الفصل 5 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل الخامس 5 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
19
كلمة
7,102
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

استيقظ ليس على صوت مؤقته، ولكن على رنين هاتفه. نظر لشاشته بنصف عين من كثرة نعاسه، ليجده رئيس المباحث الذي يعمل معه بالسجن. فأجاب بصوت خامل: "خير يا عماد، على الصبح... الساعة معاك كام؟ أجابه الأخير: "خمسة ونص، بس لازم تيجي السجن دلوقتي." اعتدل بجلسته بعد أن استفاق جيداً وردد بدهشة: "في إيه؟ أجابه: "في مسجونة انتحرت والدنيا هنا مقلوبة، والمأمور مش عايز الموضوع يتعرف أو يتعمل فيه تحقيق." ردد سيف بحدة: "ليه؟ إيه السبب؟

مش عايز يعمل تحقيق ليه؟ أجاب عماد بضيق: "أولاً يا سيدي، هي قطعت شرايين إيدها بموس حلاقة، والمأمور بيقول إنه بسبب الإهمال بتاعنا الحاجات دي بتدخل السجن، ولو اتعمل تحقيق إحنا أول ناس سمعتنا حتتلطخ." زفر سيف بضيق وهو يقف من على فراشه يتجه للمرحاض ويستمع لحديث زميله: "وثانياً، المسجونة دي متوصي عليها جامد، والمأمور بنفسه مهتم بيها، وبيقول إن انتحارها حيأثر على القضية بتاعتها، وهو مش عايز كده." أضاف سيف متعجباً:

"هي مين دي؟ ردد عماد بإيجاز: "دارين الشامي." تجمد جسده على الفور بعد أن استمع لاسمها، وشرد لحظات لا يعلم ماذا أصابه، وعلا صوت تنفسه، فجلس على طرف الفراش بتهدل وأنزل الهاتف من على أذنه حتى خرج صوت عماد يردد بقلق: "سيف... سيف، أنت معايا؟ سعل قليلاً ليزيل حشرجة صوته وأجابه بهدوء: "أيوه معاك." عاد عماد يسأله: "طيب، أنت قدامك قد إيه وتيجي عشان المأمور عايزنا بسرعة؟ أجابه: "نص ساعة، أو ساعة إلا ربع، يادوب مسافة السكة."

قبل أن ينهي المكالمة هتف بلهفة: "عماد... لحقتوها؟ أجابه الأخير: "أيوه... هي في الرعاية دلوقتي." شعر بالارتياح وأرجع رأسه للخلف ليسحب أكبر قدر من الهواء، وهو لا يستطيع أن يفسر حالته القلقة، وردد هامساً: "طيب، الحمد لله." ***

استيقظت المسجونات على صوت تلك الصافرة المزعجة، ولكن ليست هي نفسها الصافرة المخصصة لإيقاظهن، ولكنها صافرة الإنذار. فتفزعن جميعاً عندما دلفت السجانات بعصيانهن وبدأن بالقوة بإخراجهن من مضاجعهن واستياقهن لخارج العنابر. وقفن جميعاً بصفوف طويلة منظمة بالساحة المخصصة للتريض، ولا يعلمن ماذا هنالك. فرددت إحدى السجينات تهمس للأخرى التي أمامها: "إيه الحكاية يا أختي؟ أجابتها الأخرى: "شكل الحكاية فيها عواقب." اقتربت إحدى التابعات

للواحظ تهمس هي الأخرى: "هو في إيه يا معلمة؟ زفرت الأخيرة بحنق وهي تردد بتأكيد: "أكيد بسبب مقصوفة الرقبة اللي اتنيلت وانتحرت في العنبر عندنا، ولا الأكيد إن الموضوع مش حيعدي على خير أبداً." *** على جانب آخر، دلف سيف بطلته المهيبة وردد بحزم آمراً أتباعه: "عملتوا اللي قلت عليه؟ أجابت إحدى السجينات: "أيوه يا باشا... كل اللي في العنابر بره واقفين طوابير وإحنا مستنيين أوامركم." نظر لها بغضب وردد بحدة:

"حدخل أدي التمام للمأمور وأرجع لكم." وفور أن دلف مكتب المأمور، هب الأخير واقفاً يهتف بحدة وعصبية: "أهلاً يا سيف باشا... اتفضل شوف المصيبة دي وعرفني حتعمل إيه؟ حيّا بالتحية العسكرية وخرج برفقة رجاله ونباطشيات العنابر والسجانات، وبدأوا جميعاً بدخول العنابر الواحد تلو الآخر، وقاموا بتفتيشهم جميعاً ليخرجوا الكثير والكثير من الأحراز الممنوعة من أسلحة بيضاء لأكياس مخدرة وممنوعات وهواتف محمولة وغيرها.

