تعد الرجل فور سماعه لحديثه فاستطرد سيف يردد بعد أن تأكد بأن رسالة إرهابه قد وصلت مكانها. "فأنت مفيش قدامك غير إنك تقول لي على مكانهم، لأنهم مش هيسيبوك تعيش، ولو فضلت ساكت يا هتموت على إيديهم يا على إيديا، لكن لو قلت لي مكانهم هأوفر لك الحماية." احتسبها في رأسه، لم يكن عليه سوى أن يعترف بالأمر كاملاً، لعله ينجو من ذلك الهلاك المحتوم الذي هو بصدده.
هو علم تمام العلم بأن عتريس المر ولواحظ لن يتركاه حياً حتى يفشي أسرارهما، فهو حارسهما الأمين والذي يعلم كل أسرارهما الدفينة، لذا فأمر موته محتوم، ربما مجرد بضع ساعات أو لحظات. عاده سيف يكيل له الضربات الموجعة حتى تورم وجهه وصرخ عالياً: "أبوس إيدك كفاية خلاص، هأقول لكم على كل حاجة." بدأ يقص كل شيء يعرفه عن لواحظ وعتريس المر، بدءاً من عمليتهما المشبوهة حتى مكان اختبائهما.
أخبره مكان اختبائهما وخطتهروبهما الجديدة، وقص عليه أيضاً كل ما يعرفه عن تجارتهما الغير مشروعة وأماكن تخزينهما. لمع عين رئيس المباحث فوراً بعد أن استمع إلى تلك المعلومات المهمة التي أدلى بها ذلك المتهم، فنظر سيف بانتصار ورد: "أظن من غيري ما كنتش هتعرف تجيب كل المعلومات دي يا باشا! أجابه الأخير بامتنان: "كلنا بنتعلم منك يا سيف باشا، خسارتك والله في مصلحة السجون، كنت معانا هنا في المباحث ريس وبرنس علينا كلنا."
ابتسم ممتناً وهتف: "أنا كده مرتاح أكتر من شغل المباحث." نظر سيف أمامه وتردد باهتمام: "أظن كده بقى أنت تجهز قوة وتطلع بيها على طول على المكان اللي هو قال عليه قبل ما يلحقوا ياخدوا حذرهم، وخذ بالك عتريس المر مش سهل، يعني اطلع بقوة جامدة مش قوة أي كلام." تحدث رئيس المباحث باهتمام: "خذ بالك أنت من نفسك يا سيف، أنت بقيت مستهدف دلوقتي ليهم." ابتسم سيف وتردد: "ما تقلقش عليا يا باشا." ***
ظلت حائرة صامتة، لا تعلم ماذا تريد وماذا تفعل، ولكنها تعلم أمراً واحداً فقط، هو أنها لن تضغط على والدها لأي سبب ما. فهو قد عانى الأمرين بسببها وبسبب انسياقها وراء عاطفتها، ولكنها الآن أصبحت أكثر نضجاً. بمشاعرها تلك المرة حقيقية وليست مزيفة، وربما تلك المرة اختيارها أفضل، ولكن... شعورها بالانهزام والانكسار انتقص من ثقتها بنفسها، فظلت تفكر في مستقبلها، هذا إن بقيت على قيد الحياة.
فيبدو أن القدر قد قال كلمته الأخيرة، وأنها ربما مسألة أيام حتى تستطيع لواحظ قتلها، فإن فشلت بالمرة الأولى وها هي الثانية، فالثالثة أكيدة كما المثل الشعبي: "التالتة تابته". تفاجأت بدخول سعد الدين المحامي لغرفتها بالمشفى وهو مبتسم، فاتخذ خطوات بطيئة نحو فراشها ووقف ينظر إليها ثم تردد بصوت رخيم: "ألف مبروك يا دارين، أنا خلصت لك إجراءات الإفراج وما فاضلش خلاص غير إننا بس نخلص الورق هنا في المستشفى وتخرجي على طول."
لمعت عينيها بالفرحة فور أن استمعت لحديثه، ولكنها تخوفت قليلاً من خروجها من المشفى حتى لا تطالها أيدي من يريدون قتلها، فهتفت بتخوف: "تفتكر لواحظ المر ممكن تعمل فيا حاجة بره المستشفى؟ أجابها: "بالتأكيد لا، متقلقيش، سيف باشا مجهز كل حاجة وكلمني في التليفون وحجز لك في المستشفى التانية وكله تمام."
شعرت بتضخم عضلة قلبها مما استمعت له، فهو حتى بانشغاله عنها أصبح يفكر فيها وبأمانها وحمايتها، بالرغم من اعتراض والدها عليه وبالرغم من اعتراض والدته عليها. انتهت إجراءاتها وخرجت من المشفى برفقة عائلتها ومحاميها، وصعدت سيارة والدها وتنهدت عميقاً عندما اشتمت أخيراً رائحة هواء الحرية، فهي لأول مرة تخرج خارج أسوار ذلك السجن حرة، ليست متهمة بأي قضية.
أخذت تنظر إلى الطرق حولها من نافذة السيارة، ولكن تلك المرة تنظر بطريقة مختلفة عما عاهدته بنفسها. فكانت قديماً تنظر للطرق بملل وليس باهتمام، أما الآن فكانها تحاول حفظ الشوارع والطرقات والمحلات، فهي قدرت أخيراً معنى الحرية التي افتقدتها كثيراً. نظر لها هشام في المرآة التي أمامه وحدثها بصوت حنون: "حمد لله على السلامة يا بنتي." عقبت عليه فدوى: "البيت كان مظلم من غيرك يا دارين."
