجن. انحنت إحداهن تهمس بأذنها بشيء جعلها تبتسم وتهتف بانتصار
من نصف عينها الماكرة: "خليها تيجي." خطت سيدة باحترام وانحنت تجيبها، هاتفة: "جبتلك طلباتك يا معلمة." وضعت لواحظ قدم فوق الأخرى، وسيجارتها بيدها، هاتفه برضا: "أهو كده تنولي الرضا يا سيدة، هاتيه بقى." أدّست الأخرى يدها بصدرها وأخرجت منه هاتفاً محمولاً وناولتها إياه، فاخذته منها لواحظ، وحركت قدمها بشكل مبالغ فيه، ورددت: "روحي إنتي يا سيدة."
ضربت بأصابعها عليه، ووضعته على أذنها تنتظر الإجابة، فجاء صوته الغليظ، هاتفاً: "الواجب." أجابت بعنجهية: "أيوه يا ابن عمي." زفر بصوت مسموع، ممتعضاً، ومردداً: "خير يا لواحظ، عايزة إيه؟ هدرت به بشراسة: "إيه حكايتك؟ إنت فاكر إننا بنلعب؟ منفذتش ليه اللي طلبته منك؟ نظر أمامه بتأفف، وكأنه يراها،
وأجاب بصوت متهكم: "عشان يا أم العريف لو عملته زي ما إنتي عايزاه، هنتكشف، اصبري وأنا هعملك اللي إنتي عايزاه وأكتر كمان، المهم بس ابعتيلي الولية اللي تبعك دي بفلوس عشان أكمل." *** اقترب منها بهدوء وتريث، ولكن نظراته عكست ما بداخله من نيران ثائرة، فتخوفت منه وابتلعت لعابها بذعر، وعادت للوراء بظهرها، وهي تركز بصرها أمامها، تستمع له يتحدث
وهو يحطم أسنانه من الغيظ: "هو أنا مش قلتلك قبل كده الدبلة دي متتقلعش من إيدك إلا عشان تتحط في إيدك التانية؟ اقترب أكثر حتى أصبحت محاطة ما بين الحائط وجسده الممشوق أمامها، ليستطرد بحدة: "قلت ولا مقلتش؟
انتفض كتفاها لأعلى من صياحه، فدمعت عيناها أكثر، لتتشوش رؤيتها أكثر، فلم تلاحظ اقترابه الخطر منها، واستناده على الحائط الذي خلفها ليحاوطها بذراعيه بين جسده وبين الحائط، وأمسك يدها اليمنى وألبسها المحبس والخاتم، وعاد لوضعيته مسنداً كفيه على الحائط، فيعود ليحاصرها، وانحنى مقرباً فمه من أذنها، هاتفاً بهمس مثير: "مولاتي... جميلة الجميلات." رفعت وجهها تنظر له باكية، فمسح بابهاميه عبراتها المنسابة من مقلتيها،
فهمست بتلعثم: "يا سيف... أنااا كنت بحاول أعفيك من الحرج." ابتسم وهو يلتقط عبراتها بفمه، ملثماً وجنتيها وعنقها، وهتف: "هش ش ش، بحبك." لثم ثغرها بقبلة جامحة، تذوق فيها عبراتها، فحاول أن يهدئ من روعها قليلاً، حتى صارت قبلة متمهلة ورومانسية، طالت بعض الوقت، حتى شعر بحاجتها للهواء، فابتعد متفرساً وجهها الذي اصطبغ بحمرة إثارته وخجله. طال نظره لها، فوجد حزنها لا يزال يتملك معالمها، فتمعن بمقلتيها الحزينتين،
وردد: "بصي يا دارين... أنا هقولك كلمتين، اعتبريهم نصيحة مني، عايزة تاخدي بيها هترتاحي في حياتك معايا بعدين، مش عايزة تاخدي بيهم براحتك." ظلت منتظرة منه أن يكمل، فاستطرد مبتسماً بخبث: "لو جوزك ومعاكي منه عيال، متسمحيش أبداً إنك تتصوري بجسمك كده لأي سبب، لأن ببساطة لو اعتبرناه ابن حلال زيي كده، فبرضه فكرة إن الموبايل ممكن يقع في إيد حد من صحابه، أو إنه يتسرق أو يبوظ، وساعتها ممكن الحاجة دي تتنشر على النت، وتبقى فضيحة."
