تعلم ما هو الأمر الذي يجعل الإنسان يفقد شغفه بالحياة؟ يفقد رغبته بالاستمرار وتقبل أخطاء نفسه وأخطاء الآخرين من حوله ويتحول لشخص بغيض يكره كل من حوله بل ويكره الحياة ذاتها. ذلك الشيء هو اليأس… فإن شعر الإنسان باليأس تخلى عن كل ما يملكه من آمال وأحلام وربما تمسكه بالحياة يقل تدريجياً حتى يصبح جسد بلا روح وربما يؤدي كرهه للحياة لارتكاب مزيد من الأخطاء التي تجعله عرضة لأذية نفسه وأذية من حوله.
هرع سيف بعد أن استمع للحارسة، وتبعته دارين بلهفة. بالرغم من غيرتها من نور، إلا أن كرهها للواحظ جعلها تهرع وراءه لتحاول إنقاذ تلك المسكينة التي وقعت تحت براثنها. دلف سيف لمكان التريض فوجدها تقف بنهايته، تستند إلى أحد الحوائط وتضع شفرة الحلاقة على عنق نور وهي تحكم قبضتها على جسدها وتهدد أيًا كان بقتلها إن حاولوا الاقتراب منها. فور أن رأته ابتسمت بسمة صفراء ورددت بصياح عالٍ:
"أول ما سمعت إنك عايش وعرفت إنك جيت قولت لازم أشوفك بنفسي يا يا باشا." نظر لها بهدوء وتأمل النظر بنور الساكنة بين يديها وكأنها تخشى على حياتها منها، فردد بمهادنة: "أنا أهو يا لواحظ.. عايزة إيه؟ ردت عليه بنبرة جامدة خالية من الشعور: "عايزة أقبض روحك بإيديا." ابتسم بهدوء وإيماء موافقًا، وردد بتأكيد: "أنا قدامك.. سيبى نور واتعاملي معايا أنا." ضحكت بسخرية وكركرت بانهيار وكأنها استمعت لفكاهة، أطلقت دعابة مضحكة ورددت تؤكد:
"انت فاكرني هفية ولا غبية يا باشا؟ عايزني أسيبها عشان أتحبس؟ لااااا أنا يا قاتل يا مقتول." اقتربت دارين منه وأمسكته من راحته، فانتبه لها ونظر لها بحدة هاتفا بصوت هامس ولكن مسموع: "إيه اللي جابك ورايا؟ خرج صوت لواحظ العالي مرددًا: "أهلاً أهلاً بالست دارين، السبب الأساسي لكل اللي أنا فيه." رمقتها دارين بنظرات كارهة وغاضبة وهتفت بحدة: "انتي عدوة نفسك يا لواحظ وعداوتك مع الناس هي اللي وصلتك للي انتي فيه."
ابتلعت لعابها بقلق عندما وجدتها تتحرك للخلف أكثر، ضاغطة بيدها على عنق تلك المحاطة بأذرعها الغليظة وتضغط أكثر بسلاح الشفرة على عنقها، ورددت بتحذير: "أنا خسرت كل حاجة ومبقاش عندي حاجة أخاف عليها، وهاخد روح كل اللي أذاني وأولهم حضرة الظابط دي." أشارت بعينها لنور وبدأت بنحر عنقها بحركة سريعة جعلت سيف يصرخ بغضب أهوج: "نووووور." ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في تلك الأثناء، دلفت قوات الشرطة برفقة وائل لحيز السجن حتى يقيم الوضع بعد أن طلب المأمور مساعدتهم لحل الأزمة، فهرع وائل على صوت صراخ سيف ليجد المشهد المروع أمامه. صرخت دارين هي الأخرى عندما وجدت يد لواحظ الملطخة بدماء نور، ودوي طلقة عالية اخترق أذنها، فوجدتهما الاثنان على الأرض.
