كل أسرار قلوبنا ووجداننا غير قابلة للاندثار… كل ما في الأمر أنها تُطمس تحت سطح الوعي… وتتراكم في عقلنا الباطن لتظهر مرة أخرى في أشكال جديدة… في ذلة لسان أو نوبة غضب أو حلم غريب ذات ليلة. د. مصطفى محمود
مع كل ما مرت به إلا أنها أقسمت أن تتناسى الماضي بحلوه قبل مرة، وأن تفتح لنفسها بابًا جديدًا للسعادة مع من اختارها وفضلها على الجميع. فنست الألم النفسي وتناست الألم البدني، وتزينت وارتدت الفستان الذي اختاره لها، وخرجت مبتسمة. فبادلها الابتسام هاتفا: "الفستان تحفة." قضمت شفتها بحرج وهتفت: "ولما نرجع مصر هتحجبي؟ رفع حاجبه الأيمن وهتف بحيرة: "مش قلتي لسه شوية على القرار ده؟ أجابته وهي تقترب منه وترتفع
بجسدها لتحيط عنقه هاتفة: "أنا من حبي فيك مستعدة أعمل أي حاجة عشان أرضيك. فتفتكر إني بحبك أكتر من ربنا؟ قوس حاجبيه بتعجب، فأكملت: "أكيد لأ. فزي ما أنا عايزة أرضيك عشان بحبك، فالأولى إني أرضي ربنا لأني بحبه أكتر منك." ابتسم لها وقلبها بحب وردد: "وأنا هبقى أسعد راجل في العالم لما تحبيني بعد ربنا." تدللت هاتفة: "عندك شك؟ أومأ بلا فعل. ثقت في تلقائية:
"بابا كلمني مرة واحدة في حياته عن اللبس والحجاب، ولما رفضت ماما قالت له سيبها تعيش سنها، فوافق. وأكرم متكلمش معايا في الموضوع من أساسه." كملت دون أن تنتبه لعضلات وجهه التي انكمشت وتغيرت للوجوم، وهي تكمل بعفوية: "أصلًا لما كان بيطلب مني أي حاجة مكانش لازم أعملها حتى لو أقدر عليها، مكانش جوايا الإحساس إنه لو زعل مني هضايق."
ظلت تتحدث وهو صامت يستمع لها دون تعقيب منه، رغم النيران المستعرة بداخله. لتنتبه هي بالنهاية على تجهم وجهه، فصمتت على الفور ورمقته بنظرة معتذرة. ليظل هو جامدًا أمامها، فترددت أكثر من مرة أن تتكلم، ولكنها آثرت الصمت وأطرقت رأسها لأسفل. ليظل حالهما هكذا حتى ردد هو بصوت أجش: "يلا عشان منتأخرش."
تبعته وهو يتحرك بسرعة وكأنه يود الهرب من أمامها حتى لا يصفعها صفعة تؤلمها على إثارة غيرته بهذا الشكل، وتبعهما فريق الحراسات المكلف بحمايتهما. حاول أن يتناسى ما حدث منذ قليل، فأمسك راحتها وخلل أنامله بخاصتها، ودلف بها لبهو القاعة داخل السفارة، ليجد حفلاً كبيرًا لم يكن متوقعًا أنه بهذا الحجم.
اجتمعت الجالية المصرية بالإضافة لجنسيات عدة من بين المدعوين، وسفراء لكثير من الدول لحضور الحفل. فذهلت دارين من فخامته، بل وفخامة الحاضرين به، لتشعر أنها لا ترتدي زيًا مناسبًا، بل وأكثر من ذلك شعرت أنها أقل من الموجودات بالحفل. فشعرت بالضيق. لفت سيف حوله بحثًا عن مساعد السفير الذي قام بدعوته حتى يشكره على تلك الدعوة، فوجده أمامه يرحب بالضيوف، فانحنى يحدثها مرددًا: "ديدو… تعالي نشكر الأستاذ رامي على الدعوة."
ابتسمت بحبور بعد أن شعرت أنه تناسى حنقه تجاهها، فتحركت معه ليقف خلفه هاتفا بلباقة: "أستاذ رامي… متشكر جدًا على الدعوة." التفت رامي ينظر له بفرحة وردد بمزاح: "ولا يهمك يا عريس، وألف مبروك، أتمنى يكون الرجالة قايمة بشغلها تمام." أجاب بامتنان: "جدًا والله، ويمكن قايمين بالواجب وزيادة كمان." ابتسم بفرحة ونظر لدارين وردد بفضول: "المدام؟ أومأ سيف، فمد الآخر يده هاتفا: "مبروك يا فندم."
مدت ساعدها لتحييه، وأومأت بصمت. ولكنه أحكم قبضته على يدها وركز بصره عليها وردد بحيرة: "أنا حاسس إني شفتك قبل كده." سحبت يدها منه بحرج قبل أن ينتبه سيف لقبضته المحكمة عليها، ورددت بتلعثم: "أنا أول مرة أشوف حضرتك." حرك رأسه بالرفض وردد بتأكيد: "أنا متأكد… أنا عمري ما أنسى حد قابلته قبل كده، ومتأكد إني أعرفك." ابتسم سيف بتكلف وأحكم يده على راحتها وردد ببهجة مصطنعة: "يخلق من الشبه أربعين يا أستاذ رامي." تحرك بها
من أمامه وردد باستئذان: "أسيبك أنا عشان ترحب بضيوفك." صف سيارته بعيدًا قليلًا عن المحل لعدم وجود مكان شاغر، واتجه ناحيتها حتى يكملا شراء النواقص وباقي مستلزمات الزفاف. فابتسمت له فور أن وجدته يقترب منها، على عكسه هو الذي تجهم وجهه بشكل ملحوظ. فتخوفت من أن يكون استقبل خبر تدهور حال والدته. إلا أنه رأى تلك السيدة من خلفها وهي تلوح له.
