سيمضي القلق….و ستأتي الراحه، بعد هذا الكم من العناء سيعوض الله توتر المشاعر….و اضطراب الأمل، و خوف المستقبل…..بكل ما هو جميل هناك نيران تحرق جسده المتقد بعشقها، فإمساكه لراحتها أخيرًا بعد وضعه لرابطه المنقوش عليه حروف اسمه جعله يشعر بانتشاء وفرحة عامرة ليشعر بغبطة قوية من السعادة.
أما هي، فضربات قلبها صاخبة ومتوترة وهي تجلس الآن أمام الجميع تضع بيدها محبسه وتشعر بدفء راحته جعلتها تتضرع لربها بأن يكون هو العوض والسند الذي أرسله الله لها. صدحت أصوات الزغاريط والتصفيق الحار من عائلتها ومعها أصوات للموسيقى الغناءة وبدأت الفتيات بالرقص والتهليل حتى اقتربت منهما ابنة خالتها وسحبتهما للرقص. فلم يمانع سيف إطلاقًا، على عكسها هي التي رفضت بشدة أن تنصاع لطلبها.
وقف يتمايل قليلًا بسعادة وأمسك ابن أخته الصغير ورقص معه بفرحة وسرور. عاد يجلس بجوارها يلهث بتعب، فأمسك راحتها وقبلها قبلة طويلة واقترب من أذنها هامسًا بشبق: "بحبك يا ديدو." انتشت من غزله وأطرقت رأسها بغزل. وكل هذا وتلك الجالسة على جمرات من نار تراقب أفعالهما وهي جازة على أسنانها. فانحنت تهمس لابنة أخيها مرددة: "شوفتي لابسة إيه؟ في واحدة تلبس أسود في يوم زي ده؟ أجابتها هايدي وهي تضع كفها أمام شفتيها حتى لا
يتبين لأحد ما تقوله هاتفة: "مش حلوة خالص يا عمتو…. إيه اللي عجبه فيها المسلوعة دي؟ حركت منار رأسها بحزن واستسلام وهتفت: "خلاص كده.. ابني راح مني و أخدته رد السجون دي." لمعت الفكرة برأسها فانحنت تحدث عمتها هاتفة: "افردي وشك يا عمتو و قومي باركي لابنك." تمهلت كثيرًا من الوقت حتى وقفت واتجهت لهما ومدت ساعدها تهنئهما بالخطبة هاتفة بفرحة مصطنعة: "ألف مبروك يا سيف… عروستك زي القمر." ابتسم لها بحبور وقابل راحتها الممدودة
له وبادلها السلام هاتفا: "الله يبارك فيكي يا هايدي وعقبالك." أخرجت هاتفها ووقفت أمامهما تردد بفرحة مصطنعة: "قربوا كده من بعض عشان آخد لكم صورة." ابتسم لها ممتنًا واقترب من محبوبته ووضع يده يحاوط بها كتفها وقرب رأسه من رأسها واستند عليها ونظرا لعدسة الكاميرا استعدادًا لالتقاط الصورة. خرج صوت فدوى الهاتف بترحيب: "يلا يا جماعة العشا جاهز." ارتبك سيف قليلاً فهو كان ينوي الخروج برفقتها لتناول العشاء، فاقترب من هشام هاتفا:
"ليه كلفت نفسك؟ … ما أنا متعشي هنا امبارح." أجابه هشام ببسمة: "ودي أصول برضه؟ امتعض وجهه فسأله هشام باهتمام: "إيه اللي مضايقك فهمني؟ أجابه بتوتر: "أصلي كنت عايز آخد دارين ونتعشى بره سوا." أماء هشام إيماءة طفيفة واقترب من أذنه يهمس له: "وهي دارين هينفع تاكل أكل مطاعم يا سيف؟ ما أنت عارف اللي فيها، وبعدين الأيام جاية كتير يا ابني بس لما ربنا يتمم شفاها على خير." بلل شفتيه بطرف لسانه وسأله بحرج:
"طيب يعني مش هينفع أخرج معاها النهارده شوية؟ لمح نظرة الرفض في عين حماه وهو يجيبه: "أظن إن الوقت اتأخر و…." قاطعه باستماة وتوسل خفي: "أنا حاجز ترابيزة في مكان بيقدم شو حلو أوي عشان نفسي أبسطها و أخرجها من جو الزعل والحزن شوية، وحضرتك لو حابب تيجي معانا أنت ومامتها أنا اتشرف بيكم." تنهد هشام بعمق وأجابه: "مش عارف أقولك إيه؟ لو الليلة اتفضت بدري ماشي… لكن لو لقيت الوقت اتأخر فمتزعلش مني ساعتها."