نور مسجاة على وجهها ولواحظ تتسطح بجسدها فوقها تمامًا، فهرع كل من وائل وسيف ناحيتهما ورفعا جسد لواحظ ليجدا نور تسعل بشدة وهي تمسك عنقها شبه المنحور والدماء تخرج منه، فوضع سيف قبضته على مكان جرحها وضغط عليه وهو يصرخ: "الدكتور بسرعة." نظر لها وطمأنها: "متخافيش، انتي كويسة." ابتلعت لعابها بصعوبة، ولكن لم تختف ابتسامتها من على وجهها وهي تنظر له بامتنان ورددت بصوت مبحوح: "أظن أنا قدمت رسالتي على أكمل وجه يا فندم؟
أماء وهي لا تزال بأحضان، وهو ممسك بعنقها ليمنع تدفق الدماء منه، وردد بتأكيد: "وعملتي أكتر من المطلوب منك كمان يا نور…. بس فاضل حاجة واحدة عايزك تعمليها عشاني." ابتسمت بألم وسألته: "إيه هي؟ أنا تحت أمرك." أجابها وهو يحاول كتم غصة بكائه: "تتمسكي بالحياة، متستسلميش." اقترب الطبيب ومعه المسعفون وبدأوا بإسعافها ونقلها لمشفى السجن القريب، وكان عماد قد نزل لتوه واقترب منها هاتفا بحزن: "كان لازم أبقى أسرع من كده." ابتسمت
له وهتفت بصوتها المتعب: "كفاية إنك عملت اللي عليك وخلصت الناس من شرورها." ربت على شعرها وانحنى مقربًا فمه من أذنها وهتف: "قاومي عشان خاطري يا نور… أنا أول مرة أحس إني عايز أقرب من إنسانة بالشكل ده… أوعي تضعفي." تحركت النقالة بها باتجاه المشفى، واقترب سيف من جسد لواحظ التي فارقت الحياة، فوجد طلقة بمنتصف جبهتها كان قد أطلقها عماد بسلاحه عندما تابع ما يحدث من نافذة مكتبه.
كان واقفًا يتابع ما يحدث ورأته نور وهو يقوم بتجهيز سلاحه إن ما حاولت قتله، وابتسمت له لتعطيه الثقة بنفسه لإتمام مهمته، وفور أن بدأت لواحظ بتحريك يدها لنحر عنقها، استطاع أن يصوب تجاه رأسها بدقة بعد أن انحنت نور للأمام قليلًا من أثر الجرح الغائر بعنقها، فاتاحت الفرصة ليصوب تجاه لواحظ التي كانت تختبئ خلف جسد نور كليًا، فتنطلق الطلقة وتستقر برأسها تقتلها على الفور.
ارتمت دارين بأحضان سيف تبكي بخوف بعد أن رأت دماءها المتناثرة على وجهها ووجه زوجها وعلى الحائط، فلم تتمالك نفسها وبكت، حتى ربت عليها وحاول تهدئتها هاتفا بطمأنة: "اهدّي… خلاص، عدت." نظر لرفيقه الواقف يبدو عليه القلق، فاقترب منه وردد بهدوء: "روح لها يا عماد وأنا هفضل هنا أباشر التحقيق." ابتلع عماد لعابه بحرج وهتف متسائلاً: "مش انت حاسس بيا؟ كنت في موقفي ده قبل كده! أماء برأسه وربت على ذراعه يدعمه بروح طيبة وردد:
"نور قوية وهتعدي منها… روح لها ومتخافش." بالفعل اتجه عماد بسيارته تجاه مشفى السجن بعد أن أحضر ملفها معه، والتفت سيف لوائل الذي بدأ بمباشرة التحقيقات برفقة باقي الضباط، فاقترب منه سيف هامسًا: "مين اللي هيمسك التحقيق ده؟ أجابه وائل: "المأمور هو اللي هيحدد." تنهد عميقًا وردد بحزن: "ربنا يقومها بالسلامة، البنت دي غلبانة وأمها ملهاش غيرها." أيد قوله وسأله بحيرة: "هو في حاجة بينها وبين عماد؟ أماء رافضًا وأجاب:
"لا… بس أنا أخدت بالي من اهتمامه بيها وأخبارها وحسيت إن جواه حاجة من ناحيتها، بس الظاهر إن كلنا لازم نتحط الأول في اختبار صعب يهددنا بفقدهم عشان نتكلم ونخرج اللي جوانا." شعر وائل بالحزن على حال رفيقيه، فابتسم بمرارة وردد بضيق: "صعب إحساس الخوف اللي كلنا عايشين فيه طول الوقت ده، خوف من الموت ونسيب ورانا ناس حزينة وتعبانة من فراقنا، وخوف من إننا نفقد أقرب الناس لينا."