حاول جاهدًا أن يغير مساره، ولكن فشل. فهي تقف خلف نيللي وكأنها تنتظره. فاقترب من نيللي وأمسكها من راحتها لتتجه هي داخل المحل، فيوقفها صوت تلك السيدة هاتفة: "سعد… إيه مش شايفني؟ ابتلع بضيق وقوس فمه هاتفا ونظر لنيللي معتذرًا: "معلش يا حبيبتي ادخلي انتي وأنا هحصلك." امتعض وجهها ونظرت لمصدر الصوت، فوجدتها سيدة في أواخر الثلاثينات من عمرها ترتدي فستانًا قصيرًا وعاريًا وتلون شعرها بلون أشقر. فابتسمت له بتصنع هاتفه: "أوكي."
تركته ودلفت لداخل المحل. فاقتربت الأخرى منه مرددة ببسمة: "عاش من شافك." أجابها بإيجاز: "أنا فرحي بكرة ومش فاضي، محتاجة حاجة؟ لمعت عيناها بالدهشة ورددت بسخرية: "لا مش معقول!!! سعد الدين المحامي فرحه بكرة؟ دي كدبة أبريل ولا إيه؟ سحب شهيقًا عميقًا وردد بصوت جاد وحازم: "اسمعي… أنا مش عيل صغير هتعملي معاه التصرفات دي وهسكت، وإنتي عرفاني كويس." أخرجت ضحكة مستهزئة منها وأجابته بيقين:
"طبعًا عارفاك كويس، ده إحنا عشرة يا سعد." ابتلع لعابه بغضب وردد بحدة: "طيب كويس إنك عرفاني، واتفضلي بقا من هنا. أنا مش عايز أتعطل أكتر من كده." لم يهتم لنظراتها النارية والمتوعدة ودلف للداخل. فوجد نيللي ما زالت تقف خلف بوابه المحل التجاري تتابع ما يحدث بصمت. فرمقته بنظرة متجهمة، ولكنه بادلها إياها ببسمة وأمسك كفها يقبله هاتفا بمزاح: "مش اتفقنا نرمي الماضي ورا ضهرنا؟ أغلقت نصف عين ورددت بطريقة موحية: "ودي من الماضي؟
أجابها بتأكيد: "دي من زبالة الماضي يا حبيبتي، يعني ولا تشغلي بالك بيه." تنفست بحدة ورمقته بنظرة متوعدة ورددت بتحفز: "ماشي يا سعد، أما أشوف إيه آخرتها." ابتسم لها هاتفا بمشاكسة: "آخرتها أحسن من أولها يا قمر إنت." ضحكت بعفوية رغما عنها، فقبل راحتها وردد وهو يشير بساعده هاتفا بمرح: "اتفضلي يا مولاتي على رأي سيف باشا." تحركت أمامه لتدلف للداخل، فتغزل بها بطريقة سوقية مغايرة لطبيعته: "يا أرض اتهدي ما عليكي قدي."
التفتت تنظر له وابتسامتها تزين وجهها ورددت بسخرية: "لا يا سعد مش للدرجة دي بقا." ناولتني سيجارة مشتعلة ورددت: "صباحك قشطة يا معلمي." أخذتها منها ورمقتها بنظرة متوعدة هاتفة بحدة: "وبعدين يا نور… الرجالة دي هتخلص إمتى بقا؟ أنا خلاص بقيت على نار." أجابتها وهي تتربع بجسدها أمامها: "الصبر حلو، والباشا العريس لسه مجاش من شهر العسل. المهم دلوقتي الرجالة عايزين عربون… ربط كلام يعني." احتدت بغضب صارخة:
"يا سلام، عايزين عربون على إيه بقا إن شاء الله؟ رمقتها نور بنظرة جامدة ورددت بضيق: "بصي يا معلمة لواحظ، أنا كده كده خارجة من هنا زي ما قلتلك، وممكن أخرج النهارده قبل بكرة لو بس وافقت على جوازي من المعلم الحرش، وزي ما فهمتك إنه عايز يكتب عليا وأنا في السجن، وتاني يوم هبقى في الخلع. ومن هنا، بس أنا اخترت أبقى معاكي لما نخلص موضوعك وبعدين نهرب سوا." سحبت من يدها السيجارة التي كانت تدخنها بحركة مسرحية، ووضعتها في فمها،
ونظرت لها بجمود وأكملت: "ومع إني متأكدة إن الغدر في دمك، وعارفة ومتأكدة إنك هتعملي أي حاجة عشان تخلي بالاتفاق اللي بينا، ولكن بالرغم من ده أنا مكملة معاكي يا معلمة… عارفة ليه؟ تهكمت عليها لواحظ مجيبة: "عشان ناري ولا جنة المعلم يا حلوة." أومأت رافضة وصححت لها مرددة: "لأ يا معلمة، عشان أنا عايزكِ تخرجي عشان تتمتعي بفلوسك اللي مكنزاهم على قلبك بدل ما تفضلي دفناهم تحت البلاطة وتدفني إنتي معاهم."