تنهد سيف بحزن وأماء بطاعة وتوجه لمائدة الطعام ليجلس بجوارها بمرافقة باقي العائلة وبدأوا جميعًا بتناول الأطعمة المختلفة بود وفرحة. لم يفت عليها الطبق الموضوع أمام عروس نجله البكرى والذي يحتوي على طعام سائل، فلم تبدي حرج وهي تسألها بتنمر واضح: "وإنتي أكلك كله كده يا دارين؟ خلاص مبقاش ينفع تاكلي زي البني آدميين؟ تجهم وجهها وتركت المعلقة من يدها وسط نظرات سيف الواجمة لوالدته التي أكملت دون حذر أو ربما
تقصد إذلالها وإحراجها: "بس أعتقد كده أرحم من الخرطوم اللي كانوا بياكلوكي بيه في مستشفى السجن؟ هربت دمعة من عينها رغما عنها فحاولت إخفاءها، فكان طلعت الأسبق بإسكات زوجته هاتفا: "الحمد لله إنه تمم شفاكي على خير يا بنتي وأكيد مع الوقت حتتحسني." لاحظ سيف بكاءها الصامت فنظر لوالدته بحدة وهو جازا على أسنانه وعاد يمسك راحتها واقترب منها هامسا بمزاح مصطنع عكس النيران التي تأكل داخله:
"قوليلي مامتك حاطة ملح ولا زي بتاع امبارح؟ ظلت عبراتها هي ما تجيبه، فأمسك بمعلقته ووضعها بطبق وتذوق الطعام وهتف بتلذذ: "اممم….طعمه حلو أوي، كلي يا ديدو." صرخت منار بخضة وكأنها رأت شبحًا: "لا يا سيف متاكلش العك ده." احتت نظراته تجاه والدته وقوس فمه زم شفتيه وهدر بغضب: "الأكل زي الفل ومش عايز حد يتكلم على نعمة ربنا بالطريقة دي."
ليكمل باقي طعامه وهو يتناول من طبقها الطعام ويمزحها فيمد ملعقته لإطعامها تارة وأخرى يسحبها قبيل أن تتلمس ثغرها فيضعها داخل فمه بمشاكسة حتى انتهت السهرة بعد تناول المدعوين العشاء وبدأت عائلة سيف بالاستعداد للمغادرة بعد أن فعل سيف المستحيل حتى يغادروا باكرًا فيستطيع اصطحابها معه للسهر بالخارج. وقفت منار على الباب تسأل وليدها باهتمام: "إنت مش مروح معانا يا سيف؟ نظر لها بعيون حزينة متخاذلة من أفعالها وأجابها بضيق:
"لا يا أمي…. أنا قايلك إني هسهر أنا ودارين بره." أجابته بسخرية: "قلت هتتعشوا بره وادينا اتعشينا، هتعمل إيه؟ وكزها طلعت بجانب مرفقه مقوسا فمه بضيق وهاتفًا بتوديع: "يلا يا جماعة أشوفكم على خير." دلفت معه بتوتر لمنزله ذو الطابقين الذي يقع بأرقى مناطق القاهرة ببناية شاهقة واقتربت من والدته وانحنت لتحيها برقة وابتسامة عذبة هاتفة بخجل: "ازي حضرتك يا طنط؟ ابتسمت الأخرى بفرحة وهي تجيبها:
"أهلاً يا بنتي…. ما شاء الله، أحلى كمان مما كنت متخيلها." أطرقت رأسها بخجل فهتف سعد الدين بمرح: "متكسفيهاش يا أمي." رفعت والدته وجهها لوحيدها وهتفت بمكر: "بقولك إيه يا سعد الدين…. انزل هاتلنا تورته حلوة كده وشوية فاكهة أحسن معنديش حاجة أقدمها." حاولت نيللي الرفض فامسكتها سناء من راحتها وانحنت إليها تهتف: "سيبيه ينزل." أماءت بطاعة فتوجه سعد الدين لتنفيذ أوامر والدته.