جمع سيف كل المتعلقات وأمر السجانات بكتابة أسماء أصحاب الأسرّة المدسوس بها تلك الأحراز، وخرج للساحة يقف ممشوق القوام ينظر لهن جميعاً بنظرات غاضبة وحادة، وردد بصوت أجش مخيف: "من النهارده كل التجاوزات والممنوعات اللي بتدخل السجن حتتمسك، واللي حألاقي معاها أي ممنوعات عقابها حيكون عسير، والأحسن لها إنها تتمنى الموت عن اللي حأعمله فيها." زفر بغضب وأردف: "والكلام ده نهائي، بدل ما أكدركم أكتر من كده، ولا يبقى فيه زيارات

(يقصد الأطعمة التي يبعثها ذووهم) ولا حتى كانتين." ثم وجه أنظاره لنباطشيات العنابر يهتف بصيغة آمرة: "كل المساجين يقفوا صف واحد، وقبل ما يدخلوا العنابر يتفتشوا تفتيش ذاتي، ولو واحدة فلتت منكم ولقيت بعد كده أي ممنوعات، أنتم كمان حتتحاسبوا معاهم." ألقى بكلماته على الجميع، وتوجه لمكتبه حتى يعطي السجانات الفرصة لتنفيذ أوامره بتجريد السجينات من ملابسهن استعداداً للتفتيش الذاتي المهين.

جلس على مكتبه يفرد ساعديه بتوتر وهو يكتم أنفاسه، يشعر وبشدة أنه يريد أن يطمئن عليها، ولكن كبرياءه وإنكاره لما يشعر به تجاهها جعله يربط على مقعده حتى دلف رئيس المباحث يهتف بإجهاد: "يوم صعب قوي." رمقه سيف بعيون واجمة وهتف: "خلصت تحقيق؟ يومأ له بتعب وهتف: "محدش من المساجين يعرف حاجة، وكلهم على نفس الكلام، إنها أصلاً ملهاش كلام مع حد، ودائماً لوحدها، ومحدش عارف جابت الموس منين؟ ردد سيف بفضول: "وهي لسه ما فاقتش؟ أجابه:

"لا، فاقت واتحقق معاها هي كمان، بس برضه لا أخدت منها لا حق ولا باطل، فضلت تعيط ومتكلمتش ولا كلمة." زفر بضيق وأردف: "وصحتها كويسة ولا تعبانة؟ نظر له عماد بدهشة وابتسم بخبث وردد: "وأنت مهتم ليه كويسة ولا تعبانة؟ تدارك نفسه على الفور وهتف بضيق: "إيه اللي مهتم ليه؟ عايز أعرف عشان... تلعثم وأخذ يفكر حتى ردد: "عايز أعرف عشان أظبط لها العقاب المناسب عشان تكون عبرة لغيرها، ومحدش يتجرأ يعمل كده تاني." ابتسم عماد وردد بمشاكسة:

"بس كده... ولا في سبب تاني؟ غضبه وحدته فاقت الحد عندما أجابه: "إيه اللي بتقول ده يا بني آدم أنت؟ ما تعقل كلامك كده." حاول عماد تهدئته فردد: "اهدأ يا سيف... أنا بهزر معاك و... قاطعه الأخير بغضب: "لا، ما تهزرش... طالما هزارك أهبل كده يبقى ما تهزرش، لأن لو حد سمعك في لمح البصر حتلاقي مابقاش سيرة في السجن كله غير هزارك البايخ ده." يومأ عماد بتفهم، فهو محق بما قاله، ووقف ليستأذن ويذهب لمكتبه. وجلس سيف واجماً يردد في نفسه:

"أنا مالي؟ عامل عليها كده ليه؟ اتخذ بالأخير قراره واتجه للرعاية. وهناك وقف قبالتها ونظر لها نظرات غاضبة وهتف بصوت حاد: "أنتِ... اصحي." فتحت عينيها بتباطؤ ونظرت له، والحزن يخيم على وجهها. فردد بطريقة فجة: "شغل الاستعباط ده مش حيدخل عليا، اتعدلي وأنا بكلمك بدل ما أعدلك أنا." اعتدلت بجلستها تشعر بالإهانة، ولكن الأمر برمته قد خرج عن سيطرتها بعد أن استسلمت لشيطانها. وانتظرت أن يكمل حديثه، فهتف بقسوة:

"أنا حأسأل وأنتِ حتجاوبي من غير عياط ونحنة، وإلا أقسم بالله ما حتشوف النور وحتفضل في التأديب لحد ما تعفني هناك، فاهمة ولا لأ؟ بللت شفتيها بطرف لسانها حتى تستطيع التحدث، ولكن صوتها اختنق من كثرة الحزن. فنظر لها وشعر تجاهها بالشفقة، ولكن سرعان ما ألقى بمشاعره خلف ظهره ووقف قبالتها بصرامة يهتف: "جبتي منين الشفرة اللي قطعتي بيها شرايينك؟ رددت بخفوت: "لقيتها في الحمام." قوس فمه بضيق وردد بحدة: "يعني متعرفيش بتاعة مين؟

يومأت رافضة، فصاح بها: "مش عايز استعباط... انطقي وقولي مين في العنبر اللي مسؤولة تدخل الممنوعات؟ أجابته بصوت رقيق: "معرفش... أنا مليش تعامل مع حد أصلاً." يعلم أنها لا تكذب بشأن ابتعادها عن السجينات الأخريات، ولكن أصر أن يضغط عليها أكثر، فردد مهدداً: "ما أنتي لو قولتلي مين، ساعتها العقوبة حتقسم بينكم، ولكن لو سكتي حتشيليها لوحدك، وأي غلط بتعمليه بيتحط في ملفك ومش بيكون في صالح قضيتك." ابتسمت نصف