ابتسمت لهما وأطرقت رأسها لأسفل تشعر بتعب وإجهاد ولا تعلم مستقبلها إلى ما سيؤول إليه، فصمتت حتى وجدت نفسها أمام أبواب بنايتها التي تقطن فيها مع والديها، فنظرت بمقلتيها تستفسر منه: "بابا، هو مش المفروض إن أنا هاروح المستشفى؟ أجابها هشام: "لا يا بنتي، كفاية كده، الدكتور آخر حاجة طمنا، ارتاحي النهاردة في البيت وبكرة إن شاء الله هاخذك أوديكِ لأي دكتور ونشوف لو محتاجة متابعة ولا أي حاجة، لكن كفاية مستشفيات لحد كده."
هتفت فدوى باهتمام: "مش هيحتلوا بيكي في المستشفى أكتر مننا، أنا هأهتم بيكي في البيت يا بنتي، ولو احتاجنا ممرضة مقيمة أبوكي هيبعت يجيب لك واحدة تقعد معانا... بس أعتقد خلاص أنتِ مش محتاجة الكلام ده كله." أومأت بتعب، فهي ليس لديها القدرة حتى على الكلام ولا لأي مهاترات مع أي أحد. دلفات منزل والدها ونظرت له باشتياق، فكم اشتاقت له.
أخذت تنظر للأركان يميناً ويساراً وهي تعلم أنها ربما قد أساءت الاختيار، ولكن بالتأكيد لم تستحق هكذا عقاباً قاسياً لمجرد زواجها من إنسان كالحرباء يتلون حتى يتناسب مع كل شكل ولون. تكأت على فراشها لتستريح وأغلقت عينيها ثم فتحتها ونظرت للسقف، وأخذت تتذكر سيف بحنانه وعطفه وعاطفته الجياشة، فتنهدت بألم لتأكدها بأن هذه القصة لن تكون نهايتها سعيدة كقصص الروايات. ***
استمع للأخبار السعيدة على الهاتف، فتهللت أساريره من الفرحة، وترك عمله ليدلف سيارته وقادها لمنزل والديه وطرق على الباب بخفة، ففتحت له والدته التي فور أن رأته ابتسمت بحنين واحتضنته بقوة مقبلة إياه. طبق على جسدها بذراعيه وهمس لها: "وحشتيني يا أمي." تزين ثغرها ببسمة واسعة وأمسكته من ذراعه وسحبته للداخل بترحيب: "تعالى يا سيف... ده أنت وحشتني قوي يا حبيبي." جلس أمام الشرفة بجوار والده الذي اعتدل بجلسته ورحب به بحبور:
"عاش من شافك يا سيف باشا... الشغل واخدك منا، ولا نقول العروسة؟ تهكم بآخر حديثه، فحذرته منار بعينها أن لا يتطرق لذلك الأمر، فهي تعلم أنها فعلت الكثير حتى تنهي تلك العلاقة، ومما سمعته من ابنتها يبدو أنها نجحت. ربتت على كتفه وهتفت: "أحط لك أكل يا سيف؟ أومأ رافضاً وتردد بصوت جاد: "أنا جاي أتكلم معاكم في موضوع جوازي." صدح صوتها الحاد: "لسه مصر على البنت دي؟ يا ابني عشان خاطري بلاش تقهرني عليك." اعترض
بوجهه وصوته في آن واحد: "أقهرك!! للدرجة دي سعادتي هتزعلك يا ماما؟ تردد طلعت بحيرة: "أنا مش فاهم البنت دي عملت لك إيه بس؟ بقى أنت مستعد تخاطر بسمعة عيلتك ومستقبلك عشانها؟ أجابه بهدوء: "يا بابا دارين طلعت براءة خلاص والقاتل الحقيقي اتمسك واعترف." رد عليه بسخرية: "طبعاً الحقيقة ظهرت بمساعدتك يا باشا، ولا إيه؟ قضم داخل فمه وكبت غضبه من سخرية والده، فردد بمحايلة: "طيب أنا بس عايزكم تسمعوني....
