الفصل 6 | من 46 فصل

رواية سجينتي الحسناء الفصل السادس 6 - بقلم أسماء عادل

المشاهدات
21
كلمة
7,403
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

الشئ المؤسف والمحزن في الخيانة، أنها لا تأتي أبدًا من أعدائنا. ارتفعت درجة حرارتها أكثر وأكثر، وعندما دلفت عطيات تتحسس بشرتها، ذهلت من تلك الحرارة العالية. فقامت على الفور بتبليغ الطبيب الموجود بالرعاية، وأخبرته بأوامر المعاون بنقلها للرعاية. وهناك نظر للجرح بيدها فوجده ملتهبًا بشكل لا يصدق، وكأن هناك من وضع عليه مواد حارقة حتى يلتهب بهذا الشكل.

أما هي، فكانت في عالم آخر تهذي وتهلوس، ووجهها يتصبب عرقًا، وبدنها يرتعش وينتفض من الحمى. دلف سيف من أبواب السجن بسيارته المسرعة، وبغير أوقات العمل الرسمية، ليتعجب الحراس والعاملون لوجوده بتلك الساعة المتأخرة. دلف بلهفة ظاهرة للعيان، وكأنه تخلى عن حذره وحيطته، أو بالاحرى لم يعد يدرك ما هو بفاعل. وشعر بالألم من حالتها. والممرضات تقف بجوارها وتضعن أكياس الثلج على جسدها الذي ينتفض بقوة. فردد بحدة: "إيه اللي حصل؟

كانت كويسة امبارح؟ نظر له الطبيب بتعجب وأردف: "أبدًا يا فندم… بس واضح إن الجرح اتلوث و…." قاطعه صارخًا: "من إيه؟ لم يأتيه الرد، حيث قطع حديثه فور أن استمع لهمهماتها المريضة والمهلوسة وهي تردد بصوت متعب: "آآآه…. ليه كده يا أكرم؟ شعر بطعنة حادة تضرب صدره، فأفاق من حالته للحظات، ووقف معتدلاً يهتف بجدية مصطنعة: "الجرح ده اتلوث إزاي يا دكتور؟ مش المفروض فيه متابعة من حضرتك عليه؟ أجابه الطبيب:

"أنا عملت اللي عليا يا سيف باشا، وبعتلها الممرضة تغير لها عليه وهي في التأديب، بس…" صمت قليلاً يحتسب عواقب حديثه وأكمل: "مكانش المفروض إنها تتحط في التأديب وهي لسه تعبانة وعندها جلسة الأسبوع ده في المحكمة، لكن حضرتك…" صمت على الفور لحظة أن رأى عينه المحتقنة بالغضب ونظراته النارية، فاطرق رأسه لأسفل بخزي. فقطعت حديثهما هذيانها مرة أخرى بصوت متقطع: "بابا….. خرجني من هنا."

صوتها الضعيف ألقى الألم بداخله، فاقترب منها وتحسس بشرتها المحمومة بحركة تلقائية أثارت دهشة الواقفين يشاهدون ذلك الصارم والقاسي، ولأول مرة يهتم لأمر سجينة بهذا الشكل. انحنى يقترب من أذنها وهتف بصوت هادئ: "متخافيش….. هتخرجي إن شاء الله." ليقف يهندم ملابسه ويخرج بعد أن اطمأن عليها، مقرراً أن يساهم ولو بالقليل في إظهار براءتها الأكيدة. ***

في زيارة غير متوقعة لمكتبه، دلف سيف بعزة ووقار وجلس على المقعد المقابل لمكتبه. فوقف سعد الدين واستدار حول المكتب ليجلس أمامه احترامًا لمقامه العالي وهيبته المعروفة. انحنى للأمام قليلاً يستند على فخذيه وردد بفضول: "منور يا سيف باشا…. بس إيه سبب الزيارة المفاجئة؟ أجابه سيف بعد أن أشعل سيجارته ليزيل توتره وهتف بقوة: "هسألك سؤال واحد وعايز إجابة واضحة من غير تلاعب المحامين بالكلام اللي أنت عارفه."

ابتسم سعد الدين وأومأ منتظرًا سؤاله، فهتف: "دارين الشامي.. بريئة ولا مذنب؟ راوغ سعد الدين قليلاً وهتف: "هتفرق معاك يا باشا؟ نفرت عروق عنقه وانتفخت أنفه بحدة وردد بصوت غاضب: "مش أنا لسه قايل لك بلاش الطريقة دي؟ أجابه على الفور: "بريئة يا سيف باشا…. وذنبها الوحيد إنها وثقت في بني آدم داهية وملوش كتالوج وبيلاعب البيضة والحجرة." تَصَنَّم مكانه ونظر له بتحديق، وركز سمعه له وهو يأمره بصيغة حادة:

"لا…. واحدة واحدة عليا وفهمني كل حاجة بالتفصيل." رمقه سعد الدين بنظرات فاحصة وفضولية ليهتف: "وبعد ما تعرف القصة من أولها لآخرها يا باشا….." قاطعه سيف بتأكيد: "هساعدك عشان نظهر براءتها." *** في زيارة استثنائية دبرها سيف بعد أن علم بوقائع الأمور وقرر مساعدتها، وهو يثور من داخله كالبركان الغاضب من فكرة التلاعب بفتاة مثلها باسم الحب.