ابتسامة حزينة تهتف ببكاء: "مابقتش فارقة." استسلامها بهذا الشكل زرع الخوف بقلبه من أن تسخى بنفسها وتعيد محاولة الانتحار، فردد بمهادنة: "لو بريئة زي ما بتقولي، فاكيد ربنا حيظهر برائتك، بس لما تغضبيه وتحاولي تموتي نفسك، وده حرام، تفتكري ربنا يقف جنبك ليه؟ سحب مقعداً خشبياً واقترب من فراشها وجلس مقرباً وجهه منها، وردد بتأكيد ودعم: "أي حاجة تحتاجيها قوليلي عليها وأنا أعملهالك."

شعر بنفسه قد خرج عن طور المقبول عندما أعاد على مسامعه ما ألقاه من كلمات منذ برهة، فحاول تصحيح خطأه ليهتف: "أصل المأمور موصيني عليكي وطلب مني كمان إن التحقيق ما يكونش رسمي عشان ما يأثرش على قضيتك." ابتلع لعابه بتوتر وهتف متسائلاً: "جلستك الأسبوع اللي جاي مش كده؟ يومأت موافقة، فردد بهدوء مثير: "أنا مضطر أحطك في التأديب عشان الغلطة دي مش ممكن تعدي من غير عقاب." أطرقت رأسها بأسف. فهمس لها يسألها: "أنتِ بتصلي ولا لأ؟

أجابته بخجل: "مش منتظمة... ساعات وساعات." ابتسم لها بهدوء وردد: "طيب حاولي تقربي من ربنا أكتر من كده وصلي عشان يغفر لك زلتك دي، لأن قتل النفس من الكبائر." شعرت بالحرج من حديثه معها، فبكت ووضعت وجهها داخل راحتيها تبكي بندم على انسلال الأمور من بين يديها. فربت على ظهرها وهتف: "ربنا بيسامح، بس لازم الندم والتوبة يبقوا من قلبك، مش رسم وتمثيل." رفعت وجهها الباكي تنظر له بندم وامتنان، وهتفت برقة: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي؟

وقف من مكانه وهو يبتسم وردد: "أوعي بس تدعي عليّ لما تروحي التأديب." حركت رأسها رافضة حديثه وهي تبتسم بامتنان، وكأن عقابه لها هو خلاصها من العذاب. ***

تحركت عائلتها بمساعدة سعد الدين المحامي في أكثر من اتجاه بسبب اقتراب موعد محاكمتها، وكان لابد من إظهار أي أدلة تسمح لهم بإعادة فتح التحقيق لإظهار الحقيقة، وذلك بسبب وجود أدلة قاطعة تقتضي بأنها مذنب، ألا وهي بصمات يدها على وجه المجني عليها، وأيضاً بقايا من الحمض النووي لدارين أسفل أظافر الضحية كدليل على معافرة المجني عليها. وهناك شهادة حارس الفيلا موقع الجريمة، ومعها شهادة زوج المجني عليها واتهامه لها.

اتجه هشام للبناية التي قطنت بها ابنته بالفترة الوجيزة التي تزوجت بها حتى يستعين بحارس العقار أو حتى بالسكان كشهود على سكنها هناك. تردد أكرم عليها ومعرفتهم بأنها زوجته عندما عجز عن إيجاد أي حل لعقد الزواج المزود. دلف العقار ووقف يتحدث مع حارسه يطلب منه برجاء: "أنت عارف بنتي اللي كانت ساكنة في الدور الرابع؟ أجابه الحارس بغلاظة: "محدش ساكن في الرابع غير الأستاذ حازم ومراته." رمقه هشام بنظرات مدهوشة وردد بصياح:

"أنت بتقول إيه يا بني آدم؟ ده أنت طلعت معانا العفش لحد الشقة، أنت حتستهبل ولا الندل قبضك!! تعلق بتلابيبه يهزه بعنف، فدفعه الحارس بقوة وردد باستنجاد: "الحقوني يا ناس... الراجل المجنون ده بيهاجم عليّا." التف حولهما السكان، وعندما علموا بالأمر، أقر البعض بعدم معرفتهم بها، وذلك لاتساع العقار وكثرة عدد الشقق به، حتى صدح صوت إحداهن: "أيوه أنا أعرفها...

