الفصل 22 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
19
كلمة
6,090
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

نحيب وبكاء يصدح حوله، والسيدات يتلفحن بالسواد، ونحيباتهن الباكية تصل لشهقات على وجع الفراق. ظل يتلفت بعينه، ينظر للوجوه المألوفة حوله. ذلك العزاء الجالس به يشعر بتقطع أوصاله. هل فقدها حقًا؟ ما لعنته مع الفراق والوجع؟ استمع لصوت والدته تقرأ آيات من القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. [٤] آل عمران.

ابتلع غصة بكائه، واستند بمفرقه على مسند المقعد، وأسند عليه رأسه وهو يمنى نفسه بأنه يحلم لا محالة. كل شيء مألوف وكأنه حدث معه من قبل. هل يعاصر تلك الظاهرة المسماة بـ Dejavu أم ماذا؟ شعر بتيبس جسده وآلام تجتاح أضلعه وهو يعاصر حمله للنعش، وحضوره مراسم الدفن، انتهاءً بالعزاء. فمن أين يتمنى أن يفيق من حلمه بعد كل ذلك؟ هل يمكن أن يصبح الحلم حقيقة لدرجة أن يؤلمه جسده هكذا؟

اخترق أذنه صوت والدته التي تتضرع إلى الله بصوت راجٍ ومناجٍ لرب العالمين، هاتفة: "يا رب نجيه." تشنج جسده أكثر وأكثر، وفتح عينيه بذعر ليجد نفسه على فراش المشفى، وموصولًا بيده أنبوب مغذٍ. فانتفض جالسًا بصياح: "دارين! هرعت والدته تربت على كتفه بمهادنة، هاتفة بلهفة: "ألف حمد الله على سلامتك يا حبيبي. ألف حمد الله على السلامة يا سيف." نظر لها بشرود وخوف بصوت متحشرج: "دارين؟ ربتت عليه، هاتفة:

"كويسة يا ابني، ما تخافش عليها. أنت اللي عندك ارتجاج في المخ." جلس وحاول إخراج أنبوبة المغذي بيده، فصرخت برفض: "لا يا سيف. سيبه يا ابني." تجهم وجهه وسألها: "دارين فين؟ أجابته على الفور عندما رأت حالته، غير مهتم بنفسه ولا يهتم سوى لها: "في الأوضة اللي جنبنا. ما تقلقش يا حبيبي، هي كويسة." ضغط على زر استدعاء التمريض، فدَلفت الممرضة بسرعة تسأل باهتمام: "حمد الله على السلامة. حضرتك كويس؟ أماء لها، فاعقبت:

"هبلغ الدكتور إنك فوقت عشان... قاطعها بحدة: "فكي البتاع ده." أشار على أنبوبة المغذي، فابتسمت له، هاتفة بتفسير: "مش هينفع. أنا هنادي على الدكتور وهو... صاح مقاطعًا بحدة: "بقولك شيليه حالا." نظرت لوالدته تطلب منها الدعم، فالتفتت بحدة ترمق والدته بنظرات حادة، فما كان لها سوى أن أماءت للممرضة تأمرها بطاعته، ففعلت على مضض. اندفع من الغرفة قاصدًا غرفتها، فوجد جمال يقف بالردهة يدخن سيجارته. فاقترب منه الأخير هاتفا:

"حمد الله على السلامة يا سيف." أماء دون تعقيب، وأمسك مقبض الباب وفتحه، واتجه لفراشها فوجدها تغط بالنوم. فجلس بجوارها وهو لم يلاحظ وجود والديها بالغرفة، وانحنى يقبل جبهتها هاتفا بصوت خافت مذعور: "دارين... كنت هموت عليكِ." احتضنها، دافنًا إياها بين أضلعه وهو يكمل: "الحمد لله يا رب إنه حفظك لي." سمع صوت نحيحة والدها وكأنه ينبهه بوجودهم، فنظر خلفه وسأل والدتها: "هي نايمة ليه؟ أجابته وهي تتوجه ناحيته تحدثه بهدوء:

"ما تقلقش يا ابني. الحمد لله جت سليمة." نظراته الواجمة للجميع حوله، وصوته الغاضب وهو يسألهم عن سبب نومها وعدم إدراكها، جعل والده يقترب منه محاولًا تهدئته: "اهدأ يا سيف. أهلها بيطمنوك أهو. عايز إيه أكتر من كده؟ سأل بحدة: "طيب ليه مش فايقة؟ أجابته فدوى بمهادنة: "عاطينها منوم يا سيف. كانت منهارة عليك و عمالة تصرخ، والدكاترة ملقتش حل غير كده." اقتربت منار تربت عليه، هاتفة: "اطمن بقى. أنت لسه تعبان."