رددت آخر كلماتها وهي تقف من مكانها وترمقها بنظرات نارية وتضغط على حروف كل كلمة تخرج من فمها، واستطردت: "وأنا كمان ينوبني من الحب جانب بدل ما أستنى الحسنة اللي هيسيبها لي المعلم، فـ الأحسن ليا وليكي إننا نتفق مع بعض من غير الطريقة بتاعتك دي." تنفست الأخيرة بحدة وهتفت بغل: "أيوه يعني عايزين فلوس كام؟ أجابت وهي تشير بيدها وكأنها تشطر شيء إلى نصفين مرددة: "نص أرنب." لطمت صدرها صارخة بلهفة: "كاااام؟ ليه كل ده؟
ولا دول من ضمن الاتفاق ويبقا فاضل لهم مليون ونص؟ أومأت نور هاتفة بتأكيد: "لأ… دي فلوس لزوم المراقبة والتخطيط والذي منه." طوت رأسها بضيق وأومأت موافقة هاتفه: "أمرى لله، بس مين هيوصلهم الفلوس؟ أجابتها نور ببساطة: "حد من رجالتك." أجابت بتنهيدة حزينة: "محدش يعرف مخابئ الفلوس غيري أنا والمعلم الله يرحمه، وبصراحة أخاف أعرف حد مكان مخزن منهم وتبقا كارثة." امتعض وجهها وسألتها باهتمام: "أومال إزاي اديتي السجانه فتحية فلوس؟
أجابتها بضحكة سوقية: "دي ولية غبية… أنا بعتها على مخزن من المخازن، وقلت لها على مكان واحد فيه مبلغ كده صغير. ولو كانت بتفهم كانت عرفت إن المخزن ده كله فلوس… مفيش حتة فيه مفيهاش فلوس بس اللي يدور." لمعت عين نور وابتسمت بحبور ورددت: "طيب أقولك على حاجة، استغني عن كام ألف تانيين نسكت بوقهم بيهم، وابعتيها تجيب الفلوس للرجالة، حاكم أنا أخاف أقولك ابعتهم هما ياخدوا الفلوس ويكتو!! تعجبت لواحظ مما ألقته
على مسامعها ورددت بدهشة: "إنتي مش قلتي مالية إيدك منهم؟ أومأت مؤكدة وأجابت: "أيوه لما تبقا الحكاية شغلانة هيعملوها ويقبضوا فلوسها، إنما مخزن متروس فلوس ما أضمنش الصراحة." صمتت قليلاً وعادت تنظر لها بخبث ورددت بحيرة: "هو المخزن ده فيه كام كده يا معلمة؟ أجابتها بعفوية: "فوق العشرة مليون." تحشرج صوتها من أثر سعلتها وانسداد مجرى تنفسها بلعابها من أثر الخضة وهتفت: "وده مخزن واحد من اللي عندك؟ أومأت لواحظ بصمت،
فابتسمت نور وهي تردد: "ربنا يزيد ويبارك." وضعت الأخرى يدها بخصرها ورددت بحدة: "إنتي هتحسديني بقا ولا إيه؟ أجابتها نور بضحكة رنانة: "أحسد مالي بردك؟ ما المال ده مالي ومالك يا معلمة." ضربت على فخذها بفراغ صبر، فأكملت نور حديثها هاتفة: "مبيدهاش، لازم تستغني عن قرشين للسجانه فتحية لأن مفيش واحدة بغبائها يا معلمة." زفرت باستسلام ورددت: "شكلها كده مفيش حل غير ده."
وضع يده حول خصرها وسحبها داخل أحضانه وتراقصا على أنغام الموسيقى الغربية الهادئة. فاقتربت من أذنه لتهمس بها حتى يستمع لها جيدًا من ضجيج الحفل حولهما: "أنا آسفة." نظر لها بعدم فهم أو هكذا ادعى، لتبتسم له وتردد: "على زلة اللسان اللي خرجت مني من غير ما أقصد." تجهم وجهه على الفور، فاحاطت وجه براحتيها ورددت برجاء: "عشان خاطري متكشرش، إنت عارف أنا بحبك قد إيه؟ أومأ بصمت، فعادت تتغزل به عله يسامحها على ذلتها:
"شكلك حلو قوي بالدقن يا سيفو… متحلقهاش." ضحك باستسلام وحرك رأسه مستنكرًا طريقتها العفوية في إضحاكه وردد بحزم: "نزلي إيدك الناس بتبص علينا." ضحكت بخجل وأكملت رقصتها معه، ولكنها عادت فور انتهاء الرقصة من الهمس بأذنه راجية بدلال: "سيفووو… حبيبي، لسه مضايق؟ قبلها من كفها وردد: "لأ يا مولاتي خلاص، بس ابقي خدي بالك أكتر من كده عشان أنا بتحرق من السيرة دي." أومأت بطاعة، فانحنى يهمس لها بضيق:
"اللي اسمه رامي ده مش شايل عينه من عليكي من أول الحفلة. إنتي تعرفيه فعلاً ولا بيستهبل عشان يعملها حجة ويفضل متنح كده؟ ضحكت باستسلام على غيرته ورددت بعبث: "غيووور… خلاص هيسيب كل القمرات اللي في الحفلة دول والأجانب ويبص لي أنا؟ تجعد جبينه من أثر استنكاره لحديثها وردد: "هو إنتي ليه دايما مقللة من نفسك كده؟ رفعت كتفيها تردد: "عشان دي الحقيقة، أنا مش حلوة يعني لكل ده." رفع حاجبه الأيسر وردد بضيق مصطنع:
"على كده بقا إنتي بتشككي في ذوقي؟ لم تفهم ما يعنيه، فوضح لها: "يعني بما إني شايفك جميلة الجميلات وإنتي بتقولي على نفسك كده، ابقا أنا أعمى ولا ما بفهمش؟ تعلقت بذراعه التي تجاورها وارتفعت على أطراف أصابعها حتى تصل لمستوى طوله ورددت بتأكيد: "إنت حبتني وأنا في أسوأ حالاتي ومسجونة، لأنك محبتنيش بعينيك يا سيف. إنت حبتني بقلبك، وقلبك هو اللي شايفني." حرك رأسه رافضًا وردد بتأكيد ودعم:
"لأ يا قمر… إنتي أحلى بنت شافتها عيني، والكل شايف كده، بس إنتي اللي معندكيش ثقة بنفسك." تنهدت بحب وهيام على غزله، فأفاقها على صوته الغاضب: "برضه بيبص عليكي، أنا شكلي هعمل جناية النهارده." توسلته وهي تحكم قبضتها على ذراعه: "عشان خاطري بلاش مشاكل، الراجل معملش حاجة، وكفاية طقم الحراسة اللي مخصصه لينا، عشان خاطري يا سيف."