حركت سناء مقعدها المدولب للأمام حتى اقتربت منها كثيرًا ورددت بمودة: "نورتيني والله." بفرحة وراحة نفسية أجابتها: "ميرسي يا طنط." لم تضيع سناء الكثير من الوقت فدخلت في الموضوع بطريقة مباشرة هاتفة بجدية: "خلينا نتكلم جد شوية قبل ما سعد الدين يطلب." تخوفت نيللي قليلاً من جديتها الزائدة ولكنها استمعت للأخرى تستطرد:
"إنتي أول بنت سعد يجيبهالي عشان أتعرف عليها بالرغم من إنه دخل قبل كده في كذا ارتباط بس مكانش بيلحق يوصل لمرحلة إنه يعرفني بيه." تذكرت حديثه عن والدته ففهمت المعضلة لتجيبها بتوضيح: "يمكن لأنه أول ما بيتكلم مع الطرف التاني بيشرح حاله حضرتك الصحية وبيأكد للي قدامه إنك أهم واحدة في حياته! ابتسمت سناء بحبور هاتفة: "عارفة… ربنا يخليه ليا." ثم امتعض وجهها قليلاً بالحزن والحسرة هاتفة:
"صدقيني يا بنتي… أنا لو في إيدي مكنتش أبداً خليته عمل كده مع أي واحدة عرفها، ده الواد كانه قاصد يطفش العرايس." ضحكا معا فاكملت: "بس معنى كلامك وإنه جابك إنهرده إنك معندكيش مانع للكلام اللي قاله؟ أماءت بلا هاتفه: "حضرتك مامته وطبيعي يراعيكِ وأنا متفهمة ده، لكن ده ميمنعش إني عايزة شوية خصوصية لنفسي و…." قاطعتها سناء:
"بصي يا نيللي… سيبك من أي كلام سعد الدين قالك عليه، أنا حاسة إنك مختلفة وهو عمره ما كان ملهوف على واحدة زي لهفته عليكي عشان كده أنا اللي بقولك إن وجودي مش هيضايقك أبداً." تنهدت نيللي براحة من حديثها فسألتها الأخرى: "إنتو اتفقتوا هتعيشوا فين؟ أجابتها بتردد: "كان عايز نعيش هنا وأنا طلبت نعيش عندى في الفيلا بتاعتي عشان المكان أكبر ويبقى فيه…" قاطعتها سناء: "خصوصية." أماءت موافقة فسألتها باهتمام: "ورسيتم على إيه؟ أجابت:
"قال إنه هيشتري فيلا جديدة نعيش فيها سوا." أطرقت سناء رأسها بحزن على حال وحيدها وتحدثت بضيق: "ابني ده غلبان طول عمره…. معرفتش أخلف غيره بعد اللي حصل لي وفضل شايل مسؤوليتي طول عمره ودايماً حاططني أول حاجة في حياته، بس متقلقيش أنا هصمم أفضل هنا وهخليه يشتريلك البيت اللي هترتاحي فيه عشان تعيشوا فيه لوحدكم." اعترضت نيللي واضعة راحتها أعلى كف الأخرى برقة تربت عليها بحب مرددة:
"لا طبعاً…. أنا معنديش مشكلة تعيشي معانا أبداً، ولو حضرتك فهمتي كده من كلامي يبقى أحب أقولك إنه مش صح." عادت البسمة ترتسم على وجهها الممتعض وهتفت تسألها: "إنتي بتحبيه؟ أماءت بنعم وتحول وجهها لحمرة خجل وأجابت: "الغريب إني قابلت ناس كتير قبله بس محدش شدني كده، وحتى وهو بيحكي لي عنك وكأنه بيحاول يطفشني زي ما قلتي، لقيت نفسي بتشد له أكتر وأكتر…. ما اللي يحب مامته بالشكل ده يبقى أكيد راجل كويس ومحترم." أخذت نفس
عميق وزفرته براحة تهتف: "طمنتيني يا بنتي." أجابتها بتمني: "أتمنى بس إنك تعامليني زي بنتك زي ما أنا هعاملك زي أمي، وإن شاء الله ربنا ميجيبش مشاكل بينا أبداً." فور دخولهما المصعد أمسك راحتها مخللاً أصابعه بخاصتها بقوة، فتحرجت وحاولت سحب يدها منه ولكن حركتها زادته إصرارًا على تمسكه بها. فنظر لها بحب ورفع كفها ليقبله بعمق ونظراته مثبتة على وجهها الذي يعشق ملامحها.
