استقل سيارته وقادها وهو على الهاتف مع سعد الدين هاتفا بحنق: _بكلمك من الصبح يا بنى انت فين؟ أجابه الآخر بنعاس: _نايم يا سيف، منمتش من امبارح يا اخى. هدر به بحده: _وهو بعد اللى حصل جايلك نوم ازاى بس؟ أجابه بضيق: _اعمل ايه يعنى افضل صاحى؟ و اصلا على ما خلصت اللى انت طلبته منى كانت الساعة بقت أربعة الفجر، يعنى يا دوب نمت ساعتين. زفر باختناق وسأله: _طيب، إيه الأخبار؟ اعتدل سعد الدين بجلسته على فراشه وفرك عينيه حتى
يتيقظ قليلا وهتف بتوضيح: _الرجالة وراه من امبارح، بايت في فندق مع واحدة من اياهم ولحد دلوقتي لسه هناك. زم سيف شفتيه وردد بحيرة: _طيب ابعتلى اللوكيشن بتاع الفندق. تعجب وتخوف من طلبه وسأله: _انت ناوي على إيه يا سيف؟ بلاش تهور. أجابه بحسم: _ابعت اللوكيشن يا سعد، مبقاش ينفع اسكت خلاص… أنا سمعت كلامكم من أول ما عرفت باللي حصل، ولحد دلوقتي محدش قادر يلاقيلى حل. صاح به الأول محذراً: _وانت بقا لقيته؟
لقيت الحل اللي يوديك في داهية؟ أنا مش هسمحلك تضيع نفسك، وقلتلك إن معايا نسخ من الأوراق والمستندات ونقدر… قاطعه هاكما: _نسخ! نسخ مش أصول، يعني مش معترف بيها في المحكمة ولا تعتبر دليل. حاول إثنائه عن رأيه فهتف موضحاً: _أنا قاعد براجع في الأوراق وبحاول ألاقي أي حاجة نقدر نستخدمها. صاح به موبخاً: _وهو أنا لسه هستنى لما تلاقيها؟ ابعت اللوكيشن يا سعد، يا أما قسماً بالله ما هعرفك تاني.
زفر سعد أنفاسه بحيرة وأرسل له موقع الفندق وردد حزن بعد إرساله: _لو مش عشان نفسك، فكر في مراتك وأهلك، واعقل وبلاش تهور. أغلق بوجهه ودون التعقيب عليه وأكمل قيادة متجهاً للموقع المرسل له من قبل سعد الدين. لا يقاس الوفاء بما تراه أمام عينيك، بل يقاس بما يحدث من وراء ظهرك. لذلك لا تحكم دائماً على ظواهر الأمور، بل توغل في بواطنها لتعلم الحقيقة كاملة. نزلت متوجهة لمنزل والديها ودلفت بعد أن فتحت فدوى لها الباب بفزع هاتفه:
_في إيه؟ ابتسمت لها بتصنع ورددت بهدوء: _إيه يا ماما الاستقبال ده؟ وضحت لهفتها هاتفه: _أصلك جاية بدري أوي ومش طبيعي يعني… قاطعتها موضحة: _مفيش حاجة يا ماما، بس سيف في الشغل وقلت أقعد معاكم عشان أنزل بدري قبل ما يروح من الشغل. ابتسمت لها بمودة ورحبت بها مرددة: _طيب تعالي، ده أبوكي لسه هنا منزلش، أهو تفطري معانا. ابتسمت وهتفت كاذبة برفض مقنن: _أنا فطرت مع سيف من بدري.