تنفس بحدة وحاول كبح جماح عصبيته، ولكنه وجده يتجه ناحيتهما، فأمسكها من كفها وردد وهو يتحرك بها بعيدًا عن نظراته: "يلا نرجع الفندق، كفاية كده." تحركت معه، أو بالأحرى سُحلت وراءه وهو يسحبها بحدة، حتى جاء صوت رامي من الخلف هاتفا بصوت عالٍ: "دارين الشامي… صح؟ تسمرا مكانهما، وهي تلعن تلك المصادفة. فهي تذكرته من الوهلة الأولى، ويبدو أنه لم يتذكرها بسبب نحافتها البالغة، وربما إجهادها ومرضها قد غير من ملامحها قليلاً.
انتبه سيف وهو يضغط بقبضته الفولاذية على راحتها الرقيقة حتى شعرت بطقطقة عظام أصابعها الهشة، ووجدته يردد بصوت مخيف: "خير يا أستاذ رامي؟ ابتسم الأخير بحبور وردد: "شفت افتكرتها إزاي؟ أصل أنا مستحيل أنسى حد اتعاملت معاه قبل كده، ودارين مش بس اتعاملت معاها، ده إحنا كنا أصحاب وجيران كمان." هل نعتها توا باسمها مجردًا من أي ألقاب؟
إنها حتما النهاية. فلعنت بداخلها حظها العسر، فمن بين مئات البلاد يأتي بها لآخر العالم بجنوب أفريقيا لتقابله بتلك الصدفة التي لو كان أحد قصها عليها لقال عنه كاذب أو أنه يهذي حقًا. انتبهت لنظرات سيف لها النارية بشدة، فابتسمت بتصنع ورددت: "رامي الصياد مش كده؟ تصنعت عدم التذكر علها تخرج من الموقف الذي هي فيه بسلاسة، ولكن رامي ظل يتحدث وكأنه لم ينتبه لنظرات سيف الحارقة والتي تهدد بإحراقهما معًا، وهو يردد:
"طيب أنا وأخدت وقت على ما افتكرتك عشان شكلك اتغير كتير، خسيتي وحلوتي." ماذا؟ ماذا قال؟ هل يتغزل بها أمام زوجها ذلك المعتوه؟ لتشعر به بجوارها وصدره يعلو ويهبط بعنف، وشعرت أن أناملها قد فقدت الشعور بهم من أثر احتباس الدماء بهم من قوة إحكامه لقبضته عليها. فاستطرد رامي:
"إنتي عارفة إننا كنا تقريبًا مش بنفارق بعض غير وقت النوم، ده حتى ده ساعات كانت دارين بتشبّط تبات عندنا ومامتها كانت بتوافق لولا جمال بقا اللي كان بيرفض وييجي ياخدها من عندنا في نص الليل." مسح على وجهه براحة حرة وهو يبتسم سخرية من موقفه وليس مما يسمعه، وردد بداخله بهذيان: "والله كتر خيره جمال إنه كان بيرفض." ليكمل استثارة دون أن ينتبه:
"لحد بقا ما عمو هشام قرر يعزل، ويومها أنا وهي كنا زعلانين لدرجة إننا حسينا إن روحنا بتتسحب مننا." ظل يحرك رأسه باستماع له وهو يرسم تلك البسمة المصطنعة على وجهه، والآخر يكمل: "وبعد عزالهم بيومين هربت وجت عندنا تصور!!! اتسعت ابتسامة سيف وكأنه أمام عرض مسرحي هزلي، ليكمل رامي: "وأنا خبيتها عندي في الأوضة بتاعتي، وفضل أهلها يدوروا عليها لحد ما ماما الله يرحمها اكتشفت إنها عندي في الأوضة، وجه جمال وعمي هشام أخده."
نظر لها وابتسم وردد بمزاح: "فاكرة اليوم ده؟ شعرت بسخونة تجتاح جسدها ورأسها وهي تتضرع للمولى أن يمر الأمر بسلام، ولكن هيهات. فنظرات سيف لها توحي بأنه سيقتلها لا محالة. ليكسر صمته أخيرا وهو يردد بسخرية: "واضح إنكم بينكم ذكريات كتير أوي!! ضحك رامي بعفوية وهتف:
"بص… لو عايز تعرف كل كبيرة وصغيرة عنها من وهي عندها خمس سنين لحد ستة عشر سنة أنا معاك، لكن من أول ما دخلت الجامعة بقا انقطعت أخبارها، وأنا بعدها سافرت مع بابا بعد موت والدتي، ومن ساعتها وأنا بتنقل من بلد لبلد بحكم شغلي." ربت سيف على جانب ذراعه بقوة مفرطة هاتفا بحنق: "لأااااا ربنا يقويك… أنا هستأذنك لأن إنت عارف إننا عرسان جداد وورانا برنامج طويل بكرة." أومأ رامي باستحسان هاتفا بتوديع:
"مع السلامة، ولو احتاجت أي حاجة متترددش لحظة إنك تطلبها مني، ده إحنا طلعنا أهل." ردد سيف بصوت مختنق: "طبعًا." ليكمله هامسًا بسخرية: "هلقى مين أقرب لمراتي منك." التقطت أذنها صوته الساخر، لتنظر له بخجل ورهبة في آن واحد، فتجد احمرار حدقتيه وصوته المخيف الآمر: "مش عايز أسمع صوتك لحد ما نوصل الفندق."
ظل صامتًا طوال الطريق، وكلما حاولت التحدث ترددت وعادت للصمت، لتنظر له نظرات مترجية، ويبادلها هو بنظرات متوعدة، فتضطر آسفة لإطراق رأسها أسفًا وحزنًا على حظها العسر. وصلا باب الغرفة، وفور أن دلفا ألقى بستارته أرضًا، وأخرج علبة سجائره ليشعل بها صدره المتقد بنيران الغيرة، وظلت واقفة مكانها تنظر له بترقب ووجوم. لتبتلع لعابها برهبة وتتنحنح هاتفه: "سيف!!