قربا من مكان صف سيارته ففتح لها الباب بلفتة راقية منه وساعدها على ربط حزام الأمان وتف حول سيارته وجلس خلف المقود وبدأ قيادته لوجهته ولم ينسى أن يمسك راحتها بيده الحرة وكأنه خائف أن يفقدها. ظل يرمقها بنظرات والهة أثناء قيادته فخرج صوتها أخيرًا هاتفة: "ركز في الطريق." ألقى بقبلة طائرة في الهواء من شفتيه وعاد ينظر أمامه للطريق فكست الحمرة وجهها بخجل ليهتف هو: "كويس إنك غيرتي الفستان عشان تعرفي تتحركي بيه."
رمقته بنظرات فضولية متسائلة فقبل راحتها هاتفا بمشاكسة: "عايزة تعرفي رايحين فين….. صح؟ أماءت بصمت فتحدث بحده: "إنتي القطة أكلت لسانك ولا إيه يا ديدو بقا؟ متكلمتيش كلمتين على بعض من بداية اليوم." ليخفض نبرته قليلاً هامسًا بغزل عفيف: "صوتك وحشني." صخب نبضات قلبها جعلها تضع يدها تربت بها عليه حتى يهدأ قليلاً فهي تشعر بأنه سيخرج من مكانه من كثرة نبضاته.
وصلا وجهتهما فنظرت أمامها بانبهار لتجده مكان يشبه القصور القديمة فحركت رأسها تجاهه وسألته بتوتر: "إيه المكان ده؟ وضع راحته خلف ظهرها ودفعها برفق ليقودها للداخل فانبهرت أكثر من تصميم المكان الذي تزين بزينة هندية رائعة ناهيك عن الأزياء الهندية التي يرتديها جميع العاملين.
اقتربت منها فتاة ترتدي الساري الهندي وتمسك بيدها أخرى ساعدتها على ارتدائه لتنظر بجوارها فوجدت سيف وقد ارتدى الزي الهندي الخاص بالرجال فارسمت بسمتها الواسعة على ثغرها. فاقترب منها سيف ينحني الانحناءة الشهيرة للهند وهو يهتف بمرح: "اتفضلي مهاراني." نظر بعينها الفضولية والمتعجبة وهي تسأل: "ده دلع جديد غير ديدو؟ أماء بلا وبسمته العريضة تكاد تصل لأذنيه واقترب منها ممسكًا راحتها وهمس بالقرب من أذنها بنبرة خطرة مثيرة:
"المهاراني تبقى زوجة المهراجا يا مهاراني قلبي." نظر لها بشغف وبملامحها المحبوبة إلى قلبه وسحب المقعد للخلف استعدادًا ليجلسها عليه واستدار ليجلس على خاصته وأشار بسبابته للمسرح الذي يتوسط المكان هاتفا: "الشو هتعجبك أوي."
بدأت الفقرات الراقصة لفتيات بالزي الهندي واتبعها عرض آخر لرجل يتلاعب بأفعى راقصة على المزمار حتى انطفأت الأنوار وخرج ذلك الكهل من العدم يرتدي عمامة كبيرة على رأسه ويمسك بيده بعض الأوراق والتي تشبه أوراق اللعب أو بالتحديد ممسك بأوراق التاروت. رفع كشاف صغير بيده وأخذ يمرره على المقاعد أمامه حتى اختار الطاولة التي يجلس عليها سيف ودارين فاقترب منهما وجلس أمامها وجلس بجواره المترجم الخاص به.
بدأ بتوزيع الأوراق أمامه فنظرت له دارين بسخرية ورددت باستهزاء: "هو هيقرأ البخت ولا إيه؟ زفر سيف بضيق وحاول أن يثنيه عما يفعل هاتفا بحدة طفيفة محدثًا المترجم: "خليه يشوف حد تاني لو سمحت، الكلام ده حرام." أجابه المترجم بلامبالاة: "اسمعيه ومش هتخسري حاجة." تضايق سيف من الأمر ولم يحصل على فرصة للرد حيث بدأ ذلك الكهل بالتحدث وبدأ المترجم يترجم لهما ما يقوله فهتف موضحًا:
"بيقول إنه شايف قصة حب مرت بمشاكل ووجع كتير، ولسه هتمر بحاجات أكتر بس في النهاية الحب هينتصر." ضحك ساخرًا من حديثه العام والذي يبدو له كإسطوانة مسجلة يقصها على كل المدعوين فاماء شاكرًا: "شكراً." وقفا ليتوجها لمائدة أخرى فهتف سيف بمزاح: "الأسطوانة المشروخة إياها." ضحكت دارين برقة ولكن قطع ضحكها عودة الكهل ومترجمه هاتفا:
"صورة بفستان أسود مدفونة في مكان وحش وضلمة عليها طلاسم غريبة ممكن تفرق بينكم، دور عليها مع أقرب الناس ليك." ظلت تتجرع مرارة الحبس وتجرعت معها مرارة الذل مما أوقد نيران الغضب والثأر لرفيق عمرها ولكن كيف؟ فهي تمكث بذلك الحبس الانفرادي بملابس مبتلة لابتلال الأرض أسفلها كما أمر المعاون بذلك لتظل واقفة أكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميًا أو تضطر للجلوس ببركة المياه.