أطرق رأسها بخزي، وهتفت ببكاء: "عمرك سألت نفسك أنا ليه حاولت أنتحر وأنا في السجن؟ أجابها وهو يستعيد بذاكرته ذلك اليوم الذي زعزع كيانه، فهتف بحنق: "سألت نفسي كتير أوي وفكرت في إجابات أكتر، بس بجد ملقتش إجابة تقنعني غير إنك استسلمتي للهزيمة." أومأت مؤكدة: "لأ... اليوم ده أنا كلمته وهو هددني بالفيديوهات دي لو حاولت أجيب سيرته أو أفتح القضية من تاني، ساعتها الدنيا كلها ضلمت في وشي... مش عشان اتصدمت فيه؟
لأ خالص، بس عشان فكرت في شكلي وشكل عيلتي لو نفذ تهديده." صمتت وأخذت أنفاسها ببطء، مستطردة: "يعني أنا كمان مش موافقة أبداً على حاجة زي كده، واتعلمت درسي... أو بمعنى أدق اتعلمت درسي بطريقة مستحيل تخليني أغلط تاني يا سيف، عشان كده أنا زعلت منك لما بوستك بعد ما وعدت جمال، حسيت ساعتها إنك...
صمتت وانتحبت بكاءً، فوضع إصبعه أسفل ذقنها بحنو مبالغ، وعاد لهدوئه، وهتف موضحاً: "عارفة أنا ليه بوستك دلوقتي برغم وعدي لجمال، وبالرغم إنك زعلتي مني لما عملتها؟ حركت رأسها بلا، فأجابها: "لأنك مراتي يا دارين... كلها أربعة وعشرين ساعة وتبقى على ذمتي رسمي وقدام الناس كلها." تلاعبت معه بالحديث، هاتفه: "ممكن أي حاجة تحصل وتعطل الجواز على فكرة، وساعتها...
وضع إصبعه على فمها ليمنعها من إكمال حديثها، وهتف بتأكيد، مقرباً فمه من ثغرها، هاتفاً بنبرة خطيرة، وأنفاسه الساخنة تلفح وجهها: "الحاجة الوحيدة اللي هتمنعني من كتب كتابنا بكرة هي إني أكون ميت." رفعت كفيها بلهفة وخضة، مستندة بهما على صدره، هاتفة بوجل: "بعد الشر عليك." انحنى ليلتقط شفتاها بقبلة أخرى، بث لها احتياجه وحبه، ولكن عندما وجدها لا تبادله، ابتعد وهمس باحتياج: "أنا محتاجك أوي يا دارين...
عندي مشاكل كتير أوي ومحتاجك جنبي، عايز أحس بيكي وبحبك ليا عشان أقدر أكمل." عاد يقبلها باحتياج، وكأنه يتوسلها أن تبادله القبلة، ففعلت، وأحاطت عنقه بذراعيها متعلقة برقبته، ليسحبها من خصرها مقرباً جسدها منه، ضاغطاً بقوة عليه، وكأنه يؤكد لها أنها ملكه هو فقط. لم يتوقفا عن التقبيل، حتى سمعا طرقات خفيفة على باب غرفتها، فابتعد بحرج، يحاول هندمة نفسه وكبح إثارته التي شعر بها للتو، ليجد ليلى وقد فتحت الباب،
تهمهم بخجل: "جمال وعمي على وصول... لو بس تطلعوا بره بدل ما... صمتت، فابتسم لها، فسألتها: "اتصالحتوا؟ أومأ لها، وتلك الواقفة خلفه مختفية بعيداً عن نظرات زوجة أخيها بفعل طوله الفارع، فهمهمت بفرحة: "الحمد لله... ربنا يبعد عنكم أي حاجة وحشة." ردد بتضرع ولهفة: "آمين." ولجت للخارج وأغلقت وراءها الباب، ليتعجب من فعلتها، فعاود النظر لمعشوقته، هاتفاً ببسمة: "مرات أخوكي دي عسل." ابتسمت وأجابته: "جداً...