فور أن رأت والدها اقتربت منه واحتضنته بقوة دافنة نفسها في أحضانه هاتفه بشوق: _عامل إيه يا بابا؟ وحشتني. ربت على ظهرها وردد باشتياق: _وأنتي كمان يا حبيبة بابا، من يوم موضوع الحادثة ده وأنا بنام أحلم بكوابيس والله. زمت شفتيها بحزن وهتفت: _معلش يا حبيبي، حقك عليا، بس كان ضروري عشان نعيش في سلام أنا وسيف. تنهد براحة وردد بتضرع: _الحمد لله إن ربنا خلصكم من الغمة دي. جلست معهما تتبادل أطراف الحديث حتى قارب موعد ذهاب
هشام للعمل فاستأذن هاتفا: _معلش يا ديدو بقا، هروح الشغل وأبقى أشوفك على الغدا.. كلمي سيف ييجي يتغدى معانا. وقفت بدورها متجهة ناحية الباب ورددت: _لا أنا نازلة معاك، ورايا كام مشوار كده وبعدين هروح على البيت.. خلي العزومة دي وقت تاني. اقتربت من والدتها واحتضنتها بقوة وكأنها تودعها هاتفه بحزن حاولت إخفاءه: _ادعيلي كتير يا ماما، أنا محتاجة دعواتك أوي. هتفت رافعة يديها للسماء تردد برجاء:
_ربنا يحفظك ويسعدك ويبعد عنك ولاد الحرام يا دارين يا بنتي، ويهديلك جوزك ويرزقه برزقك وتفرحونا بنونو صغير كده عن قريب يا رب. ابتسمت بمرارة وربتت على كتف والدتها وأطرقت رأسها لأسفل وخرجت برفقة والدها لإيصالها لأقرب مكان لموقع الفندق بعد أن ودعتهما على طريقتها. ظل يراجع الأوراق والمستندات كأن حياته تعتمد عليها وعلى ما يكتشفه بها، واستعان بزوجته وبعضاً من أكفأ محاميه الذين يعملون معه بمكتبه، وظل الحال هكذا حتى
صرخت نيللي هاتفه بذهول: _سعد… تعالي بص كده! تنبه لحالتها المدهوشة واقترب منها ينظر بمحتويات الأوراق التي بحوزتها، فأعقد حاجبيه بدهشة وتعجب وأمسك المستندات بيده يتفحص محتواها بانتقاء أكثر، فيبدو أن ناصر الصواف قد احتفظ بنسخ من جميع تعاملاتهم حتى يؤمن نفسه من غدرهم فيما بعد، ولكن ما يراه الآن لا يصدقه عقل. ارتمى على المقعد وردد بذهول: _معقول!!! أنا مش مصدق اللي أنا شايفه ده! وقفت نيللي بجواره وهتفت بتعجب:
_أظن دلوقتي عرفنا إزاي المستندات دي اتسرقت من قلب مكتب اللوا حامد الأسيوطي؟ وإزاي برضه عرفوا مكان ناصر الصواف وقتلوه؟ أماء والمرارة تتجمع بحلقه وردد بانكسار: _إذا كان ممكن الخيانة تيجي لنا بالشكل ده، والغدر ييجي من أكتر الناس اللي إحنا مأمنين لهم، يبقى على الدنيا السلامة. ربتت على كتفه تحثه على الاستكمال ورددت: _مش وقت صدمة دلوقتي، الحق سيف قبل ما يتهور ويضيع نفسه… كلمه وقوله، وأكيد هنقدر نستفيد بالورق ده بأي شكل.
نظر لها بحيرة وسألها: _إزاي بس؟ إيه الدليل غير ورقة متصورة مش معترف بيها في القانون؟ قوست فمها ورددت بحده وغضب: _إذا كان رجال القانون هم نفسهم اللي خالفو القانون يا سعد، يبقى إزاي لسه مستني تنفذ القانون؟ لمعت عينه بالدهشة والتعجب من حديثها وسألها بإيماءة طفيفة من رأسه بمعنى ماذا تعني؟ لتجيبه هي مؤكدة:
_يعني زي ما هو استخدم سلطته ورتبته في إنه يخون، إحنا كمان نستخدم الورق ده ونهدده عشان يحل أزمة سيف ودارين ويبقى واحدة بواحدة. زفر باختناق وردد مجاهداً تلك الغصة التي علقت بحلقه: _المفروض إننا نبقى من غير ضمير إحنا كمان ونساومه بدل ما نوديه في داهية؟ أعقبت عليه مفسرة:
_أنت نفسك بتقول إن الورق ده لا هيقدم ولا هيأخر، بس ممكن يخوفه من الشوشرة على اسمه وسمعته ومعاهم رتبته ويخليه يساعدنا، وكده كده مش هنقدر نأذيه، بس كفاية علينا إننا ناخد حذرنا منه. فكر قليلاً وظل يحاور الأمر برأسه مراراً وتكراراً حتى هدرت به بفزع: _يلا يا سعد، أنت لسه هتفكر! سيف رايح وناوي لشهاب على الشر وهيودي نفسه في داهية.