وبعد ما أخلص كلامي، لو لسه معترضين أنا مش هأجبركم على حاجة! لمعت نظرته لابنه البكر وهتف: "اعتبر ده وعد منك؟ أومأ موافقاً وتردد: "أيوه يا بابا.... بس أنا لو متجوزتش دارين، مش هتجوز خالص... يعني هأكمل حياتي كده، وزي ما قدرت أعيش 3 سنين من غير جواز حقدر أكمل لباقي حياتي." صرخت منار بغضب: "أنت بتحط لنا العقدة في المنشار يا سيف؟ أجابها بهدوء مصطنع: "لا أبداً، أنا بقر واقع." ابتسم والده بسخرية وهتف لزوجته باستهزاء:
"سيبك منه يا منار.... لما ينساها ويلقى واحدة أحسن منها هيغير رأيه." نظر لهما بامتعاض، فحديث والده قد أوضح له أنهما لن يتنازلا أبداً عن رأيهما، فندم على ما وعد به منذ لحظات. ظل والده ينتظر أن يستمع له، فقص عليه سيف قضيتها بالتفصيل، موضحاً زواجها المزيف ورغبته هو أن تطوي الأمر وتلقي به خلف ظهرها، فهتف مستفيضاً:
"هي كانت مصرة ترفع عليه قضية عشان تثبت جوازها منه وأنا رفضت، وهي قبلت باللي طلبته منها، فمجيش دلوقتي بعد ما خليتها تتنازل عن حقها أقول لها، أسف... سوري أصل أهلي مش موافقين عليكي عشان أنتِ سوابق، مع العلم إنها براءة يعني مش سوابق يا بابا." دارت حرب نظرات بينه وبين والديه، انتهت بحديث منار: "بس يا سيف الناس.... قاطعها هاتفا: "الناس.... مالها الناس؟
هي الناس كانت عايشة معايا وأنا وحيد وبنام كل ليلة حاضن هدوم مراتي وبنتي؟ ولا الناس حست بوجعي لما راحوا؟ هنعمل حساب للناس في إيه؟ في إني حبيت واحدة مهذبة وبنت ناس محترمين والظروف وقعتها في مصيبة ممكن أي حد فينا يقع فيها." تدلت شفتي والدته رافضة حديثه: "لا طبعاً.... محدش فينا ممكن يقع في حاجة زي دي لأننا عارفين الصح من الغلط." أجابها: "وهي وأهلها عارفين الصح من الغلط...
بس مش عارفين نوايا الناس الخبيثة، وزي ما هي غلطت باختيارها، فلقدر الغلط الأكبر على أبوها وأخوها اللي وافقوا على جوازة زي دي، ما حفظتش كرامتها من الأول." تنهد بضيق وأكمل: "المفروض كانوا سألوا عليه الأول وما كانوش قبلوا بالجواز اللي في الضلمة، حتى لو هي ضغطت عليهم بدافع الحب." غصة مريرة مرت بحلقه وهو يكمل:
"هو عرف يلعب عليها، لكن الغريب إنه قدر يلعب على أبوها وأخوها، وهو ده اللي خلاها لقمة سهلة يعمل معاها اللي هو عايزه." تردد طلعت: "يعني الأهل هم اللي في إيديهم مستقبل أولادهم وهم اللي يعرفوا الصح من الغلط أكتر من ولادهم؟ مش كده يا حضرة المعاون!! تهكم بحديثه قاصداً إياه، فقص سيف فمه ونظر له بحزن وبدأ يطرق رأسه بأسف، فهتف طلعت متسائلاً بدهشة: "طيب أنت موافق تتجوز واحدة كانت متجوزة بالشكل ده؟
ده كانه جواز عرفي يا ابني و.... قاطعه سيف: "بعد إذنك يا بابا وأنا آسف لقطع كلامك.... بس أنا الوحيد اللي له الحق يتكلم في الموضوع ده خصوصاً إنه حساس ومش عايز كلام منه يتنتور هنا ولا هنا." نظر أمامه بتفكير وعاد يردد: "محدش يعرف غيركم أنتم والمأמור وعماد زميلي، وأنا أقدر أسكت عماد، وأنتم عليكم تسكتوا المأמור، صاحبك يا سيادة اللواء، ولو أنتم متكلمتوش محدش هيعرف." لطمت صدرها بخضة هاتفة:
"هو أنت حتزور في عقد الجواز وتكتب إنها بنت بكر؟ أومأ مؤيداً، فجحظت عيناهما معاً، لهذه الدرجة يعشقها؟ لدرجة أن يحمل أعباءها ويؤازرها بتلك الطريقة!! أعاد نظراته لهما بخمول وتعب وهو ينتظر ردهما على طلبه، فشعر أنهما بحاجة لدَفعة أخرى حتى يجيبا، فهتف: "أنا قلت لكم لو سبتوني أروح أطلبها لوحدي هأنسى إن ليا أهل....
بس كنت غلطان لأني معرفش أعيش من غير أهلي، بس لو اضطريت أروح لوحدي فساعتها هيبقى فيه شرخ جوايا من ناحيتكم، يمكن معرفش أبعد عنكم و آخذ جنب لوحدي، بس الأكيد إن الشرخ ده عمره ما هيلم." ابتلع والده لعابه بضيق وهتف مستفسراً: "بتحبها للدرجة دي يا سيف؟ أنا فاكر وقت أمك ما رفضت نيڤين في البداية ما علمتش كده ولا وقفت واتحديتها زي ما أنت واقف لنا كده دلوقتي!! صمت قليلاً وأطرق رأسه لأسفل وعاد ينظر لهما بتدقيق وتردد:
"كنت وقتها عارف إنها هتوافق، وسبب رفضها غيره أم على ابنها.... ويمكن... صمت وظل يقضم شفته السفلى بتوتر وأكمل: "يمكن أكون بحب دارين أكتر يا بابا." بدهشة أصابتهما من حديثه، فكيف يقول ذلك على زوجته وأم ابنته وشريكة حياته الراحلة، ولكن لم يكتفِ بذلك، بل أوضح: "أنا حبيت نيڤين بس حب دارين حاجة تانية.... عمري ما حسيت إن حياتي وتنفسي وضربات قلبي كلها متوقفة عليها هي، لو ضحكت قلبي يضحك ودنيتي تنور، ولو زعلت حياتي كلها تظلم."