جلس كل من والدها وأخيها، وبالطبع محاميها، بمكتب سيف قبيل موعد المحاكمة حتى يتحدثوا معها بأمر المرافعة القادمة. ذهب بنفسه للرعاية حتى يطمئن عليها ويحضرها لمكتبه، فوجدها تجلس متربعة بفراشها الطبي رافضة تلقي أي علاجات أو حتى محاولتهن تضميد جرحها. أقبل عليها بجسده ونظر حوله ليجد الرعاية الصحية شبه ممتلئة بالممرضات والمرضات والأطباء والطبيبات، فاتخذ حذره قليلاً وهتف بصيغة قوية: "تعالي معايا يا مسجونة."

رفعت وجهها تنظر له بتألم وأنزلت قدماها بانكسار ووقفت قبالته وهتفت بصوت مبحوح: "كفاية كده يا سيف باشا…. أنا اتبهدلت أوي في الشهرين دول، أرجوك كفاية." توسلها له بذلك الشكل أوجعه كثيرًا، ظنًا منها أنه سيرسلها للحبس الانفرادي مرة أخرى. فحاول التحدث، ولكن أمسكتها الحارسة من ذراعها بقسوة هاتفة: "لما حضرة المعاون يأمر تنفذي على طول، اتحركي يا مسجونة قدامي من غير كلام." دفعها بقسوة وساقها حتى مكتبه، فأوقفها سيف وهتف آمرًا:

"سيبيها يا شاويش سماح." وقف أمام باب مكتبه ونظر ببؤبؤتيها الحزينتين وهتف برقة: "أهلك جوه في زيارة…. مش لازم يعرفوا بمحاولة الانتحار، كفاية اللي هم فيه." تعجبت من حديثه واكتراثه لأمرهم بهذا الشكل، ولكنها لم تهتم سوى لتلك الزيارة التي ستزيل نار اشتياقها لهم. دلفا معًا لغرفة مكتبه فوجدت أباها وأخاها، فهرعت تحتضنهما باشتياق وهي تبكي بحرقة بداخل أحضانهما وتتوسلهما بضعف:

"أنا لو قعدت أكتر من كده هنا حموت يا بابا، أرجوك خرجني من هنا." أبعدها أخوها وأمسكها من كتفيها بقوة داعمة وردد: "أي حد ييجي على فرد من عيلة الشامي هيلاقينا كلنا قُصاده، متخافيش كلنا معاكي." نظر والدها لضمادة يدها الواضحة، فرفع بصره إليها بحزن ولم يعقب عندما وجدها تسحب ذراع الرداء الأبيض الخاص بالسجن لتخبيء جرحها، ولكن فهم ماذا فعلت، فربت على كتفها وحرك رأسه بتألم هاتفا:

"متخليش اللي حصلك ينسيكي ربنا يا دارين، أنا مربيتكيش على كده." حاول جمال دعمها أكثر، فأمسك والده وهتف: "خلاص يا بابا، إحنا هنا عشان نتكلم في الجلسة، فبلاش تضيعوا وقت." جلسوا جميعًا وترأسهم سيف، الذي تنبهت هي لتوه أن الزيارة بمكتبه، والغريب مشاركته للحديث معهم وكأنه يعلم ما يدور. هتف سعد الدين: "عايزك متخافيش من حاجة وتنسي موضوع الجواز ده دلوقتي عشان نعرف نخرجك من هنا." أجابته بضيق:

"طيب ما ده نفس الكلام اللي قاله المحامي التاني، إيه الجديد؟ نظر أمامه وردد بتأكيد: "الجديد إن أنا عندي اللي هيغير مجرى القضية دي نهائي، وده مش معناه إني عايزك تفضلي على نفس شهادتك الأولانية، بالعكس… أنا هحفظك كل حاجة عايزك تقوليها ساعة ما ييجي وقت إني أسألك أنا أو النيابة، بس لحد الوقت ده ما ييجي أنا بلف على القضية دي من ناحية تانية خالص." هتف جمال بحيرة: "على كده كل المعلومات اللي جبنهالك ملهاش لازمة؟

أجابه سعد الدين: "لازمتها في وقتها…. كل معلومة هستخدمها في وقتها الصح." هتف سيف بتأكيد: "وكل حاجة من انهارده هتكون أحسن…. وهتفضلي في الرعاية……" قاطعته برفض قاطع: "لا…. الرعاية لا أرجوكم." نظر لها الجميع بتعجب، فردفت: "أكرم بعتلي واحدة من بتوع الرعاية تهددني وهي السبب في الحمى اللي حصلت لي." ردد سيف بحدة: "إزاي؟ عملت كده إزاي؟ أجابته بحزن:

"معرفش، أكيد استخدمت حاجة سببت التهاب للجرح، لأن بمجرد ما لفت الشاش حسيت إن إيدي بتولع نار." بنظرات غاضبة ومتوعدة ردد: "لو شفتيها تعرفيها؟ أومأت بنعم، ولكن سعد الدين هتف: "مش صح اللي جنابك عايز تعمله يا سيف باشا." رمقه بنظرة تعجبية وانتظر منه تفسيرًا، فهتف: "إحنا مش عايزين نبعتله أي تحذير من أي نوع يا فندم عشان يتفاجئ باللي هيحصل في المحكمة وميلحقش يطبخها مع المحامي بتاعه." أومأ بتفهم وهتف بجدية:

"عرفيني انتي بس مين هي وأنا هبعدها عن الرعاية على الأقل لحد ميعاد الجلسة." نظرت له بوهن وهتفت: "هتعمل معاها إيه؟ أجابها: "هديها إجازة أو أديها جِزا على أي غلطة، هتصرف مش هغلب أنا يعني." رددت بصوت هادئ منكسر: "زي ما عرف يوصل لحد جوه الرعاية، ممكن أوي يوصل لأي حد من جوه السجن يا باشا." رمقه بنظرات لم تفهمها، ولكن بقلمي أسماء عادل استطاع هشام قراءتها، فابتسم بداخله وتمنى من الله أن تجد ابنته الراحة. فردد سيف بتأكيد:

"إنتي من اللحظة دي تحت حمايتي، ومش بس عشان الأستاذ سعد الدين يبقى قريب المأمور." نظرت له بمعنى ماذا تعني، فأجابها بصوته المهزوز قليلاً محاولًا استدعاء جدية زائفة: "من النهارده إنتي في حماية سيف المهدي يا دارين اطمني." *** انتهت الزيارة وهم الجميع بالمغادرة بعد أن أمضوا أكثر من ساعتين يتحدثوا بكل كبيرة وصغيرة بالقضية، حتى استطاع سيف أن يفهم أكثر ما حدث معها، وأصبح تعاطفه على مرأى من الجميع، حتى هي. فور أن فتح

والدها باب المكتب هتفت: "بابا." توقف ويده على مقبض الباب ينظر لها بحب، فهتفت: "مش كان فيه زيارة بعد بكرة؟ ولا كده خلاص؟ أومأ لها بنعم، فهتف سيف: "الزيارة زي ما هي يا دارين، زيارة النهارده دي زيارة استثنائية." ابتسمت له بامتنان وعادت بوجهها تنظر لأبيها وهتفت برجاء: "خلي ماما تيجي معاكم عشان وحشتني أوي، أنا محتاجاها جدا." اقترب منها هشام واحتضنها وهتف بحبور: "حاضر يا بنتي." تحرك للخارج، فالتفتت تنظر لسيف وهتفت برقة:

"أنا متشكرة على كل حاجة." ابتسم لها دون تعقيب، فاكملت: "هو حضرتك بتعمل معايا كده ليه؟ أجابها على الفور وكأنه استدعى الإجابة برأسه حتى قبل أن تنطق بسؤالها: "عشان اتأكدت إنك بريئة." شكرته، فاستدعى الحارسة وأمرها بصرامة: "رجعيها على الرعاية وابعتيلي الدكتور منير." فعلت ما أمرت به، فدلف الأخير بتوتر وانتظر أن يستمع له، فهتف متسائلًا: "مين الممرضة اللي بعتها للمسجونة في التأديب؟

لم يعِ ما قاله من كثرة توتره، فنظر أمامه ببلاهة ليعيد سيف عليه السؤال، فأجاب: "هانم." أومأ له وردد بصوت رجولي خشن: "أديها إجازة يومين لأي سبب ومن غير ما تعرفها إني أنا اللي طلبت منك كده." ابتلع الطبيب لعابه بارتياح بعد أن علم أنه ليس المعني بأمر استدعائه، ولكن فضوله جعله يسأله: "هي هانم عملت حاجة يا سيف باشا؟ قوس الأخير فمه وردد بحدة:

"اعمل اللي قلتلك عليه يا دكتور من غير كلام كتير، وأنت عارف كويس إني مطنش على تجاوزاتك، فبلاش تمتحن صبري." ابتلع بخوف ورهبة وابتسم بسماجة وعاد بظهره وهو يومئ برأسه بطاعة وامتثال لأوامره، وغادر مكتبه لينفذ أوامره على الفور، متصيدًا لها أي خطأ حتى يجازيها بيومين عطلة بدون أجر. ***

دَلَفَت ذلك الصرح الكبير بحذائها ذو الكعب العالي تطرق به الأرضية الرخامية، وأعين الموظفين تتسلط عليها. فرفعت نظارتها الشمسية أعلى شعرها واقتربت من مكتب الاستقبال تهتف بلكنة غربية: "عاوزة أقابل مستر أكرم بلييز." ابتسمت لها موظفة الاستقبال وهتفت متسائلة: "أقوله مين يا فندم؟ أجابتها: "نيللي…. بنت عم مراته."

فور أن أخبرته بوقوفها أمام باب مكتبه، ارتبك وابتلع لعابه بتخوف، ووقف يسمح لها بالدخول وانحنى يقبل يدها بترحيب زائف. فابتسمت هي بتصنع ومكر وجلست تضع قدم فوق الأخرى تهزها بشكل درامي. ردد أكرم بصوت حزين: "إزيك يا نيللي؟ شفتي اللي حصل لجيجي؟ رفعت بصرها بطرف عينها تهتف بأسف مصطنع وبطريقة ساخرة: "آه يا أكرم…. زعلت أوي عليها مع إننا طول عمرنا مش أصحاب ولا نعتبر قرايب حتى." حرك رأسه للجانب وهتف:

"ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي…. مبقاش يجوز عليها غير الرحمة." ضحكت بقهقهة وصوت عالٍ وهي تنظر له من بين جفونها المغلقة بخبث: "لاااا وأنت واضح عليك الحزن يا أكرم! زفر بحنق من طريقتها المستفزة، فهتف يتسائل: "إنتي جاية ليه يا نيللي؟ قوست فمها ساخرة تهتف: "جاية آخد ورثي." نظر لها بنظرات مدهشة، فأرادت أن تشرح له:

"هو المحامي اللي معاك مش مفهمك إنك متقدريش تورثي في جيجي أكتر من النص، وإن باقي الميراث بيروح لقرايبها، واللي في الحالة دي يبقى أنا بما إني الوريثة الوحيدة اللي في عيلتها." حنق وضيق أصابه فور أن هتفت بتلك الكلمات، فهو قد تناسى وجودها بحياتهما منذ سفرها للخارج برفقة أبيها، وحتى توفي لم يسمعوا عنها شيئًا. ظل صامتًا حتى أجبر أحباله الصوتية على التحدث وهتف: "دلوقتي افتكرتي إن ليكي أهل بعد ما ماتوا وجاية بس تورثي!! ابتسمت

وهي تنظر له بغل وهتفت: "أوعى تفتكر إني عايشة بره ومعرفش حاجة من اللي بتحصل هنا، من ساعة ما دخلت بينا وفرقت بين بابي وأونكل وخللتهم يصفوا الشراكة بينهم، وأنا متأكدة إنك السبب ورا اللي أونكل عمله وإنك خليته ياكل حق بابي." لمعت عينه بوميض غاضب ووقف من مكانه يصرخ بها: "إنتي أكيد بتهرجي، أنا مليش دخل بحاجة." أومأت تؤيده هاتفه بخبث:

"وأنا مصدقاك، وعموماً أنا وانت هنخرج من الليلة دي كسبانين، ده طبعًا بعد ما أونكل كتب كل ثروته باسم جيجي." بضيق أردف: "وبعدين!! أجابته ببرود: "خلي المحامي بتاعك يقعد مع المحامي بتاعي عشان يخلصوا إجراءات استلامي للورث، ده طبعًا بعد ما يعمل حصر لكل أملاك المرحوم." تلتقط فمها بسخرية لاذعة وهي تهتف: "حتى المجوهرات بتاعتها وبتاعة مامتها الله يرحمها اللي في خزنة البيت." انتبه لما قالته، فظل جامدًا وهو يستمع لها تهتف:

"في اللحظة اللي أنا فيها دي معاك…. في قوة نازلة تعمل الحصر والجرد عشان أضمن حقي." وقفت تطلق شعرها بيدها للخلف بطريقة استفزت ذلك الجالس على جمرات من نيران، وانطلقت للخارج وهي ت قهقه ضاحكة بخلاعة تهتف: "باااااي يا أكرم." فور أن أغلقت خلفه الباب، صرخ بغضب دافعًا المقعد بحدة ليرتطم بالحائط مخرجًا صوتًا مدويًا. جلس وأمسك هاتفه واتصل بمحاميه ناصر الصواف وأخبره بما حدث، فأجابه الأخير: "وإنت إزاي نسيت تبلغني إن فيه ورثة؟

أنا مش سألتك فيه ورثة ولا لأ؟ أجابه أكرم بحنق: "نسيتها خالص، سقطها من دماغي… من ساعة ما أبوها مات ومسمعناش عنها حاجة." زفر ناصر أنفاسه وهتف: "هي كده ملهاش حل وهيكون ليها نص الثروة." لمعت عينه بالغضب وردد بحيرة: "اتصرف يا ناصر، بقى بعد ده كله مينوبنيش غير النص بس! ضحك الأخير هاتفا بتنبيه: "قصدك الربع، ولا نسيت نصيبي يا أكرم بيه؟ أخرج سبه نابية وهو يصرخ بحنق: "نعم!! …. نصيبك؟ إنت بتهزر يا ناصر!!

بقى بعد كل ده وبعد كل اللي عملته والسنين دي كلها وأنا اللي في وش المدفع وفي الآخر آخد الربع، طيب ما هو من الأول نصيبي النص من غير أي زفت من اللي هببته ده." أجابه ناصر بلامبالاة: "إنت السبب، إنت اللي نسيت تبلغني بوجود ورثة." ضحك ساخرًا وهتف بفضول: "كنت هتعمل إيه يا متر؟ كنت هتخليني أموتها هي كمان؟ تضايق ناصر من حديثه فردد محذرًا: "أكرم…. خد بالك من كلامك، أنا مخلتكش تموت حد إنت اللي خططت ونفذت." صرخ أكرم:

"وأنا اللي خططت ونفذت وأنا الوريث الشرعي، إنت بقى لازمتك إيه؟ تنهد ببطء وأجابه بحنق: "أنا ساعدتك من لحظة ما دخلت الشركة دي ولحد دلوقتي." ضحك عاليًا وردد: "ويبقى تمن المساعدة نص فلوسي؟ أجابه ساخرًا: "لا يا أكرم… ده تمن سكوتي." ***

ظلت الأيام المتبقية لموعد محاكمتها تمكث بالرعاية، وسيف لا يدخر جهدًا لا بالاطمئنان عليها ولا بمراعاتها، حتى أنه كان يستدعيها بمكتبه يوميًا ليسألها حالها، وأصر أن يستقبل زيارة أهلها المحددة مسبقًا بمكتبه. دَلَفَت بلهفة تحتضن والدتها بشوق جارف، والأخيرة تبكي بحرقة، حتى هتف جمال: "بلاش عياط يا ماما بقى، إحنا جايين نطمن عليها." نظرت فدوى بعيون باكية وتفحصت وجهها الذابل وهتفت: "إنتي مش بتاكلي كويس ولا إيه؟

وشك ماله دبلان كده ليه؟ أجابتها بحزن: "الأكل هنا وحش أوي يا ماما، والأكل اللي الزيارة اللي بتبعتيه يا دوب بنتشارك فيه كلنا، مقدرش آكله لوحدي، هو النظام هنا كده." حاولت كبح دموعها وهي تشير إلى المنضدة أمامها والموضوع عليها أصناف متنوعة من الطعام المعد منزليًا، تهتف بحب: "أنا عملتلك كل الأكل اللي بتحبيه، وبعد كده هعمل حسابي أزود طالما المساجين بياكلوا معاكي عشان تتغذي شوية."