كنا دايماً بنتقابل في الأسانسير الصبح وأنا رايحة الشغل، بتركب من الدور الرابع." تعلق هشام بها كالقشة التي تنقذ الغريق، وهتف بتوسل: "طيب تشهدي بالكلام ده؟ أنا بنتي واقعة في مصيبة ومش لاقية حل." أجابته بتأكيد: "أشهد طبعاً، أنا تحت أمرك." صاح الحارس بحدة: "يا ست هانم، مفيش هنا ساكنة بالاسم ده، والرابع مفيهوش ساكنة." هتفت بحدة: "لا، في الشقة اللي بتتأجر." نظرت لهشام تؤكد دعمها له:

"متقلقش يا أستاذ، أنا حأشهد معاك، ولو عايز اسم صاحب الشقة كمان اللي بنتك كانت مأجراها منه، فأنا عارفاه لأن مراته صاحبتي." توتر الحارس، فاقترب هشام منه وأخرج حفنة من المال ووضعها بيده وهتف بغضب: "أنا عارف إنه دافع لك عشان تقول الكلام ده، بس مادفعلكش عشان تبلغه إني لقيت حد يشهد، ولو حبيت تشهد قول دفعلك كام وأنا هديلك زيه." نظر الحارس للنقود بلهفة وسحبها على الفور يهتف بإطراء: "من يد من عدم... عاش يا بيه...

والله يا بيه أنا عبد المأمور." يومأ له هشام وردد: "تمام، يبقى تيجي تشهد، واللي حتطلبه حتاخده، وأنا مش طالب منك شهادة زور لا سمح الله، أنا طالب شهادة الحق، وحأديك دول دلوقتي وزيهم كمان بعد ما تشهد... مرضي كده يا با؟ ابتسم له بحبور وهتف: "ده كده رضا وعال أوي، وربنا يقدرنا على فعل الخير."

تحرك جمال هو الآخر برفقة أصدقائه بالعمل من أجل أن يتقصوا الحقائق أكثر عن أكرم ونشأته وحياته، فذهب لمسقط رأسه بتلك الحارة الصغيرة والضيقة والتي يعيش بها أناس شعبيين بسطاء. بعد السؤال عنه علم بأن أبويه على قيد الحياة، عكس ما أشاع بأنهما متوفيين. فصعد جمال لمنزلهما واستأذن بلباقة، فرحب به الأب واستضافه بمنزله المتواضع والمكون من غرفة واحدة وصالة ضيقة. جلس جمال يسأل ويتقصى عنه، فردد الأب:

"هو أنت يا بني متآخذنيش بتسأل على أكرم ليه؟ فردد جمال بحرج: "بصراحة يا حاج، أصله متجوز أختي بس... قاطعته الأم وهي تضرب بكفها على صدرها: "هو اتجوز على مراته بنت الناس الأكابر دول؟ ابتلع جمال لعابه، لهذه الدرجة هو غير متواصل معهما، فلا يعلمان حتى بوفاة زوجته، أو بالأحرى بمقتلها. فهتف: "هو اتجوزها على مراته، وبعدين مراته ماتت يا حاجة من كام شهر دلوقتي... عادت تقاطعه بحزن: "ماتت؟ وما قالش؟ ليه كده يا ابني؟

طيب كنت بعيد عننا عشان كانت أوامر مراتك! إنما دلوقتي حجتك إيه بس؟ صاح بها الأب بغضب يهتف بتوبيخ: "بس بقى يا ولية... أنتي فاكرة إن ابنك كان مستني الهانم مراته تمنعه عنا؟ هو اللي ما صدق واستغنى، وبقى بيستعر مننا كمان... نسي إن أنا اللي كبرت وعلمت لحد ما وصلته للي هو فيه، وإن لولا شغلانة الفراشة اللي مكسوف منها دي، لا كان اتعلم ولا خد شهادات." مسح عبراته بظهر يده وردد بتضرع: "لله الأمر من قبل ومن بعد...

فوضت أمري إليك يا رب." سمع جمال ما يكفيه ليعلم أنهم يتعاملون مع شخص كاذب ومحنك بالتمثيل والتلاعب بالآخرين. فاقد عقله يعمل كالحاسوب حتى يفكر بكيفية استخدام ما علمه اليوم بالقضية. فقرر الذهاب لسعد الدين المحامي. ***

أما سعد الدين، فكانت طرقه مغايرة وأكثر حرفية ودهاء. فهو ذهب لأحد رفاقه ممن يعملون بالنيابة، وبالاتفاق مع محقق المباحث، ذهب معهما لمسرح الجريمة وطلب بإحضار تسجيلات كاميرات المراقبة ليبدأ بتمثيل الواقعة والأحداث كما قصتها عليه دارين بالضبط، مع دمجها بتقارير المعمل الجنائي وأيضاً شهادة الشهود الصحيحة منها والباطله أيضاً. تعجب رئيس النيابة من رغبته بتقفي الحقائق خلف الشهادات الموجهة بحق موكلته، فردد بفضول:

"حتستفيد إيه يا سعد من أقوال شهود الضد؟ ابتسم له بمكر وأجابه بحنكة: "لأن أي كذبة هي في الأساس مبنية بقلم أسماء عادل على حقيقة، يعني من الآخر، في أي أقوال من اللي قدامك واللي تبان إن كلها بتتهم موكلتي، حتلاقي في النص حقايق نقدر نطلعها من وسط الكذب، وساعتها لما نجمع كل الحقايق دي حنوصل مش بس للبراءة، ده إحنا ممكن نوصل للجانب كمان يا باشا."