انتظرت دخول السجانة لترك الطعام والذي هو وجبة واحدة بأسوء جودة وهروس كما تأكله حبيبته. وضعت فتحية طبق الطعام على الأرض وعند محاولتها الخروج أوقفها صوت لواحظ هاتفة: "استني يا ست فتحية." رمقتها بنظرات فاحصة منتظرة منها أن تكمل فهتفت: "إيه رأيك لو تكسبى مليون جنيه؟ تجهم وجهها وهتفت برفض: "الكلام ده مش هيمشي هنا يا لواحظ… إنتي وأنا والكل عارفين إن البوليس حجز على كل فلوسك إنتي وجوزك." قوست فمها بسخرية مرددة:
"جيب السبع ميخلاش…. أقولك خليهم اتنين مليون يلا إن شاء الله مع عن حد حوش." عادت تجيبها فتحية: "ما إنتي لو فاكرة إني هعرف أهربك أو حتى…." قاطعتها لواحظ: "ومين قالك إني عايزة أهرب؟ رمقتها فتحية بنظرات فضولية فرفعت حاجبيها تسأل: "عايزة إيه يا لواحظ وإيه اللي يضمن لي إنك توفي بوعدك وتدفعي الفلوس وإنتي هنا في السجن؟ ابتسمت بخبث هاتفة: "حبين حسن نية وهقولك على مكان مخبية فيه مبلغ بسيط كده تاخديه تحت الحساب." لمعت عينيها
بالطمع وسألتها باهتمام: "كام؟ أجابت: "هقولك، بس هتعملي اللي أقولك عليه بالحرف الواحد، أهو بدل مرتب الحكومة اللي مبياكلش عيش ده." توجست خوفا وهتفت بتحذير: "طيب اسمعيني بقا كويس…. أنا لو هخاطر يبقى لازم المبلغ يستاهل." رفعت حاجبيها باندهاش مرددة باطناب: "إتنين مليون مش مكفيكي؟ ده إنتي طماعة أوي." أجابتها الأخرى بدهاء لا يقل عنها بشيء: "ما إنتي كمان شكلك هتطلبي مني حاجة كبيرة أوي ومش سهلة." أماءت مؤيدة ببسمة
ماكرة خبيثة هاتفه بنزق: "تعالى بقا أقولك مكان العربون فين عشان أثبتلك حسن النية." توترت وظلت صامتة حتى نظر لها متغزلًا بطلتها الحسناء هاتفا: "إيه يا جميلة الجميلات مالك؟ من ساعة الراجل الدجال ده وإنتي وشك اتغير." ابتلعت لعابها برهبة هاتفه بتساؤل: "مش ممكن يكون كلامه صح؟ ضحك عاليًا ونظر لها بدهشة وهتف مفسرًا:
"أولاً… هو مقالش أي حاجة مفيدة ولا كلامه له معنى، كل قصص الحب فيها مشاكل و وارد جداً تقابلنا مشاكل قدام لأن دي سنة الحياة يعني كلامه عام." أجابته باستفسار: "طيب والفستان؟ مش يمكن قاصد على فستان الخطوبة؟ عادت بسمته الساخرة موضحا: "يا سلام على الصدفة، فستان أسود….. مليون ست وأكتر في العالم عندهم فساتين سودا يا ديدو، ويا حبيبتي كذب المنجمون ولو صدقوا إحنا هنكفر بربنا ولا إيه؟
تنهدت بعمق وأمسكت راحته بجرأة فوجدت أناملها مثلجة ترتعش بخوف هاتفه بصوت مهزوز: "خلينا نمشي من هنا يا سيف عشان خاطري." حاوط راحتها بكفيه وحاول طمأنتها قليلاً فردد بمشاكسة: "أوكي… بس اتحايلى عليا شوية." لاحت نصف ابتسامة على شفتيها ورددت بخجل: "عشان خاطري يا سيف." أماء بلا هاتفا بمشاكسة: "لا، مش كده." هتفت بدلال أكبر: "عشان خاطري يا سيف." وهز كتفيه رافضًا وردد: "لا…. حاولي أكتر." قضمت شفتيها لتختفي كليًا داخل
ثغرها وقالت بصوت هامس: "عشان خاطري يا حبيبي." انتشى فرحًا وتسمر مكانه لم يتحرك ولو قيد أنملة بل ولم يرمش بعينه مسلطًا أنظاره عليها كأنه يحفر معالم وجهها المتغزل به داخل قلبه. أماء بصمت ودفع الحساب وقادها لسيارته وجلس خلف المقود وهو لا يزال على حاله الصمت التي تملكته فهتفت تسأله باهتمام: "سيف… إنت كويس؟ مالك؟