رمقها بنظرات حادة وكأنه يحملها ذنب ما حدث، فضربتها نظراته بمنتصف قلبها، ولكن لم يهتم. ولأول مرة يكن قاسيًا هكذا. جلس بجوارها وأمسك راحتها يقبلها، وعيناه تدمع، هاتفا: "أوعي توجعيني فيكي يا دارين." دلف الطبيب مبتسمًا وهتف بحبور: "حمد الله على السلامة يا سيف باشا." لم ينظر له ولم يعقب عليه، فاكمل: "ممكن تتفضل معايا على الأوضة بتاعتك عشان أفحصك وأطمن عليك؟ أجاب بإيجاز: "مش وقته. لما تفوق." صحح له الكلمة، مرددًا:

"قصدك لما تصحى، لأنها نايمة يا فندم." حرك وجهه تجاهه وصر على أسنانه مؤكدًا: "يبقى لما تصحى يا دكتور." ابتسم الطبيب مرة أخرى له، وحاول إقناعه مرددًا: "طيب هي قدامها نص ساعة وتصحى، والكشف بتاعك مش هياخد عشر دقايق، فإيه رأيك أفحصك على ما تصحى هي؟ ابتسمت أخته له، هاتفة برجاء: "عشان خاطري يا سيف. اسمع كلام الدكتور." وافق على مضض وتحرك بتكاسل تجاه غرفته حتى يقوم الطبيب بفحصه. وفور أن انتهى، سأله: "هي أخبارها إيه يا دكتور؟

أجابه بعملية: "مفيهاش أي حاجة. مجرد كدمات خفيفة جدا. دخول العربية تل الرمل خفف من أثر التصادم." سحب نفسًا عميقًا، زفره خارجًا براحة وارتياح، واستند بظهره على الفراش. فاستأذن الطبيب للمغادرة. اقترب والده يحدثه بهدوء: "إيه اللي حصل؟ أجابه وهو يركز نظره بنقطة أمامه: "حد قطع فرامل العربية." احتدمت تعابير طلعت وهو يسأله بغضب: "بفعل فاعل يعني؟ أماء مؤكدًا، فاجهمت ملامحه وهو يتفرس ملامح نجله، متسائلًا: "مين؟

أخذ نفسًا عميقًا ونظر لوالده بصمت، وعاد يطرق رأسه متنهدًا بتعب. فردد طلعت: "خليها على الله يا ابني." علق: "ونعم بالله." ابتلع لعابه وردد بتردد: "طيب اسمعني شوية، عشان كنت عايز أوضحلك حاجة مهمة." رفع يده أمامه، هاتفا برفض: "لو هتتكلم في موضوع ماما، فبلاش دلوقتي. أنا مش مستحمل حاجة." هادنه بحب: "أنت تصدق في أمك كده؟ علل بصياح: "شفتها بعنيا يا بابا." ابتسم هازئًا: "زي ما شافت دارين عريانة في بيتك كده؟

تجهمت ملامحه وهتف موضحًا: "قصدك بالبرنص يا بابا، مش عريانة." ردد بإيحاء: "وليكن." فهم ما يرمي إليه والده، فقضم شفته واستمع لوالده يقص عليه أمر هايدي وما فعلته، ومحاولة والدته إصلاح الأمر بعد أن علمت به. فتوغل الغضب بقلبه تجاه ابنة خاله، وأغلق عينيه في محاولة لكبح غضبه. ربت والده على ظهره مرددًا: "صالح أمك يا سيف. هي ملهاش ذنب. والحكاية دي خلتها حست يعني إيه ظلم." ابتسم وأكمل بمزاح:

"مشفتهاش وأنت نايم وهي عمالة تحضن وتبوس في خطيبتك وبتحاول تهديها وتطمن عليك." رفع وجهه مبتسمًا عندما جاء ذكرها وسأله: "دارين كانت منهارة أوي؟ أماء معقبًا: "بصراحة مكنتش متخيل إنها بتحبك بالشكل ده. ده محدش كان قادر عليها، وبتوع الإسعاف قالولي إنها خرجتك من العربية، وكان هاين عليها تشيلك وتجري بيك في الشارع." ابتسم بفرحة وشعر بغبطة من السعادة لإحساسه بحبها ومشاعرها التي ترضي عشقه المتيم بحبها.