انتهت الزيارة، وعندما حاولت المغادرة وجدته يجلس صامتًا، فنظرت له وهتفت بخجل: "الأكل ريحته تحفة…. إيه رأي حضرتك تدوقه قبل ما يتنسف في الرعاية." ابتسم بسمة ساحرة ووقف متجها ناحيتها، وأمسك راحتها وأجلسها طواعية على المقعد أمامه وهتف بحبور: "ماشي بس بشرط تاكلي معايا عشان يبقى عيش وملح." تعجبت منه، فهو أصبح حنونًا ويعاملها برقة شديدة، فهل يتعامل مع كل المسجونات الأخريات هكذا فقط عندما يتأكد من براءتهن؟

حركت رأسها موافقة على شرطه، فجلسا أمام بعضهما البعض وبدأت بفتح علب الطعام وبدءا بالأكل منه، وهو يشرد بها وهي تأكل، فابتلع لعابه من فرط ما يشعر به تجاهها ولا يجد له تفسيرًا منطقيًا. انتهيا من تناول الطعام، فردفت ببسمة: "يا رب الأكل يكون عجبك." لحس أصابعه بنهم وهو يردد مبتسمًا: "أكتر من كده هاكل صوابعي وراهم."

دفع ساعده ليسحب محرمة ورقية من على مكتبه، فاسقط الإطار الموضوع أمامه وبه صوره مع غاليتيه، فانحنت تلتقطها قبيل أن تسقط وينكسرن. نظرت للصورة وهتفت بتساؤل: "دي عيلتك؟ أومأ لها بصمت، فتساءلت: "بنتك زي القمر، عندها كام سنة؟ هتف ببسمة حزينة: "دلوقتي بقى عندها 8 سنين." ابتسمت بحب ورددت: "ما شاء الله…. ربنا يخليهالك، اسمها إيه؟ أجاب بغصة: "ميرا." ابتسمت وأعادت الإطار لموضعه وهي تردد بحبور: "عسولة خالص." أطرق رأسه بصمت، فأخذت

تلملم الطعام وهي تردد: "الحق آخد الأكل أوديه الرعاية للناس هناك عشان يلحقوا ياكلوا وهو دافي." استدعى الحارسة التي ظلت ترمقهما بنظرات فضولية لمكوثها بمكتبه وقت لا بأس به حتى بعد انتهاء الزيارة، فأمرها بإعادتها للرعاية، وجلس هو يمسك الإطار وحدث غاليتيه بصوت مبحوح: "مش عارف أعمل كنترول على مشاعري يا نسرين…. مش فاهم إيه اللي بيحصل لي! بتشد ليا بشكل مش طبيعي وأنا مش عارف إيه نهاية الحكاية دي! ابتسم بألم وردد بحزن:

"لا والأدهى من كده إنها مش حاسة بيا ولا فارق معاها من الأساس….. تفتكري أقولها ولا استنى لما القضية بتاعتها تخلص." صمت وعاد يحدث زوجته الراحلة وكأنها أمامه: "إنتي زعلانة مني عشان مشاعري اتحركت ناحية تانية غيرك؟ بس أنا عمري ما هنسيكي يا حبيبتي." زفر بقوة وردد: "انصحيني زي ما دايماً كنتي بتنصحيني، أعمل إيه؟ "وأبعد إزاي وأوقف اللي بيحصل ده إزاي؟ على الفور جاءه الرد بلمعة أصابته برأسه وكأنها فعلاً أرسلت له الإجابة بشرارات

تضرب رأسه وهو يردد: "صح؟ أصلي صلاة استخارة وأدعي ربنا إن لو مفيش خير من مشاعري دي ربنا يبعدها عني ويوقف اللي أنا حاسه ناحيتها." *** أتى موعد المحاكمة المنتظرة، فتحرك رئيس المباحث ومعه العساكر بإحضار جميع السجينات اللاتي أتى موعد محاكمتهن، وعبأ بهن سيارة الترحيلات. قبيل أن يصعد للركوب، اقترب منه سيف وردد بترجّي: "بقولك يا عماد تعالى عاوزك." أغلق باب سيارة الترحيلات وابتعد عنها بخطواته مقتربًا من سيف وردد بفضول:

"خير يا سيف؟ أجابه الأخير بتوتر: "كنت عايز أحضر الجلسة مع المساجين بتوع النهارده." تعجب عماد من طلبه، فحرك رأسه بدهشة يهتف: "مش فاهم؟ ابتلع لعابه بتوتر جلي، فانتبه له عماد الذي رأى اهتمامه الواضح بدارين، ولكن احتفظ بالأمر لنفسه بعد أن وبخه سيف أكثر من مرة على مزاحه معه بهذا الشأن، فأومأ موافقًا وهتف موضحًا: "طيب أنا هبلغ المأمور إني تعبان شوية وإنك هتروح مكاني."

