ظل يرمقها بغزل وهي تبتسم بخجل وتطرق رأسها لأسفل، وهو لا يعلم حقاً متى استطاعت أن تمتلك كل كيانه بهذه الطريقة. فهو لم يكن أبداً من الرجال الذين ينساقون وراء مشاعرهم لهذا الحد، ولكن يبدو أن قلبه قد انتصر هذه المرة على العقل والمنطق الذي يستعين به في حياته، مما جعله ناجحاً هذا النجاح في حياته العملية. أما إذا تطرقنا لحياته الخاصة، فهو مثال للفشل الذريع بمواصفاته التي تجعله زوجاً مستقبلياً مؤهلاً، وهو على مشارف العقد الرابع من عمره ولا يزال أعزب.
ابتلع لعابه بتوتر، فهو قد اتخذ قراره بالتحدث لها بانفتاح حتى يستمع لقرارها الحاسم. فاستغل طلبها لمقابلته بخصوص قضية أكرم، فكانت حجة أكثر من كافية ليستمع لها. هتفت تسأله باهتمام: "القضية وصلت لإيه يا متر؟ أجابها ببسمة منمقة: "مش اتفقنا نشيل الألقاب؟ ولا أنتِ لسه معتبراني غريب؟ تنحنحت بخجل وابتسمت بعذوبة، هاتفة: "أوكي يا سعد… ممكن بقا تقول لي القضية وصلت لفين؟ ظهرت بسمة انتصار على محياه وهتف بمكر:
"هو عمل تبادل معلومات مع النيابة والمباحث… اداهم معلومات مهمة أوي عن مهربين وتجار أساميهم كبيرة في البلد، وكمان قدم أوراق تثبت تورطهم هم وناصر الصواف في قضايا أمن قومي، يعني من الآخر كده القضية بقت قضية رأي عام." صمت لهنية ثم أكمل: "وقصاد ده، النيابة خلصت القضية بتاعته ووجهت له تهمة القتل الخطأ، يعني آخره 7 سنين وغرامة." تجهم وجهها على الفور، وظلت أنفاسها تعلو وتهبط بعنف، ضاغطة على عظام فكها بحدة. فحاوط
راحتيها بكفيه وهتف بهدوء: "نيللي… اهدى شوية، أنا وعدتك إني حجيب له إعدام." صرخت بقهر: "إزاي وأنت بتقول لي إنه خلاص كده؟ ابتسم بمكر وردد بتشويق: "عيب عليكي… انتي مش عارفة أنا مين ولا إيه؟ عادت البسمة تزين وجهها وهي تقول: "قول لي إنك محضر له مفاجأة." ماء مؤيداً وهتف: "ومش أي مفاجأة… دي مفاجأة من العيار التقيل أوي كمان." سحبت أنفاسها براحة، وارتخت أعصابها، فجلست على مقعدها بارتياحية، مسندة ظهرها وذراعيها على مسندها،
وسألته باهتمام: "قضية دارين كده خلصت؟ رفع حاجبه الأيمن ينظر لها ببسمة عبثية لفهمه ما تحاول فعله، فهي تخرج من أمر وتدخل في آخر حتى لا يتسنى له الحديث بأي موضوعات أخرى، ولكنها لن تستطيع التغلب على ذكائه الفطري، فآثر على أن يجيب حتى يصل معها لآخر المطاف. تمطى بجسده قليلاً هاتفا:
"مفيش وراها غير استدعاء للنيابة عشان تدلي بأقوالها في قضية لواحظ، وأنا لازم أستدعيها في المحكمة والقاضي بيحقق مع أكرم…. غير كده خلاص مفيش أي مشاكل حتقرب منها." أماءت بفرح وسألته باهتمام: "وقضية دارين كده خلصت؟ هتف بنزق: "مش أمرتي ماخدتش أتعب…. يبقى أمرك يطاع يا برنسيس." حاولت الاعتراض فرددت: "متاخدش منها… لكن أنا هدفع لك أتعابها كاملة، فـ…" قاطعها ممسكاً راحتها بقوة مردداً بعبث: "بس بقا…. مش واخد عليكي رغاية كده."