•••••••••••••••••••••••••••••••••• تلقت مكالمة من ابنة أخيها، فانزوت للجانب بمفردها حتى تجيب عليها: "عايزة إيه تاني يا هايدي؟ أنا مش قيلالك تبعدي عني وعن ابني، وكفاية أوي اللي حصل." بكت بشهقات عالية، هاتفة بوجع: "كلام بابا بجد يا عمتو؟ سيف عمل حادثة؟ أجابتها بصوت غاضب: "أيوه. وكان هيموت فيها. وأكيد عارفة السبب، ولا تحبي أفكرك؟ ابتلعت لعابها بحرج، هاتفة من بين بكائها: "طمنيني عليه يا عمتو. هو كويس؟ حصله حاجة؟

زفرت بضيق وتحدثت بنبرة استطاعت الأخرى تمييزها جيدًا، تجمع ما بين الجذع والضغينة: "جاه ارتجاج في المخ، وجسمه كله كدمات، وكانوا خايفين يكون عنده نزيف داخلي. لولا ربنا عالم بحالي وسترها معاه... ربنا يسامحك ويكفينا شرك." تحول بكاؤها لصراخ حاد أصم أذنها، وهي تتوسلها راجية: "عشان خاطري يا عمتو. وحياة سيف وسارة عندك، أوعي تقولي له إن أنا السبب. أنا والله روحت للشيخ ده تاني." قاطعتها منار بهدرة عنيفة وشرسة: "تاني؟

تاني يا هايدي؟ يا بنتي ارحمي نفسك عشان خاطر أبوكي وأمك." على الإقلاع، اعترضت على شراستها، هاتفة بحدة: "ما أنا روحت تاني عشان يبطل العمل ويوقف السحر يا عمتو، مش رايحة أتدلع يعني." نقمت عليها من تصرفاتها المتهورة وطريقتها الفظة في الحديث، فلم تتعب نفسها عناء الرد عليها سوى بكلمات مختصرة ومقتضبة: "أنا ابني ربنا هو اللي حافظه. ابعدي عننا يا هايدي." سألتها بضيق:

"ما الفرح اتلغى وسيف كويس، يعني خلاص يا عمتو ابعديها عنه بقى؟ هدرت بها بحدة، هاتفة: "آخر مرة هحذرك يا هايدي. ابعدي عن ابني." سألتها بغضب: "يعني خلاص وافقتي يتجوز السجون دي؟ أجابتها بإغاظة: "آه وافقت، وهعتبرها بنتي من انهاردة. ولو حاولت تهوبي ناحيتهم أنا اللي هقفلك." أغلقت بوجهها وتوجهت لغرفة نجلها، فوجدته يتحرك بخطوات متمهلة قاصدًا غرفة حبيبته، فامسكته من ذراعه راجية: "سيف يا ابني. أنا...

صمتت بتعثر ولم تسعفها الكلمات، فربتت على كتفها هاتفة: "بعدين يا ماما. بعدين نتكلم." اعترضت طريقه، مرددة: "بس... قاطعها متجهًا للغرفة المجاورة: "بابا قالي على كل حاجة. أنا هعاتب عليكي في حاجات تانية يا أمي، بس مش دلوقتي. سبيني أطمن على خطيبتي أرجوكي." •••••••••••••••••••••••••••••••• تفاءل... ليس لأن ظروفك مثالية، ولكن... ربما حولك من يستمد القوة من تماسكك، ويستقي الأمل من بسمتك.

تجرع الألم وهو جالس بجوارها، يتخيل ماذا لو خسرها؟ كيف ستؤول حياته؟ وما لعنة ابنة خاله الوقحة؟ فكيف لها أن تغضب الله وتشرك به عز وجل؟ تململت في نومتها، فتحرك ساعدها بعفوية، فتلمست كف يده المسند بجوارها. فتخطى شعوره تلك اللحظة حاجز الحب والهيام. خلل أصابعه بخاصتها، وانحنى يقبل أناملها الباردة بحب، وعبراته تترك جفنيه لتستقر بين فراغات أصابعها. شعر بيدها الأخرى تربت على شعره، فانتفض جالسًا بجوارها هاتفا بلهفة: "دارين...

