نجحت في جذب انتباهه بزيها الشفاف ومساحيق التجميل التي أظهرت جمالها أكثر وأكثر، فابتسم ابتسامة رقيقة واقترب منها هاتفا بمحبة خالصة: "الجمال عدى الكلام... إيه القمر ده؟ ابتسمت بخجل مصطنع وسحبته للداخل وهي تشير بيدها تجاه مائدة الطعام المجهزة بأفضل وأشهى الأكلات، ورددت: "تعالى قبل الأكل ما يبرد." رفع حاجبه بتعجب وسألها بحيرة: "إنتي اللي عاملة الأكل؟ معقول؟ ضحكت بخفة ورددت بابتسامة مشاكسة: "من امتى وأنا بطبخ يا سعد؟
الخدامين طبعًا اللي عاملينه." ابتسم بسخرية وردد بمشاكسة: "آاااه قلت لي، أنا افتكرت النهارده عيد ولا حاجة!! نظرت له بنظرات ممتعضة وهتفت محتده بالكلام: "هو أنا كنت ضحكت عليك وقلت لك بعرف أطبخ؟ إنت متجوزني وأنت عارف إني عمري ما دخلت المطبخ... وبعدين إنت أول مرة تتكلم معايا في الموضوع ده." اقترب من كفها وانحنى بجذعه قليلاً وقبّل راحتها قبلة حب وردد: "يا روحي أنا بهزر معاكي، ما تبقيش قفوشة."
ابتسمت له وبدءا يتناولان الطعام معًا، وعقلها مشغول برفيقتها وما قصته عليها، فانتبه سعد الدين لشرودها فردد باهتمام: "مالك يا نيللي؟ لم تسمعه من حدة شرودها، فأعاد عليها السؤال بعد أن جذب يدها لتنتبه له، فرددت بحزن واضح: "دارين وسيف صعبانين عليا أوي يا سعد، مش ممكن اللي شافوه في حياتهم... كأن العالم كله اتحد عشان يبهدلهم." أومأ مؤيدًا وردد: "فعلاً... اللي شافوه مش شوية، بس أهو الحمد لله خلصوا من لواحظ المر وشرها." رفعت
وجهها وهتفت تسأله بحيرة: "إنت متعرفش حكاية اللي اسمه شهاب ده؟ أجابها وهو يمضغ الطعام ويلوكه بنهم: "عارف... بس أعتقد إن موضوع الراجل ده خلص خلاص." حركت رأسها بامتعاض رافضة تؤكد له: "لأ مخلصش ولسه بيطاردها وناوي على الشر." تعجب لمعرفتها تلك التفاصيل الخاصة والتي يبدو أنه لم يعلمها بالرغم من قربه من أصحاب الشأن واتصاله الدائم بوائل، فردد يسألها: "إنتي عرفتي منين؟ أجابته بدون تفكير:
"اتقابلت مع دارين امبارح بالصدفة وحالتها كانت صعبة أوي، وحكت لي على حاجة." وضع الشوكة بطبقه لتتعلق بها قطعة من اللحم ودسها بفمه وهتف ولا تزال بقايا الطعام بفمه: "ملهاش حل الحكاية دي... إذا كان لواحظ بهدلتهم البهدلة دي فما بالك بقى بشهاب البدراوي، غول من الغيلان بتوع السوق!! هتفت بلهفة وصوت مرتفع نسبيًا: "إحنا لازم نساعدهم يا سعد." ترك الشوكة والسكين من يده ورفع وجهه ينظر لها بتمحيص وردد بضيق:
"خرجينا بره الليلة دي يا نيللي، أنا مش عايز مشاكل." تعجبت منه ومن ردة فعله، فهللت بغضب: "إيه؟ إزاي؟ لأ طبعًا أنا وعدتها إننا هنساعدها." ارتشف قليلاً من الماء وردد بتحذير مبطن: "ابعدينا يا نيللي عن الحكاية دي، إنتي متعرفيش شهاب البدراوي يقدر يعمل إيه؟ صرخت به بحدة: "يقدر يخليها تطلق من جوزها ويستبيح جسمها ويقدر يقتله ويعاملها زي الجارية، وإنت ممكن تسمح بكده؟ رد عليها بوجوم وحزن:
"أنا مش عايز مشاكل وعايز أعيش حياتي بسلام، كفاية بقى اللي ضاع من عمري." تنهدت بضيق وحزن وهتفت تستعطفه: "حط نفسك مكانهم يا سعد، مكنتش هتبقى عايز أصحابك يساعدوك؟ ولو كل واحد قال يلا نفسي يبقى مش هنلاقي حد يقف معانا في أزماتنا." تنهد بحيرة وهتف معللا: "أنا خايف عليكي وعلى حياتنا سوا ومعنديش استعداد لا أخسرك ولا تخسريني، وإحنا لو دخلنا في الليلة دي نبقى بنعادي شهاب البدراوي وش كده." نظرت له بنظرات متخاذلة ورددت بتوبيخ:
"إنت من امتى وأنت خواف أوي كده؟ مش هو ده سعد الدين اللي أنا حبيته واتجوزته! هدر بعصبية: "إنتي عايزة إيه؟ عايزاني أضحي بنفسي عشان خاطر سيف ومراته؟ أجابته بحزن: "لأ... سيبهم يموتوا ومتساعدهمش." زفر بحرقة وغضب وردد يسألها بعصبية: "إنتي عايزة إيه؟ إيه نوع المساعدة اللي نقدر نقدمها لهم؟ ابتسمت واقتربت منه طابعة قبلة على وجنته ورددت برقة: "هقولك، بس طول بالك عليا ومتتعصبش." ***
عادت للمنزل وهي تشعر بنيران تحرق قلبها وصدرها بعد أن تأكدت بفشل مخطط وائل، ومن بعده تعلم جيدًا أن مخططها هي ونيللي لن ينجح لذكاء ذلك الذئب وإصراره على الحصول عليها بأي شكل وبأي ثمن، لتلعن نفسها وتلعن حظها، فبالرغم من عدم ثقتها بنفسها وشعورها بانخفاض مستوى جمالها مقارنة بالفتيات حولها ومن قابلتهن في حياتها إلا أنها لم تسلم من المحاولات، بداية بأكرم الذي تلاعب بها وانتهكها بغير وجه حق، وها هي الآن تقف بانتظار إيجاد حل لمعضلتها مع المسمى بشهاب البدراوي.
دلفت للمرحاض بخطوات متثاقلة وخلعت عنها ملابسها وقفت أسفل الماء المنهمر من صنبور المياه لتطفئ نار قلبها المتقد بالحقد والغل عليه. خرجت تتلفح بمنشفة قصيرة وتلف شعرها المجعد بأخرى واتجهت لخزانة الملابس لتخرج ملابسها، فاستمعت لصوته الآثر يردد بغزل: "مولاتي... جميلة الجميلات، إيه القمر ده؟ التفتت بعد شهقة قوية لخضتها ورددت وهي لا تزال على حالة الحزن التي تعتريها: "خضتني يا سيف... جيت امتى؟ ابتسم وأجاب:
"لسه داخل، وحشتيني أوي." رددها وهو يقترب منها أكثر ويحتضنها بقوة مبعدًا المنشفة التي تضعها أعلى رأسها، فانسدل شعرها بتموجاته على عنقها وظهرها، فانحنى يقبل عنقها بنهم ولهفة وهو يردد من بين قبلاته: "بحبك، وحشتيني أوي." ابتلعت لعابها وأبعدته بمحاولة منها إخفاء حزنها ورددت بامتعاض مصطنع: "لحقت أوحشك؟ ده إنت كنت لسه معايا من كام ساعة؟ تعجب من طريقتها فابتسم بضيق وأومأ صامتًا وردد بعد أن ابتعد بجسده عنها:
"شكلي موحشتكيش زي ما إنتي وحشتيني؟ حاولت التحدث بطريقة مبتذلة فخرجت كلماتها وقحة ومؤلمة: "ما هو مش معقول طول الوقت إحنا مع بعض، أنا زهقت وعايزة أغير جو وأشوف وجوه جديدة." رفع حاجبه بدهشة مقوسًا حاجبيه ومنزويًا بجبينه وردد: "زهقتي مني؟
ابتلعت لعابها بحرج بعد أن رأت علامات الضيق بادية على وجهه، فبللت شفتيها بخجل من نفسها، فهو لا يستحق تلك المعاملة، فبالرغم من المشاكل الجمه التي تعرضا لها وهو لا يزال يغدقها بكل معاني الحب والمشاعر الصادقة، ولكنها لا بد أن تتصرف هكذا ما أن أرادت إنقاذه من الموت المحتوم حتى وإن كان الثمن كرهه لها وانفصالهما عن بعضهما البعض. اقترب منها وانحنى بجذعه ليقترب منها وابتسم بغزل وردد برومانسية وصوت هامس رقيق: "مالك؟
هي الضيفة بتاعة الشهر ده قربت ولا إيه؟ أومأت مؤيدة فاتسعت بسمته وقبلها من وجنتها وسألها بمكر: "تحبي أنزل أجيب لك شوكولاتة؟ أخفت عينيها عنه بخجل وهي تشعر بنفسها تكاد تحلق في سماء الحب من رِقته معها، ولكنها لا بد أن تتماسك أكثر، فرددت بصوت حاد: "ممكن تبعد عني، أنا زهقت من الطريقة دي."