أنا مليش إخوات بنات، بس هي حقيقي عوضتني." التف بارجاء الغرفة، هاتفاً بإعجاب: "أوضتك حلوة أوي، بس ناقصها حاجة." رفعت حاجبها مستفسرة، فأجاب وهو يطبع قبلة رقيقة على وجنتها: "ناقصها صورتي." دفعته بدلال وهي تردد: "ويا ترى أوضتك فيها صورتي؟ أومأ بلا، هاتفاً بحزن اعتراه فجأة: "أوضتي فيها صورة مراتي وبنتي، إنما بصي كده إيه جنب قلبي."
أشار بيده للجيب الأيسر لبدلته الميري، فمدت ساعدها بجرأة تفتش به، لتخرج ورقة صغيرة مطوية، وبداخلها خط يدها مكتوب به (بحبك يا سيف) نظرت له بحيرة ودهشة ممزوجة بعشق خالص، وسألته: "هي دي ييي... أومأ على الفور، موضحاً: "أيوه يا ديدو... الورقة اللي كتبتيها في المستشفى لما اعترفتيلي بحبك ليا." هتفت بصوت خافت، مزعزع من فرط مشاعرها: "لسه محتفظ بيها كل ده؟ قبّلها من جبهتها، مردداً بتأكيد: "وهتفضل جنب قلبي طول ما أنا عايش."
تلاعبت معه بملامحها النضرة، بحبه، وسألت: "وبصوري؟ أخرج هاتفه من جيبه وأضاء شاشته، لتجد صورتها تحتل خلفية الهاتف، فابتسمت وتحركت لفراشها، وأخرجت إطاراً زجاجياً موضوعاً به صورتهما معاً أثناء خطبتهما، كانت قد وضعته أسفل الوسادة. رفعته أمامه وهتفت: "وأنا بنام كل يوم وأنا بحضن الصورة دي." انطلق بجسده بسرعة، أجفلتها، فعادت للوراء، وهو قاصداً ذلك، حتى تستند على الحائط، واحتضنها بقوة، هامساً
بأذنها: "طيب ما تحضنيني أنا بدل ما تحضني الصورة." ضحكت بفرحة، فعادت الطرقات الخفيفة على الباب، وجاء من خلفه صوت ليلى الهادئ: "عملتلك الشاي يا سيف وحطيته بره، وقرب يبرد." أجاب من خلف الباب: "جايين يا ليلى." *** جلس برفقتهم صامتاً بشكل يثير الريبة، فهتف جمال يسأله: "خير يا سيف؟ جايبنا من أشغالنا بالشكل ده ليه؟
نظر لهم بتفحص، ولكنه شعر بشعور مريب ما بين البوح بما جاء من أجله، وما بين إخفائه حتى لا يقع معهم بجدال يأخذ من وقته، وربما يتسبب بتأجيل عقد قرانه. اتخذ قراره بالنهاية، فجلّى صوته بسعلة صغيرة، وردد: "أولاً كتب الكتاب بكرة في ميعاده." أومأ هشام بفرحة خفية، ولكنه لم يعقب عليه، وتركه يكمل: "وثانياً أنا عرفت مين اللي ورا الفيديوهات دي؟ ضحك هشام بخفة، هاتفاً بسخرية: "هيكون مين؟ أكرم طبعاً." أومأ مؤيداً، وأعقب مستكملاً
حديثه: "ولواحظ المرتزقة." تهمت وجوههم بدهشة مريبة، وصرخت دارين تتساءل: "هي عايزة مني إيه بس؟ أجاب وعيناه ترتكز على شفتيها، لا يستطيع أن يحيد عينيه عنها: "عايزة تنتقم." لاحظت نظراته الشرهة تجاهها، فبللت طرفي شفتيها بلسانها، فلمعت عيناه، وأرسل لها غمزة عابثة، رآتها ليلى ودارين فقط، لتطرق الأخيرة رأسها بحرج، ولا يخرجهما من لحظة الشرود تلك سوى صوت جمال، هاتفاً بغضب: "والعمل؟
التفت إليه، يستدعي جدية زائفة بملامحه، مجيباً: "أنا هتصرف، متشغلش بالك... أكرم أخد اللي فيه النصيب مني ولسه، أما بقا لواحظ فبمجرد ما أخلص كتب الكتاب هفضاله." رددت فدوى بتضرع: "ربنا يحميك يا بني." وقف مكانه ينظر لهم بتردد، هاتفاً: "دلوقتي فيه حاجة مهمة لازم تعرفوها." أنصت له الجميع، فاستطرد: "الحيوان اللي اسمه أكرم بيقولي إنه رد دارين لعصمته."
