شعرت بآلام حادة تضرب معدتها وأسفل بطنها، جعلتها تنهض من نومتها، تشعر بسكاكين تقطع أوصالها، جعلتها عاجزة عن النوم بشكل مريح. اتجهت للمرحاض على أطراف أصابعها حتى لا توقظه، وأغلقت وراءها الباب لتبدأ رحلة معاناتها مع الألم الذي هتَك بها. حاولت أن تتقيأ ما بجوفها، على أمل أن يهدأ الألم قليلاً، ولكنها شعرت بحنجرتها تتقطع أثناء ذلك. ومع هذا، ظل الألم على حاله، بل ازداد معه ألم حنجرتها التي جُرحت، وزاد معه ألم معدتها.
تقلصاتها ازدادت حدة، لتجد صعوبة بالغة في الإخراج حتى تتخلص من بقايا الطعام التي بجوفها. ولعنت نفسها على شهيتها التي أجبرتها على تذوق الطعام بالرغم من تحذير زوجها لها. فتألمت بصمت، ووضعت إصبعها داخل حلقها عميقاً لتجبر نفسها على التقيؤ، فخرج صوتها بالرغم من محاولاتها إخفاءه، لينتفض سيف على أثر صرختها. نظر حوله يبحث عنها، فلم يجدها، فاتجه على الفور للمرحاض، وطرق الباب بقلق هاتفا: "دارين… دارين مالك؟ أجابته بصوت مبحوح:
"تعبانة شوية." حاول فتح الباب، ولكن وجده مغلقاً، فردد بلهفة: "افتحي طيب." عادت للتقيؤ وهي تتألم بشدة، فظل يدير مقبض الباب هاتفا بحدة: "إنتي قافلاه ليه؟ افتحي." ارتمت على الأرضية الرخامية للمرحاض وبكت بشهقات عالية، حتى استمع لصوت بكائها، فاحتد وصرخ عالياً: "افتحي يا دارين بدل ما أكسر الباب." رددت ببكاء حار: "تعبانة أوي… بموت." هتف بصوت عالٍ ومخيف: "افتحي بقى… دارين."
استمع له من الخارج أفراد الحراسة، فطرقوا على الباب، فذهب يفتح لهم. ليتحرى أحدهم باحترام: "في حاجة يا فندم؟ تحرك بصره عفوياً تجاه باب المرحاض، وعاد ينظر له هاتفا بحيرة: "عايز أكسر باب الحمام." أومأ ضابط الحراسات وأشار بيده لمن معه ليتجهزوا، وقاموا بكسره. واستداروا على الفور بظهورهم حتى لا يلمحوها بالداخل. فهرع هو ليجدها على تلك الحالة، فانحنى بجوارها هاتفا بخوف: "قد كده تعبانة؟
حملها واتجه بها للخارج، وهو ينظر حوله، فوجد أفراد الحراسة قد غادروا الغرفة. فوضعها على الفراش ودثرها بالغطاء، وهي تصرخ من الألم. خرج لمرافقيه هاتفا برجاء: "أنا محتاج دكتور بسرعة، بس مش دكتور طوارئ، عايزة جراحة باطنة." أومأ الظابط باحترام هاتفا: "أوامرك يا فندم." ربت سيف على كتفه بامتنان مرددا: "متشكر يا رجالة." دلف وجلس بجوارها يمسد شعرها، وردد بضيق: "قلتلك بلاش تاكلي. ما تسمعيش كلامي… بجد عاملة شبه الأطفال."
أمسكت بطنها بقوة، ونظرت له ودموعها تغرق وجهها، هاتفة بألم: "مش هعمل كده تاني، بس خلي الوجع ده يقف." جزع من داخله لرؤيتها بهذه الضعف، فدمعت عيناه لعلمه أنها قوية وتستطيع التحمل، وما يراه الآن دليل أن الألم لا يحتمل. فانتفض للخارج وتحدث بحدة: "فين الدكتور؟ أجابه أحد الضباط: "جاي يا فندم." دلف وظل يذرع الأرض جيئة وذهاباً. وأمسك هاتفه وفتح تطبيق المراسلات ورتل: "هخلي أهلك يبعتولي التقارير بتاعتك، أكيد الدكتور هيحتاجها."