ابتسم سيف وقد تغيرت نظرة الحزن بعينه لأسى وألم ووجع على فراق من أحب، وردد: "اللي جرب بيكون أكتر واحد فاهم وحاسس." التفت فوجد السجّانة فتحية تمسك خرطوم مياه توجهه لدارين وتغسل الأخرى وجهها ويدها من قطرات الدماء التي لطخت وجهها، فالتفت مرة أخرى لرفيقه وردد بحسم: "انت وجودك هنا ملوش داعي، أنا بقول تاخد دارين توصلها البيت وأنا لما أخلص أبقى أروحلها."
أماء موافقًا استحسانًا للفكرة، فهي فرصة جيدة للتحدث معها بأمر شهاب البدراوي والخطّة التي يريد تنفيذها بعيدًا عن سيف المتهور والذي لن يوافق عليها بالتأكيد. اقترب سيف منها وردد بصوته الذي يشفي جروح قلبها: "دارين." التفتت بعيون باكية، فأمسك راحتها برقة وقبلها قبلة دافئة على كفها، وردد بصوت منخفض حتى لا تسمعه القوات والحراسات المحيطة به: "حبيبتي… روحي مع وائل يوصلك لبيت أهلك، وأنا هخلص هنا وأجيلك."
ظلت تبكي وتستنشق ماء أنفها، فربت على ظهرها يواسيها هاتفا بمزاح: "بتعيطي ليه بس؟ مش انتي بتغيري من نور؟ أجابته بحدة: "فاقوم أتبسط من أذيتها يعني؟ ابتسم وردد بهدوء: "متخافيش عليها، الجرح يبان خطير بس مش نافذ وهتبقى كويسة إن شاء الله." تركها لتذهب برفقة صديقه، فدَلفت سيارته وقادها خارج أسوار السجن. ~~~~~~~~~~~~~~ قاد سيارته على سرعة بطيئة وهو يحتسب الأمر برأسه واتخذ قراره، فأوقف السيارة والتفت لها هاتفا بدون مقدمات:
"حياة سيف في خطر وأنتي الوحيدة اللي ممكن تنقذيه." فزعت من حديثه وتلعتمت قليلاً وهي تردد: "ازاااى.. إيه اللي حصل؟ أجابها وهو يعيد تشغيل السيارة هاتفا: "خلينا نقعد في مكان نتكلم باستفاضة أكتر." لم تعقب عليه وانصاعت لطلبه، فما نتحدث عنه هو حياة قلبها النابض وقطعة من روحها. وصل لأحد المقاهي الحديثة فدلفا وجلسا معًا، ليستهل حديثه هاتفا: "شهاب البدراوي." لمعت عيناها واستطردت: "لسه حاططني في دماغه؟ أماء مؤكدًا وأعقب:
"ولاول مرة فكرة سيف تيجي بنتيجة عكسية، قلت له استنى شوية ومتظهرش دلوقتي لحد ما نقدر نمسك عليه مستندات تسجنه، لكن هو كان مستعجل عشان يرجع لحياته الطبيعية." هتفت بحزن: "أنا اللي كنت بزن عليه عشان نرجع لحياتنا، انت مش متخيل الحياة بالطريقة دي صعبة قد إيه؟ بكت فشعر بالحزن على حالها وردد بيقين:
"أنا عارف إنك مريتي بظروف قاسية ومش أي واحدة تستحمل اللي شفتيه، بس إحنا دلوقتي قدام واحد معندوش قلب وعنده استعداد يعمل أي حاجة في سبيل إنه يوصل لهدفه." صمت، فاكملت هي: "وهدفه هو أنا مش كده؟ نفسي أعرف عايز مني إيه؟ أجابها بحرج: "عايزك… عايز يقضي معاكي ليلة." لمعت عيناها بالدهشة من حديثه الفج، فحاول توضيح الأمر:
"الراجل ده عنده شبكة كبيرة تابعة ليه وواضح إنه مريض بالحكاية دي لإصراره عليكي بالشكل ده… عشان كده أنا عارف ومتأكد إني لو قلت لسيف على المعلومات اللي عندي هيتهور وممكن يخسر حياته ويا ريته لو عمل كده هييجي بفايدة." تنهدت عميقًا وزفرت أنفاسها الغاضبة ببطء ورددت: "طيب أنا إيه المطلوب مني؟ أجاب مؤكدًا: "أول وأهم حاجة إن أي تفاهم بيني وبينك يكون بعيد عن سيف، يعني ميَعرفش عنه حاجة." أماء موافقة، فأعقب يوضح:
"وتاني حاجة لازم تعرفيها إني هحاول أحميكي على قد ما أقدر ومش هسيب حاجة تأذيكي، بس عايزك قوية عشان تقدري تنفذي اللي مطلوب منك." مسحت براحتها على وجهها وهي تستمع له يكمل: "هو عايزك مقابل حياة سيف، وأنا عايز المستندات اللي عنده عشان أقدر أسجنه وأبعده عن طريقكم، يبقى الحل إننا نوهمه إنك هتنفذي طلبه وبمساعدتي أنا والرجالة اللي شغالين معاه وبيساعدوني هنقدر نوصل لمعلومات تلف حبل المشنقة على رقبته." سألته بتوتر:
"أيوه بس أنا هعمل ده إزاي؟ أنا مستحيل أسمح لحد إنه…" قاطعها على الفور: "ولا أنا ممكن أسمح لأي حاجة تحصل لك، أنا هبقى معاكي خطوة بخطوة عشان أقدر أقبض عليه، بس ده مش هيتم إلا بمساعدتك." لم تفهم ولم تعِ ما يريده، فسألته بحيرة: "أيوه يعني افرض اتهجم عليا هتعمل إيه انت ساعتها؟ حاول طمأنتها وردد بمهادنة:
"قلتلك متخافيش، والنوع ده من الرجالة مبحبش الغصب، هو عايزك تروحيله بمزاجك وبموافقتك وأنا هستغل النقطة دي إنك تطلبي منه وقت لحد ما تقدري تنفذي طلبه، وهو ذكي وهيفهم إن أي ست شريفة مش بالساهل تقبل الوضع ده، فهيستنى عليكي، ومقابلته التانية والتالتة هيبدأ يطمئن لك وساعتها هننفذ خطتنا."
لم تحبذ أبدًا أفكاره، فبداية من تخبئتها الأمر على زوجها، وهو ما يمكن أن يوقعها بمشاكل جمة ما إن علم بعد انتهاء الأمر، مرورًا بخروجها المتكرر ولقاء ذلك المدعو شهاب قد يؤذيها أيضًا، وانتهاءً بتأكدها أن أمثال شهاب البدراوي لا تسري القوانين عليهم كما تسري على باقي البشر، فإن تعلمت شيئًا من قضيتها هي أن النفوذ والأموال تستطيع أن تشتري راحة المرء بل وحريته، وإن كانت لواحظ التي تعتبر نكرة مقارنة به قد استطاعت أن تؤرق حياتهما بهذا الشكل فقط بامتلاكها القليل من الأموال مقارنة به، فما بال حالتها إن ما وقفت أمام عملاق من عمالقة كبار رجال الأعمال ذوي النفوذ الكبير والصفقات المشبوهة بملايين الدولارات.
تنهدت بحيرة وتركت العنان لأفكارها بالتحرك برأسها وهي تستمع لخطته التي رأت أنها ساذجة ولا تنطوي على طفل بعمر السادسة، ولكن لا بيدها حيلة ولا بد لها من المحاولة حتى تحمي نبضات قلبها العاشقة. ~~~~~~~~~~~~~~ عاد لمنزله مساءً بعد أن علم منها وجودها بمنزل الزوجية ورفضها الذهاب لوالدها، فدلف بخطوات متعجلة ليطمئن عليها، فوجدها تقف بمنتصف الصالة وتضيء الشموع بكل ركن من أركان المنزل ورائحة الطعام الشهي تخرج من المطبخ،
فابتسم وردد بمشاكسة: "أيوه بقى، هو ده الجواز… نفسي من ساعة ما اتجوزنا أعيش يومين طبيعيين بين أي راجل ومراته." احتضنته بقوة ودفنت نفسها داخل صدره ورددت بصوت مكتوم من أثر دفنها لرأسها بصدره: "طمني على نور." أبعدها عنه وتفرس ملامحها التي يعشقها حد اللعنة وقبلها قبلة خاطفة وأجاب: "لسه في العناية المركزة، بس حالتها مستقرة." سألت بإطناب: "ولواحظ؟ أمتعض وجه على الفور من سيرتها العكرة التي تعكر صفو حياته وأجابها:
"غارت في داهية، ولسه التحقيق شغال وعماد موقوف عن العمل لحين التحقيق معاه." تعجبت وسألته بضيق: "موقوف ليه؟ ده كان…" قاطعها مفسرًا: "دي الإجراءات يا ديدو… لازم يتحقق معاه لحد ما يثبت إنه كان دفاع عن النفس أو عن الغير، وطبعًا كل الشهود من المساجين والحراس هيشهدوا بكده، بس هي إجراءات وروتين لازم يتعمل." تنفس عميقًا وسألها بمشاكسة: "بس إيه الريحة الحلوة دي؟ ظنت أنه مبهور برائحة عطرها فسألته بدلال: "عجبك؟ ضحك
وتحرك للأمام وردد بمشاكسة: "أوي." اقتربت منه وارتفعت على أطراف أصابعها وتعَلقت برقبته هاتفه بإثارة: "انت اللي جايبهولي." فهم أنها تظنه يتحدث عن عطرها فتلاعب معها: "أنا بتكلم عن ريحة الأكل يا مولاتي." أمتعض وجهها وزمت شفتيها كالأطفال، فضحك عاليًا وانحنى يلتقط شفتيها بقبلة عميقة أججت مشاعرهما على حد سواء. ابتعد عنها لحظة وهمس لها بصوت خافت: "طيب إيه؟ ندخل جوه ولا ناكل الأول؟ ضحكت ورددت غامزة بطرف عينها:
"لا… ناكل الأول." ~~~~~~~~~~~~~~ نائم على مقعد ومسند قدميه على آخر أمامه ورأسه تستند على كتفه بشكل غير مريح، فاستيقظ على صوت رنين هاتفه الخافت الذي أخفض من صوته حتى لا يزعجها، فأجاب ليجده سيف على الطرف الآخر هاتفا: "طمني يا عماد، عاملة إيه؟ أجاب الأول بضيق: "الحمد لله أحسن كتير، مامتها هنا معانا وأنا كلمت المأمور عشان يسمح لنا نفضل جنبها."
حرك رأسه بحزن وهو يتذكر ما عاناه عندما كان هو بمكانه، فابتسم بمرار وهو يرى حبيبته النائمة بجواره عارية وجزء من أسفل بطنها يظهر من الغطاء وجرحها لا يزال واضحًا به، وأيضًا لا تزال تعاني الأمرين عندما تأكل، ليتذكر منذ لحظات الأصناف الكثيرة التي أعدتها له وانتهى بها الأمر بارتشاف طبق من الحساء أتبعته بكوب من الأعشاب المغلية. تنهد بضيق وحزن وردد: "معلش يا عماد… الحمد لله على كل حال وبرضه هي ربنا وقف معاها."
زفر بضيق وهتف متذمرًا: "لواحظ مكنش في حاجة هتوقفها غير كده ومع ذلك المأمور وقفني عن العمل وحولني للتحقيق!! رد عليه موضحًا: "ما انت فاهم الروتين، وبعدين متقلقش كلنا معاك وهنشهد باللي حصل." تجهم وجهه واربدّ بالغضب هادرًا بحدة ولكن بصوت خفيض: "كانت بتعدي يا سيف، لكن المأمور حب يحبّكها." حاول تهدئته معللاً: "المأمور حب يمشي قانوني وطالما مش هيضرك في حاجة يبقى إيه اللي مزعلك بس؟ أجاب بغضب:
"أنا اتوقفت ليه أنا ويتحط الكلام ده في ملفي؟ ردد بمكر حتى يهدأ: "اهي فرصة تبقى إجازة وتفضل جنب نور." نظر لها على فراشها وابتسم على الفور، فشعر به رفيقه وردد مشاكسًا: "بتحبها؟ أجابه دون تفكير: "الظاهر كده." ضحك بفرحة وردد: "اديك لقيت سجينتك الحسناء انت كمان اهو، ربنا يهون قضيتها وتعدي على خير واتحرك بقى متفضلش مبلط فيها كده." أماء وكأنه يراه مرددًا استحسانًا: "هعمل كده على طول، كفاية الوقت اللي الواحد ضيعه."
~~~~~~~~~~~~~~ انتظرته أن يذهب لعمله وهاتفت رفيقه على الفور وهي تشعر بالضيق والتردد، ولكنها حقًا ليس بيدها حل آخر، فرد عليها: "أنا أخدتلك منه ميعاد، هتقابليه في مكتبه، وفي الأول عشان يثق فينا مش هينفع أحط سماعات عشان أسمعكم لأنه أكيد هياخد حذره." ابتلعت بخوف ورددت: "ربنا يستر."