صياحهم وثرثرتهم جميعاً في نفس الوقت جعلته يتوتر قليلاً، ويعجز عن السيطرة عليهم، حتى اضطر لاستخدام صوته العالي، صارخاً: "بااااااس... اسمعوني طيب." ارتعش جسدها على الفور، ودخلت بنوبة بكاء عنيفة، وهي تنتحب صارخة: "إزااااي؟ أنا كده... قاطعها بتأكيد: "متخافيش." تدخل جمال يسأله: "أنا مش فاهم حاجة يا سيف... إنت مش بتقول ردها لعصمته؟ أومأ مؤيداً: "أيوه، بس زي ما قلتلكم، كتب الكتاب بكرة في ميعاده." نظروا له بتعجب،
فابتسم وشرح لهم باستفاضة: "أول ما سمعته بيقول كده، بقيت عامل شبهكم كده، وحياتي كلها وقفت في لحظة... بس... صمت، وأخرج هاتفه، وظل يبحث به لبعض الوقت، واستطرد موضحاً: "روحت دار الإفتاء عشان أعرف الصح، وخدت فتوى تأكدلي إنه مش من حقه يردها لعصمته بأي شكل لا شرعي ولا قانوني." همهماتهم واستفساراتهم جعلته يخرج الفتوى من جيبه، وأراهم التشريعات التي تؤيدها على الهاتف، فالتقطها هشام وجلس يقرأها بصوت عالٍ حتى يستمع له الجميع:
(شروط الرجعة في تلك الحالة المبينة: يشترط لإرجاع الزوجة من الطلاق الرجعيّ عدّة شروطٍ، منها 1/ أن يكون عقد النكاح صحيحاً؛ حيث لا توجد رجعةٌ في النكاح الفاسد، ومثاله: أن يكون الزواج دون وليّ. 2 -ألّا يكون الطلاق على عوضٍ، أو قبل الدخول، أو في حالة فسخ عقد النكاح.
وهنا تنطبق حالتان: الأولى الطلاق على عوض، والثانية فسخ عقد النكاح. فإذا طلق الزوج امرأته مقابل تنازلها عن حقوقها، فهو طلاق في مقابل عوض، وهذا هو الخلع، وتقع به طلقة بائنة، لافتداء المرأة نفسها من الزوج بما قدمته له من عوض مالي ينهي هذه العلاقة مثل الخلع والطلاق على مال. وإذا كان العقد غير موثق أو قانوني فيعتبر عقداً باطلاً، لذا يعامل وكأنّه تم فسخه)
بعد أن قرأ هشام تلك الفتوى، واتبعها بقراءته لتوثيقها من الهاتف ومواقع الفتاوى، جلس سيف يشرح الأمر للجميع، مستهلاً حديثه يتساءل: "أولاً هل كان مكتوب مؤخر في العقد؟ أومأ هشام، فعاد يسأل: "أخذته بعد الطلاق ولا اتنازلت عنه؟ أجابت فدوى بحدة: "ولا أخدت حاجة... حتى العفش والفرش ما أخدتهوش." أومأ ببسمة فرحة، مؤكداً: "يعني اتنازلت عن حقوقها في مقابل الطلاق؟
أومأ الجميع، وكأنهم في حصة مدرسية يستمعون للمعلم وهو يشرح لهم الدرس بحرفية شديدة، وهو يكمل: "ولو اعتبرنا العقد بتاع الجواز شرعي حتى بالتزوير، ففي الزمن ده أي عقد غير موثق يعتبر غير صحيح وباطل، عشان كده مجرد ما نطق كلمة الطلاق كانت علاقته بيها انتهت، ومكانش في لزوم لعدة من أصله، بس أنا حبيت آخد بالأساب، ومدخلش في أي حاجة ممكن يكون فيها شك، تجنباً للشبهات."