رمقها بنظرة جامدة ورفع سبابته في وجهها محذرًا إياها من التطرق لأي أمر من شأنه إثارة ثورته، فابتلعت باقي حديثها بجوفها واتجهت لخزانة الملابس لتخرج منامتها الحريرية، ودلفت المرحاض لتغير فستانها. خرجت لتجده لا يزال على وضعه جالسًا بالشرفة، فاقتربت منه بتوجس وجلست أمامه على عجزتيها وأسندت راحتيها على قدميه، ورفعت وجهها لأعلى تحدثه بمهادنة وصوت رقيق: "ممكن تسمعني بدل ما تفضل تبني أفكار في راسك تزعلنا من بعض؟
هتف بحدة أجفلتها: "مش عايز أسمع حاجة، ومن فضلك سبيني دلوقتي لوحدي." امتعض وجهها بالضيق ونظرت له نظرات لائمه وهتفت بوهن: "إنت مين؟ رمقها بنظرات حادة رافعًا حاجبه الأيسر وردد: "اخرجي من وشي يا دارين دلوقتي."
انتحبت بصمت وترقرقت عيناها بالعبرات واتجهت للفراش لتزيل عنه الغطاء وتندثر أسفله، وظلت تبكي بصمت. فاستمع لصوت بكاءها ليتنهد بضيق واتجه خارج الغرفة ليجلس ببهو الفندق يرتشف قهوته حتى يهدأ، ولكن هيهات، فعقله ظل يرسل له لمحات من حياته من لحظة أن رآها حتى تلك اللحظة وما مر به معها ولأجلها. فقوس فمه بضيق صار على أسنانه بغل وردد بداخله: "إزاي اتسرعت كده؟
لم يشعر بالوقت حتى شارفت الصباح عن نسج خيوطه الأولى، فتنبه عندما لمح أشعة الشمس تحجب حدقتيه وتشوش الرؤية. فنظر لساعته وتردد بالصعود لها، ولكن حسم أمره بالنهاية وصعد لغرفته، وفور أن دلف وجدها تجلس متربعة بجسدها على الفراش تسند رأسها على قدميها. رفعت وجهها عندما استمعت لصوت خطواته، فنظرت له بحزن ومعاتبة. فاقترب منها وجلس بجوارها واستهل حديثه معها هاتفا: "البسي عشان ننزل نفطر." أجابته بضيق:
"لأ مليش نفس، تقدر تنزل إنت لو جعان." سعل سعله صغيرة ليزيل حشرجة صوته الغاضب واتجه لخزانة الملابس لتغيير ملابسه التي ما زال يرتديها منذ ليلة أمس، وحدّثها مرة أخرى: "أنا نازل، لو غيرتي رأيك حصليني." لم يجد منها أي رد فعل أو تجاوب معه، فعاد بجسده هاتفا بحدة: "أظن إن المفروض أنا اللي آخد الموقف ده مش إنتي! من بين ما مرت به في حياتها كانت تلك المرة الأصعب على الإطلاق للتحمل. فرددت بحزن واستنكار:
"موقف إيه اللي عايز تاخده مني يا سيف؟ إنت عايش مع دماغك في حتة لوحدك ومش بتحاول تسمع مني أي مبررات و…" صاح بحدة مقاطعًا إياها: "مبررات إيه اللي عايزني أسمعها؟ مبررات على حياتك اللي كلها غلط في غلط، ومستغربة ليه دخلتي السجن ظلم!! اللي زيك كانت ممكن تتقتل من كتر الاستهتار اللي هي فيه، ومحدش يحس بيها إلا لما ريحتها تعفن." طعنة حادة بنصل حامٍ اخترقت قلبها، فشعرت بألم حاد يعتصر قلبها، وهو يكمل:
"جواز في السر ومرمطة وقبلات، لبس لا بتاع مجتمعنا ولا يتناسب مع ديننا، وقلت أوجهك بعدين، ولكن بجد مش متصور إنك توصلي للمرحلة دي أبدًا. وأهلك دول فين من كل ده؟ صاحت بغضب معترضة على أسلوبه الفج: "إنت بتقول إيه؟ ده واحد متربي معانا زيه زي جمال، وأنا كنت عيلة صغيرة و…" قاطعها صارخًا: "أنا مش عايز أسمع مبررات، سبيني أفكر في حياتي هتمشي إزاي بطريقتك دي." بكت وانتحبت، ورددت ولا تزال آثار البكاء تحفر وجنتيها:
"للدرجة دي شايفني وحشة أوي؟ أومال اتجوزتني ليه؟ ردد بتلقائية واندفاع غير محتسب لعواقب حديثه: "كانت غلطة." ارتد جسدها للخلف واستندت على الحائط خلفها بعد أن شعرت بالدنيا تميد بها، ورددت ببكاء: "غلطة!!! ابتلعت غصة ألم، غصة بكاء، غصة انكسار وتخاذل، وأطنبت: "عمومًا في إيدك تصلح الغلطة دي بدل ما تفضل تفكر إزاي تتعايش معاها."
أدار لها ظهره وعقد ساعديه خلف ظهره ونظر أمامه لضوء الشمس الساطع أمامه، وتلك المناظر الطبيعية التي من المفترض أن تشعر المرء بالراحة والسكينة، ولكنها لم تهدأ أبدًا من روعه، وظل صامتًا. لتردد هي: "أنا بجد مش مصدقة نفسي… مش مصدقة إننا بنتخانق بالشكل ده بعد أسبوع من جوازنا." ارتفع صوت تنفسه وتهدجه وردد بصوت خشن:
"بلاش تستفزيني دلوقتي يا دارين، إنتي عارفة إني عصبي ومش بقدر أتحكم في ردود أفعالي، فمن فضلك للمرة الأخيرة بقولك اقفلي كلام لحد ما أهدى." صاحت بحدة: "أهدى من إيه؟ إنت بتتكلم عن حاجة حصلت مش من قبل ما أعرفك وبس، ده من وأنا طفلة، ومكنش بينا أي حاجة غير…" رفع يده أمام وجهها ليسكتها وردد بغضب أهوج: "إنتي ليه مصممة تشوفي أسوأ ما فيا؟ بقولك اسكتي يبقا تسكتي… مش عايز لا أسمع تبريرات ولا كلام في الموضوع ده."