ذهبت برفقته لمكتب شهاب البدراوي الذي فور أن رآها أمامه واقعًا وليس حلمًا من أحلام يقظته، لم يتمالك نفسه، فاتسعت ابتسامته على الفور ووقف من مكانه متجها ناحيتها يمد ساعده ليصافحها بحرارة ولهفة مرددًا: "يا أهلاً يا أهلاً… نورتي مكتبي وشركتي وحياتي كلها." أطرقت رأسها لأسفل وجلست أمامه على المقعد، فنظر لوائل وردد بغلظة: "أظن دورك خلص لحد هنا يا حضرة الظابط؟
تنفس الآخر بغل محاولًا إخفاء غضبه وابتسم بسمة مصطنعة وانحنى برأسه يحيه وغادر، لترتبك دارين وتضم يديها أمام ركبتيها، فلاحظ شهاب توترها وخوفها، فاقترب منها وجلس أمامها يبتسم لها وهتف بنبرة متغزلة: "إيه الجمال ده بس!! انتي في الحقيقة أحلى بكتير." ابتلعت برهبة وقضمت شفتها السفلى بتوتر، فردد بمهادنة: "أنا مش عايزك تخافي مني… لأن عمري ما هاذيكي." تعجبت ورفعت وجهها تنظر له بدهشة وهتفت بتلعثم واضح على صوتها:
"إازاى بتقول كده.. وانت عايز..؟ قاطعها على الفور مقتربًا أكثر منها بجسده وردد بتأكيد: "أنا مش عايز أأذيكي يا دارين، أنا عايزك وهو واقف في طريقي." حاولت التحدث فهتفت: "بس…" عاد لمقاطعتها هاتفا بإصرار: "أنا هخليكي ملكة، كل اللي نفسك فيه هعملهولك والفلوس دي هتبقى تحت رجليكي." استجمعت شجاعة زائفة ورددت بحدة: "وده هيكون مقابل إيه؟ أجابها على الفور دون تفكير:
"تكوني ليا وبتاعتي، أنا عمري ما في واحدة قدرت تشغل بالي وتفكيري زيك." رمقته بنظرة لم يفهمها فسألها: "بتبصيلي كده ليه؟ أجابته بضيق: "عشان مش فاهماك، إزاي بتقول مش هتأذيني وفي نفس الوقت عايز تقتل جوزي؟ انتفض من مكانه واقفًا وردد بصوت حاد: "أنا مش بحب أعيد كلامي أكتر من مرة، بس ليكي انتي فيه استثناء عشان كده هتكلم وأفهمك طلبي للمرة الأخيرة." عاد للجلوس أمامها وانحنى بجذعه للأمام قليلاً حتى يصب كامل
تركيزه على ملامحها وردد: "أنا عايزك ليا، وأنا عمري ما عوزت حاجة ومأخدتهاش بأي طريقة، بس لكل قاعدة شواذ وعشان كده هسيبلك حرية الاختيار في إنك تختارى نوع العلاقة اللي هتجمعنا ببعض." لم تفهم مقصده، فنظرت له بفضول، فاستطرد يوضح: "يعني لو عايزة الحكاية تبقى سر بينا وأنا وانتي نبقى مع بعض بمصلحة خد وهات أنا موافق." ظلت تنظر له بتجهم وهو يشرح لها باستفاضة: "كل أما أعوزك أطلبك وكل مرة بتمنها." هنا صرخت بغضب:
"انت فاكرني واحدة من الشارع عشان تعرض عليا العرض ده؟ أنا ست محترمة و…." قاطعها: "أنا عارف إنك محترمة ومش من نوع الستات ده، بس أنا لسه مخلصتش كلامي." رمقته بنظرات مطولة وهو يبتسم لها ويردد بتغزل: "شكلك حلو أوي وأنتي متعصبة." أغلقت عينها باستسلام وتنهدت منتظرة سماعه، فأعقب: "لو مش حابة العرض اللي فات، فقدامك عرض أفضل بكتير، وهو إنك تطلقي منه وعلاقتنا ببعض متبقاش سر."