حبيبتي." ابتسمت له وأردفت: "الحمد لله إنك بخير يا سيف. أنا كنت هموت من الخوف عليك." لم يتمالك نفسه، فسحبها داخل أحضانه، غير عابئ بوجود عائلتيهما بالغرفة. فدفن وجهه بتجويف عنقها وأخذ يسحب رائحتها بداخله، هاتفا بصوت مكتوم من أثر دفنه لرأسه: "ده أنا اللي كان هيجرالي حاجة لو روحتي مني. أنت مش متخيلة أنا بحبك قد إيه؟ تنحنح هشام بصوت مسموع، فابتعد عنها مرغمًا، وناظرًا حوله بحرج: "آسف يا عمي." أعوج فمه وهو يجيبه:

"طيب نهدى شوية عشان كده غلط." زفر بضيق وتحدث بغلظة: "معلش هو إيه اللي غلط يا عمي؟ ده كتب كتابنا بكرة، يعني فاضل أقل من... تدخلت فدوى هاتفه بدهشة: "أنت مش هتأجله يا ابني؟ ده أنت وهي متبهدلين والكدمات مالية وشكم وجسمكم." ليقاطعها هشام بغضب: "وفي الآخر كان بكرة أو بعده، فإسمه كتب كتاب مش دخلة."

انتصب بوقفته ونظر له بحدة، فامسكت دارين راحته تترجاه أن لا يدخل معه بنقاش أو أن يحتد عليه، ففهم رجاءها الصامت، فابتلع لعابه في محاولة منه أن يكتم غيظه، وردد بهدوء مصطنع: "لو عليا كان نفسي تكون دخلة يا عمي. بس أعمل إيه في الوعد اللي وعدتهولك بأني أعملها فرح؟ أماء هشام بضيق: "ولحد ما تبقى دخلة، متنساش نفسك مع بنتي، وإلا قسمًا بالله... هنا تدخل جمال بمهادنة يسحب والده ويهمس بأذنه:

"مش كده يا بابا. هو اللي معملنالوش مع الكلب أكرم، هتطلعه كله على سيف؟ احتدمت نظراته لنجله، فاكمل جمال حديثه: "اهدأ. محصلش حاجة لكل ده. بلاش شوشرة، وأمه أصلا مش طايقاها. متديهاش فرصة تمسك علينا موضوع." زفر باستسلام وثبت نظراته عليه، هاتفا بتساؤل: "أنا شايف إنكم تأجلوا كتب الكتاب عشان... قاطعه سيف مهللاً بفزع: "لااااء. مفيش حاجة هتتأجل." تفتت منار توضح له:

"يا ابني مش هنلحق. الساعة داخلة على نص الليل، والدكاترة عايزينكم أربعة وعشرين ساعة تحت الملاحظة و... قاطعها بسؤاله المفاجئ: "إحنا هنا من امتى؟ أجابت: "من ستة المغرب." أماء برأسه: "تمام. يبقى ستة المغرب بكرة يكون عدى أربعة وعشرين ساعة، وبعدها نطلع على الدار." هتفت فدوى بحرج: "والكوافير والفستان والصور و... قاطعها يسأل:

"كل ده مش مهم، والأمر سهل. لو على الكوافير والصور، يبقوا هنا، ونلبس في المستشفى، ونطلع على الدار على طول. كده كده الحجز بعد صلاة العشاء." صدمة أصابت الجميع من تلهفه. فهمست فدوى بحزن: "يعني يوم زي ده يجي بخته إنها تلبس وتتصور في المستشفى؟ أجابها وهو ينظر لدارين نظرة عاشقة، مرددًا بسخرية: "نحن نختلف عن الآخرون يا حماتي، وهتبقى ذكرى جميلة إن شاء الله." صمت ينظر لها منتظرًا موافقتها، فإماءت بصمت، وابتسامتها تزين وجهها.

ففرح على الفور وصرخ بلهفة: "والعروسة موافقة يا جدعان، بقا ما تسمعونا زغرودة." صدحت الزغاريد من فم ليلى وسارة، فاقترب منها وهمس بإذنها بنبرة خطيرة: "بكرة زي دلوقتي هبوسك براحتي وقدام أبوكي، ويبقا يتكلم معايا." كتمت شهقتها بيدها ونظرت له بحرج، فغمز لها بطرف عينه، وهتف وكأنه تذكر للتو: "ماله الفستان بتاعها؟ جاله حاجة؟ أجابت فدوى بحزن: "اتقطع واتبهدل." شرحت دارين الأمر، هاتفة:

"راسك اتفتحت ومناخيرك كانت بتنزف، فملقتش قدامي غيره، فقطعته وربطتلك دماغك بيه." أمسك راحتها وقبلها من داخلها، وردد بمشاكسة: "أحسن، مكنش عاجبني من الأساس." رسمت الامتعاض على وجهها، فانحنى يردد بنبرة ذات مغزى: "مش اتفقنا إنها آخر مرة تلبسي بالمنظر ده؟ وأهو ربنا محبش نغضبه في يوم زي ده وفي بيته، وسبب الأسباب... يبقى نتلم وتداري لحمي ده اللي عايزة الناس تتفرج عليه."