حاولت الاعتدال بجلستها لتردد: "بلاش… هيقلقوا عليا و…" قاطعها سيف بحدة أجفلتها: "أعمل إيه طيب؟ أسيبك كده؟ قضمت شفتيها بألم، فردد: "طيب أنا هكلم جمال." بالفعل هاتفه عبر ذلك التطبيق، ليجيب الآخر بمرح: "إيه يا عريس؟ أختي عاملة إيه معاك؟ أجاب الآخر بجدية: "جمال… أنا عايز التقارير بتاعة دارين كلها تبعتلي على الماسنجر." تعجب جمال وسأله بفضول: "حصل حاجة ولا إيه؟ أجاب بحنق: "تعبانة." سأله بتخوف على صغيرته: "مالها؟
إيه اللي حصل؟ أجاب بضيق: "عكت في الأكل… لحم غزال على مكرونة على أسماك، وكل ما أقولها هتتعبى تقول لي متخافيش أنا كويسة." زفر جمال بأنفاس متضايقة وردد بحزن: "معلش… اعذريها، برضه مش سهل الواحد يتحرم من كل حاجة كده." أجابه سيف بضيق: "منا عارف يا جمال… بس أنا مش مستحمل أشوفها كده." كل هذا وهي متكومة بجواره تئن بألم. فردد جمال: "أنا هبعتلك كل حاجة دلوقتي، وابقى طمني عليها."
أغلق معه وعاد سيف يجلس بجوارها، ووضع كفه على بطنها ليخفف عنها الألم، هاتفا بحزن: "معلش… شوية والدكتور ييجي." بالفعل دلف الطبيب وبدأ سيف يشرح له حالتها بالإنجليزية، بالطبع، ولكن وجد صعوبة قليلاً في توصيل كل المعلومات التي يريد إخبارها بها. بالرغم من تحدث سكان البلدة بالإنجليزية بطلاقة، إلا أن سيف لم يعلم بعض المصطلحات الطبية. لذلك استعان بأحد الضباط التابعين للسفارة وعلى دراية باللغة الأم.
بعد توقيع الكشف عليها والاطلاع على تقاريرها، ردد الطبيب: "ليس من السهل على جهازها الهضمي بحالتها تلك أن يهضم أنواع عديدة من الأطعمة، وبالأخص اللحوم والأكلات المعقدة والمركبة. لذا من الأفضل أن تتناول أطعمتها مسلوقة فقط، ويمكن إدخال البروتين إلى نظامها الغذائي عن طريق مرق اللحم فقط."
خرج الطبيب بعد أن كتب لها بعض الأدوية، ونصحها بالراحة وعدم بذل أي مجهود، ووصف لها بعض الأدوية المكملة لأدويتها التي تتناولها بالفعل، وغادر متمنياً لها الشفاء العاجل. أعطى سيف الوصفة الطبية للضابط المرابط لهما، وردد بحرج: "أنا آسف وعارف إن دي مش مهمتك، بس…" صمت حرجا، فتناول منه الوصفة وأومأ برسمية هاتفا: "ربنا يشفيهالك يا سيف باشا."
لم يتبق سوى يومين على موعد الزفاف، ولكن بسبب لهفته عليها، انتقل هو ووالدته لمنزل الزوجية معها، ليظل كل منهما بغرفة منفصلة، بناءً على إصرار والدته، مرددة: "لو كان ليا بنت مكنتش أوافق غير بكده، بعد الفرح أعمل اللي انت عاوزه." ابتسم وقبلها من رأسها وغادر لعمله بعد أن ودع نيللي بقبلة خاطفة، كالمراهق الذي يجرب الحب لأول مرة.
لمحت والدته الابتسامة التي تزينت على ثغرها بعد أن ودعته، فابتسمت هي الأخرى لسعادتهما. ولكن ذلك الألم الذي ضرب بجسدها جعلها تئن بصمت، لتلاحظ نيللي تغير لون وجهها، فانحنت بجوارها تردد بحنين: "مالك يا ماما؟ تألمت بشدة ورددت بصوت وهن ومتعب: "ناوليني المية والمسكن يا بنتي." ناولتها المياه والأدوية المسكنة، وهي تربت عليها بحنان. وأمسكت هاتفها ترد بلهفة: "أنا هكلم سعد يرجع يوديكي المستشفى." أمسكت يدها هاتفة برجاء:
"بلاش… خليه يخلص شغله من غير ما يبقى باله عندي، وبلاش تقولي حاجة، متكسريش فرحته." تقع وجهها بالرفض وهتفت بضيق: "ما هو لازم يعرف عشان…" قاطعتها مفسرة: "يا بنتي أنا في المراحل الأخيرة، وده بكلام الدكاترة… أنا كنت مش حاسة بجسمي ولا رجليا، ودلوقتي بقيت بحس بيهم. يمكن يكون الإحساس آه مؤلم جداً، بس ده فضل من ربنا إنه خلاني في أواخر أيامي أحس." ابتلعت ما في حلقها من غصة مؤلمة، ورددت:
"سعد طول عمره شايل همي، وأنا كنت بدعي ربنا إنه يقصر أيامي عشان يرتاح من تعبي وخدمتي، بس كنت برجع أقول اهو باخد بحسه بدل ما هو لوحده كده." وضعت راحتها برقة على وجه نيللي، وابتسمت تخبرها: "من ساعة ما حبك ووشه نور وبقى مبسوط على طول، وأول مرة أحس إني قضيت رسالتي للنهاية، وممكن أموت وأنا مرتاحة ومطمئنة عليه." بكت نيللي رغماً عنها، هاتفة بحزن: "بس أنا…" صمتت لتمسح عبراتها، وأضافت:
"أنا وحيدة، وبجد حسيت بالونس وجو العيلة في الكام يوم دول، وعايزاكي تفضلي معانا على طول وتربي عيالنا، عشان خاطري وافقي إنك تتعالجي، مش يمكن؟ تحسست وجهها ببسمة فرحة، وهتفت: "مفيش أمل يا نيللي… تفتكري لو كان فيه أمل كان سعد سابني كده؟ أراحت ظهرها على مقعدها المدولب وتنهدت بحسرة، ورددت: "متقوليش حاجة لسعد بدل ما أزعل منك، خليه سر ما بينا… أنا كده كده مش مطولة، بس نفسي أشوفه فرحان قبل ما أقابل وجه كريم."