زفرت بأنفاس حارقة وجلست على طرف الفراش تكمل بكاءها وشقاءها، تلعن حظها العسر الذي دائمًا ما يوقعها بمصائب جمة، ورددت بصوت ضعيف: "أنا عايزة أرجع مصر." أومأ زافرًا بحنق: "هشوف أول طيارة ميعادها إمتى." دلفت بخطوات عسكرية منتظمة وصاحت بصوت عالٍ: "نور البرهومي… زيارة." تلعثمت بخطواتها الكسولة ووقفت ترفع عباءتها البيضاء بشكل سوقي تتشدق بفمها بلبانة تردد: "مين اللي جاي يزورني يا ريسة؟ سحبتها من ذراعها
بقسوة وأخشوشنت بحدة مرددة: "تعالي يا أختي ده المحامي بتاعك." خطت بقدمها بخطوات متعجلة من أثر سحبها من قبل السجينة ووصلت لأعتاب مكتب رئيس المباحث، ورفعت يدها تحييه بالتحية العسكرية وتركتها أمام الباب. فتنحنت ودلفت مطرقة رأسها لأسفل لتستمع لصوت وائل هاتفا: "تعالي يا نور." انتبهت لتؤدي على الفور التحية العسكرية هاتفة باحترام: "تمام يا فندم." ابتسم وأشار لها بالجلوس. وعماد لا يزال جالسًا يتابع بصمت.
فجلست وردد الأول هاتفا: "بما إن عماد عرف بشخصيتك الحقيقية، قلت بلاش خروج بالليل ونقابل هنا أحسن." أومأت بطاعة وهتفت: "تمام يا فندم." سألها بحيرة: "إيه آخر الأخبار؟ أجابته بدقة: "لواحظ مستعجلة جدًا وبدأت تفقد حذرها لدرجة إنها قالت لي على شوية أسرار مهمة جدًا يا فندم." استمع لها تكمل: "المخزن اللي راحت له فتحية ده واحد من ضمن كذا مخزن فيهم فلوس متلتلة لدرجة إنها قالت إن المخزن ده فيه أكثر من عشرة مليون."
لمعت عين عماد وتدخل هاتفا: "طيب ما تهجموا يا وائل وتصادروا الفلوس دي." أومأ وائل هاتفا: "هشوف أوامر اللواء طلعت الأول و…" قاطعته نور باحترام: "آسفة على قطع كلامك يا فندم، بس مش هينفع." تعجب من رفضها وسألها: "ليه؟ أجابت بتفسير: "لأن ممكن يكون ده طُعم منها عشان تتأكد مني، ولو شكت فيا ساعتها الخطّة كلها هتبوظ." أومأ لها باستحسان ونظر لها عماد بنظرة إعجاب لذكائها وتفانيها بالعمل. فأخرج علبة سجائره وقدم منها
لوائل وناولها لنور هاتفا: "اتفضلي." ضحكت باستسلام هاتفه: "ده أنا ما بصدق الليل ييجي عشان أبطل شرب سجاير، وأنا أصلًا مش مدخنة." تعجب مما تفوهت به وردد بذهول: "ده إنتي طول الوقت السيجارة في إيدك." أجابت بحزن: "ظروف الشغل يا فندم، هعمل إيه بس؟ ابتسم لها وردد بمدح: "بس بصراحة ما شاء الله عليكي، أنا نفسي كنت مقتنع جدًا إنك مسجونة." ضحك وائل هاتفا:
"ما الأستاذة كان نفسها تدخل معهد التمثيل، بس والدها اللواء علاء الله يرحمه بقا دخلها الشرطة غصب عنه." لمعت عيناه بدهشة وردد بفضول: "معقول!!! متقولش إنها بنت اللواء علاء البرهومي الله يرحمه؟ أومأت موافقة، فأعقب: "إنتي أخوكي…" تنبه لنظرات وائل المحدقة به تحذره من التطرق لذلك الأمر الحساس، فصمت فورا وابتسم بتصنع. فمسحت وجهها براحتها وابتلعت تسأل بحيرة: "إيه الأوامر الجديدة يا فندم؟ ردد وائل بعملية:
"خليكي زي ما إنتي، مني مأه لحد ما سيف يرجع من الإجازة بتاعته. هي كده كده مستنياه يرجع عشان التنفيذ." سألته: "طيب وخطّة التنفيذ؟ ردد بتنهيدة حائرة: "المشكلة إن سيف عنده مشاكل أكبر من لواحظ في الوقت الحالي، فمش عارف أقرر، واللواء طلعت برده متردد في المسألة دي." تدخل عماد للمرة الثانية مستوضحًا:
"أنا تقريبًا فهمت خطتك يا نور، وشايف إنها كويسة جدًا. من ناحية هتخلي لواحظ تثق فيكي وتقدروا تكملوا القضية، ومن ناحية تانية هتبعد شهاب البدراوي عنه لفترة كبيرة." زفر وائل بضيق موضحًا: "ومن ناحية هتوقف حياته وحياة كل اللي حواليه. المسألة مش سهلة زي ما إنتوا فاهمين، لأ دي حياة بني آدم مش مشهد في فيلم لعادل إمام." رددت نور باستفاضة:
"يا فندم اللي فهمته إن سيف باشا واقع في مشكلة مع حد كبير، وطالما حياته معرضة للخطر كده من كذا جهة، يبقا نبدأ منستخفش لا بقدرات لواحظ واللي معاها ولا بالناس اللي بره." أعقب عماد عليها مؤازرًا: "صح… وزي ما بيقولوا يوضع سره في أضعف خلقه." هتفت تكمل: "ولواحظ مش أضعف خلقه… دي حية ليها جحور كتيرة، ولو منفذناش عن طريقنا هتتصرف وتنفيذ لوحدها عن طريق ألف حد ممكن يساعدها عشان الفلوس." تحير وائل وهتف أخيرًا
بعد أن طال به التفكير: "أنا لازم آخد رأي رؤسائي قبل ما أتصرف في أي حاجة، وقبل كل ده لازم آخد موافقة سيف نفسه، لأن لو وافق إنه يعرض حياته هو للخطر، فأنا متأكد إنه مستحيل يعرض حياة عروسته للخطر ده." أطفأ عماد سيجارته بمنفضة السجائر ووقف يهندم زيه العسكري وردد بتأكيد:
"سيف لما يلاقينا كلنا موافقين على الفكرة دي وسيادة اللواء كمان موافق في النهاية مش هيقدر يرفض ده لو أكدنا له إنه الحل الوحيد واللي هيشيل عنه وعن مراته الخطر." تنهد وائل تنهيدة عميقة وردد راجيًا: "اللي فيه الخير يقدمه ربنا."