ابتسم له رفاقه وبدأ بتمثيل الواقعة بعد أن راجع كل التسجيلات، وجلس يشرح باستفاضة وكأنه استرجاع لأحداث الماضي. **فلاش باك** دَلفت دارين من أبواب الفيلا التي تقطن بها جيهان، وفور دخولها وقفت جيهان تنظر لها بنظرات نارية غاضبة. فرددت دارين بأدب: "جيهان هانم... إزيك حضرتك؟ نظرت لها الأخيرة بازدراء ورددت بتكبر: "طيب كويس والله إنك عارفة إن أنا هانم." ابتلعت دارين تلك الإهانة بصعوبة وكتمت غيظها وهتفت باحترام:

"حضرتك بعتيني... خير؟ جلست جيهان على الأريكة واضعة قدماً فوق الأخرى تهزها بطريقة مبتذلة، وهي تفتح علبة سجائرها تشعل إحداها وتزفر دخانها بغضب وتهتف: "أنا عارفة اللي بينك وبين أكرم." حاولت دارين التحدث، ولكن الأخيرة لم تمهلها الفرصة. فوقفت سريعاً واقتربت منها حتى أصبحت أنفاسهما مختلطة، تنظر بداخل عينيها بتدقيق وتردد:

"أنا عارفة و موافقة كمان، بس عندي شرط ليكوا انتوا الاتنين عشان أفضل معاشياكم في العز والنعيم اللي انتو فيه ده؟ ابتلعت لعابها بضيق ورددت بحدة: "محدش منا طمعان في فلوسك يا هانم." ضحكت ضحكة عالية ساخرة وعادت تهتف: "لا بجد؟ طيب بصي يا أمورة عشان ننهي الحوار ده، لازم تعرفي إن مفيش حاجة من اللي حصلت بينكم كانت ممكن تحصل من غير علمي وموافقتي، يعني أنا عارفة من أول يوم جواز، والأكثر من كده أنا عارفة من قبل ما أبوكي يوافق."

لمعت عينيها بالدهشة من حديثها. هل فعلاً تعلم بالأمر برمته من البداية أم تكذب حتى تدخل إلى قلبها الشك من ناحية زوجها؟ ولكنها وقفت متصنمة دون إظهار أي تعبير، وهي تستمع لـ جيهان، ولكنها من داخلها أعطتها الحق في غضبها. فبالنهاية هي الخاطئة بحقها عندما سرقت زوجها منها، وعذرها الوحيد أنه عندما طرق الحب بابها، تغيب عقلها عن احتساب الأمور ووضعها بنصابها الصحيح. رددت جيهان تؤكد حديثها:

"أنا معنديش مانع تفضلوا زي ما أنتم، بس أنا عندي شرط زي ما قلت." أجابته دارين بضيق: "أظن الشروط اللي انتي عايزاها تقدري تتناقشي فيها مع أكرم مش معايا أنا، لأن مش دخل في اللي بينكم." احتدمت نبرتها قليلاً وهي تهدر بها: "لا، ليكِ دخل... وأنتِ الأساس، لأنك لو ما كنتيش لعبتي عليه مكانش عمل كده."

لم تحاول أن تصلح ما قالته بأنه هو من اقترب منها وأفشى لها عن مكنونات قلبه، بل وأصر على الزواج منها بالرغم من رفض عائلتها له. فبالنهاية هي امرأة مجروحة ومعها الحق في أخذها لذلك الموقف العدائي. فأثرت على الصمت والاستماع لما لديها حتى تشعرها أنها ثأرت لنفسها، ولو قليلاً. فأكملت جيهان: "ح تسمعي ولا ح تفضلي تقاطعيني؟ يومأت بنعم، فاستطردت الأخيرة:

"الحمل الجاي حيتكتب باسمي لإظهار حسن النية منكم انتوا الاتنين، وبعد كده اشبعوا ببعض." تقمص وجه دارين من فجاعة ما سمعته، فصرخت بها غير مهتمة لا بعملها ولا بأي شيء آخر، وصفعتها بحدة على وجهها مخلفة علامات وآثار لكف يدها مطبوع على وجهها: "إيه التخريف اللي بتقوليه ده؟ إزاي عقلك يصورلك إني ممكن أقبل بحاجة زي كده؟ أنتِ أكيد مجنونة."

ارتدت للوراء من قوة الصفعة، فوضعت يدها عليها تتحس بشرتها، وعادت تقترب منها بخطوات بطيئة، وهتفت وهي تغرز أظافرها بذراع دارين متحدثة بهدوء مستفز وكأن شيئاً لم يكن: "مفيش قدامك غير إنك تقبلي، لأن لو رفضتي العلاقة دي حتنتهي." تهتم لكلامها ورددت بثقة: "اعملي اللي تقدري عليه، لأن اللي بيني وبين أكرم جواز مش علاقة ممكن تنتهي." ضحكت الأولى بسخرية هازئة منها ورددت بتأكيد: "أنتِ واثقة في كلامك ده؟