انحنت نيللي تقبل كفها، ورددت بحزن وتضرع: "ربنا يخليكي لينا وما يحرمناش منك أبداً." جلس حزيناً متوتراً، فاقتربت منه زوجته تردد بطمأنة: "متقلقش يا جمال، سيف أكيد هيخلي باله منها." زفر بأنفاسه، وظل جالساً ينظر لشاشة هاتفه، وردد بحيرة: "طيب أتصل أطمن ولا أستنى شوية كمان؟ قوست فمها بحيرة وأجابته: "والله ما أنا عارفة… هو قالك إيه في آخر مكالمة؟ أجاب وهو ممسك بهاتفه بتردد: "قالي الدكتور عطاها علاج ونامت."
اقتربت منه أكثر، وربتت على كتفه بحنين، هاتفة: "طيب استنى نص ساعة كده واتصل بيه." أومأ مستسلماً، فابتسمت له، هاتفة بمرح مصطنع: "طيب أعملك حاجة تشربها ولا أجيبلك تاكل؟
نظر لها برضا عن محاولاتها المستمرة للتخفيف عنه في أحلك الظروف، فهي دائماً ما تقف بجواره وأظهرت معدنها الأصيل وقت انشغاله عنها بقضية أخته الصغرى، فلم تتذمر أو تتحدث معه بالأمر، بل احترمت خصوصية الموضوع وتركته يفعل ما يراه مناسباً حتى انتهت تلك الأزمة، وظلت كما هي معه دائماً. تنهد بحيرة، وردد: "اعمليلنا شاي." وقفت ترفع طرف عبائتها المنزلية بمزاح وتدللت برقة، هاتفة: "أمرك يا سي جمال… عايزة كشري ولا مغلي يا سيدي؟
ضحك رغماً عنه لتقليدها الخادمات، فوقف أمامها وعض على شفته السفلى، هاتفا بهمس: "ابنك فين؟ ضحكت بعفوية، ورددت هامسة هي الأخرى: "نايم من بدري." سحب شهيقاً عميقاً وانحنى يقبلها من عنقها، وهمس بأذنها بنبرة خطيرة: "طيب مش كنتي تقولي كده من بدري." ضربته على صدره، ورددت بتعجب: "إنت في إيه ولا في إيه؟ ابتسم بعد أن استطاعت إخراجه من حالة المزاجية الحزينة، وردد بحب: "ما هو اللي متجوز واحدة زيك ميعرفش يزعل أبداً." احتضنته،
ورددت بفرحة: "حبيبي ربنا يخليك ليا يا رب." ابتعدت عنه فور أن وجدته يحاول تقبيلها، فقوس حاجبيها بدهشة، لتردد هي مفسرة: "اتصل بس الأول أطمن على دارين، وبعدين أنا تحت أمرك." ظل جالساً بجوارها يمسد رأسها وشعرها بحنان، وهو يدعو الله أن تطيب. فقد مزق فؤاده رؤيتها هكذا، وظل يؤنب نفسه على تركها تفعل ما يحلو لها، ظناً منه أنه بذلك يسعدها، ولكن ها هو تسبب بإيذائها حسبما يرى. فابتلع غصة بحلقه.