أومأ ببسمة ممتنة واتجه لسيارة الترحيلات وركبها متوجهًا للمحكمة. أما هي، فجلست بالداخل تفتح كتاب الله وتقرأ منه بعض الآيات وتدعو ربها بانقاذها من ورطتها. نظرت لها لواحظ التي تجلس أمامها وهتفت بسخرية: "أنا وإنتي رايحين للمحكمة، وممكن واحدة فينا تاخد إعدام…. فإنتي بقى افتكرتي ربنا النهارده بعد ما حاولتِ تنتحري." رفعت وجهها تهتف بضيق:

"اللي حصل كان لحظة ضعف وربنا غفور رحيم لو الإنسان تاب لله بجد، وأنا تبت عن غلطتي وطلبت من ربنا إنه يسامحني، لكن الدور والباقي عن اللي عايشين في الدنيا وناسّين ربنا." قوست فمها بطريقة سوقية وهتفت وهي تدفعها بقسوة من كتفها: "بلاش تغلطي معايا أحسن إحنا لسه قاعدين مع بعض كتير يا مستر كراتيه." ***

قبل أن تبدأ المحاكمة، وقف سيف أمام باب قفص المتهمين وأمر العسكري المرابط أمامه بفتح المزلاج الحديدي واستدعاء نادين ليتحدث معها، ففعل العسكري على الفور. سحبها من ذراعها للجانب واقترب منها يُحمسها، فردد: "متخافيش…. سعد الدين شغال كويس أوي على القضية وإن شاء الله براءة." ابتسمت بامتنان وأطرقت رأسها لأسفل. فرفع وجهها بسبابته ونظر لعينها يريد أن يخبرها بما يثور بداخله، ولكنه كبح رغبته وهتف متصنعًا الصمود:

"خليكي جامدة…. وبعدين إنتي ليكي عندي عزومة على أكلة تجنن عشان أردلك عزومتك على أكل مامتك." رددت بصوت ضعيف: "متشكرة يا فندم." شعر بأنها لم ولن تشعر به أبدًا، فاطرق رأسه بضيق وابتعد عن القفص، وبدأت المحاكمة بدخول الحاجب ليعلن عن وصول القاضي ومستشاريه، ليردد بصوت عالٍ: "محكمة."

ظل الجميع بانتظار أن يأتي الدور على قضية زوية، فالقاعة بها الكثير من أقارب المساجين، حتى أتى دور محاكمة لواحظ، والتي انتهت بإصدار حكمًا مؤبدًا لحيازتها واتجارها بالمخدرات. وها هو الوقت المنشود للبت في قضية دارين، ليقف سعد الدين يترافع بقوة ومهارة كعادته دائمًا:

"سيادة القاضي، حضرات المستشارين، هيئة النيابة الموقرة…. للأسف قضية موكلتي تمت بدون أي تحريات مفيدة، بل وكانت موجهة من قبل المباحث، والأكثر من ذلك ادعاء النيابة بوجود دافع للقتل دون أن تتبين صحة الخصومة المدعاة من قبل زوج المجني عليها." احتج رئيس النيابة بشراسة: "أعترض يا فندم على كلام المتر اللي بيحاول بيه إنه يشوه شغل المباحث والنيابة بكلامه، وكأننا مش شايفين شغلنا." رفض القاضي الاعتراض وهتف موضحًا:

"النيابة هنا هي الخصم، وطبيعي إن هجوم الدفاع يبقى موجه لها." ثم نظر لسعد الدين يحثه على الاستمرار وهتف بجدية: "ادخل في الموضوع على طول يا متر من غير دباجة المرافعة لأنه مش وقتها." أومأ سعد الدين وتقدم للمحكمة بأوراق بها كل ما عمل عليه طيلة الأسابيع الماضية وردد:

"قدام حضرتك تفريغ لكاميرات المراقبة الموجودة بالمنطقة اللي فيها فيلا المجني عليها، واللي النيابة والمباحث اتهموا موكلتي على أساسها يا فندم، ده طبعًا مع شهادة الشهود." صمت لينظر أمامه بنسخة الأوراق وأكمل: "هتلاقي يا ريس معاد دخول وخروج موكلتي متسجل بالساعة والدقيقة ومثبت بمحاضر النيابة، بس اللي اتنسى يا فندم هو مكالمة المجني عليها لزوجها." نظر القاضي أمامه محاولًا أن يفهم ما يريده بالتحديد، فهتف سعد الدين:

"زوج المجني عليها أقر بوجود المكالمة دي، واللي أثبتت وجود موكلتي لحظة وقوعها، واللي استمرت أكتر من ربع ساعة يا فندم، فهل من المنطقي إن يكون فيه خصومة وخناقة بين اتنين ستات وكلنا عارفين الخناقات اللي من النوع ده بتكون عاملة إزاي؟ فهل منطقي إنها تفضل تكلم جوزها ربع ساعة بحالها والدنيا تبقى هادية وتمَام إلا لو مكنش فيه خناقة من الأساس." دخلت النيابة: "وليه متقولش إن الجريمة حصلت بعد المكالمة؟ ابتسم

سعد الدين وردد بتأكيد:

"ممكن جدًا، بس خلينا نقارن وقت انتهاء المكالمة بوقت خروج موكلتي من البيت، وده أنا احتسبته بحضور اتنين من أكفأ ضباط النيابة والشرطة، هتلاقي يا فندم لحظة انتهاء المكالمة كان 12 و 3 دقايق بالضبط، ولحظة خروج موكلتي بتأكيد الكاميرات كان 12 و 9 دقايق بالضبط…. من أساس تواجدي وبشهادة كل من الأستاذ محمود والمفتش صلاح من المباحث، لقينا إن من مكان تواجد الجثة وحتى الخروج من بوابة الفيلا لو سيرًا على الأقدام وبسرعة متوسطة هتاخد من 5 إلى 6 دقايق."