تعجبا من حديثه ورومانسيته، فبالرغم من علمهما طيبته وحنانه مع زوجته الراحلة، إلا أنه لم يظهر بتلك الرومانسية الحالمة أبداً أمامهما ولا حتى أمام زوجته الراحلة. اقترب والده وجلس إلى جواره ورَبَت عليه هاتفا بمرح: "هي حلوة يا واد؟ ابتسم سيف وأومأ بسرعة بحركات متتالية وتردد بمشاكسة: "زي القمر، شعرها غجري وعيونها عسلي وجمالها رقيق." عاد طلعت يهتف: "ماشي يا سيف....
خد لنا ميعاد من أبوها، خليني أفرح بيك وأشيل ولادك قبل ما أموت يا ابني." قبل راحته ورَبَت الآخر على رأسه أثناء تقبيله لها وهتف سيف بامتنان: "ربنا يخليك ليا يا بابا ويطول في عمرك يا رب." عدل بجلسته ونظر لوالدته التي ظلت واجمة الوجه غاضبة، فهتف يشاكسها: "إيه يا أم العريس؟ قوست فمها زامة شفتيها بتقزز وترددت بضيق: "وأنا ماليش رأي؟ يعني رفضي للجوازة دي ملوش قيمة؟ أجابها بحب: "يا أمي أنتِ الخير والبركة...
أكيد هتفرحي لسعادة ابنك، ولا إيه؟ ابتسمت متهكمة وهتفت: "فاكر حتاكل عقلي بالكلمتين دول؟ احتضنها وقبلها من جبينها وتردد: "ربنا يخليكي ليا يا ست الكل." تنحى جانباً مستأذناً، فهتفت تصرخ بوجهه: "خلاص هتمشي؟ كنت جاي عشان موافقة أبوك وخلاص كده هتمشي وتسيبني آكل في نفسي." عاد يقبل راحتها وهتف: "والله مشغول قوي يا أمي.... وبعدين فكّي كده يا حضرة المستشارة، بكرة يجيلك أحفاد يعوضونا ميرا الله يرحمها."
ابتسمت بحزن فور سماعها اسم غاليتهم ودمعت عيناها قليلاً، فردد سيف بمحايلة: "بالله عليكِ ما تعيطي وتدخليني في مود الحزن، أنا ما صدقت بقيت أعرف أكمل يومي من غير حزن وزعل." ترددت بسخرية: "كل ده بسببها؟ عرفت تنسيك مراتك وبنتك يا سيف؟ *** عاد منزله مساءً بعد انتهاء يومه، فدلف غرفة نوم صغيرته وأمسك بإطار صورتها هي وزوجته وظل ينظر لهما بحزن وابتلع غصة بكائه وحدثهما كأنهما أمامه: "أنا منستكمش.....
بس حبيت غصب عني، أنا مش ناسيكِ يا نيڤين... عمري ما هأنساكي، حبك أنتِ وبنتي هيفضل جوايا طول العمر." تنهد بضيق وأكمل: "أوعي تكوني زعلانة مني عشان حبيت غيرك يا عمري كله، سامحيني مش بإيدي والله ومش عارف ربنا زرع حبها إزاي في قلبي بالطريقة دي؟ أطرق رأسه بأسف وعاد ينظر لإطار الصورة وهتف: "تفتكري ماما عندها حق؟ تفتكري هي مش مناسبة ليا وأنا اللي مش شايف ده؟
أنا فعلاً مش شايف غير إني عاوزها تفضل معايا وبس، لكن كلامهم خوفني، خايف من ردود أفعال الناس تغيرني وتخليني أضايقها أو أتضايق منها." قاطع حديثه مع نفسه رنين هاتفه والذي أجابه على الفور: "إيه يا عماد خير؟ استمع صوت الطرف الآخر وهو يردد: "قبضوا على لواحظ المر وعتريس اتقتل في المداهمة." ابتسمت عينه... نعم عينه من ابتسمت من انتشائه وفرحته، فضغط على شفتيه بقوة وتنهد ببطء، فسمع رفيقه يقول: "سيف.... أنت معايا؟
أجابه بصوت خفيض: "أيوه معاك." سأله بقلق: "مالك يا سيف؟ أنا قلت هتطير من الفرحة لما تعرف! صمته جعله يشعر بالقلق والحيرة عليه، فاستطرد: "أنت فين؟ أجابه بإيجاز: "في البيت." تردد عماد بتأكيد: "أنا جايلك في الطريق، اعمل لنا اتنين قهوة على ما أوصل." وبالفعل لم يمر الكثير من الوقت حتى سمع طرقات رفيقه على الباب، ففتح له وجلسا بصمت حتى أتم سيف تحضير القهوة وارتشفها دون حديث.