مرر أنظاره على وجهها الذي يعشقه ورفع أنامله يتحسس بشرة وجهها الشاحب قليلاً مرورًا بوجنتيها وأنفه وفمها متلاعبًا بثغرها وشفتاها وكأنه يرسم ملامحها من جديد. أخبرها ولا تزال أنامله تعبث بشفتيها وهي تبتلع بخجل وحرج: "مش عايز أسمع منك سيف دي تاني أبداً…. يا تقولي لي يا حبيبي زي ما قلتيها جوه يا متتكلميش خالص يا جميلة الجميلات." لم تستجب لنداءات زوجها المتكررة بالكف عن العويل كأنها جاهلة ليست بمستشارة متعلمة
فظلت تندب حظها هاتفة: "وقفت معايا ضدي يا طلعت وادي النتيجة." أُرهق من كثرة توضيح وجهة نظره وكأنه يحدث حائطًا أصم لا يفقه فاشاح بيده هادرًا: "ما كفاية بقا يا منار…. ابنك طاير من الفرحة والبنت زي الفل، ده غير إني عملت عنها تحريات وطلع كل كلام ابنك عنها مظبوط وخلاص، وقعت في غلط كلنا فعلاً معرضين له…." قاطعته صارخة بشراسة: "متقولش كلنا… إحنا بنعرف نفرق بين الصح والغلط." أماء موضحًا:
"وممكن واحد يلبّس ابنك في قضية زور زي ما حصل معاها… قضية رشوة ولا تهريب ولا أي نيلة في منصبه الحساس ده." هتفت توقفه رافعة كفيها في الهواء: "أيوااااه الله ينور عليك…. منصبه الحساس اللي مينفعش أبداً إنه يتجوز مسجونة عنده." بعد برهة من الصمت نظر لها واجمًا وهتف بتأكيد:
"لو عملتي أي حاجة تانية زي اللي عملتيها في بيت الناس من هنا ورايح أنا اللي هقفلك، عشان أنا مشفتش ابني الوحيد سعيد وفرحان وبيرقص بالشكل ده من تلات سنين، ويمكن عمري ما شفته بالسعادة دي حتى أيام نيفين الله يرحمها ومعنديش استعداد يرجع للي كان فيه تاني." حاولت تبرير تصرفاتها المخجلة فاوقفها صياحه الغاضب: "أوعي تبرري حاجة من اللي عملتيها… عشان إنتي بعملتك دي صغرتينا قدام الناس مقللتليش منهم زي ما إنتي فاكرة." زفر
أنفاسه الغاضبة وهتف بضيق: "الراجل ومراته قمة في الذوق وابنهم ما شاء الله عليه ميتخيرش عن سيف في حاجة… راجل ملو هدومه ومحترم وعروسة ابنك زي القمر وباين عليها إنها بتحبه." أكد على كلماته وبالأخص كلمة عروس نجله حتى يؤكد دعمه الكامل بل وموافقته على تلك الزيجة وذلك النسب. لم تستجب لأي من كلماته أو أفعاله وظلت على رفضها وتنمرها فهتفت بحده:
"بص بقا….. إنت حر تقبل ترفض براحتك، وأنا كمان حرة وإن ما خليتهوش يسيبها مبقاش أنا منار الرفاعي." أوصلها حتى أسفل بنايتها وصف سيارته أمام البوابة فنظرت له ببسمة سعيدة هاتفة: "تصبح على خير." أماء بصمت فحاولت فتح الباب ولكن وجدتة موصد بالقفل الإلكتروني فاعدت نظرها ناحيته تردد بصوت رقيق: "الباب مقفول." أمسك راحتها وقبلها برقة وهتف برومانسية: "في كلمة سحرية لو قلتيها الباب هيتفتح على طول." ضحكت بصوت عال وهتفت:
"افتح يا سمسم." أماء بلا فاعقبت: "افتح يا سيف." أماء بلا مرة أخرى فكست حمرة الخجل وجهها وأطرقته لأسفل تهتف هامسة بشبق: "افتح يا حبيبي." سمعت صوت القفل الإلكتروني يفتح على الفور ونزل هو بدوره حتى يوصلها لمدخل البناية وودعها بقبلة أخيرة على كفها هاتفا: "وإنتي من أهله يا جميلة الجميلات." دلفت المصعد وضربات قلبها الصاخبة تكاد توقفه من كثرة ضخ الدماء به فعادت تربت عليه بهدوء وهي تردد بصوت خافت: "اهدئ… اهدئ."