تحرجت من تصرفاته، فاحمرت وجنتيها وصمتت عن الكلام. فانحنى مقترباً منها وهتف: "نيللي… بصي لي." رفعت رأسها تنظر له بخجل واضح، فهتف برومانسية: "أنا بحبك." حاولت أن تهرب من نظراته التي اخترقتها، ولكن لم يمهلها الوقت الكثير، فاخرج من جيبه علبة مخملية ووضعها أمامها وردد: "أنا عرفتك عني كل حاجة…. حياتي وشغلي وأمي، ولو حسيتي إنك حتقدري تعيشي معايا في الظروف بتاعتي دي، حبقى أسعد إنسان في الدنيا، لكن…" صمت
يبتلع لعابه برهبة وأكمل: "لو شفتي نفسك مش قد المسئولية اللي أنا بعرضها عليكي، فأنا مش حقدر أضايقك ولا أجبرك على حاجة." رفعت وجهها تنظر له بتفحص وسألته بجدية: "مش حتقدر تجبرني على شيل المسئولية بتاعة والدتك…. وساعتها حألبس الخاتم ده ولا حتِصرف نظر؟ هو لا يستطيع أن يكهل عاتقها بتحمل مسئولية والدته رغماً عنها، ولكن لحظة… هل معنى حديثها أنها توافق عليه من حيث المبدأ، ولكنها مترددة بسبب ظروف والدته؟
حك طرف أنفه بتوتر وهتف: "أنا وأمي باكديج على بعضه يا نيللي…. مش حقدر أقسم حياتي بينك وبينها، موافقتك على وجودها في حياتنا حيسهل عليا كتير." هتفت بحيرة: "بس أنا بشتغل، يعني مش حكون فاضية عشان أراعيها، وغير كده معرفش رعاية مريضة زيها تكون إزاي؟ وأنت كده بتحط العقبة في المنشار." أماء رافضاً وهتف بتوضيح:
"لا لا خالص…. انتي مش حتكوني مسئولة عنها، لأن فيه ناس مسئولين عشان يراعوها موجودين بصفة دائمة، وده لأني مش موجود معظم الوقت معاها بسبب ظروف شغلي، بس في النهاية برجع البيت، يعني اللي أقصدة إنها حتعيش معانا في بيت واحد، ومش حفرط فيها ولا حزورها زي الضيق." أماءت بالموافقة وهي تجيب: "طيب وإيه المشكلة في كده؟ بس أنا قبل ما أوافق عايزة أطلب منك طلب." ابتسم بسمة ساحرة وهتف: "أؤمري يا برنسيس." أجابته متحرجاً:
"نعيش عندك في الفيلا، عشان على الأقل المكان يبقى واسع وأنا أعرف آخد راحتي وأمك كمان تقدر تاخد راحتها هي والناس اللي بتراعيها." احتدمت تعابيره قليلاً، ولكن حاول قدر الإمكان أن يكتم غيظه وردد بحدة طفيفة: "أنا مش من الرجالة اللي بتعيش على عرق الستات يا نيللي، اعرفي كويس انتي بتتعاملي مع مين؟ شعرت بغضبه فرددت تصحح له: "أبدا أنا ما قصدتش كده…" قاطعها بحدة:
"أنا مقتدر وأقدر أجيب بدل الفيلا اتنين، ولو انتي عايزة تعيشي في فيلا حقولك حقك، لأن ده المستوى اللي انتي متعودة عليه، وأول ما تلبسي الخاتم اللي قدامك ده حننزل أنا وانتي ونختارها سوا." ابتسمت بحب وأمسكت العلبة المخملية، نظرت بداخلها فوجدت خاتماً رائعاً من الألماس الخالص والنقي، فابتسمت له بفرحة وهتفت بمشاكسة: "طيب قوم يلا اعمل لي الشو بتاع العرسان." نظر لها بدهشة، فهتفت توضح له: "تقف على ركبتك وتطلبني للجواز يا سعد."
ضحكته العالية أثارت دهشتها وجعلت من الجالسين بالمقهى ينظرون لهما. فرفع حاجبه بحرج وهتف هامساً عندما وجد إصرارها ظاهراً على محياها: "نيللي… أنا مش حعرف أعمل كده." رفعت كتفيها بلامبالاة، فابتسم لها وعض على شفته السفلى، ووقف ليهندم سترته وانحنى على قدم ونصف أمامها، وأمسك العلبة بيد وأمسك راحتها باليد الأخرى، ورفع بصره ناحيتها يهتف برومانسية: "تتجوزيني؟
حولّت أنظارها للعيون المراقبة لهما بالمقهى، فابتسمت بانتصار وأطرقت نظراتها لأسفل تنظر له بوهج عاشق، وأماءت بالموافقة هاتفة بصوت ناعم: "موافقة يا سعد." انتفض من مكانه فور سماعه موافقتها، وألبسها الخاتم واحتضنها بسعادة، فبادلته الأحضان وسط تصفيق الجالسين بالمقهى. فتحت بنفسها بعد أن استمعت لقرع جرس الباب لأكثر من مرة، فوجدتها عمتها. فهتفت هايدي بترحيب: "تعالي يا عمتو، أهلاً وسهلاً."