صدح صوت رنين هاتفه بالاتصال على تطبيق المكالمات المرئية، ففتحه ليجيب جمال القلق بشدة، مطمئناً: "متقلقش يا جمال، بقت كويسة الحمد لله." تنهد الأول براحة، وردد: "الحمد لله… هي لسه نايمة؟ أومأ باقتضاب. فرأى جمال ملامحه الحزينة، فهتف يواسيه: "معلش تتعوض." رمقه بنظرة غاضبة، وردد بحدة: "إنت متخيل إني زعلان على الإجازة؟ أنا بموت عليها وعلى تعبها." اعتذر بإيماءة خفيفة منه، وردد: "وأنت برضه ملكش ذنب." زفر باختناق، وهتف:
"ذنب إني طاوعته." ردد جمال بمواساة: "عشان بتحبها، ودارين مش صغيرة وادري بمصلحتها، وجربت قبل كده موضوع الأكل ده وعارفة بتتعب إزاي." أطرق رأسه، وأخرج تنهيدة حارة. فاعقب جمال: "هسيبك ترتاح شوية، وطمني عليها لما تصحى." أغلق معه واتجه يجلس بجوارها، فاقتربت منه واحتضنته، هامسة بنعاس: "أنا آسفة." انحنى برأسه ليرى وجهها النائم، وقبلها من صدغها، مرددا: "آسفة على إيه بس؟ ضيقت ذراعيها عليه أكثر، وهتفت:
"عشان كل حاجة… عشان بزعلك من غير قصد، وعشان مش بسمع الكلام، وعشان بوظت شهر العسل بتصرفاتي الغلط." مازحها لعلها تكف عن البكاء: "قصدك بسبب طفولتك." استكلمت تضحك أو تبتسم حتى، ولكنها رددت بجمود: "مش ده وبس، بسببى ضاع تلات أيام من الإجازة على الفاضي، يوم البحر ويوم ما حرقت الهدوم، وانهاردة." سحبها أكثر وأدخلها داخل أضلعه، وهتف بمشاكسة: "اممم… وطبعاً عايزة تعوضيهم؟ لم يمهلها كثيراً لتجيب، فأعقب:
"طيب إيه رأيك نمد الإجازة تلات أيام نعوض فيهم اللي حصل؟ رفعت وجهها الباكي، فالتقط عبراتها النازلة على وجنتيها بفمه، ولثم ثغرها بقبلة رقيقة متروية، واستطرد: "ها… إيه رأيك؟ نعوض يوم البحر بس تلبسي مايوه محترم، ونعوم مع البطاريق." نظرت له بحب، وابتسمت، مرددة بتساؤل: "مايوه محترم إزاي يعني؟ ضحك ملء فمه، وهتف: "اللي هو قطعة واحدة وشورت بنص كم ده." قوست حاجبيها بتعجب، وسألت بإطناب: "وده هنلاقي منه هنا؟ ردد بعبث:
"خلاص تنزلي بشورت وتي شيرت، ولا أقولك خليها قميص وبنطلون." ضحكت بشدة، ورددت: "أصلاً إنت مخلتش هدوم تتلبس مش يتنزل بيها المية كمان." دفن رأسه بتجويف عنقها، وردد بصوت مكتوم من أثر دفنه لرأسه: "خلاص البسي هدومي."
وقفت بمرح بعد أن تناست الألم، واتجهت لخزانة الملابس، وأخرجت منها سروالاً قصيراً وقميصاً قطنياً يخصه، وارتدتهما، ليخرج شكلها مضحكاً. فالسروال واسع من الخصر، واضطرت أن تربط رباطه ضيقاً جداً حتى لا يسقط منها. وأما القميص القطني، فكان بنصف كم، فخرج طويلاً يغطي نصف جذعها وأكثر، وأكمامه وصلت لمنتصف ذراعيها. خرجت من المرحاض بمرح، تريه شكلها، فانفجر ضاحكاً على طفولتها. فسحبها وألقاها على الفراش يدغدغها بمزاح ومداعبة، هاتفا:
"لا لا… اقلعي شكلك مسخرة، وهدومي مغطياكي بالشكل ده، هو أنا ضخم أوي كده؟ ردت عليه من بين كل ضحكاتها: "لا أنا اللي معصعصة وقصيرة." قبلها من وجنتها، هاتفا: "معصعصة وقصيرة إيه بس… والأنوثة المتفجرة دي اللي بتجنني راحت فين؟ عضت على شفتها بخجل، فانحنى يقبلها برقة وشوق، واعتلاها بلمح البصر، ولكن تريث يسألها بقلق: "بقيتي كويسة؟ أومأت بنعم، وحاوت عنقه بذراعيه، فردد بتردد: "هتستحمليني؟
قضمت جانب فمها، وابتسمت خجلاً، فاقتنص شفتاها بقبلة جامحة، بادلته إياها بحب. وقف بشموخ وهيبة، يتابعهن عن قرب. فمنذ أن تولى مهام رفيقه، وهو تقريباً لا يذهب لبيته سوى ساعات قليلة، لتحمله عبء المسجونات كثيرات المشاكل.