بحفل ضم أكبر رجال الأعمال والمشاهير ممن يتعاملون معه ويترافع عنهم، دلف هو بهيئته المنمقة وبجواره عروسه الفائقة الجمال بذلك الفستان الأبيض والمرصع بالألماظ وعاري الصدر. لتشهق والدته من فرط سعادتها فور أن رأته هو وعروسه أخيرًا وبتلك السعادة. لتصدح الزغاريد بالقاعة وتبدأ فقرات الحفل برقصة العروسين على الأنغام الهادئة الغربية. تنوعت الفقرات ما بين الغناء والرقص، ليتفاجأ بظهور رفيقاه وائل وعماد اللذان احتضناه
بفرحة وردد وائل بمشاكسة: "خلي عماد يقرصك في ركبتك بقا عشان النحس يتفك." ضحك سعد بخفة ونظر له عماد بوجوم وردد بحدة: "يا بني بطل بقا وراعي مراكزنا شوية." لكمه لكمة خفيفة بكتفه وردد بمشاكسة كعادته: "عشان مبقاش أنا المتجوز الوحيد اللي فيكم، كده محدش هيبقا أحسن من حد. ولو واحد فيكم فكر يسهر بعد مواعيد العمل الرسمية يبقا يسلم على الشهداء اللي معاه."
خرجت أصوات ضحكاتهم العالية ووجوههم السعيدة التي ملأت أجواء القاعة بالفرحة والسرور. ظل ينظر بساعته ويظهر عليه القلق والتوتر، فانحنت نيللي تردد بمزاح: "مالك يا سعد، إنت وراك ميعاد ولا إيه؟ ابتسم لها هامسًا بأذنها: "آه ورايا ميعاد مهم جدًا." تجهم وجهها ورددت بحدة: "إنت بتتكلم بجد؟ ضحك عاليًا وهو يرفع يده لمشغل الموسيقى ليقترب منه أحد العاملين فيهتف: "شطب لي الليلة دي الله يكرمك."
نظرت له بحيرة، فابتسم وغمز لها بطرف عينه وهمس بأذنها مرددًا بعبث: "عشان نروح بدري يا حبيبتي… موحشتنيش ولا إيه؟ دي أمي كانت عاملة علينا حصار الملكين كأنك مش مراتي." ابتسمت بخجل وأطرقت رأسها، فابتسم لها بمكر وخلل أصابعه بخاصتها فور أن استمع لمنسق الزفاف يعلن انتهاء الحفل واختتامها بآخر رقصة هادئة بين العروسين.
وقفتا تنتظران بلهفة وصولهما إلى مطار القاهرة بعد غياب عشرة أيام. فبالرغم من عودتهما مبكرًا، إلا أن سيف قد علل سبب مجيئهما مبكرًا لأمر القضية التي تتعلق بأمنه وسلامته، فلم يشك أحد بعودتهما قبل الموعد. ارتمت دارين بأحضان والدتها تحيط جسدها بذراعيها وأحكمت قبضتيها عليها، فشعرت فدوى بالغرابة ورددت هامسة لها بأذنها: "مالك يا دارين؟ حاولت كبت مشاعرها الحزينة وعبراتها المتجمعة بقملتيها ورددت بصوت هادئ:
"مفيش يا ماما، وحشتيني أوي." لم تبتاع الأمر وتفحصتها بعيون كالصقر لتقرأ ما بداخلها، وربتت على ظهرها هاتفه: "الحمد لله إنكم وصلتم بالسلامة يا بنتي." التفتت تنظر له وهو يسلم على والدته ورددت بمودة زائفة: "حمد الله على السلامة يا سيف، يا رب تكونوا اتبسطتوا." أومأ لها صامتًا باقتضاب وتحرك حاملاً حقائبهما متجهًا لخارج أبواب المطار، وودعهما عند أعتاب البناية التي يقطن بها، ولم يدعهما للصعود معهما لشقة الزوجية.
دلفت غرفتها فورًا دون تعقيب منها على أي أمر، واتجه هو للغرفة الأخرى يريح جسده من عناء السفر. لتجلس هي على الفراش تتنهد بحيرة وتفكر هل انتهت القصة عند هذا الحد؟ هل استيقظت من حلمها الوردي على ذلك الكابوس الذي لا تستطيع الاستيقاظ منه؟ أم أن ذلك هو واقعها الأليم وما كان بينهما كان مجرد هذيان وتخيلات عقلها المريض الذي يبحث عن أي قشة ليعيش الرومانسية التي تفتقدها؟
مشت بخطوات حثيثة متوترة تجاه الغرفة الأخرى، وطرقت بأنامل مرتعشة على الباب، فردد بصوت جامد: "ادخلي." دلفت بتوتر وسألت: "مش جعان؟ رفع وجهه عن الهاتف الذي كان يعبث به وردد: "شويه وهنزل أجيب أكل." رفضت معللة: "الديب فريزر مليان أكل، بس عرفني عشان أسخنه." أومأ لها وتوجه للخارج، وهي متسمرة مكانها لتجده يتخطاها تاركًا إياها بمفردها متجهًا للمطبخ، فتبعته مرددة: "شوف بس عايز إيه وأنا أعملهولك."