التفتت منار وهي محاطة بهالة من الضيق والغضب، والتي استشعرتها ابنة أخيها على الفور، فرددت بخضة: "في إيه؟ صرخت بقهر: "سيف." هتفت هايدي بذعر: "ماله؟ حصله إيه؟ أجابتها بحزن وكأنها في عزاء: "حيتجوز…. رايحين بكرة نخطب له." عانت تقاسيم وجهها بحزن عميق، ولمعت عينيها بالعبرات الحارقة، وظلت صامتة تقضم داخل وجنتها. فهدرت منار بحدة: "أنتِ حتقعدي تعيطي؟ أجابتها بحزن: "وعايزاني أعمل إيه يا عمتو بس؟ استنشقت ماء أنفها وأكملت بقهر:
"سيف عمره ما شافني ولا حس بيا…. من زمان أوي حتى من قبل ما يتجوز." رددت منار بضيق: "بنتي انتي…. أنا مش عايزة خيبتك دي تاني، المرة اللي فاتت سبتيني وقفت له لوحدي أيام نيڤين، الله يرحمها، أنما المرة دي لأ…. فاهمة؟ رمقتها بنظرات فضولية وهتفت بحيرة: "عايزاني أعمل إيه؟ أنا ما رديتش أتجوز إلا لما هو راح اتجوز، وأول ما ماتت طلبت الطلاق، وأديني أهو بقالي سنة ونص مطلقة وهو ولا هنا." قوست منار فمها بضيق وهتفت:
"الموضوع بتاع الجواز مكانش في باله ومع ذلك كلمته أكتر من مرة عليكي، بس كان بيتهرب، وأهو دلوقتي رايح جايب لي واحدة رد سجون.. أعمل أنا إيه في المصيبة دي؟ لمعت عينها بالدهشة وسألتها باهتمام: "رد سجون إزاي يا عمتو؟ أجابتها بفضب: "متهمة كانت عنده في السجن يا ستي…. قال إيه حبها وعايز يتجوزها! شفتي المصيبة." تعجبت هايدي بشدة وحركت كتفيها دلالة على عدم تصديقها، ولكنها عادت تهتف:
"أنا اللي غلطانة إني خربت بيتي بإيدي، وفي الآخر سيف ولا عمره حيشوفني من أصله." قطع حديثهما دخول والدها فرحب بها بشدة: "منااار….. إيه النور ده؟ هتفت بحزن: "إزيك يا رشاد؟ تعجب من فتورها فسألها باهتمام: "مالك؟ طلعت مزعلك ولا إيه؟ أماءت بلا وهتفت: "سيف." تعجب من إجابتها فردد متسائلاً: "سيف؟ ده سيف عمره ما زعلك، إيه اللي حصل؟ احكي لي." قصت عليه رغبة نجلها بالزواج من تلك الفتاة التي كانت سجينة لديه، فانقشع وجهه
بالغضب وردد بصورة هادرة: "ابنك اتجنن ولا إيه؟ أجابته بغضب: "مصمم عليها وبيقول إنه حر، وقال لأخته محدش بيصرف عليا عشان تتحكموا في اختياراتي." نظرات الغضب والشدة التي ظهرت على وجه رشاد جعلته يهتف بشراسة: "لما يكون ناوي يدخلها العيلة يبقى كلنا لنا دعوة، هو مش عارف هو مين وابن مين وعيلته مين؟ رايح يجيب لنا واحدة رد سجون كمان! شهقات بكائها جعلتها تنتصب من مكانها وهي تردد بحزن:
"أعمل إيه بس يا رشاد قول لي أنت لو مكاني هتعمل إيه؟ وأنا في الآخر أقنع أبوه ورايحين بكرة أنا وهو عشان نخطبها." هتف رشاد بحدة: "سيب لي الموضوع ده يا منار، أنا حتصرف معاه." جلس إلى جوارها يداعبها بالكلمات الحنون الرقيقة بغزل عفيف، وهو ممسك راحتها بين يديه يقبلها بين الفينة والأخرى. تنحنحت فدوى وهي تبلغ لغرفة الضيوف هاتفة بصوت رقيق: "العشا جاهز يا أولاد، يلا بينا."
ابتسم لها سيف واتبعها هي ودارين لغرفة الطعام، وجلس بجوارها وبدأ بتناول الطعام والتحدث معهم ببعض الأحاديث الجانبية. ظلت دارين متجهمة الوجه تشعر بحزن وخجل وهي تنظر إلى طبقها الموضوع به ذلك الطعام المهروس المقزز، فحاولت أن تخبئه حتى لا يراه سيف. لاحظ الآخر عدم تناولها للطعام، فنظر لها باهتمام وهتف: "انتي مش بتاكلي ليه؟ أجابت بحرج: "مليش نفس." نظر لها جمال بحزن على حالها، وأعاد بصره لوالدته يرمقها بنظرات ذات مغزى، هاتفا:
"ماما هاتي طبق شوربة لدارين تاكله." فهم سيف على الفور أنها تخجل من تناول الطعام أمامه، فهو يعلم نصائح الطبيب بشأن طعامها المهروس. فامسك بالشوكة وبدأ بهرس الطبق أمامه، ونظر لها نظرات عاشقة وهتف بغزل غير مهتم بوجود عائلتها أمامه: "أنا وانتي حنأكل زي بعض، يلا كلي." أمسك طبقها وقربه منها وأزال عنه الغطاء ووضع الملعقة قسراً بكفها وهتف بجدية: "كلي يا دارين، يا إما حأقوم أمشي."
ابتسم كل من هشام وجمال لاهتمامه الزائد بها، أما فدوى فوقفت تتجه للمطبخ هاتفة: "سيبيها يا سيف، أنا حجيب لها شوربة." خرج صوته الأجش يأمرها بحدة: "لا…. حتاكل أكلها كله، وإلا أقسم بالله حأمشي." نظرت له دارين بتعجب وهتفت بضيق: "ده تهديد؟ أماء بنعم مؤكداً على حديثه: "أنا ما هددتش…. أنا بنفذ، والدلع اللي اتعودتي عليه أيام المستشفى تنسيه خالص، عشان بطريقتك دي حندخل في موال أنيميا وتعب إحنا في غنى عنه…. مفهوم؟
شدد على كلماته حتى يتخذ معها موقفاً صارماً، فلا يتيح لها مجالاً لتخجل منه أو تعتبره شخصاً غريباً عنها. وعندما وجد ملامحها الحزينة، أمسك بمعلقته ووضعها في طبقه وتذوقه، فابتلعه بصعوبة وظهرت معالم التقزز على وجهه التي لم يستطع إخفاءها، لتصدح ضحكاتهم جميعاً من معالم وجهه. ليهتف بتذمر: "إيه يا طنط ده؟ لأ دي معاها حق مترضاش تاكله ده لا طعم ولا لون ولا ريحة." هتفت فدوى بحرج: "ما الدكتور اللي قايل مسلوق ومن غير بهارات."