ظل جالساً بسيارته يراقب الطريق في انتظاره أن يخرج من بوابة الفندق ليذهب لعمله، ولكن طال الانتظار حتى شعر بالملل وربما قد خرج دون أن ينتبه له رجال سعد الدين، فأمسك هاتفه ليهاتف سعد حتى يسأله، ولكن جاء اتصال الأخير ليسبقه فردد: _والله ابن حلال، كنت لسه هكلمك. سأله سعد بقلق: _خير يا سيف؟ عملت حاجة؟ أجابه بضيق: _لا، لسه مخرجش من الفندق لحد دلوقتي… أنت متأكد يا سعد إنه لسه جوه الفندق؟ أجابه الآخر بتأكيد:
_أيوه الرجالة وراه متخافش ولسه. ابتلع لعابه بحرقة وهو يتنفس بضيق لم يسبق أن عاصره بحياته وردد: _أنا وهو والزمن مبقاش طويل بينا، وبقيت يا قاتل يا مقتول. انتفض سعد يحذره: _اسمعني وبلاش جنان، أنا لقيت مستندات مهمة أوي هتنفعنا صدقني، بس لازم تيجي المكتب حالا عشان نلاقي حل سوا. ضحك بسخرية وردد باستهزاء: _أنت بتحاول تسحبني من هنا بأي هري فاضي مش كده؟ أجاب الآخر بتأكيد:
_أبداً والله، ولو مش مصدقني هبعتلك نسخة من الورق عندك على الواتس أب… افتح واتأكد بنفسك. أنزل الهاتف من على أذنه وفتح ذلك التطبيق ليتفحص محتويات الأوراق بعناية وتجهم وردد بخفوت: _يا ابن الـ…ـكـ…ـا…ـلـ…ـب، هي الخيانة وصلت لكده؟ أعقبه سعد هاتفا: _أنا كمان مش مصدق، سيب اللي في إيدك وتعالى، أنا ونيللي جهزنا خطة متخرش المية، بس تعالى يا سيف الله يكرمك. لم يرد عليه، فاستجمعت نيللي جرأة وأخذت الهاتف من على أذن
زوجها عنوة وحدثته بتوضيح: _اسمع بس يا سيف، صدقني والله الحل اللي عندي هيعجبك ويحل كل المشاكل دي، بس تعالى وحياة دارين عندك. وافق على مضض ليترك موقعه، ولكن ليس قبل أن يؤكد على سعد الدين استمرار رجاله بمراقبة شهاب البدراوي وإخبارهم بكل تحركاته أولاً بأول. لا تبصم لأحد بأصابعك العشرة على ثقتك به… اترك إصبعاً واحداً على الأقل، فقد تحتاج أن تعضه ندماً يوماً ما على ثقة لم تكن بمحلها.
وصل لمكتب سعد الدين وحياه بتحية مقتضبة وردد وهو يلهث قليلاً من أثر انفعاله وغضبه: _عملت اللي قلتلك عليه؟ أجاب مؤكداً: _أيوه… المواجهة دي لازم يكون لها شهود، عشان كده أنا كلمت والدك والمأمور واللوا حامد وعماد ووائل كمان في الطريق. أماء برأسه متنهداً بعمق وحزن وأراح جسده على ظهر المقعد، فاقترب منه سعد يحفزه بثقة: _إحنا جنبك وفي ظهرك، متقلقش. تنهد باحتراق صدره وهتف بتوعد:
_مفيش حاجة كانت ممكن تخلصه من تحت إيديا غيرها يا سعد، دارين… هي اللي هتخليني اتنازل وأحط إيدي في إيده. حاول تهدئة ثورته فهو لا يريد أن يتنبه الخائن لما هو آتٍ فيتخذ حذره، فردد يؤازره: _أنا هخليه يتمنى الموت من اللي هيشوفه، بس الأهم إننا لازم نبقى إيد واحدة والكل جاي وعارف دوره وأنت لازم تمسك أعصابك عشان ميحسش بحاجة. أماء بصمت وهتف: _تمام، متخافش.