لم يعرها اهتمامًا لما ألقته على مسامعه وانحنى يلتقط شفتاها بقبلة رقيقة متمهلة، انتظرها فيها أن تبادله، ولكن طال الوقت ولم تفعل، فابتعد جاحظًا عينيه بتعجب وهتف بضيق: "للدرجة دي مش طيقاني؟ التفتت تحجب نظراتها الحزينة عن عينيه المتفحصة ورددت بصوتها المرتعش: "معلش يا سيف سيبني لوحدي من فضلك أنا تعبانة وعايزة أنام."
قوس فمه بضيق واتجه لخزانة ملابسه صامتًا وأخرج منها ما يرتديه وراح للمرحاض ليغتسل، وخرج فوجدها لا تزال على حالتها المتجهمة جالسة على الفراش وكأن الطير قد حط على رأسها، فزفر أنفاسه بغضب وردد بحده: "في إيه؟ هو أنا لسه عارفك النهارده؟ ده مش حكاية PMS إنتي أكيد فيكي حاجة تانية ومخبياها عني، في إيه انطقي بدل ما تجنيني." لم تجبه ولكنها بكت رغماً عنها، فسحبها داخل أحضانه هاتفا بمودة وحب: "قوليلي إيه اللي مضايقك؟
ماما كلمتك في حاجة زعلتك؟ أومأت رافضة، فعاد يسألها: "حصل حاجة عندكم في البيت؟ عادت لإيماءاتها الرافضة مع همهمة بسيطة بالنفي، فردد بفراغ صبر: "أومال في إيه؟ أنا لو مكنتش متأكد إني مش مزعلك كنت فكرت إنك زعلانة مني." أبعدها لينظر لعيناها الدامعتين وسأل بوجل: "أكون زعلتك في حاجة ومش واخد بالي؟ انتحبت أكثر وأكثر وارتمت في أحضانه هاتفة بصوت متحشرج: "أنا بحبك أوي يا سيف، بحبك ومش قادرة ابعد عنك." هتف الآخر بدهشة:
"وتبعدي ليه بس؟ مفيش قوة على الأرض ممكن تبعدك عني أبداً." تنفست عميقًا فنظر لها مبتسمًا وردد يسألها: "قوليلي مالك؟ قبلته بدون مقدمات وسحبته للفراش هاتفه بلهفة: "خليك جنبي... احضني جامد ومتسيبنيش ومتسألنيش في حاجة، بس خليك جنبي." أحكم ذراعيه عليها وضمها بقوة وردد بعبثية: "طيب إيه رأيك نعمل قلة أدب قبل الضيفة دي ما تشرف!