امتدت يدها لتمسك منه الإناء، فدفع يدها بقسوة للخلف ليسقط أرضًا فينكسر لأشلاء وتتبعثر قطعة بكل ركن من أركان المطبخ. احتدمت تعابيره، فزفر بضيق وانطلق خارجًا من المطبخ. فتحركت خطوة واحدة للوراء حتى لا يرتطم بجسدها، ولكنها دعست على قطعة من الزجاج فجرحت قدمها وخرجت منها صرخة ألم عفوية. ليلتفت لها بخضة وينتبه لنزيف الدماء المتساقط من قدمها. فهرع ناحيتها وردد بخضة: "متتحركيش، الأرض كلها إزاز وإنتي حافية."
ابتلعت لعابها بغصة متألمة وظلت واقفة حتى جمع الزجاج من الأرضية وفتح صندوق الإسعافات وأجلسها على المقعد الموضوع بالمطبخ وانحنى ليضمّد لها جرحها. فنظرت له بأسى ورددت متألمة: "إحنا ليه بقينا كده؟ تنفس عميقًا وطرد الهواء من رئتيه بحدة ولم يعقب. فعادت تردد: "طيب هنفضل كده لأمتى؟ رفع بصره بلمحة صغيرة ينظر لها وعاد يركز بصره على تضميده جرحها، وكأنه يحذرها من التمادي بالحديث. انتهى من مهمته وانتفض واقفًا متجهًا لغرفته،
فأوقفه صوتها الحزين: "خلاص يا سيف، لو حابب نتطلق أنا معنديش مانع." التفت ينظر لها بعيون نارية وردد بحدة: "إنتي زنّانة ليه كده؟ ليه كل ما أقولك اسكتي بتفضلي تتكلمي؟ وكأنك مصممة تخرجيني عن شعوري!! سألته بحزن: "ما أنا عايزة أفهم كل ده ليه؟ ومتتنعنيش إنه بسبب رامي، إنت عارف عني كل حاجة وده موضوع تافه، ولكن إنت ندمت على اختيارك." أجابها بضيق: "وليه مقلتيش إن الغيرة حارقة قلبي." أجابته بتنهيدة:
"وأنا متصرفتش أي تصرف يخليك تغير، ومش منطقي إنك تغير من حاجة ملهاش أساس وكانت وأنا طفلة." أجابها بتحفز: "وسيرة الزفت أكرم اللي كل شوية تجيبيها؟ رددت وهي تبادله النظرات الواجمة: "مش بقول عنه غير قد إيه أنا كنت غلط في اختياري! وقد إيه بكرهه… مش بحلم بيه ودايمًا بنادي عليه وأنا نايمة زيك يا سيف." احتدمت تعابيره وصرخ بها: "إنتي بتقارني مين بمين؟
نسرين مينفعش تتحط في مقارنة مع الحيوان ده، وآخر مرة حذرتك إنك تجيبي سيرتها تاني بالشكل ده." ضحكت ساخرة ورددت: "نفس الفكرة اللي مش قابلها على نفسك، بس قابلة عليا. في كل فرصة تتكلم عنها وكأنها ملاك… وهي الفكرة واحدة، هما الاتنين مهما كانت ظروف جوازنا بيهم بقوا ماضي، ومينفعش نتكلم عنهم." ردد بحنق: "إنتي غيرانة من واحدة ماتت وبين إيدين ربنا؟ ضحكت بعفوية وهتفت:
"على اعتبار إن أكرم قاعد جنبنا على السرير، ما هو مات هو كمان، بس هو مات بعد ما أنا اتطلقت منه. لكن هي وزي ما إنت قلت لي في أول يوم جوازنا إنها مراتك وهتفضل مراتك، مش كده يا سيف؟ امتعض وجهه وتحدث بحدة وغضب: "إنتي إزاي قدرتي تحوري الموضوع وتخليني أنا المتهم هنا؟ رددت بجمود: "إحنا الاتنين غلطانين يا سيف، وما أظنش إننا بعد الكلام ده هنقدر ننساه لبعض أبدًا."
التف حول نفسه يلف ويدور بأنحاء الغرفة، فاتجهت هي لحقيبتها التي لا تزال مطوية وأمسكتها. فنظر لها بنظرة نارية وردد متسائلاً: "إنتي رايحة فين؟ أجابته بثقة: "عند أهلي، ولما تعرف إنت عايز إيه تعالى، وإنت عارف العنوان." اقتنص ذراعها بحدة وصرخ بها: "مفيش خروج من هنا، ولا فكراني عيل قدامك؟ انتزعت يدها منه بشراسة بعد أن فقدت طاقتها على التحمل ورددت بحدة: "إنت عايزني أفضل لحد ما إنت تقولهالي في وشي؟
خد قرارك وبلغني بيه في بيت أهلي." هلهل بحدة: "أنا قلت مفيش خروج، وكفاية استفزاز فيا لحد كده." ضحكت بسخرية ورددت: "أنا عرفت ليه مراتك كانت بتخرج من وراك، عشان تحكمك اللي زايد عن الحد ده… تلاقيك كنت حابسها زي ما عايز تعمل معايا، عشان كده كانت بتخرج من غير إذن."
هنا لم يتمالك نفسه من شدة غضبه واتجه ناحيتها بخطوات نارية، ففزعت من شكله وأيقنت أنها أيقظت الوحش الكامن بداخله، لتعود للوراء فزعًا ورعبًا من شكله المخيف وتتقلص بينهما المسافات حتى أصبحت حبيسته. فانحنى قليلاً وردد بصوت جامد: "كنت حابسها خوف عليها مش تحكم فيها يا دارين، وهحبسك حب فيكي مش تملك مني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!