عاد الوجوم لوجهها، فلم يهملها وقت للتفكير في مغزى كلامه، فوضح: "يعني تطلقي منه ونتجوز وساعتها هتبقى مرات شهاب البدراوي من غير قيود ولا شروط." صمتت وتحدثت بوهن: "بس أنا مش عايزة أطلق و…" صمت، فابتسم بحنق وردد بغل: "محظوظ بيكي ابن الـ***سبه سبة نابية، فتضايقت ورددت برجاء: "ما تسيبنا في حالنا، أنا اتبهدلت أوي وما صدقت لقيت الإنسان اللي…" عاد لمقاطعتها هاتفا بحزم:
"لو أنا اللي كنت قابلتك في ظروفك دي كان زمان مشاعرك دي كلها ليا أنا، انتي حبتيه عشان وقف جنبك في ظروفك الوحشة ولو كنت أنا مكانه في الوقت ده كان زماني مكانه في قلبك." وقف واستدار بجسده يوليها ظهره وردد بصوت حاد: "فوقي من الأوهام اللي انتي عايشاها ودوري على مصلحتك." التفت ورمقها بنظرة جامدة تخوفت منها ومن عيونه المحتقنة وهو يردد بحدة:
"مصلحتك معايا أنا، عشان أنا مبحبش أخسر واللي الحاجة اللي مش ليا مبتكونش لغيري… اعرفي النقطة دي كويس وحطيها حلقة في ودنك." وقفت أمامه بدورها تردد بضيق: "يعني إيه الكلام ده؟ ابتسم بثقة وردد: "يعني لو مبقتيش ليا يا دارين مش هتكوني لغيري، أظن كلامي مفهوم، قدامك مهلة أسبوع عشان تقرري نوع العلاقة اللي عايزة تربط بينا." أشعل سيجارة الكوبي الضخم وعاد يتحدث بثقة وكأنه تذكر لتوه: "وآه نسيت أقولك حاجة مهمة."
صمت ليزيد من إثارة الموقف أكثر وتحدث بهدوء وثقة: "أوعي تكوني مفكرة إن دخل عليا الفيلم الهابط اللي عمله عليا حضرة الظابط الشريف اللي عايز يضحك عليا ويفهمني إنه باع القضية!! أنا طاوعته وعملت نفسي مصدقة بس عشان اللحظة ده، لحظة إنك تكوني قدامي حقيقة مش في الحلم وأنا عارف كويس هقدر إزاي أقنعك بعيد عنهم وعن خططهم الهبلة اللي متوقعش عيل صغير." ~~~~~~~~~~~~~~
عادت للمنزل تجر أذيال الخيبة وهي تعلم بقرار نفسها أنه معه كل الحق بعدم ابتياع تلك الخطة الساذجة التي هي من صنع وائل، لتلعن ألف مرة قبولها الذهاب لعرين ذلك الذئب المستعد لدفع الغالي والنفيس بل وفتح بحور دماء لا حصر لها فقط للنيل منها.
جلست على الأريكة أمام التلفاز تمسك بجهاز التحكم عن بعد وتقلب بقنواته، علها تلتهى به عن تفكيرها بأحداث اليوم، ولكن انتهى بها الأمر شاردة عن واقعها تحاول التفكير في حل معضلتها حتى غفت كما هي جالسة أمام التلفاز.
لم تستمع لصوت دخول مفتاح الباب بمكانه وفتحه ودخول نبضات قلبها العاشق الذي رآها على هذا الحال، فاقترب ببطء مبتسمًا وأمسك جهاز التحكم وأغلق التلفاز، وشمر عن ساعديه وانحنى يضع ذراع خلف ظهرها والآخر أسفل ركبتيها وحملها متوجهًا لغرفة نومهما، فتململت في أحضانه وحاوت عنقه بذراعيها ودفنت رأسها بأحضان، فابتسم وسحب رائحتها داخله لينتشي بقربها وعشقه لها.