ضحكت رغماً عنها من تشبيهه، فانحنى يقتنص شفتاها بقلة مؤججة للمشاعر حتى غابا معًا بتلاحم أجسادهما ليسطر كل منهما سطورًا من عشقه على صفحة الآخر. *** نهض مبتعدًا عنها بعد أن قصت له ملابسات الأمر، فزم شفتيه بتفكير، لتردد هي متسائلة: "هتساعدهم؟ سحب شهيقًا عميقًا وزفره على مهل وردد بضيق: "بس مش بالخطة العبيطة اللي إنتي وهي حاطينها دي، شهاب ده تعبان ومش هيدخل عليه العبط ده." تسائلت بحيرة: "عندك حل؟ أومأ صامتًا
ونظر لها بتردد وهتف: "معايا مستندات توديه في داهية." تعجبت من حديثه ففسر لها هاتفا: "ناصر الصواف كان عامل نسخ من كل شغلهم وقال لي على المكان اللي مخبيه فيه المستندات دي... يكمل حديثه فقاطعته هادرة: "و ساكت يا سعد؟ إزاي تعمل كده وأنت عارف إنهم بيعملوا المستحيل عشان يمسكوه؟ أجابها بتبرير:
"الورق ده لو ظهر هنفتح علينا بحر دم مش هينتهي لأنه فيه أسماء ناس تقال أوي وكبار في البلد هنا وبره ومش هيسمحوا إن أسمائهم تيجي في الحكاية دي و... عادت لمقاطعته تسأله بحدة: "وسكوتك عشان تحميهم يعني ولا خوف ولا إيه بالظبط؟ أنا بجد مصدومة فيك يا سعد." لمعت عينه بالضيق وردد معللا:
"أنا مش عايز أعيش حياتي مطارد، وناصر لما عرفني بمكان المستندات دي كان هدفه إني أساعده في مقابل الورق وهو عارف إنهم مش هيسيبوه عايش، وحطني في وش المدفع عشان كده أنا رفضت أدافع عنه ورفضت عرض وائل إني أشتغل معاهم ورفضت إني أشتغل محامي لشهاب وأي حاجة هتعرضك للخطر أو تعرض حياتنا واستقرارنا للخطر هرفضها يا نيللي." اقتربت منه بدلال وترجته وهي تداعب شعيرات صدره القصيرة بجرأة هاتفة: "هتساعدهم يا سعد؟
ابتلع لعابه من تأثيرها عليه وحرك رأسه بالموافقة هاتفا: "أيوه، بس بشروطي وبطريقتي." ابتسمت ابتسامة واسعة وهتفت بصوت هامس تتدلل عليه أكثر باقترابها منه: "إيه شروطك يا سعد؟ نظر لها بجدية وهتف موضحًا: "مفيش خطوة هتخطوها من غير علمي، والأهم إن سيف لازم يعرف." حاولت الرفض معللة: "سيف متهور ولو عرف ممكن يودي نفسه في داهية ولا... قاطعها رافعًا حاجبيه الأيسر هاتفا باستنكار:
"بقى خايفة على سيف ليتهور ومش خايفة على جوزك حبيبك إنه يبقى في وش المدفع." قضمت شفتيها بحرج، فرفع وجهها بسبابته ليستمع لصوتها المتخاذل وهي تردد: "إنت بتعرف تتحكم في انفعالاتك، تقدر تضرب ضربتك من غير ما حد يحس إنما هو هيودي نفسه في داهية." غمز لها بطرف عينه وردد بحزم: "ده آخر كلام عندي، سيف لازم يعرف ويساعدنا وإلا مش هتحرك من مكاني خطوة واحدة." ***
انتظرها أن تغفو داخل أحضانه وأبعدها برفق بعيدًا عن جسده العاري وانحنى ليلتقط ملابسه وارتداها بعجالة وتوجه ناحية حقيبتها وفتش بها فلم يجد ما يهمه، ولكن تفاجأ بوجود الكارت الخاص برفيقه وائل، فزم شفتيه وردد لنفسه: "الكارت بتاع وائل بيعمل إيه في شنطتها؟
تأكد من شكوكه أنها تخفي عليه أمرًا ما، وربما ذلك الأمر يخص شهاب بالتحديد، فامسك هاتفها وطبع كلمة السر والتي يعلم تمامًا أنها اسمه، ففتح قفل الهاتف على الفور وبحث في محتوياته ليجد أكثر من مكالمة بينها وبين وائل، فزفر بحده وغضب وردد بتوعد: "ماشي يا وائل الزفت، أكيد عايز تستخدمها معاك في خطة من خططك الغبية... أنا وأنت والزمن طويل يا بغل."
وجدها تتململ في فراشها وتمد ساعدها وكأنها تبحث عنه، فأعاد كل شيء مكانه وتحرك بسرعة للفراش ليعود ويلتصق بها، فهمهمت بخمول: "كنت فين؟ أجابها مدعيًا: "في الحمام." سحب شهيقًا وطردها خارجه وأحكم قبضته على جسدها هاتفا بما يشبه الأمر: "كملي نومك."
لتعود وتتخذ ذراعه وسادة وجسده كغطاء وتندثر بداخله عميقًا وهي تتنهد بحب، فرّبت بكفه على ظهرها وظل تفكيره يقوده للكثير والكثير من الخيوط حتى يستطيع فهم ما يدور وجعلها هشة وضعيفة إلى هذا الحد. استيقظ كعادته على صوت آذان الفجر فدلف المرحاض ليغتسل وارتدى زيه الميري وتحرك بخطوات متمهلة حتى لا تستيقظ، ولكنها كانت الأسبق بالنداء عليه: "سيف...