أجاب بتقزز: "قال لك من غير بهارات يا طنط، مش من غير ملح، ده طعمه غريب أوي." ابتسم بسخرية وهتف مازحاً: "قومي.. قومي هاتي لنا شوربة على الأقل حيكون ليها طعم." صدحت ضحكاتهم من مزاحه، فامسك راحتها وقبلها قبلة سطحية أمامهم جميعاً، فامتعض وجه هشام وتنحنح بتحشرج، فانتبه سيف لنفسه وأطرق رأسه بخجل من تجاوزه العفوي معها. حاول جمال تخطي الحرج الظاهر على وجهه، فتحدث بجدية مغيراً للموضوع هاتفا:
"طيب نتكلم في التفاصيل يا بابا، بما إنه مش حابب يتكلم فيها بكرة مع أهلها." استحسن سيف الأمر وهتف: "أنا قلت كل اللي عايزينه حيتعمل." أماء جمال وردد بفضول: "أيوه أنا فاهم…. بس برضه لازم نعرف الشقة والعفش والدنيا دي كلها عشان…." صمت ليفهم الأخير محاولتهم تلافي الأخطاء السابقة، فردد بتأكيد ودعم: "بص يا جمال…. من الآخر كده أنا شاري اختك، يعني لو طلبتوا مني لبن العصفور حجيبه." صمت ونظر لها بحب هاتفا:
"أنا لو عليا عايز أتجوزها النهارده قبل بكرة، بس أنا عامل حسابي على شهور العدة." لمعت أعينهم جميعاً، فعاد يوضح: "أينعم ما حصلش أي تواصل معاها لأكتر من 8 شهور من ساعة القضية…." قاطعته تصحح له: "من سنة…. من سنة يا سيف، من لحظة ما سقطتني وموت ابني." رأى الحزن يعتمر قلبها، فأمال ناحيتها يهمس لها: "إن شاء الله ريان يعوضنا أنا وانتِ عن اللي راح."
دُهشتها مما تلفظ به جعل وجهها ينظر له بطفولية، أوقعته بحيرة من أمره، ليسأل نفسه من تلك التي أمامه؟ هل هي امرأة بالغة فائقة الجمال، أم أنها مجرد طفلة صغيرة تحتاج للتدليل؟ حرك رأسه بمعنى ماذا هناك، فردت: "مين ريان؟ ابتسم بسمة ساحرة وهو يجيب بعفوية: "ابننا."
استيقظ صباحاً كله نشاط، فصلى الفجر وارتدى زيه العسكري وتوجه لعمله، وهناك استقبل لواحظ مرة أخرى عائدة، ليست فقط تجر أذيال الخيبة، بل تضاعفت مدة أحكامها وفقدت زوجها ودعمها، وتركها مساعدوها لتتعفن داخل أسوار السجن. دخلت مكتبه برفقة السجانة، ووقفت تنظر له بغل وقهر، فابتسم لها بتشفٍّ هاتفا: "السجن ضلّم برجوعك يا لواحظ." لمعت نظرة سوداء قاتمة بعينها وهتفت بتوعد: "تفتكر إن لواحظ المر ممكن تسيب حقها وحق جوزها؟
ابتسم بسخرية، فقوست فمها بغل واستطردت ساخرة: "مش أنا عرفت اللي فيها يا باشا." نظرت له بتفحص، فاكملت: "أصل وأنا هاربة كانت بتجيلي أخبار قصة الحب اللي ولعت في الدره." قوست فمها بطريقة سوقية مستطرده: "معاون المأمور ومسجونة عنده، زي كده لما ظابط الآداب يحب بنت شغالة في الدعارة، ولا راجل الدين لما يحب رقاصة." زفر أنفاسه الحارقة هاتفا بتهديد: "اخرسي وإلا…." قاطعته ساخرة:
"السجن كله ملوش سيرة غير سيرتك انت والمحروسة، حتِخرس مين ولا مين يا باشا؟ نظراته المعتمة ناحيتها جعلتها ترتجف قليلاً، ناهيك عن انتفاضة جسده ليهب واقفاً، صافعاً بيديه على مكتبه محتد التعابير، فاستدعت قوة زائفة وهتفت: "ما أنا يا ححسرك عليها وأبقى أخدت بتاري منها، يا ححسرك عليك وأعيشك الوجع اللي أنا عايشاه." صرخ بها بحدة وغضب هاتفا:
"أنتِ مش حتقضى مؤبد وبس هنا… أنا ححرص إن مدتك متعديش بالساهل أبداً، وابقى فكري بس إنك تقربي منها وشوفي سيف المهدى حيعمل فيكي إيه!! تنفس بحدة وزفر بقوة مستدعياً السجانة هاتفا: "وعشان أوريكِ جزء من اللي حتشوفيه مني." نظر للسجانة وأمرها بصرامة: "خديها على التأديب، والزنزانة بتاعتها تفضل غرقانة ميه 12 ساعة في اليوم، ولو مريت ولقيت غير كده إنتي اللي حتكوني مكانها."