انحنى مجددًا ليضعها على الفراش، فتحركت وفتحت عينيها ناظرة له بولع ممزوج بحزن لم يعِ سببه، فقبل جبهتها وردد بصوت حانٍ: "كلمي نومك." تمسكت بذراعه وسحبته أكثر ليلتصق بها ورددت بأسى: "خليك جنبي." تمدد بجوارها بزيه العسكري وسحبها داخل أحضانه ومرر يديه على شعرها برقة وردد هامسًا: "طيب نامي، شكلك تعبان… مالك؟ لم تستطع كبح دموعها وعبراتها نزلت على وجنتيها، فرفع وجهها بسبابته وتأمل النظر بها وسألها باهتمام: "مالك؟
حركت وجهها رافضة وعادت لدفن رأسها بصدره وهتفت بصوت مختنق: "مفيش… خليك جنبي، أنا بحبك أوي." ابتسم وردد برومانسية: "وأنا كمان بموت فيكي يا مولاتي." ~~~~~~~~~~~~~~ مرت ثلاثة أيام من المهلة التي حددها لها ولم تجد حلاً لا للمماطلة ولا لإيجاد حل، حتى أنها لم تخبر وائل بما دار بينها وبينه لتأكدها أنه فقط يريد استخدامها للقبض عليه وليس لحل أزمتها هي وعشقها القابع بجسد سيف.
نزلت من منزلها تتمشى بالشوارع بدون هدف ولا وجهة، حتى شعرت بالتعب وقررت الجلوس بأحد المقاهي الحديثة لتناول مشروب يروي ظمأها. شردت أمامها بالفراغ وبكت بحرقة وهي لا تعلم ما العمل، حتى استمعت لصوت مألوف لها يحدثها: "دارين!! عامله إيه؟ التفت برأسها لتجدها نيللي مهران التي احتضنتها على الفور وربتت على ظهرها هاتفه بحزن: "اتصدمت من خبر موتك واتصدمت أكتر لما عرفت إنه خبر كاذب ومش فاهمة حاجة."
ابتسمت وأشارت لها بالجلوس، فرأت نيللي الحزن والأسى بعينها لتردد بحذر: "مالك يا دارين؟ معارك طاحنة دارت برأسها ولم تعرف ما يمكن فعله؟ هل لها أن تقص عليها الأمر علها تجد معها حل أم تظل بمفردها بتلك المعضلة؟ رأت نيللي ترددها وتخبطها فهتفت بحب: "لو مش عايزة تتكلمي معايا في خصوصياتك أنا مقدرة ده، بس لازم تعرفي إن سيف بيحبك وكلنا شوفنا ده." بالطبع هي ظنت وجود ما يؤرق حياتهما وربما قد تشاجرا، ولكنها أعقبت عليها هاتفه:
"مفيش راجل في العالم ده كله زي سيف يا نيللي، بس…" صمتت ولم تكمل، فحثتها الأخرى على المواصلة وهتفت بحبور: "كملي… يمكن أقدر أساعدك." لم تنتظر أكثر وقصت لها بإيجاز عن معضلتها، فلمعت عين الأخرى وهي تستمع لها ورددت بدهشة: "إيه اللي بتقوليه ده يا دارين؟ وناوية تعملي إيه؟ رفعت كتفيها بمعنى لا تعلم، فهتفت نيللي: "طيب إحنا لازم نفكر، المهلة قربت تخلص واللي زي الراجل ده مبيهزرش." بكت وأحنت رأسها، فحاولت الأخرى تهدئتها
ورددت بعد طول تفكير: "متخافيش، أنا وأنتي هنلاقي حل بس لازم تكسبى وقت أطول." رفعت وجهها الباكي وهتفت متسائلة: "أعمل إيه؟ ردت عليها على الفور: "روحيله." ~~~~~~~~~~~~~~ طلبت مقابلته فأدخلها والبسمة ترتسم على وجهه ورحب بها بحفاوة، فجلست مترددة ترسم على وجهها الخجل المصطنع وهتفت: "أنا محتاجة وقت." ضحك بصخب وردد: "وقت!! وقت لحد ما تلاقي مخرج مش كده؟ أجابته بتوضيح:
"أنا مش هكدب عليكي، انت كان معاك حق في كل كلمة قلتيها… وأنا فعلاً خايفة على سيف وانت عارف حقيقة مشاعري ناحيته ولو عايزني برضايا لازم تعرفي حاجتين أنه هيكون بالجواز مش بأي حاجة تانية وبشرط إنك تبعد عن سيف نهائي ومتأذيهوش." نظر لها بنظرات متلهفة لسماع باقي حديثها وهي تردد بثقة غريبة: "وعشان ده يحصل محتاجة وقت لأني مش هعرف أبعد عنه بسهولة ولازم أقنعه إني مبقتش عايزاه ونوصل للنهاية اللي انت عايزها وهي الانفصال."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!