صوتها العذب اقتحم قلبه ودك حصونه وجعله يتسمر مكانه، والتفت لها ينظر لها بعشق وهيام خالص، فرددت برقة: "خد بالك من نفسك... وادعيلي وأنت بتصلي." عاد لها وقبلها قبلة رقيقة على جبهتها وردد: "حاضر يا مولاتي، هدعيلك ربنا يهديكي ويخليكي ليا." خرج، فتحركت هي الأخرى بعجالة تغتسل وترتدي ثيابها استعدادًا للخروج، ولكن ليس قبل أن تهاتف نيللي وتخبرها على ملابسات آخر لقاء بشهاب، فردت عليها الأخيرة بحسم:
"سيبك من كل ده، أنا قلت لسعد الدين وهو هيساعدنا." زفرت رافضة ما سمعته ورددت بتذمر: "ليه يا نيللي قلتي له؟ سعد ممكن يقول لسيف." ابتلعت الأخيرة لعابها ورددت بتوتر: "أصلًا سعد معاه حاجات ممكن تساعدنا ومنساش إنه محامي شاطر ودماغه بتشتغل بطريقة غيرنا وهينفعنا." ترددت أن تخبرها بشرط إخبار سيف وتأملت بداخل نفسها أن تستطيع إقناعه بمعسول الكلام أن يترك تلك الفكرة من رأسه حتى لا تضع صديقتها –التي وثقت بها وأعطتها سرها
–في موقف حرج. *** ذهبت لمكتبه بعد أن تقابلت مع زوجته ودلفتا معًا، تحية الأولى باحترام: "إزيك يا متر؟ أجاب بإيجاز: "الحمد لله." أشار لهما بيده هاتفا: "اتفضلي اقعدي." ونظر لزوجته التي ترجته بعينيها أن يُنفذ مطلبها، ولكن لم يظهر على وجهه أي تأثير من رجائها المبطن، فعاد وجلس على مكتبه وشبك أصابع يديه الاثنتين معًا وأسندهما أمامه على المكتب وردد:
"بصي يا مدام دارين، أنا المحامي بتاعك قبل أي صفة تانية، يعني قبل ما تكوني مرات صاحبي ولا صاحبة مراتى... عشان كده خليني أكلمك بصراحة وبصفتي المحامي بتاعك واللي المفروض أكون عارف عنك كل كبيرة وصغيرة." ابتلعت لعابها بتوتر مما هو آتٍ واستمعت له يردد: "أنا أقدر أوقف اللي اسمه شهاب ده عند حده، بس لازم سيف يعرف بالحكاية كلها عشان... قاطعته راجية: "لأ أبوس إيدك، بلاش سيف يعرف حاجة." حرك رأسه رافضًا وردد بحزم:
"ده شرطي عشان أساعد، سيف لازم يعرف." لم يكمل حديثه فوجد سيف بشحمه ولحمه أمامه وهو يقتحم عليهم المكتب هاتفا بحدة: "طبعًا الطرطور لازم يعرف يا مدام دارين." ما تلك اللعنة التي شعرت بها على حين غرة، بغفلة من الوقت تجمدت أطرافها وشعرت بغصة تعلق بحلقها، فهي لم تتخيل بأحلامها أن تشعر بهذا الكم من الخوف والرهبة ممن أحبت! ولكن نبرته الحادة والتي لم تسمعها من قبل حقًا زرعت الذعر بقلبها، فهوى بين قدميها.