ظل عماد ينظر له بتدقيق، فعلم أن أمراً كبيراً يجثم على صدره، فهتف باهتمام: "في إيه بقى مالك؟ موضوعك مع دارين حصل فيه حاجة؟ أومأ بنعم وقص عليه رفض عائلته لتلك الزيجة وإصرار والدها على حضور عائلته وحتى موقف والدة زوجته الراحلة، فابتسم عماد بسخرية ليهدر به الأول: "أنا قاعد أحكيلك وأنت بتضحك؟ عقب عليه ببسمة: "أي جواز بيكون فيه مشاكل..... ده أمر طبيعي يا سيف." نظر له بحيرة وسأله:
"لو أنت مكاني هتعمل إيه في حكاية الناس وكلامهم عشان موضوعها وقضيتها والهرى ده؟ أمعن التفكير في إجابته قبل أن يجيب: "أنا مش هكذب عليك وأقول لك إن ممكن أفكر أعمل زيك.... خصوصاً إن مجتمعنا بياخد بالمظاهر، بس اللي حابب أقول لك عليه إني مشفتكش سعيد وبتضحك كده من 3 سنين." توقف سيف عن التحدث واستدعى تفكيراً بعقله وهو يستمع لحديث رفيقه: "أنت فكر وشوف هتقدر على إيه أكتر؟ على مواجهة الناس وهي معاك ولا على إنك تعيش من غيرها؟
دخل عقله بمتاهة تفكير عميق وهو يتخيل حياته بدونها ستعود لما كانت عليه قديماً، مجرد آلة، إنسان نمطي من العمل للمنزل والعكس، ليس له أي نشاطات... منطوي على نفسه وغير اجتماعي، أو بالاحرى اختار العزلة لنفسه. عاد من متاهة عقله عندما رن صوتها بأذنه وهي تنطق اسمه وكيف انتشى فرحاً لمجرد سماع ثلاثة أحرف من ثغرها لتزين له الحياة كالنعيم. توسعت ابتسامته حتى برزت أسنانه ناصعة البياض، وخلفت وراءها غمازة قاتلة وهتف:
"الحياة بعيد عنها هتكون أصعب يا عماد، أنا أقدر أواجه الناس ببراءتها، لكن مقدرش أواجه نفسي لو اتخليت عنها." أكمل حديثه بصوت محتقن من الألم: "أنا عمري ما هأنسى مراتي وبنتي.... بس ربنا خلقنا عشان نكمل، وإلا كل واحد فينا مات له حد كان راح مات وراه، وربنا يعلم قد إيه طلبت الموت عشان أروح لهم ومجاش." شرب عماد على ظهره يؤازره هاتفا بتدعيم: "دارين إنسانة كويسة ومظلومة.....
والدنيا جت عليها جامد، وأنا شفت حبها في عينيك يمكن من قبل ما أنت تحس بيه حتى، وانت بتحبسها في التأديب كنت بحس إنك بتهرب من إحساسك ناحيتها." قرع قلبه بلهفة عاشق من حديث رفيقه.. هل حقاً أحبها منذ اللحظة الأولى؟ ليعود ويتذكر لحظاتهما سوياً حلوها ومرها وهو يسأل نفسه ذلك السؤال البديهي... متى وقع بعشقها حتى أصبحت كيان يحيا لأجله؟ ***
لم تحرك ساكناً منذ أن خرجت من المشفى، فقد انقطعت اتصالاته ولم يهتم أن يزورها أو يطمئن عليها. ألم يقل هو إنها بحكم خطيبته؟ ألم يصارحها بمشاعره وعشقه لها؟ شاطرها حزنها وألمها ووقف إلى جوارها، وبعدها اختفى..... إذاً لماذا اختفى؟ أم أنه منشغل فحسب؟ نفخت بقله حيلة لتناشد قلبها بالكف عن إيلامها بهذا الشكل وتناشد عقلها أن يصمت عن التفكير بالأسوأ.
طرقات على بابها هي ما أخرجتها من دوامة أفكارها لتجدها والدتها تدلف بطبق الطعام المهروس والذي يشبه طعام الأطفال المقزز والذي ستضطر لتناوله هكذا لفترة طويلة حتى تعتاد أجهزة جسدها على الهضم بشكل سليم كالسابق. جلست بجوارها تطعمها بيدها، فهي وإن كبرت لا تزال طفلتها الصغيرة، وعندما وجدت شرودها شاكستها بمزاح: "كل ما أفتكر حماتك العقربة وهي واقفة تتكلم معانا أقول حتعيشي معاها إزاي دي؟
صدمت من تصريح والدتها التي تقر بأنها حماتها، فردت: "خلاص بقت حماتي! إزاي وأهله رافضين وبابا كمان رافض؟ ابتسمت لها بحب وأعقبت: "أبوكِ مش رافض…. أبوكِ بيعززك عشان محدش يفتكر إنك مالكيش قيمة ولا يحسوا في يوم من الأيام إن جوازتكم كانت مكافأة ليكي ولا تنازل منهم!! ابتسمت بتهكم وأردفت: "وهم لو قبلوا بيا يبقى كتر خيرهم ويبقوا فعلاً كافئوني يا ماما واتنازلوا كتير."
حزنت بشدة على ابنتها وتقليلها لشأنها بهذا الشكل، فعادت تذكرها من هي علها تعيد لها ثقتها بنفسها قليلاً، فهتفت بفخر: "أنتِ دارين الشامي…. بطلة الجمهورية في فنون القتال ومن أوائل دفعتك واللي أنجزتيه في سنك ده في ناس بتعيش عمرها كله عشان تعمل نصه ومش بتعرفه." هكذا قالت بقدر عالٍ من الاهتمام والذي قابلته دارين بسخرية لاذعة من نفسها: "فعلاً…. اللي حققته في حياتي محدش يحلم يحققه في عمره كله." ابتلعت لعابها
بغصة وألم واستطردت باكية: "اتجوزت جوازة زور واللي مفروض إنه جوزي ضحك عليا وقتل ابنه اللي لسه نطفة في بطني واتهمني بجريمة قتل واتسجنت واتهنت وحاولوا يقتلوني بدل المرة اتنين ولسه ياما في الجراب يا حاوي." تهكمها بهذا الشكل دب الفزع في قلب والدتها خوفاً عليها من انكسارها واستسلامها، فتعاود كره محاولة الانتحار، فهتفت بنصح: "أوعي تنسي إن ربنا واقف معانا….. وطول ما احنا بنطيعه هيسامحنا ويساعدنا."