تحرجت من وصفه الجريء، فاطرقت رأسها بخجل، فابتسم وتوجه لزوجة أخيه، وردد برجاء: "لو سبتلك مهمة الفستان، هتعرفي تنفذيها؟ أجابت ببسمة فرحة: "هشتري جاهز والأمر لله." تدخلت سارة تعرض خدماتها: "أنا ممكن أروح معاها عشان... قاطعه مرددًا: "أنتِ وراكي حاجات تانية." نظرت له بحيرة، فاكمل: "بدلتك... هتروحي تستلميها من الترزي." هتفت ليلى باقتراح:

"طيب أنا ممكن أنزل مع سارة نجيب البدلة والفستان، ونمر على الميكب أرتيست نجيبها معانا على هنا." أماء باستحسان، ونظر لجمال مرددًا: "أنا مليش إخوات صبيان، بس هعتمد عليك في الحلاق والمصور." ضحك وضرب كفه بالآخر، موافقًا: "حاضر. أنا بشوف العجب على إيد أختي والله." ••••••••••••••••••••••••••••••

لاحت خيوط النهار الأولى، فاسترق السمع لصوت آذان الفجر يصدح من حوله، وتخلله صوت همهمات والدته الجالسة أرضًا تتضرع لله أن يحميه، وهي تقرأ آيات من الذكر الحكيم. فتح عينيه وابتلع مرارة حلقه، هاتفا بصوت ناعس: "ماما." انتفضت من على سجادة الصلاة واتجهت نحوه، تضع راحتها فوق رأسه تطمئن عليه، هاتفة بلهفة: "إيه يا حبيبي؟ عايز حاجة يا سيف؟ أماء معقبًا: "عطشان أوي."

ناولته زجاجة المياه، فتجرع منها كمًا كافيًا استقى منه، ووقف هامًا بالتحرك، فسألته بحيرة: "رايح فين يا ابني الساعة دي؟ أجابها بتلقائية: "أكيد في مسجد في المستشفى يا أمي، هصلي الفجر وأرجع على طول." لم تحاول إثنائه، فهي تعلمه جيدًا وأنه يستحيل أن يفوت صلاة الفجر بالأخص، فابتسمت مرددة: "خد بالك على نفسك." أجابها وهو يتجه للخارج: "ربنا هو الحافظ يا أمي."

انتهى من صلاته وعاد، ولكن استرق الخطوات تجاه غرفتها وطرق بخفة، فسمع صوتها مرددًا: "ادخل." دلف، فوجدها تجلس على الفراش، ووالدتها تنام عميقًا على الأريكة غاطة في سباتها، فاقترب منها وسألها باهتمام: "منمتيش؟ أجابته وهي تضع راحتها على وجهه تستشعر سخونته: "نمت وصحيت على صوت الآذان." استيقظت فدوى من صوتهما الهامس، فهتفت بحرج: "أنت هنا سيف؟ اعتدلت لتهندم من نفسها، فحاول أن يلغي حرجها منه، هاتفا:

"ماما صاحية في أوضتي يا طنط، لو حابة ترتاحي على سريري شوية، مشكلة المستشفيات بتاعتنا إنها بتمنع المرافق، عشان كده كل الغرف فردية." أماءت باستحسان، هاتفة: "أما أروح أدردش معاها شوية." فور خروجها، طبع قبلة على وجنتها وردد بمشاكسة: "مفيش حد في عيلتك بيركعها يا ديدو، أنتو عسل أوي." تحرجت من تلميحه، فاطرقت رأسها بخزى، فامسك ذقنها هاتفا بتمنى: "بس أنا متأكد إنك هتلتزمي في الصلاة من هنا ورايح، مش كده؟

إحنا كان بينا وبين الموت شعرة." أماءت بصمت، فاقترب منها أكثر وسحبها لتستقر داخل أحضانه، وهو يستشعر دفء جسدها بين ذراعيه، وقبلها أعلى رأسها، فشاكسته هاتفه: "وبالنسبة للبوس والأحضان، وأنت لسه مصلي الفجر؟ أبعدها قليلاً ليتفرس ملامحها، وهي تضيف بمداعبة: "ولا دي نقرة ودي نقرة تانية؟ رفع حاجبيه الأيمن وأمال بجسده ناحيتها، هاتفا بنبرة خطيرة مؤججة للمشاعر:

"كلها كام ساعة، وكلامك ده مييعنيش شيء، وأنا أصلاً من اللحظة اللي خطبتك فيها، ربنا شاهد عليا إنك مراتي من لحظتها." تنهدت تنهيدة حارقة وهي تدفن نفسها بصدره، هامسة بصوت رقيق: "أنا بحبك أوي يا سيف." ابتسم وشعر بالرضا من تصريحها لحبها الذي لا يمل منه أبدًا، فخرج عن طور سيطرته لنفسه، وأبعدها قليلاً عن أحضانه، ورفع وجهها بسبابته، ونظر بعمق عينيها، مرددًا: "وأنا بعشقك يا مولاتي."