صمت ونظر للنيابة وهتف: "عارف إن النيابة هتقفني وتقولي إن البواب شهد بأنها كانت خارجة بتجري، طيب حسبناها بالجري ولقينا إنها تاخد من دقيقتين لـ 3 دقايق، يعني معنى ذلك عشان تكون موكلتي قتلت المجني عليها لازم تكون قتلتها بمجرد ما أنهت المكالمة مع جوزها، وده شيء مش منطقي نظرًا لشكلها الهزيل وقصر قامتها مقارنة بالمجني عليها يا فندم، على الأقل هيكون فيه مقاومة." نظر له القاضي وهتف: "عندك حاجة تانية يا متر عايز تضيفها؟

أومأ وهتف: "عايز أستدعي جوز المجني عليها لسؤاله يا فندم." وافق القاضي وقام باستدعائه، فوقف يؤدي القسم: "والله العظيم هقول الحق." وبعد دباجة البيانات، سأله سعد الدين: "أنا طبعًا مش هسألك عن توقيت دخولك الفيلا لأنه مثبت بالكاميرات، وأكيد مش هتكون مركز أوي فيه، بس حابب تحكي لهيئة المحكمة بالتفصيل من لحظة دخولك وحتى اتصالك بالبوليس."

تعد قليلاً ونظر خلفه لمحاميه الذي ابتسم له يحثه على الحديث، فهو قد دربه على ضبط نفسه تحسبًا لاستجوابه مرة أخرى. فردد برهبة: "زي ما قلت قبل كده في النيابة وفي المحكمة، بعد ما قفلت مع جيهان الله يرحمها، سُقت عربيتي بسرعة عشان ألحق أوصل وأشوف إيه الحكاية." قاطعه سعد الدين: "وصلت بالتحديد الساعة 12 وثلث." أومأ موافقًا وكأنه لا يعلم وهتف:

"تقريبًا…. دخلت الفيلا لقيت جيهان مرمية على الأرض، جريت عليها لقيتها قاطعة النفس، اتصلت على طول بالبوليس." ابتسم سعد الدين بانتصار بمجرد سماعه لتلك الكلمات التي اعتبرها تذكرة براءتها الأكيدة، وهتف مؤكدًا: "يعني إنت بمجرد ما دخلت شفتها ولا عملت حاجة الأول وبعدين لاحظت وجودها؟ أومأ رافضًا وهتف: "لا أول ما دخلت شفتها على طول." أيده سعد الدين هاتفا:

"طبعًا يا ريس كلامه مظبوط مية بالمية، لأن زي ما واضح في الملف اللي قدام حضرتك يا فندم، هتلاقي زاوية باب الفيلا تشوف مكان تواجد الجثة بوضوح شديد، يعني صعب أي حد يدخل من البوابة وما يشوفهاش." أومأ القاضي وانتظره ليكمل، فهتف أكرم: "طيب ما أنا فعلًا شفتها أول ما دخلت." ابتسم سعد الدين بمكر وهتف:

"طبعًا طبعًا، بس تعالى كده نراجع توقيت دخولك وتوقيت اتصالك بالبوليس. هنلاقي فجوة أكتر من نص ساعة…. يا ترى كنت بتعمل إيه كل ده جوه يا أستاذ أكرم؟ نظر أكرم خلفه بحدة لناصر الذي انتفخت أنفه بضيق، فتلجلج أكرم وردد: "كنت بحاول أفوقها." أومأ له مرة أخرى وهتف متسائلًا النيابة هذه المرة: "يا سيادة رئيس النيابة، هو مش الشاهد قال بدل المرة 3 إنه دخل مباشرة للمجني عليها وأول ما لقاها قاطعة النفس اتصل بالبوليس؟ وقف

وكيل النيابة يهتف بتفسير: "أيوه، بس جايز جدًا يكون حاول يفوقها وماخدتش باله إن عدى عليه وقت." قوس سعد الدين فمه بدهشة وهتف ساخرًا: "ياااه… ما أخدش باله إن نص ساعة عدت!! أعاد نظره للقاضي وهتف:

"يا فندم النيابة كده بتكيل بمكيالين، لأنها اعتمدت في اتهامها لموكلتي على إنها آخر واحدة كانت معاها قبل ما تموت، واستندت على اتهامها لشرايط المراقبة وتوقيت الوفاة اللي ما بين الساعة 12 للساعة 1، يعني المجني عليها ممكن تكون اتقتلت في فترة زمنية مدتها ساعة، اتواجدت موكلتي خلالها في الفيلا مدة لا تتعدى الخمس دقايق، واتواجدت فيها المجني عليها لوحدها بوجود البواب اللي ممكن يكون مشتبه به لمدة أكتر من 10 دقايق، واتواجد فيها الشاهد مدة أكتر من نص ساعة يا فندم، وفي النهاية أصابع الاتهام راحت لموكلتي دونًا عن باقي المشتبه بهم."