نظر من نافذة مكتبه، والذي يطل على ساحة التريض الخاصة بالمسجونات، وركز بصره ناحيتها، وهي تجلس بارتياح تدخن سيجارتها، والجميع من حولها يهابونها. فابتسم رغماً عنه. فبالرغم من صغر سنها وجمالها، إلا أنها ذات شخصية قوية، استطاعت أن تطوي المسجونات جميعهن بقبضتها. حتى لواحظ الصعبة المراس. طرقات على باب مكتبه من فتحية، التي دلفت بضيق، هاتفة: "عماد بيه." التفت وأومأ لها لتتحدث، فهتفت بحدة:
"البت اللي اسمها نور دي مش عايزة تجيبها لبر… وشكلها كده ناوية على حاجة هي ولواحظ." سألها بحيرة: "إنتي أخدتي بالك من حاجة؟ أنا شايفهم عاملين دويتو مع بعض جامد أوي." أيدت حديثه، هاتفة: "طول الوقت مع بعض، والمعلمة لواحظ اللي مبتحبش حد ياخد مكانها، بقت تقريباً بتشاورها في كل حاجة. ده غير الودودة والوشوشة اللي طول الليل والنهار كأنهم بيخططوا لحاجة." زفر بأنفاسه، وهتف:
"طيب خدي بالك منهم كويس، بس من غير ما يحسوا إنك بتراقبيهم." رددت الأخرى هاتفة بحنق: "المعلمة لواحظ أنا أصلاً مبقتش نازلالي من زور، ولا طايقالي كلمة من ساعة البت دي ما جت، وكأنها استغنت عن خدماتي." قوس شفتيه بعدم رضا، وردد: "ما هي أكيد كشفتك يا فتحية." رفعت كفها ترفض ما قاله، مرددة: "لا يا عماد بيه… هي لو كشفتني كانت عتقتني. دي نابها أزرق ومش بتسيب حقها، ده أنا كان زماني بيترحمو عليا."
ضحك عماد من طريقتها المرحة في الحديث، فسألها باهتمام: "هو اللي اسمه عطوة ده عملتوا معاه إيه؟ رفع حاجبه الأيسر دلالة على دهشته، وأجابها: "وإنتي دخلك إيه بالحكاية دي؟ أجابته: "مش هو اللي حاول يقتل سيف باشا؟ يبقى لازم يتقبض عليه و…" قاطعه عماد هاتفا بحدة: "فتحيّة… مليكيش دعوة بحاجة. ده شغل المباحث، لا شغلك ولا شغلنا، بدل ما تضيعي الدنيا بغباوتك دي." اتقع وجهها، فاستدار ينظر من النافذة من جديد، وردد وهو يوليها ظهره:
"روحي شوفي شغلك، وزي ما فهمتك، عينك عليهم هما الاتنين." همهمت بطاعة وخرجت، ليعود ينظر بدقة لتلك الجالسة تضحك بصوت عالٍ وسوقي، لا يتناسب مطلقاً مع رقة وعذوبة شكلها. فأخرج ضحكة مستنكرة، وعاد للداخل ليهاتف رفيقه وائل ليطلع على آخر التطورات. وفور أن أجاب الآخر، سأله على الفور دون استهلال الحديث بالسلام: "آخر الأخبار عندك إيه؟ ردد وائل متعجباً: "يا ابني طيب قول السلام عليكم الأول." زفر بفارغ صبر، هاتفا باقتضاب:
"السلام عليكم يا سيدي… ها، إيه آخر التطورات؟ ابتسم وائل، وأجاب: "عايز تعرف إيه؟ أخبار العريس بتاعنا، ولا أخبار شهاب، ولا مراقبة رجالة عتريس المر وأخوه؟ صاح بحدة أجفلت الآخر: "يا ابني اتكلم، ده إنت رخـم." ردد وائل بجدية زائفة: "ما تتكلم عدل يا حضرة الظابط… اسأل سؤال محدد عشان أجاوبك إجابة محددة." ردد عماد بقلق: "الأول أخبار سيف إيه؟ كويس ولا في حد وراه من رجالة شهاب؟ أجابه وائل بعملية: "لا مفيش وراه حد." عاد يسأل:
"وسهاب البدراوي؟ أجابه بتوضيح: "لسه في النمسا، بس غالباً هو هناك لحد تحقيقات النيابة ما تخلص، ولو اسمه جه في التحقيقات يبقى مش هيرجع." تعجب من هدوئه، وسأله بحيرة: "وعادي مش مضايق إنه ممكن يهرب؟ أجابه: "مسيره يتمسك يعني، هيروح فين؟ زفر بضيق، وهتف متسائلاً: "والقضية؟ أجابه وهو يخرج سجائره يشعل واحدة، وردد:
"لا دي قصة طويلة متنفعش في التليفون، بس الخلاصة إن ناصر الصواف هيعترف، بس شارط علينا إن سعد الدين يبقى المحامي بتاعه." ردد عماد بتأكيد: "وسعد طبعاً رافض." أكده: "آه هيتجوز بقى وخايف على نفسه." انفجر ضاحكاً، وهو يستطرد: "عزمك على فرحه؟ أجابه عماد بإيجاز: "آه." عاد وائل للضحك، فسأله بحيرة: "بتضحك على إيه؟ أجابه ولا تزال ضحكته ملء فاهه: "عشان نحس الشلة اتفكت على الكل إلا إنت يا فقرة." تعجب عماد ولم يفهم مقصده،
وسأله بحيرة: "إنت تقصد إيه؟ أجاب وائل بسخرية: "أقصد شلة العوانس بتاعتنا، إنت وسيف وسعد، اهو كلهم دخلوا القفص وفاضل إنت وبس." شاركه الضحك، وهتف مردداً: "أنا نفسي أتـجوز بصراحة." اندهش الآخر من طلبه، وهلل ساخراً: "الله… هي العدوى صابتك ولا إيه؟ أجابه:
"بصراحة غـِرت منهم، سيف واتجوز بنت زي القمر، وبالرغم من ظروفها إلا إنها بتعشقه وقدرت تخرجه من الحزن اللي كان فيه. وسعد أخيراً لقى فتاة أحلامه اللي كان نفسه تكون متعلمة وحلوة وشخصيتها قوية، وفي نفس الوقت تقبل بوضع مامته وحياته، وده شيء نادر بصراحة." شاكسه رفيقه، مردداً بتحفز: "وإنت بقا مش كنت قرفان من الستات!! إيه اللي جد؟ ولا لقيت فتاة أحلامك إنت الآخر؟ أجابه بتنهيدة:
"ابداً، ولا ليا أي مواصفات غير إنها تخطف قلبي زي ما مرات سيف عملت فيه كده… بس ألاقيها فين دي؟ أجابه بتلقائية: "أكيد مش في السجن… دور وإنت تلاقي. أقولك يمكن في فرح سعد الدين تلاقيها، أهي الأفراح معموله عشان كده، ومعظم أصحابنا اتجوزوا من الأفراح." ضحك عماد على طريقة تفكير رفيقه، وردد بسخرية: "وإنت عرفت مراتك منين؟ أجابه بانهيار ضاحك:
"من فرح واحد صاحبنا، كانت بنت عمه، واديني أهو عايش معاها بقالنا عشر سنين شد وجذب، وربنا يقدم اللي فيه الخير." استندت بجسدها على جذعه العاري، وظلت تتنفس أنفاسه العاشقة، وهو يداعب أناملها بخاصته، منعزلان عن العالم. فتنهدت تنهيدة عميقة، ليردد بفضول: "ياااه… كل دي تنهيدة؟ مالك يا قلبي؟ أجابته وهي ترمقه بنظرات والهة: "تفتكر لو كنا اتقابلنا في ظروف تانية غير ظروفنا دي، كان ممكن نحب بعض؟ أجابها بتأكيد:
"آه طبعاً… لأن ربنا كاتبنا لبعض من قبل ما نتخلق." اعتدلت في نومتها جالسة تنظر له، مرددة: "كان نفسي نبقى أول ناس في حياة بعض." ابتسم لها، وردد بدبلوماسية: "كل حاجة ربنا مقدرها فيها خير يا ديدو… يعني جوازتي وجوازتك ربنا كان مخليهم لأسباب معينة، وكل مرحلة عملت الهدف اللي ربنا حاطه ليها وانتـهت عشان نكمل للمرحلة اللي بعده." تنهدت بضيق، وهتفت: "إنت بتقول كده عشان تجربتك كانت كويسة، مش كلها عك زي تجربتي." زفر بفارغ صبر،