لم يمر الكثير حتى حضر الجميع وجلسوا جميعاً أمام الشاشة العملاقة لعرض الأوراق أو ما يعرف بـ (البروجيكتور) وتحدث سعد بعملية: _أنا لقيت مستندات مهمة جداً هتساعدنا نخلص حكاية شهاب دي نهائي.
لمعت عين الجميع بلهفة واستعجال لمعرفة ما هو آتٍ، فعرض صور لتلك المعاملات البنكية شبه المنتظمة لحساب بنكي يُرسل عن طريق أحد الممولين لشركات شهاب البدرواي إلى الحساب الشخصي للواء حامد الأسيوطي، فتجهمت ملامح الجميع بعد أن فهموا تماماً ما يعنيه ذلك، ليقف هو مبتعداً عن مقعده محاولاً الهرب من المواجهة والمغادرة. فوقف له وائل بالمرصاد وأمسكه من تلابيبه فصرخ به محذراً: _نزل إيدك، أنا رئيسك المباشر و… قاطعه طلعت بحدة وغضب:
_وإيه كمان يا خاين؟ ده أنت فضيحتك هتبقى بجلاجل في الداخلية. ابتلع لعابه بصعوبة ووقف مدهوشاً من تجمعهم حوله ونظراتهم التي أحرقته حياً، فحاول أن يشرح موقفه هاتفا برجاء: _بلاش تحكموا عليا من غير ما تعرفوا أنا مريت بإيه؟ صاح به طلعت وردد: _مريت بإيه يا حامد؟ ابني الوحيد في خطر وأنت بتتجسس لصالح الكلب ده! هدر به الأول موضحاً:
_وأنا برضه اللي خبيت عليه حكاية إن موته كان مزيف، وقلت فرصة أهرب من طلباته اللي ملهاش علاقة لا بالشغل اللي بينا ولا بالعقل، بس ابنك هو اللي استعجل عشان يرجع لحياته وشغله من قبل ما أقدر أنهي كل حاجة، يعني كنت بحاول أحمي ابنك يا طلعت. اقترب منه سيف ونظر له بغضب وردد: _وحضرتك بقا يا سيادة اللوا شايف إن بكده تبقى عديت العيب ولازم نسامحك عشان من وسط كل الخيانة دي مردتش تقوله إننا عايشين وممتناش مش كده؟
حاول شرح موقفه ولكن غضبهم جميعاً منه حال دون ذلك، ليقترب سعد مردداً بعملية: _سيبونا دلوقتي من الكلام ده وخلينا في المفيد. رمق وائل بحدة وغضب وسأله: _اللي هو إيه بقا؟ أجاب بإيجاز: _موضوع سيف ودارين لازم يخلص لأنه بدأ يهدده بأهله. التفت الجميع ناظرين لحامد وسعد يردد: _اللوا حامد هيساعدنا مقابل إننا منقدمش المستندات دي لمعالي الوزير. قوس حاجبيه وردد بثقة: _الورق اللي معاك ملوش أي نفع و… قاطعه سيف مؤكداً:
_بس ليه أضراره يا فندم… بمعنى إن لو القانون ميقدرش يثبت عليك الكلام ده ففي الآخر العيار اللي ميصيبش يدوش والوزير هيبقى عارف ومتأكد إنك خاين. علت أنفاسه وبح صوته وردد بتودد: _بلاش في أواخر أيامي تأذوني بالشكل ده. ابتسم سيف وردد بعد أن تأكد أن رسالته المحذرة قد وصلته: _يبقى تنفذ اللي هيطلب منك من غير رفض. أماء بصمت فجلس معهم وهم يتواردون أفكارهم عن كيفية الإيقاع بشهاب ومحاولة إنقاذ سيف وعائلته من براثن ذلك الذئب.