تذكرت فجأة حديث ذلك الدجال فامتعض وجهها على الفور لتفتح والدتها الباب فوجدتها على تلك الحالة فصاحت بخوف: "داريييين… في إيه؟ انتبهت لشرودها فابتسمت لوالدتها هاتفة بطمأنة: "مفيش يا ماما." سألتها باهتمام: " اتبسطتوا؟ أجابت بايماءة طفيفة.
سمعت صوت هاتف والدها يصدح برنينه برقم سيف الذي اتصل ليطمأن أنها وصلت للطابق المنشود بسلام، أغلق معه و بسمته تزين وجهه وهو سعيد أن ابنته قد وجدت عوضها وراحتها وأمانها في كنف رجل ينطبق عليه ذلك اللقب قولاً وفعلاً. هتف يستدعيها لتجلس بجواره وردد بصوت هادئ ولكن حازم بعض الشيء: "اسمعي يا دارين…. في كلام مهم لازم أكلمك فيه يا بنتي وأجلته كتير بس أظن جه وقته." توجست خوفًا من تلك الافتتاحية التي استهل بها حديثه وجلست باحترام
تستمع له فردد بتأكيد: "أنا مبسوط إن ربنا عوضك بسيف… راجل شهم ومحترم وابن أصول وبيفهم في الأصول والذوق وإن شاء الله يراعي ربنا فيكي." أماءت موافقة تهتف: "والله يا بابا أنا ما قابلت حد بأخلاقه قبل كده." أماء مؤيدًا ولكنه هتف بإصرار: "اللي حصل خلى الواحد يعيد حساباته في الناس، وميتخدش بالمظاهر ولا بالكلام المعسول وأظن إنتي فهماني كويس."
بالطبع تطرق لذكرى ذلك الزواج الأليم الذي لم تتعافى بعد من أثره السيئ عليها جعل عبراتها تندفع دون هوادة خارج عسليتيها فاكمل هشام بحزم: "أنا مش هتهاون في حقك مرة تانية وكل حاجة هتتعمل بالأصول وزي ما كان المفروض تتعمل، عشان متجيش تطلبي مني أي تنازلات عشان الجوازة تكمل." أماءت بطاعة فمن أين لها القدرة أو القوة حتى لتجادله في ذلك الأمر؟ ويبدو أنها لن تدفع ثمن خطئها وحدها بل سيدفعه معها رفيق دربها المستقبلي. عاد يردد بضيق:
"طبعًا أخدتي بالك من أمه إنها مش رافضة وبس…. دي معندهاش أي مانع إنها تقول ده علناً وكمان تفشي أي سر يكون سيف قال عليه، عشان كده أنا مصمم إننا ناخد حقنا من الزفت اللي اسمه أكرم بالقانون ونثبت الجواز اللي بينكم وأوعي تقولي سيف مش موافق." وحشت نظراتها نحوه هاتفه بضيق واضح: "بابا…. حضرتك كده بترجع في كلامك معاه، هو قال هيخلص الموضوع من غير شوشرة عشاني وعشان مركزه…." قاطعها بصياح:
"ولما أمه تقعد في كتب الكتاب تتكلم على إنك مش بنت بنوت والعقد بتاع الجواز يبقى مزور زي اللي قبله؟ نحبت ببكاء هاتفه: "مزور إزاي بس؟ هو سيف اللي عيلته كلها لواءات هيزور؟ أجابها بغضب أهوج: "آه… لما يكتب في العقد إنك آنسة وإنتي مطلقة يبقى بيزور." حاولت التفاهم معه ولكنه تحول وأصبح صندوقًا مغلقًا على أفكاره لن يسمح لأحد أن يغيرها أو يحيدها عن مساره الذي رسمه بنفسه.