وردد بحدة طفيفة: "إيه لازمة الكلام ده دلوقتي!!! إحنا مبسوطين مع بعض، ليه بتفتحي مواضيع تزعلنا؟ ليلى عندها حق… بومة." تجهم وجهها بالضيق، ورددت بحزن: "كان نفسي تكون أول راجل في حياتي و…" قاطعه قبل أن تكمل استثارتها لأعصابه ورجولته دون قصد: "قفلي كلام في الحكاية دي يا ديدو لو بتحبيني، وخلينا نتفق على البرنامج بتاع الإجازة هنعمل فيه إيه قبل ما تخلص؟ ابتسمت محاولة أن تخف حزنها، ورددت بحيرة: "كان إيه برنامج النهارده؟
أجاب وهو يعتدل بجلسته، ويتناول ملابسه الملقاة على الأرض، وبدأ بارتدائها: "كان المفروض هنطلع الجبل عشان نعمل كامبينج، وبالليل عندنا حفلة في السفارة." سألته بفضول: "حفلة إيه؟ أجاب على الفور: "معرفش… سكرتير السفير عزمني عليها وأنا وافقت، وعلى فكرة لو قمتي لبستي ممكن نلحق." انتفضت من نومتها هارعة لخزانة الملابس، ورددت بتساؤل: "طيب هي حفلة إيه يعني عشان أشوف عندي لبس مناسب ولا لأ؟
أمسكها من راحتيها، وضمهما معاً، وسحبها لتصبح في مواجهته، ونظر بعمق عينيها الساحرتين، وردد بغزل: "بحبك." ابتسمت، ورددت: "ده ردك على سؤالي؟ أجاب: "بصي يا مولاتي… أنا راجل شرقي ومتدين، يمكن مش شيخ يعني، بس بجاهد على قدي." أومأت بصمت، فاستطرد:
"أنا عايزك تتحجبي، وعارف إن تفكيرك وتفكير اللي حواليكي ممكن يخليكي ترفضي وتشوفي إن مش من حقي، وكلام بقى الفيمينيست وبتوع حقوق المرأة إن انت واخدها مش محجبة، وعارف طباعها وعارف طريقتها، وإنت بتستغل حبها ليك أو سلطتك كزوج، وكل الهري ده." صمت، ونظر لتعبيراتها، فوجدها تستمع له بتركيز، فتشجع أكثر ليكمل:
"بس أنا لا هـجـبرك، ولا هقولك لو معملتيش، ولا هـهددك، وكل ده. ده مجرد رجاء مني عشان ننفذ شرع ربنا، لأن الحجاب فرض، حتى لو إنتي شايفة غير كده." ابتلعت بحرج، ورددت: "لا أنا عارفة إنه فرض، بس كنت شايفة إن ده قرار لسه مجاش وقته." أومأ ببسمة، واستمع لها، وسأل: "وإمتى وقته من وجهة نظرك، إذا ربنا والرسول قالوا إن بمجرد بلوغ الفتاة لازم تستر نفسها؟ تنهدت بحيرة، وهتفت:
"الزمن مختلف يا حبيبي، والحكاية كلها إني عايزة القرار يكون نابع من جوايا فعلاً، مش إرضاءً ليك ولا ضغط منك، عشان أكون فرحانة بيه وأنا لـبـسـاه، مش زهقانة منه وأبقى عايزة أقلعه." أومأ ببسمة منمقة، وردد: "أوكي… وأنا هسيبك براحتك لما تحسي إنك مستعدة للخطوة دي، وصدقيني أنا كزوجك ربنا بيحاسبني عليكي وعلى كل حتة في جسمك، بس أنا قابل إني أستنى لحد ما القرار يبقى خارج منك إنتي مش مني أنا."
انحنى للأمام قليلاً، وسحب فستان أسود ذو أكمام وطويل، وينزل على جسدها بانسيابية، وردد بحبور: "أظن ده هيبقا يجنن عليكي، وهيـتـناسـب مع الحفلة، أي ما كان نوعها، لأني فعلاً معرفش هي حفلة إيه!! تناولته منه، واتجهت للمرحاض لتغتسل حتى تتجهز للذهاب للحفل.
تلـفـحـت بوشاح لتخفي وجهها، ومشت على أطراف أصابعها. وفتحت قفل الباب بالمفتاح الذي بحوزتها، وبدأت بالسير متحاشية الأضواء المنتشرة بكل مكان، حتى وصلت لاعتاب البوابة الكبيرة. فاخرجت مفتاحاً آخر، وفتحت به المزلاج الحديدي، وتوجهت للأمام قليلاً حتى مصباح السيارة المضيء. ذُهلت تقف بعيداً قليلاً، ففتحت باب السيارة، هاتفة بلهفة: "اطلع من هنا بسرعة."