وقفت تتلفت حولها وهي تقف أمام البوابة بتردد، ولكنها بالنهاية تشجعت ودلفت بخطى ثابتة تجاه المصعد حتى وصلت للطابق المنشود. في نفس الوقت تعجب رجلا المراقبة عندما لمحاها تدلف للفندق، فردد أحدهما للآخر: _مش دي مرات سيف باشا؟ أجابه الآخر بالإيجاب: _أيوه هي، إيه اللي جايبها هنا؟ رفع الأول كتفيه بدهشة وردد: _مش عارف… تفتكر نبلغ المتر ولا نسكت؟ تنهد بحيرة وهتف:
_لا طبعاً لازم نبلغه، هو أمرنا بكده… أي كبيرة أو صغيرة بتحصل لازم يعرفها. أمسك هاتفه على الفور وحدث سعد باحترام: _أيوه يا متر. أجاب الأخير: _خير! أخبره بإيجاز عن تواجد دارين بمحيط الفندق بل ودخولها داخل أبوابه، فتجعدت ملامحه وهو يردد بهدوء مصطنع: _طيب خلوا بالكم وبلغوني بأي تطورات. أغلق الهاتف فاستشف سيف وجود خطب ما فسأله متوجساً: _إيه اللي حصل؟ ابتلع لعابه وتلثم وردد ببحة مختنقة: _ا… ا… ص… ص…
انزوى ما بين حاجبيه واقترب منه وأشار بيده بمعنى هات ما عندك وردد: _قول في إيه؟ أجاب أخيراً بعد أن استجمع شجاعة زائفة: _أصل دارين راحت لشهاب الفندق. طرقت بأنامل مرتعشة على الباب الذي يحمل نفس أرقام الجناح الذي أرسله لها على الهاتف، ففتح لها أحد حراسه ونظر لها من رأسها لأخمص قدميها، فتنحنحت بحرج هاتفه بوجل: _شهاب بيه موجود؟
استمع لصوتها من الداخل فاقترب من الباب ورحب بها بشدة وسحبها من يدها لتدلف لذلك الجناح الواسع، فترى تلك الفتاة التي تستعد للرحيل وتبدو نسخة مشابهة لها، فنظرت له بحيرة ليبتسم لها هاتفا بغزل: _بحاول أعوض غيابك عني، بس ولا واحدة قادرة تاخد مكانك في قلبي. غادرت الفتاة وهي تنظر لدارين بحيرة، فهي لاول مرة تستمع لغزل صريح من ذلك الرجل القاسي الذي يتعامل معهن على أنهن سلعة رخيصة تباع وتشترى.
أغلق الحارس الباب فانتفضت دارين بفزع ونظرت خلفها لتجد حراسه لا يزالان معهما بالجناح، فتنفست أخيراً الصعداء، فهي ليست بمفردها معه. اقترب منها أحد الحراس وحاول تفتيشها فهدرت بهم بحدة: _محدش يلمسني، محدش يقرب مني. ابتسم شهاب وأشار لهما بيده بالابتعاد واقترب منها هاتفا بصوت هامس: _صح… معاكي حق، محدش من حقه يلمس الجسم ده غيري أنا وبس، حتى سيف باشا مش من حقه.
رفعت بصرها على أعقاب جملته الأخيرة لتتجمد أطرافها خوفاً مما ينتويه، فهتفت بتوتر: _إحنا اتفقنا إنك هتسيبه في حاله هو وأهله!! أماء مؤيداً وردد بحدة: _بس تضمنيلي منين إنه ميلمسكيش تاني؟ أنا مبحبش حد يلمس حاجة بتاعتي. ابتلعت غصة جرحت حلقها وأدمته نزيفاً، فماذا ظنت هي فاعلة بهذا المكان برفقته؟ هل كون رجاله معه سيمنعه من الاقتراب منها أو التحرش بها جسدياً ولفظياً؟ ألم تدلف منذ ثوانٍ وتجد تلك الفتاة بالداخل بوجودهما؟
لعنت غباءها وتهورها، ولكنها عادت تؤكد لنفسها أن كل ما تفعله في سبيله هو وتضحيتها حتى وإن لم يتقبلها، فبالنهاية هي له، وله وحده. عاد أحد الحراس يحمل جهازاً أسود اللون بيده معروف بالكشف عن وجود أسلحة وقام بتمريره على جسدها وحقيبة يدها، فأصدرت أزيزاً عالياً ليتعجب شهاب وينظر لها بمعاتبة وسحب حقيبتها بالقوة وأخرج منها السلاح الذي بحوزتها وردد بأسف وحزن: _كده برضه يا قطة؟ عايزة تقتلينى؟ أطرقت رأسها
وعادت تنظر له وهتفت بحدة: _أنت عايز مننا إيه؟ حرام عليك سيبنا في حالنا. نظر لحراسه وأمرهما بغمزة من طرف عينه أن يغادرا، ففعلا على الفور بطاعة عمياء، فتوجست خوفاً ورهبة وعادت للوراء بجسدها، فابتسم بقراره نفسه من منظرها المرتعد وردد بمشاكسة: _إيه الخوف ده كله؟ ده أنا حتى سمعت إنك بطلة في الفنون القتالية! يعني بحركة واحدة منك تقدري تجيبيني الأرض.