ابتلع أكرم لعابه وظل ينظر خلفه لمحاميه الذي تفاجأ بعدم تواجده بقاعة المحكمة، فلعن بداخله المأزق الذي هو فيها. أكمل سعد الدين استجوابه فردد: "طيب يا أستاذ أكرم، سيبك من حكاية النص ساعة اللي فضلت فيها تفوق المجني عليها واللي واضح جدًا إن حصلك فيها بلاك أوت، أو بالبلدي كده فقدان لحاسة الوقت….. إنت قلت حاولت تفوقها ولما لقيتها قاطعة النفس اتصلت بالبوليس، صح؟ أومأ موافقًا وجسده بأكمله ينتفض، فاستطرد سعد الدين:

"المكالمة اللي اتسجلت واللي أكدت بعدها في التحقيقات والنيابة عليها، وقلت بالحرف الواحد (الحقوني…. مراتي اتقتلت، أنا ساكن في ٠٠٠٠) نظر سيف لدارين من خلف القضبان وهو يبتسم بفرحة بعد أن رأى بنفسه مدى مهارة سعد الدين، فبادلته الابتسام. ظل أكرم يتخبط بأفكاره، فردد بحده:

"إنت عمال تسألني على حاجات فيها تفاصيل دقيقة وأنا بصراحة مكنتش مركز من الخضة، ومطلوب مني أفتكر كل التفاصيل دي عشان لو فوتت أي تفصيلة ممكن تغير حاجات في القضية، وأصلاً أنا مش متهم." ردد سعد الدين بحدة قاصدًا زعزعته: "لحد دلوقتي؟ لمعت عينه بصدمة وابتلع لعابه بصمت، فردد سعد الدين:

"يا ريس أي راجل هيدخل على مراته يلاقيها واقعة على الأرض هيجري عليها ويحاول يفوقها زي ما الأستاذ أكرم عمل بالظبط، وده طبيعي جدًا ويمكن فعلاً ياخد وقت على ما يفهم إنها ماتت." صمت ليزعزعه أكثر وهو ينظر له نظرات حادة وأكمل: "بس مش من الطبيعي إنه لما يكتشف إنها ماتت يبقى عارف ومتأكد إنها مقتولة، خصوصًا إن موتها من غير سلاح جريمة يعني كسر في الرقبة." ردد رئيس النيابة بحده:

"اكيد اتوقع إنها اتقتلت بسبب المشادة الكلامية بينها وبين المتهمة، ولو عندك توضيح يا ريت توضح كلامك أكتر يا متر، إنت كده بتشوش على الشاهد." أومأ موضحًا: "يعني يا فندم اللي يقدر يحدد طريقة موتها لازم يكون حد متمرس ومتعلم كويس إنه يعرف إن ده كسر في الرقبة زي الطب الشرعي، زوج المجني عليها عرف منين إنها مقتولة؟ ليه مفترضتش إنها سكتة قلبية أو تكون وقعت وخبطت دماغها فماتت، عرف منين إنها مقتولة؟

صمت رئيس النيابة وكأنه يعيد على نفسه ما سمعه للتو، ونظر القاضي بتدقيق لأكرم الذي يتصبب عرقًا، فنظر له سعد الدين وناوله محرمة ورقية وهتف بخبث: "نشّف عرقك يا أستاذ أكرم، أنا خلصت معاك، بس حابب أستدعي البواب." وافق القاضي وبعد دباجة البيانات والقسم، سأله: "بعد ما المتهمة خرجت من الفيلا يا عم عبده، كان الباب بتاع الفيلا مقفول ولا مفتوح؟ صمت قليلاً وهتف بتأكيد:

"كان مفتوح يا بيه، أصلها كانت بتجري بسرعة ومقفلتش الباب وراه." نظر لكاتب المحكمة وردد: "اثبت ده في محضر الجلسة يا فندم." عاد يسأله: "وإنت رجعت قلت إن الأستاذ أكرم لما وصل نادى عليك ووقفتوا قدام الباب يزعق لك إنك دخلت المتهمة من غير ما تكلمه، صح؟ "أيوه يا بيه، أول ما نزل من العربية كنت واقف مستنيه قدام باب الفيلا، راح شخط فيا وقال لي هو أي حد ييجي الفيلا تدخله كده؟ هي وكالة من غير بواب؟ هتف يسأله بجدية: "وبعدين؟ أجاب:

"فتحت باب الفيلا ودخل وقفل في وشي يا بيه." عاد نظره للكاتب وهتف: "اثبت ده في محضر الجلسة." ابتسم يهتف: "يعني الباب كان مقفول ساعتها يا عم عبده؟ أومأ ببلاهة هاتفا: "أيوه." ردد: "والبيت مكنش فيه لا خدم ولا حد يقفله؟ أجاب مرة أخرى بلا. "وإنت قفلته؟ هتف بتأكيد: "لا." ابتسم يهتف: "ومكنش فيه غير المجني عليها جوه البيت؟ أجابه بنعم. فردد ساخرًا: "يبقى الهوا بقا اللي قفله." أجابه ببراءة:

"لا يا بيه، الباب تقيل أوي ومستحيل الهوا يقفله، ده حديد من المصفح يا بيه." نظر للقاضي وهتف: "يعني هيكون مين اللي قفله بس يا عم عبده؟ صمت الأخير بعدم فهم وردد: "العلم عند الله يا بيه." أجاب مؤكدًا: "يبقى الأكيد إن المجني عليها هي اللي قفلته، وده بيأكد إنها كانت عايشة بعد مغادرة موكلتي من الفيلا." صرفه من أمامه وبدأ مرافعته يهتف:

"وبعد كل الأدلة دي يا فندم أكيد أصابع الاتهام هتكون موجهة لاتجاه تاني خالص غير موكلتي، عشان كده أنا بطالب بالإفراج عن موكلتي دارين هشام الشامي بكفالة لحين البت في القضية والنطق بالحكم." ردد القاضي بقوة: "حكمت المحكمة حضورياً باستمرار حبس المتهمة دارين هشام الشامي على ذمة القضية لحين إعادة فتح التحقيقات، والقبض على كل من أكرم صالح المغربي وعبدالله محمد بيومي الشهير بعبده والتحقيق معهم." ليطلق بعصاه عالياً ويهتف:

"رفعت الجلسة."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...