فهمت دارين ما ترمي إليه من نظراتها المتخوفة والحائرة، فهتفت مطمئنة: "متخافيش يا ماما… اللي حصل مني في السجن مش هيتكرر تاني، دي كانت لحظة شيطان وراحت لحالها." تنهدت فدوى براحة وهي تربت على كتفها بحبور مرددة: "طمنتيني يا بنتي ربنا يطمن قلبك…. نامي يا دارين والصباح رباح وبكرة إن شاء الله ربنا يحلها من عنده." ***
تقلب بجسده يميناً ويساراً وهو مستغرق في النوم، يرى طيفها الذي يعشقه مرتدية رداء أبيض مطلقة شعرها الغجري خلفها، فابتسم وجهه النائم من شكلها الملائكي. تمعن النظر أثناء اقترابها فوجد ملامحها تتغير لتصبح زوجته الراحلة وتظهر ابنته ممسكة بيدها، فتحفزت جميع حواسه، فهي أول مرة يحلم بهما بعيداً عن أحداث ذلك الحادث الأليم الذي فقدهما فيه. حاول التحدث ولكن صوته لم يخرج، فظل يحرك شفتيه ولكن لا جدوى.
اقتربت منه زوجته الراحلة وابتسمت له وأمسكت راحته بيدها اليمنى وقلدتها صغيرتها بإمساك راحته اليسرى واندماج راحتهم معاً فكونوا مثلثاً. ظل يرمقهما بنظرات الشوق، فوجد زوجته تتحدث دون تحريك شفتيها، أو بالاحرى يستمع لحديثها داخل عقله هاتفة: "وحشنا قوي يا سيف…. أنا وميرا مبسوطين قوي، متخافش علينا." حاول أن يقلدها بالتحدث داخل عقله، فنجح ووجد نفسه يهتف وهو على وضعه الصامت: "أنتِ زعلانة مني يا نيڤين؟
حركت رأسها رافضة وهي تبتسم له، فوجد صغيرته تحكم قبضتها الرقيقة على كفه فانحنى لها ليجدها تردد: "إحنا هنستناك يا بابا بس متجيش دلوقتي عشان تفضل مع ريان." نظر لها بفضول وهتف: "ريان مين يا ميرا؟ ابتسمت بطفولة وهتفت وهي تشير بعيداً: "أخويا." وجه انظاره لمكان إشارتها فوجد معشوقته تقف بعيداً مبتسمة وتمسك بيدها طفل صغير وتحمل بأحشائها جنيناً آخر، فعاد ينحني لصغيرته وسألها بتوتر: "أنتِ مستنية حد منهم يا ميرا؟
أومأت بلا وهتفت بحب: "تعالى أنت الأول بس مش دلوقتي…. هنستناك يا بابا." ابتعدوا عنه وهو متمسك بكفيهما، ولكن لم يستطع التماسك أكثر حتى غابا بعيداً عنه، وعبراته تأبى ترك مقلتيه، فنظر إلى جواره وجد دارين تقف بجواره ببطنها المنتفخ وذلك الطفل المتمسك بها بقوة، فعادت بسمته تزين ثغره وكأنهما العوض من الله. ظل يرفرف بأهدابه مستغرقاً بحمله العذب حتى سمع صوت قوى يهتف بصوت عالٍ: "حي على الصلاة."
انتفض من نومه على صوت المؤذن يهتف بأذان الفجر، فتنفس الصعداء وأفاق بسرعة متوجهاً للمرحاض ليتوضأ وارتدى زيه العسكري واستعد لصلاة الفجر بالمسجد ومنه للعمل، فهتف بصوت هادئ متأنٍ: "ريااااان!!! *** أنهى دوامه وقد اتخذ قراره، فذهب بنفسه بزيه العسكري والوقور ورتبته التي تزين أكتافه وياقة سترته الميري، واضعاً سلاحه بخصره، مرتدياً قبعته المزينة بذلك النسر النحاسي، متخذاً خطوات واثقة وقوية لداخل مقر عمل هشام.
بدأت الهمهمات تتزايد بين الموظفين فور أن استعلم عن مكان تواجد مكتبه، فهتف أحدهم بحيرة: "مش قال بنته طلعت براءة والقضية كانت متلفقة لها؟ أجابه الآخر بتهكم: "تلاقيه جاي يقبض عليه هو المرة دي….. وعلى كده لا مكسوف ولا حاطط وشه في الأرض منا." عاد الأول يهتف: "وأنا اللي كنت عايز أخطب بنته لابني… الحمد لله ربنا نجانا من النسب ده." أجابه الآخر: "كان زمان سيرتك على كل لسان في الشركة، يا أخي الحمد لله إنه رفض."