على العموم حنشوف، والكلام حيكون قدامك عشان متفكريش إني بضحك عليكي." أمسكت هاتفها المحمول وهاتفت زوجها، وفور أن أجاب أخبرته بنبرة حازمة: "سيب كل اللي في إيدك وتعالى فوراً عشان الظاهر إن الهانم مش فاهمة هي بتتعامل مع مين." أجابها بتعجب: "هانم مين؟ أنتِ بتتكلمي عن إيه يا جيجي؟ أجابته بإيجاز وتهكم: "مراتك هنا، وأنا بلغتها باتفاقنا ورفضته، فتعالى عشان تنفذ اللي أنا وأنت اتفقنا عليه." صدح صوته الصارخ يوبخها بحدة:

"أنتِ اتجننتي؟ ما أنا قايلك إنها مستحيل تقبل، وجاية دلوقتي تطلبي ده منها بعد ما قتلت ابني بإيدي؟ أنتِ مجنونة! رددت بلامبالاة: "تعالى عشان تنهي الموضوع ده قدامي أحسن ما أنهيه أنا بنهاية متعجبكش، أنت بقالك فترة بتماطل وأنا خلاص جبت آخري."

مضطراً وافقها وأغلق معها. فنظرت لتلك الواقفة تشعر بألم في رأسها يهتك كيانها، ولكنها ظلت تردد بداخلها أنه لا يمكن أن يفعل بها السوء، فهو يعشقها وكل أفعاله وتصرفاته تؤيد ذلك. وظلت تقنع نفسها أنها فقط تتلاعب بها حتى توقع بينهما. فانتفضت في وقفتها ونظرت لها بنظرات حادة وهتفت باعتراض: "أنا مش حستنى هنا ولا ثانية واحدة وحأمشي حالا." أوقفتها جيهان تردد: "إيه؟ خوفتي أحسن يكون كلامي بجد؟ حركت رأسها رافضة بثقة وشموخ ورددت:

"ولا ألف زيك يقدروا يهزوني ويهزوا الثقة اللي بيني وبين أكرم." ابتسمت الأولى بخبث وتشفي ورددت: "واضح إنه لعب عليكي صح! بس كلها ربع ساعة ويكون هنا، أنا كمان كنت زيك في الأول... لعب عليا صح ودخل بالحب والأحلام واللباقة لحد ما حبيته وأجبرت أبويا إنه يوافق عليه مع إنه كحيان، بس هو معرفش يضحك عليّا كتير وكشفته بدري." قوست فمها بضيق ورددت تتسائل بحيرة: "ولما اكتشفتي إنه وحش أوي كده كملتي معاه ليه؟

وليه دلوقتي بتحاربي عشان تحتفظي بيه؟ أجابتها بصياح صارخ: "عشان هو جوزي أنا... وأنا أحق بيه منك، ومش معنى إني طلعت عاقر إنه يسيبني ويجري يلعب على واحدة تانية وأبقى أنا كده خلاص محطة وانتهت من حياتها." اقتربت منها قاصدة خنقها وظلت تضيق الخناق على رقبة دارين حتى تركت علامات زرقاء على عنقها، والأخيرة تدفعها محاولة التملص منها. وفور أن استطاعت أن تنسل من بين يديها، هرعت للخارج وهي تصرخ:

"وأنا مش حستنى ولا ربع دقيقة، ولو كلامك صح قوليله إنها في بيت أهلي، ولو فعلاً عايز يطلقني يبقى يجيلي هناك من مطرح ما أخدني." خرجت من باب الفيلا بسرعة تلهث بعنف محاولة استجماع أنفاسها الخاطفة. فلمحها حارس العقار وهي على هذا الحال، وظل جسدها يشتعل حرفياً من كثرة المشاعر المختلطة والمتضاربة التي تشعر بها، ومعهم خوفها الشديد، ليس فقط من تلميحات تلك المجنونة، بل وما إن كانت محقة فيما قالته. ***

بعد أن أنهى سعد الدين تمثيل الحوار القائم بين دارين والمجني عليها، وقارن كاميرات المراقبة وموعد دخولها وخروجها من الفيلا، وجد أنه بالفعل قد قصت له كل ما حدث بدقة. فردد:

"أينعم وقت الوفاة مقارب جداً لوقت وجودها في الفيلا، والنيابة والمباحث استندوا على اتهامهم بأنها آخر واحدة كانت معاها، وبصمات إيدها على وشها، وبواقي جلدها تحت ضوافر المجني عليها، بس دي كلها مش أدلة كافية للإدانة، لأن جوزها وصل زي ما أنتم شايفين في الكاميرات بعد عشر دقايق من خروج دارين." قاطعه محقق المباحث يهتف: "أيوه، جوزها اتصل بالبوليس وبلغ أول ما دخل إنه لقاها ميتة." ابتسم سعد الدين بمكر وردد:

"طيب شوف وقت اتصاله وشوف وقت دخوله، في فجوة زمنية بينهم حوالي 27 دقيقة كاملين... يعني في حدود نص ساعة." رد على حديثه يشرح: "عادي، ممكن يكون دخل مشفهاش، وممكن يكون طلع لفوق الأول يدور عليها أو يغير هدومه مثلاً." يومأ رأسه بتفهم، فعاد يستطرد: "وحنفترض إن كلامك مظبوط وإنه دخل مشفهاش، مع إن زاوية الباب يقدر منها يشوف موقع الجثة بكل وضوح." لمعت عين كل من المحقق ومسؤول النيابة، فعاد يستطرد:

"وحتى لو فرضنا إنه مشفهاش، أقواله في التحقيق بتقول إنه أول ما دخل لقاها مرمية على الأرض، يعني مقالش إنه غير هدومه أو عمل أي نشاط قبل ما يبلغ." حركا رأسهما بتفهم، فاكمل سعد الدين: "ده بقى بيدل إنه دخل واتكلم مع المجني عليها فترة لا تقل عن ربع ساعة، وبعدها قتله." ردد المحقق: "ده أنت مش بس بتشيل التهمة عن موكلتك... ده أنت كمان بتحطها عليها." يداه بحسم يهتف: "بالظبط، ودليلي حيبهرك يا حضرة الظابط." ردد بإيجاز: "إيه دليلك؟

أجابه: "البلاغ نفسه هو دليلي يا فندم... الأستاذ أكرم اتصل وبلغ البوليس بجريمة قتل، وحقّرالك أقواله اللي اتسجلت في التليفون، ومعاها كمان أقواله أول ما جت القوة بتاعة البوليس هنا، قال في التليفون (أنا دخلت البيت لقيت مراتي مقتولة ومرمية على الأرض) أنهى قراءته ونظر لهما وهما ينتظران بحماس لما لديه، فهتف: "أنا أهو راجل داخل بيتي لقيت مراتي واقعة على الأرض، ولا في دم ولا سلاح جريمة، إزاي حييجي في بالي إنها مقتولة؟

نظر للمحقق وسأله: "لو حضرتك مكانه، أول حاجة حتيجي في بالك إيه؟ ردد المحقق بعد أن فهم ما يرمي إليه: "ح أجري عليها أشوفها مالها." قاطعه بتأكيد: "بالظبط... وخصوصاً إنه المفروض مش حد محترف عشان من النظرة الأولى يعرف إنها ميتة... حييحسب إنها مغمى عليها مثلاً." ردد مسؤول النيابة: "طيب ما ممكن الوقت اللي قضاه قبل اتصاله بالبوليس كان بيحاول يفوقها مثلاً." صمت سعد الدين يفكر، ثم مَثّل أمامها موضع المجني عليها وعاد يستطرد:

"طيب أنا لقيت مراتي مرمية ودخلت اتخضيت وحاولت أفوقها مفاقتش، وبعدها اتأكدت إنها ميتة، فـ أنا بقى حأقدر أعرف منين إنها مقتولة؟ ما ممكن تكون سكتة قلبية أو حتى دخت ووقعت اتخبطت في أي حاجة وماتت، ليه أقريت إنها مقتولة؟ أجابه محقق المباحث بتأكيد: "عشان هو اللي عارف إنها مقتولة." ابتسم سعد الدين وردد: "بالظبط." يومأ له المحقق بإعجاب وردد: "دماغك حلوة جداً... خسارة إنك مش شغال في المباحث." أجابه رفيقه:

"هو في مكانه أفيد ودماغه سم، بيعرف يجيب التايهة." ردد سعد الدين: "أكرم استغل الجواز المزيف اللي بينه وبين موكلتي إنها تثق فيه، ومن هنا اتعامل معاها عشان يخليها تثق فيه، وبعتلها المحامي اللي ورطها أكتر في القضية، واللّيلة دي كلها مفيهاش شهود عليها غير كلمته وشهادة البواب عليها وبس." يومأ محقق المباحث بتفهم وردد:

"لو بنيت دفاعك على كده، ممكن جداً القاضي يعيد التحقيق في القضية، ومش بعيد النيابة ساعتها تطالب بالتحفظ عليه! أجابه سعد الدين: "وهو ده بالظبط اللي أنا عايزه." *** ظلت داخل محبسها الانفرادي تبكي وتصلي تتضرع إلى ربها لغفران ذلتها التي فعلتها وهي بحالة ضعف واستسلام، فبكت بقهرة وهي تحدث نفسها: "يا رب سامحني...

لحظة ضعف وعمرها ما حتتكرر تاني، أنا غلطت غلطة واحدة في حياتي وهي إني آمنت لواحد زي ده وحبيته واتجوزته وهو متجوز... بس أنا مخالفتش شرع ربنا، هو اللي ضحك عليّا ولازم ياخد جزاته." جلست تتربع بجسدها تنظر ليدها التي تتعافى من ذلتها، حتى جاءت الممرضة المسؤولة عن تعقيم وتضميد الجرح المبتور بساعدها. أمسكت راحتها تقص الشاش القديم وتضع غيره، فتأوهت دارين قليلاً متألمة. فرددت الممرضة بتهكم صريح: "بيوجعك دلوقتي...