ابتلعت غصتها وأطرقت رأسها لأسفل وهو يتقدم بخطوات تدب الأرض دبا وتهدد باحتراق العالم وهي معهم، ورأت كل من وائل وعماد في أثره، فنظرت لنيللي بنظرة تخاذل لتحاول الأخرى تبرير موقفها، ولكن لم يسعفها الموقف ليهدر سيف بصوت حاد ارتجت على أثره جدران المكتب: "بقى حضرتك بتلغيني من حياتك وتنزلِ من غير إذني وكمان بتروحي تقابلي الندل ده من ورايا يا دارين؟ حاولت التحدث ولكن عينيه المحتقنة بدماء الغضب جعلتها تتراجع وهو
يقترب منها أكثر هاتفا بغل: "أنا هعلمك إزاي تتصرفي من دماغك يا دارين؟ تردد وائل أن يتدخل بالحديث بينه وبين زوجته، فهو قد نال ما يكفيه منه عندما اقتحم مكتبه صباحًا بغضب لم يسبق أن شاهده، فعلم وقتها أنها قد أخبرته، ليحاول تبرير موقفه، فما كان إلا أن أخبره بما يجهله مما دفع سيف للانقضاض عليه والهدر به وتوبيخه على قلة فطنته وضمور ذكاءه، فصمت مرغمًا. اقترب سعد الدين بهدوء مرددًا بتأكيد:
"اهدأ واسمع يا سيف قبل ما تتعصب بالشكل ده." هاج ولم يكبح غضبه إلا عندما ردد سعد بحدة: "يا ابني أنا مكنتش أعرف وإديك سامعني وأنا بقولهم إنك لازم تعرف." التفت حول نفسه وهو ينظر بوجوه الجميع هاتفا بتحذير: "أي حد فيكم هيسمح لنفسه إنه يتدخل في حياتي ويخبي عليا أدق الأمور اللي تخصني أنا ومراتي يعتبر نفسه عدوي من اللحظة دي ومش عايز أشوف وشه تاني... مفهوم؟
أنهى حديثه وهو يرمق وائل بنظرات ذات مغزى وكأنه يخصه هو بذلك الحديث، فابتلع الأخير لعابه بحرج وأحنى رأسه ليستمع لباقي حديثه وهو يستطرد: "واحد غبي ورايح يخطط خطة هبلة ومدخل مراتى معاه زي ما كان عايز يضيع نور قبل كده بغباءه." ظل وائل صامتًا محاولًا امتصاص غضبه والآخر يكمل:
"بدل ما كان البغل شهاب حاطط عينه على مرات صاحبه من بعيد لبعيد والحكاية كلها كانت مجرد هاجس في دماغه، راح الغبي موديهاله بنفسه عشان يشوفها زي أي قواد." لمعت عيني وائل من الإهانة وحاول الرد فامسكه عماد من راحته ليصمت، ولكن أبدًا لم يتقبل الأمر، وما زاد الموقف تأزمًا هو خروج دارين عن هدوئها ورددت بحدة: "إنت بتقول إيه؟ إزاي تتكلم كده؟ رمقها بنظرات حادة وردد بصوت أجش: "اقعدي ومش عايز أسمع منك نفس."
هدرت هي الأخرى بغضب أهوج: "إنت مش فاهم كلامك ولا فاهمه وقاصد ترميه بالشكل ده؟ إنت مش بتقول على صاحبك وبس إنه قواد، إنت بتقول على مراتك إنها مومس... قاطعها بخروجه عن المقبول وصفعها بحدة وهو يصرخ بها: "اسكتي خالص إنتي لسه حسابك معايا بعدين."
شهقة قوية خرجت من نيللي وهي تهرع بجوارها وتتمسك بها بقوة، والأخرى واضعة يديها فوق وجنتها الملتهبة من صفعته القاسية وظلت تنظر له بحزن ولم تذرف ولا عبرة واحدة، ولكنها تسمرت مكانها تنظر له وهو يتحدث مع سعد الدين: "وأنت... إيه اللي في إيديك نقدر نستفاد منه؟ ابتلع لعابه وفتح جارور مكتبه وأخرج الكثير من الملفات وألقاها أمامهم وردد: "بس يكون في علمكم الملفات دي هتفتح علينا أبواب جهنم وكلنا هنكون في خطر."
رمقه سيف بنظرة متدنية وردد بتقزز وطريقة مبتذلة غير معهودة عليه: "خرّج نفسك إنت واركن على جنب طالما خايف." ثم نظر حوله وردد بحدة: "وأي حد تاني خايف على نفسه ولا على اللي حواليه يتفضل يمشي من هنا وأنا كفيل أخلص الحكاية دي لوحدي." هنا تحدثت نيللي مرددة: "دارين كان معاها حق لما قالت عليك متهور وممكن تودي نفسك في داهية لحظة غضبك." عقد حاجبيه وردد بضيق: "يا ريت الحريم تخليها في نفسها ومتتكلمش."