عادت نظرات الفرح والسرور للجميع، فهللت ليلى بفرحة، وأطلقت فدوى الزغاريد، ليقطع حديثهم رنين هاتفه الذي قام بتشغيله للتو. *** حاولت مراراً وتكراراً الاتصال به، ولكن دون جدوى، حتى التقط هاتف طلعت رسالة بأنه قام بفتحه، فصاح محذراً: "استنى أنا اللي هتصل بيه بدل ما يقفله تاني." وافقت على مضض، وانتظرت أن يجيب، فهتف: "أيوه يا بابا." سأله باهتمام: "إنت فين من امبارح يا سيف؟ أجابه متصنعاً اللامبالاة حتى
لا يلاحظ أهل دارين الأمر: "أبداً، كان ورايا شوية مصالح بخلصها." عاد يسأله: "وفينك دلوقتي؟ أجاب بإيجاز: "عند خطيبتي." تعمد نطق تلك الكلمة بذلك التوصيف، وليس أي توصيف آخر، وكأنه يؤكد لنفسه ولها ولعائلتيهما أن أمورهما على ما يرام، فابتسم طلعت بفرحة، هاتفاً: "طيب الحمد لله إنك بخير يا بني، بس فيه حاجة لازم تسمعها مني ضروري جداً."
امتعض وجهه، فهو لا يريد أن يدخل بنقاش يخص أمه الآن، فهتف متهرباً: "أخلص اللي ورايا، وهبقى أعدي عليك بالليل يا بابا، أنا ورايا مليون حاجة." وافق وسأله: "وكتب الكتاب؟ أجاب بإيجاز: "بكرة في ميعاده، هعدي على الدار بتاعة المناسبات أشوفهم خلصوا كل حاجة ولا لسه، وبعدها هعدي عليك." أغلق مع والده، ونظر لهشام، هاتفاً برجاء: "عمي... أنا ممكن آخد دارين وننزل نكمل حاجتنا." سأله الآخر: "حاجة إيه؟
أجاب والبسمة تزين ثغره: "كان عندها ميعاد للفستان، وأنا كمان مستلمتش البدلة، وعايز أعدي على دار المناسبات عشان أتفق مع المأذون، يعني كام مشوار كده نخلصهم على السريع." قوس هشام فمه وردد برفض مقنن: "روح إنت خلص مشاويرك، ودارين تنزل مع أخوها ومراته." تجهّم وجهه من تحكماته الزائدة عن الحد، فردد بصوت حاد قليلاً: "يا عمي أنا لولا وعدت إني هعملها فرح، كنت قلبتها دخلة عشان أخلص من وجع الدماغ ده."
احتدمت تعابيره وهو يهتف: "وجع دماغ؟ صحح له الأمر: "مقصديش حضرتك طبعاً، أقصد الوقت اللي بيضيع والترتيبات اللي مبتخلصش، ده غير المشاكل اللي عمالة تظهر." أومأ متفهماً، ولكنه أصر على رفضه، متحججاً: "ما هو مش سلق بيض أصله، روح بس خلص عشان تلحق." مسح وجهه بكفه، ونظر له بضيق، وردد: "يا عمي أنا بستأذنك آخد دارين وننزل سوا."
نظر هشام لنجله الأكبر، فرأى موافقة منه، فأومأ باستسلام، لينظر سيف بلهفة، هاتفاً: "غيري هدومك بسرعة عشان نلحق." *** قاد سيارته متوجهاً لدار الأزياء حتى تستلم فستانها، وفور أن دلفت، استقبلتهما مديرة المكان، وهتفت بترحاب: "أهلاً أهلاً بالعروسة... اتأخرتي ليه؟ أجابتها بصوت رقيق: "معلش كان ورانا شوية حاجات." أومأت لها، معقبة: "طيب ادخلي قيسيه عشان أشوف مقاسه اتظبط ولا لأ؟ لأننا اضطرينا نقص منه كتير جداً لأنه كان واسع."