اقترب منها أكثر بعد أن حاصرها بين جسده والحائط وأمسك خصلة من شعرها المجعد ولفها على سبابته وردد بفحيح كفحيح الأفعى: _أنا عايزك برضاكي مش غصب… ومش هقبل بأقل من كده، يعني باختيارك تسلميلي نفسك وإنتي راضية وموافقة. استجمعت أنفاسها الهاربة وهتفت بحدة تسأله: _والأ؟ ابتعد عنها خطوات قليلة وردد بزهو وهو واضعاً يديه بداخل جيب سترته: _والأ هتترحمى على الباشا وتحضريله الجنازة في عمر مكرم النهارده بعد صلاة الظهر.
تعجبت من طريقته الساخرة وكأنه يملك بيده زمام الأمور ومفاتيح الموت والحياة، فهدرت بضيق وغضب: _حرام عليك… ابعد عنا. لم يهتم وأدار وجهه عنها وردد بضيق: _قدامك دقيقة عشان تاخدي قرارك ولو عايزة تمشي أنا مش همنعك. تنفست بصوت مسموع وكان واضحاً للعيان أن ما تعانيه من تخبط أفكارها لا يوجد له حل، لتقرر بالنهاية أن الله قادر على حمايتهم جميعاً من ظلم هذا الذئب، فهتفت معلنة: _لا مش موافقة، أنا ماشية.
التفت ينظر لها بنظرة خبيثة وأماء دون تعقيب، ولكنها وقفت تردد بحدة: _هات المسدس. ضحك وضحك واقترب منها وأمسكها بحدة من ساعدها هاتفا: _أنتي فكراني غبي؟ عايزة المسدس ليه؟ أجابته بتوتر: _عايزاه… ومتخافش مش هموتك بيه، أنت متستاهلش تموت موتة سهلة كده. أماء مجدداً ببسمة غاضبة ونادى على حارسه هاتفا: _هات المسدس ده وريهولي! ناوله إياه فنظر لها بتمعن وردد متعجباً: _سلاح ميري!! يا ترى بتاع مين؟
نظر بعمق عينها وابتسم بانتصار هاتفاً: _جاية تقتلينى بسلاح جوزك الميري؟ أنتي متعرفيش إنك لو عملتي كده هو اللي هيلبس القضية حتى لو بصماتك على المسدس؟ لم تعِ تماماً ما ألقاه على مسامعها للتو فصرخت به هادرة: _أنت عايز إيه؟ هات المسدس خليني أمشي. ظل يقلبه يميناً ويساراً وكأنه يشاهد قطعة فنية لا مثيل لها وتحدث بإعجاب: _جميل أوي وشكله نوع محترم تسعة ملم، معظم الظباط بيفضلوا النوع ده عشان دقيق في التصويب والنيشان.
شد صمام الأمان وسحب رصاصة بداخل خزنته وهو يردف: _يعني من غير الواحد ما يحتاج يركز ممكن بسهولة يصيب بيه الهدف على طول من غير تفكير. رفع السلاح للجانب وأخرج طلقة سريعة منه فأصابت أحد الحارسين الخاصين به في جبهته فسقط صريعاً على الفور، ليبتلع الحارس الآخر بوجل وظل ناظراً للأرض لجثة زميله الغارقة بدمائه وشهاب يستطرد: _زي ما شوفتي كده مش محتاج نيشان.
كتمت صرخة كادت أن تخرج منها وهي تراه قد قتل أحد رجاله بدم بارد دون أن يرف له جفن، فابتلعت بذعر وبكاء واضعة يدها أعلى فمها تكتم شهقاتها، فاقترب منها وانحنى يقبل عنقها غير عابئ لا ببكائها ولا بذهول حارسه من فعلته تلك.