أماءت بطاعة وسحبتها للحبس الانفرادي، والأخيرة توعد بداخله أن تذيقهما الشرور والقهر.
بدأن بتجهيز المنزل والأطعمة المختلفة، فساعدت أخوات فدوى وبناتهن على تهيئة المنزل لاستقبال سيف وعائلته. أما زوجة جمال فقد ظلت مع دارين لتعنى بها في هذا اليوم المميز، بدءاً من مساعدتها على الاستحمام مع الاعتناء التام بجرحها الذي لم يطيب بعد، انتهاءً بتصفيف شعرها وتجميلها بمستحضرات التجميل حتى تخفي شحوب وجهها والهالات السوداء التي تحيط بعينها.
الشيء الذي لم تستطع منتجات التجميل إخفاؤه هو نحافتها الشديدة التي اكتسبتها نتيجة لنظام تغذيتها، وأيضاً إصابتها التي تجعل معظم الطعام يخرج دون استفادة جسدها منه، فأصبح جسدها نحيلاً وضعيفاً. لذا ارتدت فستاناً أسود واسعاً اختارته بعناية حتى يخفي نحافتها، وآثرت على ترك شعرها المجعد على حالته دون محاولة فرده أو كيه، ولكن ظهرت إطلالتها جميلة، رقيقة بل وراقية.
انتهى دوامه وتوجه لمنزله حتى يغير ملابسه بأخرى أنيقة وجذابة حتى يتوجه لخطبة حبيبته. دلف منزله واغتسل وبدأ بتجهيز نفسه وهو يهاتف والديه مردداً: "أنا تقريباً أمامي نصف ساعة وأجهز." أجابه طلعت بسخرية: "أمك لسه بدري عليها يا بني، دي يا دوب دخلت تاخد شاور." قوس جبينه بضيق وردد بتضرع: "بالله عليك يا بابا خليها تنجز، مش عايز أتأخر عليهم، ووصيها تضحك في وشهم، بلاش الوش الخشب اللي بتلبسه ده."
ضحك طلعت على مزحة نجله وهتف مطمئناً: "متقلقش يا حبيبي، أنا متفق معاها… و يلا سيبني بقا عشان ألبس أنا كمان." أغلق الاتصال وعاد ليهندم مظهره، واضعاً عطره بسخاء، مصففاً لشعره الأسود، ووقف يتفحص مظهره بالمرآة، فتفاجأ بقرعات لجرس الباب، فاتجه بسرعة ليفتح ووجد خاله رشاد. تعجب من حضوره بهذا الوقت، فردد بترحيب: "أهلاً يا خالي، اتفضل." دلف رشاد وجلس بالأريكة منتصف الصالة، فسأله سيف: "تشرب حاجة؟ أماء رافضاً
وربت بجواره هاتفا بمحبة: "تعالي يا سيف، أنا عايز أتكلم معاك شوية." علم على الفور سبب زيارته، فجلس بتحفز وردد بضيق: "خير؟ نظر له رشاد نظرات مطولة وهتف أخيراً: "انت أكيد عارف أنا جاي ليه النهارده؟ أماء مؤيداً وعقب عليه: "أكيد…. بس يا ترى ماما حكت لك كل حاجة زي ما هي ولا عملت مونتاج لنص الحكاية؟ أجابه رشاد:
"من غير مونتاج…. الموضوع ده مرفوض من العيلة كلها… لا أخوالك ولا أعمامك حد فيهم موافق، فانت عندك استعداد تخسر العيلة كلها في سبيل واحدة زي دي." انتفض من مكانه مهللاً بغضب: "خااااالي….. يعني إيه واحدة زي دي؟ بما إنك متعرفش حاجة عنها فياريت متتكلمش عنها كده." بسخرية هتف رشاد:
"أعرف عنها كفاية يا حضرة المعاون…. أعرف إنها كانت مسجونة عندك، وانت عيلتك كلها لواءات ومستشارين، أعرف إنها مش بنت بنوت ومعهاش ما يثبت جوازها، وأعرف إن موقفك زي الزفت قصاد زمايلك في الشغل." تنفس بحدة، فعاد رشاد يكمل: "بقا بعد نيڤين تروح تاخد دي؟ مرة أخرى يقلل من شأنها بطريقة فجة، فوقف سيف ينظر له بضيق وهتف:
"بحبها…. ومش عايز أسمع كلمة عليها، وطالما اخترت تسمع من الطرف اللي رافض الموضوع وبس وبنيت رأيك على كده، يبقى الكلام مضيعة للوقت." ابتسم بسخرية ونظر لساعته هاتفا: "طبعاً أهل العروسة منتظرينك دلوقتي عشان كده مستعجل! أماء بنعم وهتف: "آه…. وحضرتك جاي تعطلني وأنا مش ناوي أغير رأيي، فلو حابب تسمع الحكاية صح حقولها لك.. أما بقا لو واخد قرارك وجاي بس عشان تخليني أغير رأيي، تبقى بتضيع وقت يا سيادة اللوا."