قاد مسرعاً حتى ابتعد قدر الإمكان عن بوابات السجن، وصف السيارة بأحد الأزقة، وأطفأ محركها، واعتدل بجلسته، ونظر لها بفضول، هاتفا بتخوف: "في إيه؟ إحنا متفقين إن مفيش تواصل بينا، وتليفونك ده خوفني." ابتلعت، ورددت بـلهـث أنفاسها من أثر ذعرها: "الموضوع شكله دخل في الجد، ولواحظ مستنية التنفيذ، وليها رجالة بره، لو منفذتش بجد مش هتصدقني، ولا هنعرف مكان الفلوس مهما عملنا." نظر لها وائل بتمعن، وسأل بحيرة:
"طيب إنتي إيه اللي في دماغك يا حضرة الملازم؟ أجابته بحيرة: "بص… الموضوع لازم يبان طبيعي عشان عيونها اللي بره توصلها إنه حصل، مع إن شبه متأكدة إنها ناوية على الغدر، بس طبعاً أنا كل اللي يهمني إننا نوصل للفلوس اللي بيها بتقدر تمشي الدنيا دي كلها، وهي حاطة رجل على رجل." سألها بتخوف: "إنتي عايزانا ننفذ إزاي يعني؟ وسيف مستحيل يوافق." تنهدت بفارغ صبر، وهتفت:
"سيف باشا أنا بعرف أتفاهم معاه، بس وصلني بيه في أقرب فرصة، وهقدر أقنعه بالخطة اللي في دماغي." سألها مجدداً: "طيب أفهم بدل ما أنا زي الأطرش في الزفة كده." أجابته تشرح باستفاضة: "هنـوهـم الكل إن محاولة القتل نجحت، ويمكن كمان ننزل نعي في الجرنان، وبكده…" قاطعه وائل ضاحكاً: "ده فيلم النمر والأنثى ده اتـهـرس كتير أوي و…" قاطعته مجدداً:
"صدقني يا فندم مفيش غير الحل ده، أنا بقالي خمس شهور في السجن، وبجد تعبت وعايزة أخلص المهمة دي بأسرع وقت ممكن، أنا قربت أبقـى مدمنة يا فندم." ربت على كتفها، وردد بجدية داعمة: "أنا عارف يا نور إنتي قد إيه تعبانة، ولولا ثقتنا فيكي أنا وسيف مكنـاش حـطـيـنـاكـي في مهمة صعبة زي كده، خصوصاً إنك لسه خارجة من مهمة تانية أصعب مع المعلم الحرش." ترددت قبل أن تعقب هاتفه:
"أنا وافقت بس على المهمة عشان حضرتك عارف ظروفي وتـريـقـتـي اللي متعطلة بسبب…" قاطعه وائل مردداً بحزم: "خلاص يا نور، أنا وعدتك أنا وسيف إن موضوعك منتهي، واللوا طلعت والد سيف كمان وعد." أومأت باستحسان، فردد هو يؤكد لها: "الموضوع ده لازم يكون بالاتفاق مع سيف وموافقته قبل كل حاجة، عشان كده معلش إحنا مضطرين نستنى لحد ما يرجع من شهر العسل بتاعه." ضحكت نور برقة، ورددت بسخرية:
"والباشا بصراحة اختار أصعب وقت عشان يتجوز فيه، وسايبنا هنا كلنا في حوسة." ابتسم لها، وردد بحبور: "معلش يا حضرة الملازم، أصل ده كان معقد، وإحنا ما صدقنا إن عقدته اتفكت، وخفنا نعطل الجوازة ليرجع في كلامه." أومأت ببسمة منمقة، فرددت: "طيب ارجع بيا بقا قبل ما حد ياخد باله." قاد مجدداً لنفس المكان الذي أخذه منه، وفتحت باب السيارة استعداداً للخروج والعودة لعنبره. ولكن كانت يده الأسبق بسحبها من داخل السيارة، هاتفا بغضب أهوج:
"إنتي خرجتي إزاي؟ وناوية تهربي تروحي على فين؟ اندهشت من وجود عماد بذلك الوقت تحديداً، وتـلـعـثـمـت حتى خرج وائل من الناحية الأخرى، وعماد يستل سلاحه. فردد بصياح: "إيه يا ابني إنت!! اندهش عندما وجده أمامه، فردد بتعجب: "وائل!!! إيه الحكاية؟ إنت مشغلها جاسوسة لصالحك ولا إيه؟ أومأ وائل، مردداً: "حاجة زي كده." اتقع وجهه، وردد بحدة: "حتى لو… إزاي تخرج من السجن؟ خرجتها إزاي و…" قاطعه وائل وهو يسحبها من بين مخالبه، هاتفا:
"دي تبقا الملازم أول نور البرهومي، شغالة معايا في المكافحة، يعني مش مسجونة ولا حاجة يا عماد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!