لم تكن بوعيها مما حثه على المواصلة بسحب عبيرها واستنشاقه وهو يقبل كل شبر من وجهها وعنقها حتى تيقظت حواسها للمساته المقززة، فصرخت وابتعدت عنه ممسكة إناء الزهور الموضوع على المنضدة وكسرته وأمسكت بنصله غارزة إياه بشريانها النابض على رسغها الأيسر وصرخت بانهيار: _لو قربت مني هموت نفسي. ارتعد قليلاً من تهديدها ولكنها عاد لثباته واقترب منها وهو يهتف بتحذير: _وتفتكري لو موتتي نفسك أنا هسيبه يعيش بعدك يوم واحد؟
بكت بانهيار فوجدته يتحرك ناحيتها وهو ممسكاً بسلاح سيف وردد بتوضيح: _موتي نفسك وأنا هخليه يتمنى الموت وميطلهوش يا دارين وتأكدي إني أقدر على ده. زاد من اقترابه حتى أصبح شبه ملاصق لها ومد راحته وسحب منها النصل الزجاجي بقوة لدرجة جرحت يده ويدها على حد سواء وألقاه بعيداً، ثم رفع سلاح سيف أمام وجهها وهتف بتهديد: _ده سلاح سيادة المعاون. وأشار لجثة الحارس الملقاة أرضاً وردد:
_ودي جثة الراجل اللي هو قتله بسلاحه الميري من غير وجه حق. مسح بصماته من على السلاح وألقاه أرضاً بجوار الجثة وردد: _وهو كده ومن غير بصمات محدش هيلبسها غير حضرة المعاون. رفعت يدها أمامه بتضرع، فاكمل بتشويق: _إلا لو…؟ رأى ملامحها المذعورة فأكمل زعزعتها هاتفا: _لو وافقتي تبقي ليا اعتبري مفيش أي حاجة حصلت ولا قتيل اتقتل والجثة هخفيها بمعرفتي. سحبها من خصرها أكثر واقترب من أذنها هاتفا بصورة مخيفة:
_لكن لو رفضتي هيلبسها ولو على الإثباتات… نظر لحارسه المذعور ومتسمراً أمام جثة رفيقه وأمره: _انزل امسح تسجيلات الكاميرات ووقفها كلها. أماء الأخير بطاعة وهرب من أمامه على الفور لينفذ مطلبه، فعاد شهاب محدثاً إياها: _يعني عشان لو مفكرة إنك ممكن تثبتي حاجة بالقانون والأدلة مثلاً! بكت وانهارت فسحبها داخل أحضانه وربت على ظهرها يهدئها وهتف بأذنها: _أنا عايزك أوي… وعشان تبقي ليا مستعد أحرق العالم ده كله وأحرقك إنتي أولهم.
ابتلعت غصتها الباكية وهو يكمل: _خدي قرارك بسرعة وحالاً مبقاش في صبر خلاص. مسحت وجهها بأناملها ورددت بانهيار: _حاااضر… موافقة، بس اديني وقت أرجوك مش هقدر أعمل حاجة حرام عشان خاطري. ردد بنبرة ظن أنها مثيرة لحواسها ولكنها بالحقيقة كانت مقززة لها: _قوليها تاني. نظرت له بحيرة فاقترب منها وردد: _قوليلي تاني عشان خاطري يا شهاب، عايز أسمع اسمي منك. بكت ورددت بصوت ضعيف: _عشان خاطري يا شهاب.
أعاد رأسه للخلف وكأنه تناول لتوه جرعة من الخمر المسكر وعاد ينظر لها بإثارة هاتفا بتأكيد: _اطلقي منه وهتجوزك. أماء موافقة فردد: _بس عايز عربون على اتفاقنا ده عشان تثبتيلي حسن نيتك. نظرت له بوجل فأعقب مفسراً: _مش هقدر أصبر لحد ما تتطلقي، على الأقل أدوق شفايفك.
أماء موافقة فاتسعت ابتسامته على الفور واقترب منها أكثر وأحكم قبضته على خصرها وأزاح شعرها المجعد بعيداً عن عنقها الذي أسكره حد الثمالة لمجرد استنشاقه، فشعر بتخمة من الانتشاء لمجرد سحب عبيرها بداخله وبدأ بتوزيع قبلاته على طول عنقها وسط بكائها المرير واستسلامها له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!