قوس رشاد فمه بضيق من أسلوبه الحديث عليه، فجميعهم غير معتادين على حدته وعصبيته، بل وتخطيه الأصول في تحدثه مع من يكبره سناً أو مكانة، ولكن يبدو أنها استحوذت على تفكيره وكيانه، فهتف متذمراً: "ليه تتجوز واحدة نامت في سرير راجل قبلك؟ انت لا مطلق ولا وراك عيل عشان يبقى ده اختيارك…. انت بمركزك تشاور على أكبر عيلة في البلد وتطلب بنتهم اللي لا سبق ليها الجواز ولا وراها مشاكل." ابتسم سيف بسخرية وهتف باستنكار:
"والكلام ده كان حيبقى رأيك لو أنا النهاردة جاي أطلب إيد هايدي؟ لمعت عينه بالدهشة والغضب في آن واحد وهتف: "إيه اللي جاب سيرة هايدي دلوقتي؟ أجابه سيف بزفرة خانقة: "كلامك إني أستحق واحدة متجوزتش قبل كده ولا نامت في سرير راجل قبلي، لو أنا كنت جيت اتقدمت لبنتك كنت حتقولي الكلام ده؟ كنت حتشوفني أستحق واحدة أفضل منها؟ صرخ به رشاد: "أنتِ بتقارن بنتي بالزبالة دي؟
انتفض سيف من مكانه ونظر له بحدة، جازاً على أسنانه مستنكراً سبابه لها بهذا الشكل، هاتفا بصوت غاضب متحشرج: "مظنش إني حسمع كلام تاني بعد كده يا خالي…. النقاش في الموضوع ده اتقفل، فيا ريت لو جاي تبارك حيوصلك شكري، ولو كلامك خلص فـ أنااااا…." قاطعه بحدة: "إيه حتطردني؟ أماء رافضاً على الفور مؤكداً: "بالعكس…. أنا كان نفسي أوي اتشرف بيك قدام نسايبي وأعرفهم على أهلي واحد واحد، بس الواضح إنكم كلكم مستكترين عليا إني أفرح."
هتف بتراجع في صوته: "يا بني إحنا خايفين عليك و…." قاطعه سيف يسأله: "حضرتك عارفني كويس ومن جواك متأكد إن أنا مستحيل اختياري يكون فيه أي عيب أو مشكلة، أنا راجل بصلي وبعرف ربنا ورجل عدل وقانون قبل أي اعتبارات تانية… عشان كده أنا عارف ومتأكد من اختياري، ولو الظروف اللي جمعتني بيها كانت غير كده كنت حتلاقوني كلكم واقفين معايا وبتباركولي." تنفس رشاد عميقاً بعد أن وجده على هذه الحالة وهو يستطرد:
"أنا عشت 3 سنين مش عارف أبتسم مش أضحك…. وجودها رجعلي الضحكة تاني." دمعت عيناه وهو يكمل: "3 سنين مبحلمش غير بيوم الحادثة… وجودها خلاني أحلم بمراتي وبنتي وهم بيباركولي عليها." تنهد بعمق أكبر وأكمل: "3 سنين يا خالي وحيد… وجودها بس اللي ملا عليا حياتي." جلس على المقعد ورفع بصره له مستطرداً:
"انشغلت بمشاكلها وقضيتها اللي كانت متلففة لها، وما ضايقتش ولا حسيت للحظة إني عايز أمشي أو أقول لنفسي إيه اللي دخلك في الحوارات دي… فمتجيش دلوقتي تحاول ترجعني عن قراري لأنه نابع من قلبي وعقلي وتفكيري وكياني كمان، مش من قلبي بس." يقضم شفته السفلى يحاول ابتلاع غصة قوية تعلقت بحلقه، وأردف:
"حتى صلاتي بينت إن الموضوع فيه خير…. أنا صليت استخارة وكل يوم إصراري وتمسكي بيها بيزيد عن اللي قبله، وفي لحظة بابا اللي كنت متوقع إنه يفضل رافض لقيته وافق… يبقى الاستخارة جابت نتيجة." ابتسم رشاد بحب وهتف بحنين أبوي: "ياااه… للدرجة دي يا سيف؟ ده انت شوقتني إني أشوفها." وقف واقترب منه وأمسكه من كتفه هاتفا: "لو جيت معايا حتشرف بيك يا خالي." أماء مبتسماً وردد ممازحاً:
"ماشي يا سيف… حروح البيت أغير هدومي وأجي معاك، بس ع الله أمك متقاطعنيش بسببك." ضحك سيف من خفة ظله وأماء له معقباً: "بس بسرعة الله يكرمك يا خالي، مش عايز أتأخر عليهم، أنا قايل لهم حكون هناك بعد صلاة المغرب." أجابه بإيماءة طفيفة وهو يتجه للباب هاتفا: "نص ساعة يا سيف و حتلاقيني عندك… واتقل كده يا واد، بلاش اللهفة دي، لأهلها يقولوا عليك خفيف." ابتسم بحبور وأجابه ساخراً من نفسه:
"لا خلاص فات الأوان يا سيادة اللوا…. أهلها عارفين إني واقع لشوشتي." عادت ضحكته تزين فاهه وهو يعقب مستهزئاً: "الله ينور يا مشرفنا." ارتدت ملابسها بتباطؤ حتى صدح صوت هاتفها يعلن عن اتصال من ابنة أخيها، فجابت بملل: "إيه يا هايدي؟ هتفت الأخرى من الجانب الآخر بصوت باكي: "شفتي يا عمتو؟ …. بابا رجع من عند سيف بيلبس ورايح معاه." صدمت مما سمعته فاحتدت تعابيرها ووقفت من مكانها وهتفت بـ شراسة:
"لاااا… الموضوع كده زاد عن حده أوي، البت دي أكيد عملاله حاجة، مش معقول اللي بيحصل ده! خرج صوت هايدي المندهش بفضول: "قصدك إيه؟ عملاله عمل مثلاً؟ همهمت بصوت حزين لتردف الأولى: "انتي بتصدقي في الحاجات دي يا عمتو؟ أجابتها بزفرة قوية: "وأصدق ليه؟ ما هي مذكورة في القرآن." أجابتها هايدي: "مذكور إن السحرة ميقدروش يأذوا حد إلا بأمر من ربنا، وسيف بيصلي، يعني مستحيل يا عمتو." تنهدت بحرقة وهي تضرب بكفها على فخذها هاتفة:
"ابني بيروح مني ومش عارفة أعمل حاجة." صمتت لبرهة وعادت تهتف: "ما تلبسي وتيجي مع أبوكي؟ حركت الأخرى كتفيها وكأنها تراها عبر الهاتف مجيبة: "لا يا عمتو بلاش…. أنا مش عايزة يحصل حاجة تزعل سيف مني." تذمرت منار ورددت بداخلها دون الاستماع للأخرى لها: "اتوكّسي…. هو سيف شايفك ولا حاسس بيكي من الأساس." لتعود وتحدثها بنبرة حنونة:
"متسبينيش لوحدي يا هايدي وسطهم… كلهم موافقين وأنا حبقى قاعدة آكل في نفسي، ومتخافيش مش حأعمل حاجة تجيب زعل." فكرت قليلاً وهتفت مجيبة: "حاضر… بس ع الله بابا ميزرجنش." حثتها منار بمحبة: "قولي له أنا اللي قلت لك تيجي، وهو يوافق." انتظرهم جميعاً أسفل البناية التي تقطن بها عروسه، حتى وصلت سيارة خاله وبداخلها كل من رشاد وزوجته وابنته وابنه الشاب. نظر بساعته وردد بضيق: "بابا اتأخر." أجابه رشاد وهو يربت على ظهره:
"المغرب يا دوب أذّن." سحب نفساً عميقاً وطردها خارجه وهتف: "طيب تعالوا نصلي المغرب في المسجد على ما يوصلوا." لم يكمل حديثه فوجد سيارة والده تقترب وبداخلها والدته وأخته وزوجها وصغيرهما بالطبع. نظرت منار أمامها بتقزز ووجوم وجه، فتوسلها سيف بحب: "ماما…. عشان خاطري افردي وشك وافرحيلي." أماءت بصمت وعادت تردد: "إيه لازمة كل العربيات دي… ما كنت جيت مع خالك بدل ما دوخنا على مكان نركن فيه." ابتسم لها بعذوبة وأجابها:
"كده أحسن عشان غالباً بعد الخطوبة حاخدها ونتعشى بره، وخالي أكيد حيعوز يروح." هتف رشاد يقاطعهما: "حنصلي المغرب في المسجد ونطلع بعدها على طول." أماء الجميع بالموافقة وذهبوا للمسجد حتى ينتهوا من الصلاة، ولكن ليس قبل أن يهاتفهم سيف مردداً: "أيوة يا جمال…. إحنا تحت، حنصلي المغرب ونطلع لكم على طول."
انتهى الجميع من ارتداء ملابسهم والتزين بأبهى صورة، وانتظروا وصول مدعويهيم على أحرف من جمر، بعد أن أخبرهم جمال بوصولهم. وبالفعل لم تمر لحظات بعد إتمام المصلين صلاتهم حتى صدح صوت جرس الباب يعلن عن وصولهم، فارتبكت دارين على الفور وهرعت للداخل وسط ضحكات بنات خالتها. فتح هشام الباب واستقبل سيف وعائلته، ولكن تفاجأ بهذا العدد، فشعر بالفرحة العارمة لمباركة أهله له.
بعد دخولهم جلسوا جميعاً وبدأ سيف بتعريفه لأهله، فهتف متفاخراً: "ده بابا…. اللوا طلعت المهدى." أماء له هشام ومد ساعده يرحب به هاتفا: "أهلاً وسهلاً، نورت." أشار لوالدته وردد ممازحاً: "أمي…. منار الرفاعي غنية عن التعريف." قوست فمها من مزحته، فضحك بحماس وسعادة وأشار لخاله هاتفا: "وده خالى اللوا رشاد الرفاعي وبنته هايدي وابنه الملازم طارق." وعاد يشير لأخته هاتفا: "ودي بقا أختي الصغيرة سارة وده جوزها وابنها."
رحب بهم هشام وجمال، ورحبت فدوى بدورها، وجلس الجميع بالصالة الواسعة وبدأوا بالأحاديث الجانبية حتى تطرق طلعت للجدية هاتفا: "طيب يا جماعة خلينا ندخل في الموضوع…. ابني اختار بنتك وهو شايف إنها الإنسانة المناسبة ليه، وطبعاً كلنا موجودين عشان نبارك." ابتسم هشام بتصنع، متخوفاً من نبرته الحادة، ولكن سيف تدخل بالحديث هاتفا: "أنا اتفقت على كل حاجة يا بابا… والنهاردة أنا جاي أقرأ الفاتحة وألبس الدبل، ده بعد إذن حضرتك طبعاً."