سحب شفتيها بقبلة مؤججة، كانت أبلغ من أي تصريح بالعشق، وبادلته هي إياها، متعلقة برقبته، فما كان إلا واعتلاها فجأة، وظل يقبلها حتى خرج صوتها الضعيف من بين قبلاته، ترجوه: "سيف... كفاية، كده غلط." ابتعد بصعوبة، يلهث بأنفاسه، وظل يتفرس ملامحها النضرة ووجهها المصبوغ بحمرة، داعبت مشاعره المشتاقة، فاقترب من أذنها هامسًا لها بوقاحة: "أنا هنهار لحد الدخلة، وهغلط كتيييير."

ارتبكت من وقاحة حديثه عليها، وقلبت جفنيها لتشبه الجرو الصغير، فابتسم لملامحها الطفولية، وانحنى يهمس من جديد: "لااا براحة عليا، شكل الطفل الكيوت ده هيزود الموضوع معايا." اندهشت من حديثه، فاقترب يقبلها بشراهة، حتى سمع طرقات على الباب، فتنحنح واعتدل بجسده لتدلف الممرضة، فابتسمت بحرج لملامحهما الواضحة للعيان، وهتفت: "روحت أقيس لحضرتك الضغط، بس عرفت إنك فوقت." لم يعقب عليها، فاقتربت منهما وهتفت: "ممكن ترفع كم البيجامة؟

فعل، فنظرت له، هاتفة: "هخلص معاه، وبعدين أقيس لك أنتِ كمان." سألها سيف: "هم نايمين في الأوضة التانية؟ أجابته بعفوية: "لا، قاعدين بيشربوا شاي وبيتكلموا." وتعجبت دارين من تغيير والدته معها ومع عائلتها، فانتظرت خروج الممرضة، ونظرت له بنظرات مستفسرة، هاتفة بتساؤل: "مامتك بقت غريبة أوي بجد. إيه اللي حصل عشان تتغير كده؟ لم يجيبها، بل وقف ليهندم منامته، وأخبرها وهو يتجه للخارج:

"حاولي تنامي كام ساعة عشان وشك ما يكونش مجهد بالليل في الدار." فهمت من تهربه أنه لا يريد الدخول معها في تفاصيل، فآثرت الصمت حتى لا تثير حفيظته، وأماءت موافقة على طلبه، فاراحت جسدها على الفراش، ليعود ويدثرها بغطاؤه، ويقبلها من جبهتها، مرددًا برومانسية آثرة: "تصبحى على خير يا مولاتي، جميلة الجميلات." •••••••••••••••••••••••••••••• تكملة الفصل الثاني والعشرون

استمع لأصوات بالخارج بعد أن أخذ حمامه استعدادًا لارتدائه بدلته، بعد أن قام المصفف بهندمة شعره ولحيته، فظهرت وسامته. وها هو ينتظر مجيء أخته ببدلته وملابسه النظيفة. طرقات على بابه تبعها دخول والده ومأمور السجن ورفيقه رئيس المباحث، اللذان أتيا للاطمئنان عليه. فردد المأمور بأسف: "الحمد لله إنك بخير يا سيف." أماء بصمت، وأعقب عماد: "متشيلش هم العربية، أنا بعت عربيتي تتوضب، وأنا اللي هسوق بيك أنت وعروستك."

ربت على كفه باستحسان شاكرًا: "متشكر يا عماد." نظر له المأمور بنظرات متفحصة، فردها له سيف نظرات متفرسة بل ومفترسة، هاتفا بحنق: "كنت عارف؟ أماء بلا، معقبًا: "لو أعرف كنت هسيبك على عماك؟ زفر باختناق، فنظر طلعت لهما بغير فهم، واستمع لحديثهما: "وحضرة الظابط مكانش يعرف برده؟ أجابه باقتضاب: "يا ابني محدش يعرف حاجة." عاد يسأله: "ولا عرفتوا عملوها إزاي؟ أماء مجيبًا:

"حد من رجّالته شغال في الباركينج بتاع دار المناسبات، وواضح إنهم كانوا ناويين يعملوها النهارده بعد كتب كتابك، بس الولد انتهز فرصة إنك روحت امبارح وقطع الفرامل." تدخل طلعت بالحوار بعد أن فهم بعضًا من حديثهما: "أنا مش فاهم حاجة. أنتو كنتوا عارفين بمحاولة القتل دي؟ أماءا بنعم، وأعقب سيف يشرح له:

"كنا عارفين، وزرعنا اللي يحاول يجيب لنا قرارهم، بس أنا كنت عارف ومتأكد إنها مش هتتخلى عليها، خصوصًا إن فتحية معرفتش تكسب ثقتها." هتف المأمور يردد: "أنا كنت متخيل لما نقفل عليها كل الأبواب، وميكونش فيه غير فتحية اللي قدامها، هترمى كل ورقها قدامها و... قاطعه سيف: "سيادتك كل اللي كان هامك تعرف مخبية الفلوس فين، وحكاية قتلي أنا ودارين دي جت بالصدفة لما فتحية قالت لنا، ومحطتش خطة لحمايتنا من الأساس." لل المأمور بشراسة:

"لو أعرف أي تفاصيل مكنتش هعرضك للخطر يا سيف. والرجالة اللي برا وجوا وفي كل حتة دول بيساعدوها عشان لسه معاها فلوس، إنما لو عرفنا مكانهم وصادرناها هنقطع عليها الطريق، ومحدش هيساعدها بعد كده." ابتسم سيف بسخرية وهو يهدر: "وإبقى أنا والبت الغلبانة اللي اتربطت على اسمي روحنا في خبر كان. كنت مانع عنها الزيارة، وسياتك اللي سمحت بزيارة عطوة و... قاطعه المأمور: "مكناش ينفع نفضل مانعين عنها الزيارة، كانت هتشك."

تدخل عماد محاولًا وقف الصدام المحتد بينهما: "سيبونا من اللي حصل، وخلونا في المهم دلوقتي. خطة فتحية منجحتش، والظاهر كده إننا لازم ننفذ الخطة اللي حطها سيف من الأول مع النائب العام." سحب المأمور أنفاسه بعمق، هاتفا بضيق: "أنا مش مؤيد الفكرة دي و... قاطعه سيف: "هي الحل الوحيد يا فندم، صدقني، ولازم موافقتك عشان نبدأ في تنفيذها." أطرق رأسه مفكرًا، واتخذ قراره أخيرًا، هاتفا:

"ماشي. بس ترجع تركز في شغلك عشان تبقى متابع أول بأول، وميحصلش أي مصايب جديدة يا سيف." أماء باحترام، ورافعًا يمناه بالتحية العسكرية، هاتفا باحترام: "أوامرك يا فندم." عاد البسمة وجهه وهو يردف: "ماشي يا عريس. أنا همشي وأبقى أشوفك بالليل في كتب الكتاب، وعماد هيفضل معاك طول اليوم، ومتقلقش، الليلة كلها متأمنة جدًا، وعليكم حراسة باللبس المدني والعسكري، ولا الوزير في زمانه." شكره باحترام وغادر. فنظر طلعت له بحيرة،

يسأله باهتمام: "ممكن أفهم الخطه دي إيه؟ نظر سيف وعماد بعضهما البعض، وهتف الأول موضحًا بملاوعة: "هقولك بعدين يا سيادة اللواء. أنا عريس دلوقتي وعايز أفرح." •••••••••••••••••••••••••••••••• ظن أنه نجا بعد أن أوهمه محاميه بتلك الحجج الواهية، فتراجع عن أقواله، معللًا أنه تم إجباره على قولها، بل واتهم أسماءً بعينها بضربه، واستغل الضربات الموجعة التي تلقاها من سيف منذ أيام لإخراج تقرير طبي يؤكد تعديه عليه بالضرب المبرح.

تفرس رئيس النيابة بوجه أكرم، هاتفا بعملية: "الأقوال اللي أنت غيرتها دي، والأقوال الجديدة اللي بتقولها دلوقتي بتهز مصداقيتك يا أكرم، ومش من مصلحتك تعادي معاون المأمور، لأنك مطول في السجن." أربد وجهه بالضيق، هاتفا بأسلوب استعراضي رخيص: "هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا باشا، ده بدل ما تثبت أقوالي وتحميني منهم، جاي تساومني على سكوتي؟ زفر باصطناع، هاتفا:

"أنا داخل على إعدام، يعني مش باقي على الدنيا، وهمسك في أي قشة تخرجني من اللي أنا فيه." قوس رئيس النيابة فمه، مؤكدًا: "أسامي الحيتان اللي قلت عليهم في اعترافك الأول مش هيسيبوك، حتى لو اتراجعت عنها. بس أنا بأكد لك إنك لو فضلت متمسك بأقوالك ضدهم، أنا هحميك منهم." أصر على أقواله، هاتفا:

"وأنا بقولك يا فندم إن الاعتراف ده أنا مضيته بالإكراه من سيف باشا وزمايله اللي حبوا يجاملوا معاه، بعد ما عجبته المتهمة الأولى في القضية، فحب يلبسهالي عشان يخرجها. وأكبر دليل على كلامي إن فرحهم انهاردة يا باشا." امتعض وجهه بالضيق، هاتفا بفضول: "وأنت عرفت منين إن فرحهم انهاردة؟ أدعى كذبًا: "هو اللي قالي يا فندم، وهو نازل فيا ضرب، وصاحبه حضرة المعاون واقف بيتفرج عليه وهو بيكسر عضمي."

زفر بتنهيدة حارة، وأنهى معه التحقيق، واستدعى كل من معاوني سجن النساء والرجال للتحقيق معهما فيما هو منسوب لهما من اتهامات باستخدام مركزيهما للتطاول غير المبرر على المساجين وتلفيق التهم جزافًا. ••••••••••••••••••••••••••••••••

خرجت تلك الحورية بعد أن ارتدت فستانها الذهبي اللامع ذو الأكمام والمحتشم، فحقا قد أحسنت زوجة أخيه الاختيار. فقضم على شفتيه وابتلع لعابه من جمالها الأخاذ دون مساحيق التجميل المبالغ فيها، فهي دائمًا ما تنبذ وضعها بكثرة، ففقط زينة رقيقة أخفت بها كدمات وجهها. تنهد بعمق واقترب منها، يطبع قبلة على باطن كفها، يعلنها صراحة أمام الجميع بامتلاكها قلبه وعشقه. رفعت وجهها المصبوغ بحمرة، لا تعرف من أين أتت؟

هل هي خجل أم إثارة أم رهبة؟ حقًا لا تعلم، فتمعنت النظر بوسامته المهلكة ببدلته التي أظهرت طول قامته ورشاقة جسده، فلمعت عيناها ببريق خاطف للأنفاس، وهي تردد بداخل نفسها: "معقول أنا هتجوز ده؟ خلل أصابعه بخاصتها، وتوجه للمصعد الخاص بالمشفى، والجميع من حولهما يطلقون الزغاريد الفرحة، حتى انضم لهم المرضى وعائلاتهم يصفقون ويطلقون الصافرات إعلانًا بوجود فرحة عارمة. صعدت سيارة عماد بعد أن قام سيف بفتح بابها، وانحنى احترامًا

وهتف بتبجيل: "مولاتي." ابتسمت بزهو وركبت، فالتف للجهة الأخرى وركب بجوارها، قاصدين دار المناسبات لإتمام عقد القران. فور وصول الجميع، لم يستطع سيف تمالك نفسه وهو جالس بجوار المأذون، الذي أخذ بدوره يشرح أهمية الزواج ويلقي بخطبة عن تعاليم الزواج بالدين الإسلامي وواجبات الزوجان تجاه بعضهما، فهتف سيف بلهفة: "اكتب الكتاب الأول، وابقى كمل الدرس ده يا شيخ بعدين، اللي يكرمك."

ضحك الجميع على لهفته، وأكمل المأذون عقد القران، فصدحت الزغاريد من كلا الجانبين، وهنأهما الجميع متمنين لهما بدوام السعادة والفرح. اقترب سيف منها، الجالسة بجوار أبيها، وأمسكها من راحتها حتى وقفت قبالته، فقبلها من جبهتها قبلة طويلة، ونظر لوجهها بتمحيص، ورفعه حتى يركز بصره بحسنها الذي يعشقه، وهتف أمام الجميع: "مولاتي... جميلة الجميلات، ربنا يجمعني بيكي على خير عن قريب يا رب، ويحميكي ليا."

أنهى جملته وعاد يقبلها من جبهتها، وانتصب بوقفته، عاقدًا العزم على تفجير قنبلته المدوية وسط اجتماع الأهل والأقارب، هاتفا: "اسمعوني يا جماعة." سكت الجميع، فأمسك بمكبر الصوت وردد: "أنا كنت متفق مع حمايا العزيز إن الدخلة هتاخد وقتها لما نجهز كل حاجة على مهلنا، بس بصراحة أنا مستعجل، وبما إن الكل هنا انهاردة، فأنا حابب أقولكم...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...