غضب سعد الدين من طريقته في التحدث مع زوجته فهاج به موبخا: "جرى إيه يا سيف؟ إنت فاكرها واحدة من المساجين اللي عندك ولا إيه؟ دي مراتي يا أخويا اعمل لي أي احترام حتى! صاح بغضب: "مش لما كنتوا إنتوا تعملوا لي احترام!! أنا مش هعدي اللي حصل ده أبدًا وكل واحد فيكم غلط هياخد جزاءه بس أخلص من شهاب الزفت الأول." ***
قاد سيارته وهي جالسة بجواره لم تتفوه بكلمة طوال مكثهم جميعًا بمكتب سعد الدين وهم يراجعون الأوراق والمستندات حتى يجدوا ما يمكنهم من القضاء عليه إلى الأبد. وصلا إلى عتاب منزلهما فدس مفتاحه بطبلة الباب وفور أن فتحه اندفعت كالبرق الغاضب للداخل، وتبعها هو بهدوء وروية مغلقًا الباب وراءه ذاهبًا للشرفة وجلس هناك يشعل سجائره الواحدة تلو الأخرى حتى احترق صدره بدخانها.
أما هي فقد ملأت حوض الاستحمام بالمياه الدافئة وجلست بداخله تضم ركبتيها إلى صدرها تنتحب بصمت وهي تتذكر إهداره لكرامتها أمام هذا الجمع من الناس وصفعه لها لأول مرة بحياتهما، فظلت تبكي حتى تقطعت نياطها من كثرة البكاء على ما آل له حالها بين ليلة وضحاها. خرجت بعد وقت لا بأس به لترتدي ملابسها وخرجت لتجده يجلس بالشرفة كما تركته وهو شارد في الفراغ أمامه لا يبدي أي حركة أو ردة فعل، فاقتربت منه وهتفت بصوت حزين:
"الجو برد وممكن... قاطعتها نظراته الحادة والغاضبة وردد بغضب: "ملكيش دعوة بيا، واتفضلي من قدامي مش عايز أشوفك." انتفخت فتحتي أنفها بالبكاء ونزلت عبراتها على وجنتيها ورددت بصوت مختنق: "غلطان وبجح كمان ما شاء الله." انتفض من مجلسه وأنذرها بنظراته الحادة وردد بصوت رجولي غاضب: "لو مش عايزة الوضع يتطور بينا لأكثر من كده اختفي من وشي الساعة دي." ابتلعت غصة بحلقها وهتفت بضيق:
"إنت مش واخد بالك إن كل زعلة بينا أنا اللي لازم أجي وأبدأ الكلام معاك؟ كنت إنت اللي غلطان أو كنت أنا؟ رمقها بنظرة غاضبة وهتف يتسائل: "ويا ترى المرة دي شايفة مين فينا الغلطان؟ أنا طبعًا عشان مديت إيدي عليكي مش كده؟ زفرت أنفاسها بحدة وهتفت: "مش بس كده، إنت عارف كويس إنت قلت إيه وجرحتني إزاي؟ ده غير غلطك فيا وعصبيتك وكمان ضربتني بالقلم، وكل ده ليه؟ عشان خايفة عليك وفكرت أحل الموضوع بعيد عنك."
انسحب من أمامها ودلف للداخل فتبعته وأمسكته من ذراعه تلفه لينظر لها ورددت بضيق: "إنت بتتحول من الإنسان الحنون الرومانسي لإنسان فظيع ومستحيل حد يستحمله لمجرد... قاطعها بغضب: "لمجرد إنك تقلليني وتلغيني وتخلي زمايلي يبصوا عليا إني ماليش لازمة، ولا إنتي مش فاهمة إن أي مكان اللي هيحصل كان هيتعرف في الداخلية كلها إن مرات سيف المهدى كانت مخلياه طرطور ومش عارف حاجة عن تحركاتها."
حاولت أن تعترض جسده بعد أن دفع يدها الممسكة به وانطلق مغادرًا، ولكنها لم تستطع فعل شيء أمام ثورته العارمة حتى استمعت لصوت قرع جرس الباب، فتوجهت لفتحه دون الانتباه أو الحيطة للنظر من العين السحرية، فتفاجأت به أمامها بجسده العريض ومنكبيه المختفيين أسفل ستره بدلته، فلمعت عينها وهي ترمقه بنظرات مدهوشة غير مصدقة لما تراه عينها وهي تردد بتوتر و تلعثم واضح: "إاااننتتت"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!