نظرت لسيف، هاتفه بحرج: "طيب استناني في العربية يا سيف على ما أخلص." حرك رأسه رافضاً، وغمز لها، هاتفاً بمشاكسة: "عايز أشوف الفستان." رددت بتخوف: "فال وحش يا سيف." صدحت منه ضحكة عالية، مردداً بسخرية: "ده فستان الدخلة مش كتب كتاب بدار مناسبات جوه مسجد يا ماما." دَلفت بحرج، وارتدت وخرجت، فلمعت عيناه بجمال خلقه وما رآه، فابتلع لعابه بنهم من جمالها بذلك الزي الأحمر الناري، ولكن تجهم قليلاً وهي تسأله: "حلو؟ أمعن فيه النظر،
وردد بتأفف: "عريان." نظرت له بحيرة، وابتسمت، هاتفاً: "يعني حلو؟ أجاب بحدة: "آه يا دارين حلو لو قميص نوم، مش فستان لكتب كتاب بدار مناسبات جوه مسجد." ابتلعت بخجل، وهتفت: "هلبس الشال بتاعه." زفر بضيق، وأومأ، مردداً: "وريني شكله بالشال." وضعت الشال، فوجده حقاً لم يستر الكثير، فهتف بحنق: "إنتي محتاجة عدلة جامدة، بس أنا قدها وهعدلهالك، بس الصبر حلو." سألته بتوجس: "أفهم من كلامك ده إيه يا سيف؟
وقف واقترب منها، ووضع أنامله على وجهها، وهتف: "يعني دي آخر مرة تلبسي اللبس ده يا دارين، وإلا... صمت متعمد ليزيد من توترها واستنتاجاتها، فهتفت بتلعثم: "وإلا إيه؟ ابتسم وهو يقبل جبينها، هاتفاً بحب: "وإلا هازعل منك أوي أوي ومش هكلمك تاني." ضحكت من طيبته وطريقته السلسة في طلب ما يريد، فاستطرد بغزل: "بغير عليكي من نفسي، ومش عايز حد يشوف حاجة بتاعتي وتخصني."
أومأت وهي مخدرة تماماً أمام ما يدور حولها، انتهت من تغيير فستانها، وقاد بسرعه متجهاً لدار المناسبات، هاتفاً باستعجال: "نخلص هنا الأول، وبعدها هطلع على الترزي أشوفه خلص البدلة ولا لأ؟ وبالفعل تم كل شيء بسرعة، واتجه لسيارته، وهو مخللاً أصابعه بخاصتها، وقاد بسرعة باتجاه الخياط، ولكن تنبه فور أن وصلت سرعة السيارة لما فوق الستين كيلومتراً، أن مكابحها لا تعمل بشكل جيد.
ظل يحاول إيقافها أو إبطاءها، ولكن دون جدوى، وكأن المكابح أصبحت هلاماً لا وجود لها. أمسك عجلة القيادة بقوة، ونظر بجواره لدارين المنغمسة بتفحص ثوبها بداخل غلافه البلاستيكي، فرحة كطفل اشترى لتوه ملابس العيد. زفر أنفاسه وحطم أسنانه، وهو يتضرع للمولى بانقضاء الأمر سريعاً، وهتف بصوت خشن: "دااااارين... أربطي الحزام كويس." أجابته بتلقائية: "ربطاه يا سيف." أعقب عليها: "وطّي ودخلي وشك بين رجليكي، وحطي إيدك على راسك جامد."
نظرت له بارتباك، فنظر لها ببسمة عشق خالص، وهتف: "أنا بحبك." سألته بتخوف: "هو فيه إيه؟ أجابها بإيجاز: "مفيش فرامل." لمعت عيناها، فهتف يؤازرها: "اهدّي واعملي اللي بقوله، وارمي تكالك على الله." فعلت ما أمرها به، فنظر للطريق أمامه، وحاول احتساب الأمر سريعاً ليحاول إيقافها بأقل الخسائر، حتى وجد ضالته بموقع بناء وجبال من الرمال تحيط المكان، فتوجه ناحيتها، وهو يردد الشهادتين بصوت
أجفل تلك المزعورة بجانبه: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!