ومتوجعتيش ساعة ما حاولتِ تنتحري؟ نظرت لها بازدراء وهتفت: "المرة الجاية لما تحبي تموتي نفسك ابقي اقطعي شرايينك بالطول مش بالعرض، كده مستحيل حد يلحقك، إنما اللي بالعرض ده بتاع العيال الهايفة اللي بتهدد وبس." نظرت لها بحيرة، فكيف لملاك الرحمة أن تقول لها تلك الأمور، وربما جهل بعض الناس بتلك المعلومة قد ينقذ حياتهم، فما الداعي لإخبارها بطريقة الانتحار الصحيحة؟ فشعرت بغرابة، والأخيرة تكمل:

"سبتي الدنيا كلها ورحتي تحبي واحد متجوز، خلااااص من قلة الرجالة! رددت بدهشة: "وأنتِ إيه اللي عرفك بالحكاية دي؟ ابتسمت بمكر وأجابت: "أنا مرسال من أكرم بيه... بيقولك يا ريت المرة الجاية تموتي نفسك بجد وتخلصينا منك خالص، ولو فكرتي تفتحي الموضوع دياه تاني مرة، فزي ما عرف يوصلك الرسالة دي حيعرف يوصلك الجحيم وأنتِ في مكانك هنا."

أتمت جملتها وخرجت من الزنزانة، ودارين مدهوشة مما سمعته. فكيف استطاع خداعها كل ذلك الوقت بقناع الحب والبراءة؟ والأكثر من ذلك، كيف استطاع أن يدس من يكن عين عليها ليخبره بتفاصيلها، والتي علمت من معاون السجن أنه لم يتم عمل محضر بمحاولة الانتحار حتى لا يضاف لملفها، وذلك طلباً من مأمور السجن إكراماً لمحاميها. ***

خرج من منزله، فاليوم عطلة الجمعة، وكما وعد أخته بأن يقابلها ببيت العائلة. وفور دخوله وجدها تحمل صغيرها الذي يشبهها كثيراً، فابتسم بحب واحتضنهما سوياً، لتصدح زغاريط والدتهما تهتف بفرحة: "الحمد لله يا رب... ألف حمد وألف شكر على نعمتك، أنا كنت خايفة أموت قبل ما تتصلوا." انحنى يقبل كفها وهو يردد: "بعد الشر عليكي يا ست الكل."

جلس يداعب الصغير والذي أخذ يلعب معه، حتى سمعت منار قهقهاته التي افتقدتها لسنوات، فشعرت بالفرحة تغمر قلبها، وأخيراً عادا الشقيقان كسابق عهدهما، وأخذت تتضرع للمولى أن يتخطى موت غاليتيه ويبدأ بالبحث عن شريكة لحياته. جلست بجواره تربت على كتفه بفرحة وبهجة، وأخذت قرارها بفتح ذلك الحوار المؤجل معه. فرددت: "عارف هايدي بنت خالتك؟ ابتسم بسخرية وهتف ممازحاً: "لا يا أمي معرفهاش." هدرت بحدة: "أنا بتكلم جد يا سيف."

أجابها والبسمة تعلو ثغره: "طيب أرد أقول إيه... أيوه يا حبيبتي عارف بنت خالي، مالها بقى؟ أجابت بإيجاز: "اتطلقت." حرك رأسه بحزن مصطنع وهتف: "لا حول الله يا رب." ثم ضحك عالياً وهو ينظر لأبيه وردد: "منا عارف يا جدعان، هو فيه إيه؟ ما هي مطلقة من سنة، إيه الجديد بقى؟ ردد والده باستخفاف: "ما هي أمك مش حترتاح غير لما تجوزك، ولا أنت مش عارف!

لا يعلم ما حدث فور أن استمع لتلك الكلمات البسيطة الخارجة من فم والده، لتأتي هي في مخيلته على الفور بشعرها الغجري، فتعلو دقات قلبه والتي لا يستطيع أن يجد لها تفسيراً. قوس فمه بعد أن طال الصمت واعتذر منهم ووقف مكانه وهتف: "طيب أنا حروح البيت بقى يا جماعة عشان الشغل بكرة، يلا تصبحوا على خير." حاولت والدته تنحيته عن الذهاب، ولكن قبلها من رأسها واتجه للخارج. فوجد نفسه يتصل بنباطشية الحبس الانفرادي ليطمئن عليها،

ليردد فور أن أجابت: "قوليلي المسجونة اللي في التأديب أخبارها إيه؟ أجابته بفضول: "أنهي فيهم يا باشا؟ ابتلع لعابه وردد: "دارين الشامي." أجابته عطيات بتلقائية: "والله يا باشا باينها عندها حمى ونايمة عمالة تخترف، والدكتور جه كشف عليها من شوية وقال من الجرح اللي في إيديها." على الفور شعر بغصة تؤلم صدره وصرخ بها: "وما خرجتيهاش تروح الرعاية ليه؟ أجابته بتخوف: "وهو أنا في إيدي حاجة يا باشا؟ أهي كلها أوامرك." صاح بحدة غاضبة:

"خرجيها حالا وديها الرعاية يا بني آدمة وأنا جاي حالا." أغلقت معه وبدأت بتنفيذ أوامره وهي تهتف بداخلها: "إيه الحكاية؟ من امتى سيف باشا قلبه على المساجين كده؟ والله أنا قلبي حاسس إن في حاجة كبيرة أوي... هي إيه؟ الله أعلم." ثم حركت رأسها بطريقة سوقية وهي تضرب كفها بالآخر تهتف بنزق: "بكرة نقعد جنب الحيطة ونسمع الزيطة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...