أماء طلعت موافقاً، فصدح صوت منار الحاد: "يعني إيه اتفقت على كل حاجة؟ من غير معرفتنا ولا إذننا….. ليه ملكش أهل؟ نظر لها بوجوم وردد بصوت جاد يحذرها به بنبرة مبطنة: "لا طبعاً ليا…. بس أنا راجل مسئول عن نفسي و…." قاطعته صارخة غير عابئة بتحذيرات عينيه: "ده ميمنعش إننا لازم نعرف اتفقتوا على إيه؟ الأصول متزعلش حد." أجابها هشام على الفور حتى لا تظن أنهم قد استغلوه:
"معاكي حق يا فندم…. أنا ما طلبتش من سيف غير الأصول والمعقول." رددت بسخرية: "اللي هو إيه؟ أجابها وهو يكتم غيظه: "فرح وشبكة وشقة… ولا حددت الفرح فين ولا الشبكة بقد ايه؟ وعارف إن شقته موجودة ومفكرتش أسأله عن مكانها أو مساحتها؟ ضحكت مستهزئة وهتف بمكر قاصداً الخوض بسمعتها: "ما العروسة عاينت الشقة على الطبيعة…." أسكتها صوت طلعت بحدة: "مناااار….. مش عايز حريم تتكلم، الكلام هنا للرجالة وبس، مفهوم؟
انتظر ردها فماءت إيماءة خفيفة ووجهها يعلن عن احتقان دماءه، أما سيف فكور قبضة يده بحدة، فرّبتت أخته عليه حتى تهدأه، فعاد طلعت يردد: "كل اللي طلبته من حقك وحق بنتك يا أستاذ هشام، ومفيهوش أي تعدي للأصول، بس خلينا نبقى واضحين أكتر بالتفاصيل." أماء هشام وقطرات العرق تغزو جبهته بعد حديث منار الذي يمس شرف ابنته، فاستطرد طلعت: "الفرح حيتعمل في نادي من النوادي بتاعة الشرطة، وده طبعاً أمر مفروغ منه." أماء هشام موافقاً،
فأكمل الأول: "والشبكة دي هدية ملناش نتكلم فيها وهو حر وكل راجل بيجيب قيمتها." عجب هشام بحديثه وانتظره أن يكمل، فهتف: "الشقة موجودة زي ما قلت، بس أكيد كل الفرش اللي فيها حيتغير…." هنا قاطعه سيف هاتفا بحزن واضح على ملامحه: "الشقة حتفضل زي ما هي، مفيش فيها قشاية حتتشال أو تتغير." نظرات الجميع المسلطة عليه ما بين حاقدة وفرحة ومتشفية وأخرى رافضة لحديثه، جعلته يستطرد أكثر موضحاً:
"أنا حشتري شقة تانية عشان أتجوز فيها وحأوضبها على ذوق دارين، يعني هي اللي حتختار كل حاجة فيها من الإبرة للصاروخ." عادت البسمة تزين أوجه عائلتها وأعقبتها إيماءة ممتنة من هشام، فهتف طلعت يكمل: "ويفضل الفرش والمؤخر… كله بالمعقول والأصول، ولا عندك رأي تاني يا أستاذ هشام؟ أجاب بإيجاز: "لا طبعاً، كل كلامكم على راسي." هتف سيف بلهفة: "طيب يا جماعة نقرا الفاتحة بقا؟ ضحك الجميع على لهفته ليخرج صوت والده هاتفا بتذمر:
"حنقرا الفاتحة من غير ما نشوف العروسة يا بني…. طيب على الأقل أعرف شكلها." ابتسم سيف بفرحة عارمة ونظر لحماه المستقبلي يستأذنه باستدعائها، فهرعت إحدى الفتيات لتناديها لتدلف الأخيرة حاملة بيدها صينية المشروبات والعصائر، فالتقطها منها أخوها وأمسكها من كتفها ليقربها من عائلة سيف هاتفا بحب: "سلمي على حماكي وحماتك يا دارين." ابتسمت بعذوبة فور أن وقف لها طلعت ينظر لها بانبهار هاتفا بغزل:
"إيه الجمال ده سيف…. ما شاء الله تبارك الله يا بني." جلست على الأريكة بجوار سيف بعد أن رحبت بالجميع بخجل واضح، وظلت مطرقة رأيها لأسفل حتى خرج صوت سيف المتلهف: "يا جدعان نقرا الفاتحة بقا ولا لسه؟ ضحك الجميع وردد هشام ببسمة منمقة: "وماله يا بني…. نقراها."
انتهوا جميعاً من قراءة الفاتحة، فاخرج سيف من جيب سترته علبة صغيرة موضوع بها محبسين وخاتم ذو فص رقيق، وأمسك راحتها وألبسها إياهما، لتفعل المثل بمحبسه، فينحني يقبل راحتها بحب وينظر لها متغزلاً بملامحها مردداً: "مبروك يا ديدو."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!