استيقظت باكرًا وبكاءها لا يزال يبلل وسادتها فهي تشعر بالحزن الشديد لفقدانها أعز ما لديها بالحياة فقررت أن تتصرف ولتكن الحرب. ارتدت ملابسها في عجالة ونزلت بعد أن تفحصت هاتفها باحثة عن أمر ما حددته واتجهت لمحل طباعة الصور وأخرجت صورته مع عروسه بفستانها الأسود وطلبت من العامل أن يطبعها لها. أخذتها واتجهت للعنوان الذي وضعته على جهاز تحديد المواقع وقادت سيارتها بحذر حتى لا تتوه وأخيرًا وصلت للمكان المنشود.
وقفت أمام المبنى الصغير والمكون من طابق واحد بأحد الأحياء المتطرفة واقتربت من ذلك الشاب الواقف أمام الباب يعطي أرقامًا للواقفين بأدوار دخولهم. حدثته بصوت مهزوز قليلاً لعدم ثقتها فيما تفعله: "بقولك لو سمحت." أجابها الشاب: "أؤمريني." ابتسمت برقة ورددت تسأله: "أنا مستعجلة… مفيش تذكرة مستعجل." أماء لها هاتفا بلباقة: "طبعاً فيه يا ست الكل والأوبيج (النقود) هيزيد الضعف." أماءت موافقة تهتف بلامبالاة:
"مش مهم اللي هتطلبه هتاخده بس ادخل بسرعة." غمز لها بطرف عينه وهتف: "طيب اقفي هنا شوية وأدخلك بعد اللي جوا بس متنسيش حلاوتي." أخرجت بضع أوراق نقدية ودستها براحته هاتفه بامتنان: "متشكره أوي." استمعت لهمهمات الناس حولها منهم من تقول إنها بفضل الله وبفضله قد حلت مشكلتها أخيرًا هاتفة بامتنان:
"الحمد لله..ربنا يخليه ويبارك في عمره، من بعد لفي على الدكاترة عشر سنين عشان الحبل، هو من زيارة واحدة طلعت الشهر اللي بعدها حبلى طوالي." ابتسمت الأخرى تجيب: "أمال الناس عليه بالضرب ليه يا أختي؟ …. ماهي السمعة الطيبة هي اللي بتعمل اسم الواحد من دول." تهتف أخرى: "ربنا يجعل الفرج على إيده يا رب لحسن أنا عندي حمى ربنا يهديها حارقة دمي في الطلعة والنازلة." اقترب منها الشاب وانحنى يهمس لها:
"بقولك إيه… تعالي أدخلك من الباب الوراني أحسن لو دخلتي قدام النسوان دي هياكلوني." أماءت موافقة وتحركت معه ودلفت لتلك الحجرة فوجدت ذلك الشيخ يجلس أمام موقد من الفحم ورائحة البخور العطرة تزين المكان فابتلعت لعابها وهي حقًا لا تعلم ما إن اتخذت القرار الصائب أم لا؟ ولكن خرج الأمر عن سيطرتها وسبق السيف العزل. جلست بتوتر فهتف الشيخ الدجال يسألها: "عارفة جاية عشان إيه؟ نظرت له باهتمام فأعقب: "عايزة تفرقيهم عن بعض مش كده؟
أماء بصمت فابتسم وردد وهو يحرك راحته أمامها: "اطلعي بالمعلومة." أخرجت حفنة نقود هائلة ووضعتها أمامه على المنضدة وعادت تجلس مكانها فامسكها ونظر لها بطرف عينه وهتف: "جايبة قطر ولا صورة؟ ابتلعت برهبة وخوف وهتفت: "صورة." مد ساعده ليلتقطها منها ونظر لها بتمعن وهتف: "المراد هيحصل من انهارده عدى اربعين يوم بالتمام والكمال وهتلاقيهم سابوا بعض." هتفت بلهفة راجية:
"بس أبوس إيدك أوعى تأذيه…. خليه بس يبقى مش عايزها ولا عايز يكمل معاها." ابتسم بسمة عبثية هاتفا: "متخافيش عليه…. الموضوع هيخلص من غير أذية عشان مفيش قطر، كل اللي هيحصل عكوسات هتوقف الجوازة وبس." أماءت موافقة ووقفت من مكانها لتغادر حتى دلفت سيارتها وامسكت بالمقود بقوة محدثة نفسها: "يا ترى اللي عملته ده صح ولا غلط؟ ربنا يحفظك يا سيف ويبعد عنك أي شر ويبعدها عنك يا رب عشان هي متستحقكش."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!