دلف سيف المكتب ونظر حوله للمكاتب المتراصة بجوار بعضها، حتى وقعت عينه على هشام الجالس يركز على ما ينجزه من مهام، فتنحنح بصوت عالٍ نسبياً حتى يسمعه الآخر، فرفع وجهه وانتفض واقفاً فور أن وجده أمامه بتلك الهيئة وهتف بترحيب وهو يمد ساعده: "أهلاً أهلاً يا سيف يا ابني اتفضل اقعد." جلسا وارتكزت أنظار الموظفين جميعاً حتى مما لا يعملون بنفس القسم، فنظر سيف حوله وفهم على الفور فضول هؤلاء لمعرفة سبب زيارته، فهتف بصوت جاد وعالٍ
حتى يستمع الحضور له: "أنا جاي النهارده آخذ من حضرتك ميعاد عشان أجي أنا وأهلي نطلب إيد بنتك يا عمي…. يناسبك إمتى إن شاء الله! ابتسم هشام بذهول وفرحة وارتسمت علامات الراحة على وجهه وأجابه: "الميعاد اللي يناسبك أنت يا سيف، أنا عارف إن شغلك واخد كل وقتك." أجابه سيف بتأكيد: "وهو أنا لو ما خدتش إجازة عشان يوم زي ده يبقى إيه لازمة الإجازات يا عمي؟ انحنى هشام بخجل يهمس له بتساؤل: "هم أهلك وافقوا على الجواز يا سيف؟
ضحك بخفة وأجابه ببساطة: "أمّال أنا جاي آخد ميعاد على أي أساس يا عمي؟ طبعاً موافقين." عاد يسأله بإيجاز: "والدتك؟ أجابه بعفوية: "أنا قلت أهلي موافقين يا عمي، فإيه رأيك أجي بكرة وبالمرة نقرا فتحة؟ صمت قليلاً وأخذ يفكر في الأمر فردد بقلق: "بس أنا يا ابني عايز أسكت لسنة الناس اللي نهشت فيها، وكمان أمها نفسها تفرح بيها، يعني عايزة فرح وزفة وكل حاجة ما اتعملتش أول مرة." أجابه معقباً على حديثه:
"بما إني راجل كبير ومسؤول من نفسي، فحابب أتكلم في الاتفاقات دي معاك لوحدك، وكل اللي حضرتك عايزه هيتعمل، فأنا شايف أعدي عليك بعد الشغل في البيت نتكلم شوية في الاتفاقات دي وبكرة نقرا الفاتحة ونلبس الدبل….. ها إيه رأيك؟ فكر قليلاً ثم أجابه: "طيب ما تيجي بكرة نتكلم أنا وأنت مع بعض شوية، وبالمرة تتغدى معانا ونبقى نتفق على يوم عشان أهلك، أنت عارف إن دارين لسه تعبانة دي حتى مفكتش الجرح لسه و…." قاطعه سيف بلهفة:
"لا لا… أصل بكرة الجمعة ودي فرصة كويسة نبقى كلنا إجازة." هتف هشام: "طيب وماله يا ابني تعالى أنت بكرة ويبقى أهلك ينورونا الجمعة اللي بعده." لمعت عينه بالرفض القاطع وهتف برجاء: "لا معلش أنا مش لسه هستنى الأسبوع الجاي." نظر لتلهفه وتسرعه، فإماء له موافقاً وأجابه بحبور: "ماشي يا سيف….. هستناك النهارده على العشا." *** عاد لمنزله يحمل الكثير من المشتريات ودلف بإجهاد، فامسكت فدوى منه الأكياس وهتفت بتعجل:
"هات يا هشام عشان ألحق... دي عملة تعملها برضه تعزمه النهارده وبكرة هو وأهله، هألحق أعمل عزومة النهارده ولا أنضف البيت ولا أجهز عزومة بكرة بس؟ حرك وجهه بتذمر وقوس فمه هاتفا: "بقولك جالي الشغل واتكلم معايا ومستعجل ومرضيش يأجل، هأقول له إيه؟ ابتسمت بفرحة وهتفت بحبور: "يااا رب يجعله ابن حلال ويصونها ويعوضها خير." أجابها بتمني: "آمين." دلفات غرفتها فوجدتها لا تزال جالسة ملتفة بالمنشفة وتقوم بتجفيف شعرها، فهتفت باستعجال:
"شهلي شوية يا دارين الراجل قرب يوصل." ابتسمت ابتسامة مقتضبة ووقفت تزيح عنها المنشفة وهي تهتف: "تعالى بس غيري لي على الجرح." بدأت والدتها بقص الشاش الطبي ووضعته فوق جرحها، فوجدتها تبكي وهي تتأمل شكلها بالمرآة، فعينها ذابلة والهالات تحيطها من جميع الجوانب وجسدها نحيل هزيل والكدمات الزرقاء الناتجة عن أنابيب التغذية تملئ عنقها وكفها وذراعها. ارتفع بكاؤها الصامت إلى نحيب عندما انتهت والدتها من تضميد جرحها، فاحتضنتها وربت
عليها بحب تردد بتحفيز: "يلا يا حبيبتي… كملي لبسك وبطلي عياط ده سيف هيتجنن عليكي." زفرت باحتراق وهتفت: "على إيه بس يا ماما؟ نفسي أعرف شاف فيا إيه؟ أنا خايفة قوي يا ماما." ترددت فدوى بضيق: "خايفة من إيه بس؟ أجابتها بغصة ألم: "خايفة يفوق من الحالة اللي هو فيها ويندم وساعتها يكرهني وأنا مش هأستحمل إن ده يحصل." ربتت عليها والدتها تؤازرها:
"اللي يعمل كل اللي سيف عمله ده عشان واحدة… لازم يكون بيعشقها، ده وقف لأمه الحيزبونة دي وخلاها وافقت." ضحكت رغماً عنها من دعابة والدتها ورددت برجاء: "أوعي تعامليها وحش عشان خاطر سيف على الأقل يا أمي." حركت رأسها موافقة على حديثها هاتفة باستسلام: "الأمر لله…. طالما هتدخل بيتنا هشيلها فوق راسي، إكرام الضيف واجب برضه وعشان خاطر عيون سيف كمان هأبلع لها الزلط." ***
طرقاته على الباب توحي بلهفته، فتقدم جمال لفتحه واستقبله بحرارة ودلفا معاً لغرفة الضيوف، وهناك ظل ينظر لوجوه الجميع منتظراً رؤيتها فهو لم يرها منذ أيام وقد اشتاق لها حد الألم. ابتلع لعابه بحرج وتنحنح قائلاً: "أما دارين فين؟ حاول هشام التحدث ولكن خرج صوت فدوى مقاطعاً له: "بتجهز وجاية على طول." أومأ لها ببسمة فرحة وعاد ينظر لهشام مستطرداً: "ها يا عمي طلباتك إيه؟ أجابه الأخير:
"عايز الطبيعي يا ابني… خطوبة وشبكة وفرح، ولما نحدد ميعاد للجواز نبقى نتكلم في تجهيزات الشقة." اعتدل بجلسته وتردد: "لا أنا مستعجل ومش عايز الخطوبة تطول، يعني 3 شهور كفاية قوي تكون هي فاقت فيهم من التعب." تحرج هشام من حديثه، فهو يعلم أنه ليس بمقدوره تجهيز ابنته للزواج، ففهم جمال نظرات والده فهتف هو داعماً أباه: "إحنا معندناش مشكلة في الوقت أكتر ما إن مشكلتنا في التجهيز، وأكيد أنت عارف أتعاب سعد الدين غالية قد إيه؟
فعايزين بس شوية وقت عشان نجهزها صح." رد متسائلاً: "هو أخد منكم أتعاب كام؟ أجابه هشام: "والله ما عارف، أهو كان الأول كل شوية يطلب دفعة من الفلوس وبعدين بطل يتكلم في الفلوس ولا يطلب، وحتى لما جاب ورق البراءة قلت له أتعابك كام عشان أجهزهم لقيته بيقول لي اطمن على بنتك الأول وبعدين نتكلم." ابتسم سيف وتردد بتأكيد: "غالباً مش هياخد أتعاب يا عمي… أنا عارف سعد الدين حوت فلوس وطالما ساكت يبقى ناوي مياخدش أتعاب."
قاطع حديثه دخولها تحمل صينية المشروب، فهرعت والدتها تحملها عنها، ووقف هو بانتفاضة ينظر لعينها وجمالها الذي سحره، فابتسم بحب لتبادله هي الأخرى بسمة رقيقة. اقتربت منه وناولته فنجانه، فأخذه منها وهو يتعمد ملامسة راحتها بأنامله، فسحبتها سريعاً بارتباك خوفاً من أن يراهما أحد. جلست قريبه من مقعده، فإشتم عبيرها داخل صدره وتردد: "بكرة إن شاء الله نقرا الفاتحة ونلبس الدبل، وقبل الخطوبة ننزل نشتري الشبكة وكل طلباتها مجابة."
ابتسم هشام بفرحة لتطلق فدوى الزغاريط، فيسكتها هشام معللاً بمشاكسة: "طيب حضري العشا الأول ولا هنفرح على معدة فاضية؟ بالفعل توجهت لتجهيز العشاء وتبعه جمال وهشام ليتركوا المجال قليلاً لهما حتى يتحدثا سوياً. فور أن تركوهما بمفردهما اقترب سيف منها وأمسك يدها بقوة، فحاولت سحبها منه ولكن أحكم قبضته عليها، فهتفت بصوت ضعيف: "حد يدخل علينا." أجابها ببسمة عبثية: "لا ما هما سابونا لوحدنا عشان نتكلم." قضمت شفتها السفلى
بخجل وهتفت بصوت هامس: "كنت فكراك رجعت في كلامك." رمقها بنظرات فاحصة متغزل بتقسيمات وجهها وتردد بتأكيد: "إزاي بقا…. عشان انشغلت عنك كام يوم؟ بس غصب عني، كنت بشوف شغلي اللي كنت سايبه وكمان بحاول مع أهلي عشان شرط باباكي ده إنهم يجوا معايا." هتفت بتلعثم وحزن: "يعني هما لسه مش موافقين؟ أومأ بلا مستطرداً: "موافقين… عارفة ليه؟ نظرت له تنتظر الإجابة، فوضع راحته على وجنتها وخلل أصابعه خلف أذنها يداعبها برقة هاتفا:
"عشان عرفتهم أنا بحبك قد إيه؟ وعارفة ليه كمان؟ ظلت على حالتها تنظر له بحرج، فاقترب منها وقبلها قبلة رقيقة على وجنتها تكاد تلامس شفتيها هاتفا بمداعبة: "و عشان لما بستك المرة اللي فاتت مكنتش بتسلى ولا بلعب بيكي يا دارين، كنت ببوس مراتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!